خريطة الممالك الخمس

خريطة الممالك الخمس

38 0

بعد انتهاء الفطور الملكي وتفرق الحاضرين، هدأت

القاعة تدريجيًا، ولم يبقَ فيها سوى بعض الخدم وهم

يجمعون الأطباق وينظّمون الكراسي استعدادًا لليوم الطويل.

في جناح الملكة سيلفارا نهضت بهدوء، ثم نظرت لي كبير الخدم الذي كان ينحني لها ويقدم التحية، وقالت بنبرة ثابتة:

"قبل الغروب بساعتين، أريد القاعة مُهيأة لاستقبال الضيوف من جديد… لا مجال للفوضى واستدعي الأميرات إلى جناحي.

كبير الخدم : أوامرك مجابة جلالة الملكة

وفي الممر الخلفي المظلل المؤدي إلى الحديقة الشرقية، سارت نيمورا بصمت، خطواتها لا تُصدر صوتًا تقريبًا، حتى توقفت عندما رأت الأمير داركسيس واقفًا قرب شجرة عتيقة سوداء الجذع، كأنها جزء من ظله هو.

لم ينظر إليها مباشرة، لكنه أدرك وجودها كأنه شعر بها قبل أن يراها. قالت بصوت منخفض:

"يبدو أنك لا تحب الجموع."

أجاب دون أن يلتفت: "الجموع تثرثر… والثرثرة غالبًا ما تخفي ما هو أهم."

اقتربت قليلًا، ووقفت بجانبه، تنظر إلى الساحة من علوٍ بسيط.

"كيف ترى حال الممالك؟"

أجاب بعد صمت: "العالم يتغير ببطء… لكنه ينهار بسرعة."

همست نيمورا: "سمعت عن اضطراب في طرق التجارة… وعن جليد يتمدد خارج حدوده."

ابتسم بخفة لا تكاد تُرى: "وممالك النار تشتعل من داخلها قبل أن يحرقها العدو."

تأملت ملامحه الحادة، ثم قالت:

"أحيانًا تتكلم وكأنك تعرف شيئًا لا يقوله الآخرون."

التفت نحوها أخيرًا، وعيناه تلمعان ببرود:

"وأحيانًا تصمتين وكأنك تسمعين ما لا يسمعه أحد."

لم تُعلّق، لكنه شعر أنها فهمت أكثر مما قالت. تركته يمضي، وكأن صمتهما حوار آخر لم يُنطق.

في الجهة الأخرى من الحدائق، كانت إيلارا تتمشى بين الأزهار. الهواء يحمل رائحة ياسمين وبنفسج وورد أبيض مجدول على الأقواس الحجرية. وقفت تتأمل زهرة بنفسجية نادرة، فأتاها صوت هادئ خلفها:

"تلك الزهرة نادرة جدًا سمعت أنها كانت تنمو في مملكة السحر وتُستخدم لعلاج الحمى لو أُحرقت أوراقها برفق."

التفتت لتجد الأمير إيليون، يحمل حقيبة صغيرة فيها بعض الأعشاب. نظرت إليه بخجل وابتسمت:

"ألم تملّ من النباتات بعد؟"

ضحك بصوت منخفض: "من يملّ من شيءٍ يعالجه ويغذيه؟"

سارت بجانبه بين الصفوف الخضراء، وقالت:

"أحب الزهور… أشعر أنها تفهم الناس أكثر من البشر."

توقف قرب صف من زهور حمراء دقيقة الأوراق، ثم قال وهو يرمقها بطرف عينه:

"بعض الزهور تشبه من يمرّ بينها و أنتِ كزهرة توليب نبتت وسط اللبلاب واكمل كلامة بتعجب عندما رآها تقطف زهرة "

"لماذا تنتزعينها من تربتها؟ ستذبل خلال أيام... دعي الجذور تحتضنها."

قالت إيلارا وهي تنظر للزهرة بين أصابعها

"أريد أن أضعها في فازة داخل القصر... رائحتها تجلب بعض السعادة."

إيليون :

"سعادة تُنتزع من جذورها لا تعيش طويلًا... سرعان ما تموت."

