ما بعد النهاية
حين سكت السيف… وبقي الصدى
ساد الصمت بعد انطفاء المعركة.
لم يكن صمت نصر…
بل صمت شيء انتهى إلى الأبد.
الأرض التي شهدت سقوط ألثينا…
لم تعد أرض قتال.
بل أصبحت أرضًا تحتاج دفنًا.
لم يتأخر القرار.
تم جمع كل من سقط في تلك الحرب.
القتلة… السحرة… والجنود.
لم يُترك أحد خلف العار أو الكراهية.
فالجميع هناك…
كانوا ضحايا لعهدٍ أطول منهم جميعًا.
قرروا أن يكون الدفن في أرض المعركة نفسها.
كأنهم أرادوا أن تُغلق الدائرة حيث بدأت.
لكن بالنسبة لهم…
لم تكن النهاية هنا.
كان هناك اسم واحد فقط يتردد في الصمت:
نيمورا.
تم تجهيز موكب ضخم لموراليس.
لم يكن موكب انتصار…
بل موكب وداع.
سارت الجموع بصمتٍ ثقيل،
لا أعلام ترفرف،
ولا أناشيد تُقال.
فقط خطوات… وقلوب منهكة.
وعند وصولهم…
كان المكان قد تغيّر بدأت أثار اللعنة تسحب ببطء من الأرض.
اختاروا لجسد نيمورا مكانًا في وسط حقلٍ واسع من الزهور.
زهور لا تنتمي للحرب…
بل للحياة.
كأنهم يحاولون أن يعتذروا للطبيعة نفسها.
انحنى الجميع.
واحدة تلو الأخرى.
حتى الأرض بدت وكأنها تُصغي.
وُضع القبر في الوسط.
بلا زينة ملوك.
بلا ذهب.
فقط حجر بسيط…
يحمل اسمًا واحدًا:
نيمورا.
جلست إيلارا في حضن أريام قرب الحقل وصوت شهقاتها يكسر الصمت ، لم يستطع مواساتها لأنه كان بحاجة لها .
وبجانبهم وقفت ليوثارا حاولت بكل قدرتها أن تتماسك ولكن دموعها كانت تخونها جالت في مخيلتها كل ذكريات رحلتهم ،ذكريات مساندة نيمورا ، كانت أختهم ورفيقتهم وصغيرتهم المحببة.
حين انتهى الجميع…وانتهت مراحل الدفن .
بقي شخص واحد.
لم يغادر.
لم يتحرك.
داركسيس.
جلس عند رأس القبر.
كأن المسافة بينه وبين الأرض أصبحت بلا معنى.
لا أحد اقترب منه.
ولا أحد تجرأ على كسره.
أخرج خاتم الكهرمان.
الخاتم الذي لم يُفلت يدها حتى النهاية.
قبض عليه بقوة.
ثم انكسر صوته أخيرًا.
"كنتِ تقولين… لا تبكِ"
ابتسم بمرارة.
"وها أنا… لا أعرف كيف أفعل شيئًا غير ذلك"
مرّر يده فوق التراب.
ببطء.
كأنه يلمسها هي، لا الأرض.
"كنتِ دائمًا تتقدمين نحوي خطوة… وأنا متأخر خطوة"
توقف.
ابتلع صوته.
"هذه المرة… تأخرتِ أنتِ إلى الأبد"
انحنى قليلًا.
وأسند جبهته على القبر.
لم يعد قائدًا.
ولا محاربًا.
فقط إنسانًا فقد شيئًا لا يعود.
في الخلف…
كانت إيلارا تقف بصمت.
وعيناها محمرتان.
لكنها لم تبكِ بصوت.
فقط دموع هادئة…
تشبه الاستسلام.
اقتربت ليوثارا.
لم تعد كما كانت.
لكنها لم تنهار.
فقد أصبحت… الملكة.
ارتدت التاج.
ببطء.
كأنه لا يناسبها.
أو كأنه أكبر من عمرها كله.
التفتت نحو الجميع.
لكن عينيها بقيتا عالقتين في القبر.
"من اليوم…"
قالت بصوت منخفض لكنه ثابت.
"لن تسقط موراليس مرة أخرى"
لم يكن قرارًا.
بل وعدًا.
أما فاليمر…
فوقف بعيدًا.
ينظر إلى القبر بصمت.
ثم أغلق عينيه.
"لم يكن من المفترض أن ننتهي هكذا…"
همس.
لكن الريح وحدها سمعته.
اقتربت ليوثارا منه.
لم تتكلم كثيرًا.
فقط قالت:
"اختيارنا لم يعد لنا"
نظر إليها.
ثم أومأ.
ببطء.
"الممالك أهم…"
قالتها كأنها تقنع نفسها.
"حتى لو كلفنا ذلك كل شيء"
أنحى ببطء للأسفل وقال :" تحياتي جلالة الملكة "
أنحت هي أيضًا والدموع تنهمر من عينها .
ليوثارا:" ستكون هذة نهاية قصتنا ،يا أمير دارفال"
هزّ رأسة برفض وهو يمسح دموعها بيده:" لن تكون هذة النهاية أبدًا، سنعود وسأظفر بك جلالة الملكة "
لم يكن هناك وداع بينه وبين ليوثارا.
فقط نظرة طويلة…
كانت أكثر من أي كلمات.
ثم ابتعد.
كأمير دارفال.
وكوريث مملكة.
لا كحبيب.
وبقيت هي…
ملكة موراليس.
وبقيت الحقيقة الوحيدة التي لم تتغير:
أن بعض الحروب…
تنتهي بالنصر.
لكنها لا تنتهي بالنجاة.
وفي وسط حقل الزهور…
بقي قبر نيمورا.
هادئًا.
كأن صاحبه…
أخيرًا وجد السلام الذي لم يجده في الحياة.
ربما هذة نهاية القصة.......
كهرمان محمد