إيلارا :

"ومن قال إن السعادة خُلِقت لتبقى؟ كل شيء ذاهب... حتى الزهر"

أكملت كلامها وهي تتحرك من أمامة " حتى نحن سنموت واتوقع في القريب العاجل بعد أن تصلنا اللعنة "

وفي تلك الأثناء كانت ليوثارا تمشي في الرواق الحجري المؤدي إلى جناح الملكة سيلفارا. تراقب حرّاس القصر وهم ينقلون بعض الأسلحة للمستودع. لمحت فجأة فاليمر وهو يتفحص إحدى الدروع المعلّقة على الجدار وكأنه في سوق معادن همست في نفسها وهي تسير بإتجاه الدروع " ماذا يُريد ذلك المغرور "

و قالت بحدة وصوت عالي دون أن تتوقف:

"ألا تكفّ عن العبث بما ليس لك؟"

التفت نحوها مبتسمًا بثقة:

"أنا فقط أقدّر الحديد الجيد… ثم إنكم تتركونه دون حراسة تُذكر"

اقتربت منه بخطوات ثابتة:

"الذي يلمس ما لا يخصه قد يفقد يده."

ضحك بخفة وهو يضع يده على صدره متظاهرًا بالدهشة:

"أهذا تحذير أم دعوة؟"

ضيّقت عينيها وقالت:

"دعوة للسكوت."

مرّ بالقرب منهما أحد الفرسان، فمال فاليمر بجسده قليلًا ليهمس:

"لن يطول الوقت حتى تشتعلي من كلمة "

توقفت عن الرد، لكنه فهم من نظرتها أن الحوار لم ينتهِ بل تأجّل.

وفي جناح الملكة اجتمعت الأميرات وكانت ليوثارا آخر الواصلين ،عندما دخلت انحت للملكة التي كانت تجلس أمام طاولة ضخمة تعلوها خريطة مليئة بالتفاصيل.

الملكة سيلفارا:

"اسمعن جيدًا… ما سيحدث بعد اجتماع الليلة لن يبقيكن داخل موراليس. ستغادرن مع وفود الأمراء، والجهل بممالكهم ضعف لا أسمح به."

أشارت إلى مركز الخريطة، حيث لون داكن على شكل قلب تتفرّع منه طرق قديمة:

سيلفارا:

"هنا... موراليس. قلب الممالك وبداية كل شيء. مملكتكن، ومستقبلها يعتمد عليكم.

ليوثارا (بثقة):

"ومن دون هذا القلب… يموت الجسد."

ابتسمت الملكة بخفة ثم حركت العصا إلى الجهة الغربية، حيث أرض مائلة للبني الداكن:

اسيلفارا:

"هذه مملكة فالدار… أرض القوة والدم والسيوف. شعبها لا يساوم ولا يعتذر. وريثها فاليمر، شجاع… متهور، يتصرف قبل أن يُفكّر "

نيمورا (بهدوء ساخر):

"ذلك النرجسي الذي يبتسم وكأنه لم يخسر معركة في حياته؟"

سيلفارا:

"ذلك بالضبط… لكن التهور ليس عيبًا دائمًا، بل قوة حين يُوجّه."

ثم نقلت العصا إلى الجهة الجنوبية، حيث اللون الأخضر الفاتح يلتف حول نهر مرسوم بخط أزرق رقيق:

سيلفارا:

"لورافين… أرض الجمال والهدوء. يُرسلون الأناشيد بدل الجنود، ويملكون من السحر الناعم ما يعجز عنه الحديد. وريثهم إيليون… عالم بالأعشاب، بطيء الغضب، مُخادع بالصمت."

إيلارا (همست):

"صوته يشبه الماء… لا تدري أهو حنون أم عميق أكثر مما يجب."

انتقلت الملكة شمالًا حيث مساحات بيضاء

تغطي القمم:

سيلفارا:

"أركتوريس… مملكة الجليد والعقول الحادة. البرد عندهم لا يقتل بل يختبر. مندوبهم الآن هو داركسيس، أصغر أبناء الملك داركيل … لكن لا تُخطئن الحكم بطول الظل أو قِصر العمر."

نيمورا (تنظر للخريطة دون رمشة):

"الثلج يُخفي أكثر مما يكشف."

وأخيرًا، حركت الملكة العصا إلى أقصى الشرق، نحو جزيرة تحيط بها أمواج مرسومة بالفضي كانت أبعدالأراضي عن موراليس يفصلها بحر ضخم :

سيلفارا (نبرتها تتباطأ):

"أرض الحور… ليست مملكة لكنها أقدم من الممالك كلها. تحكمها كاليزار، وحكمها يمرّ عبر تلك العجوز… آن. عمرها يتجاوز ما كُتب في السجلات."

ليوثارا (استغربت):

"وهي البداية؟"

سيلفارا:

"وأنتم ستذهبون إليها أولًا. الأرض التي ترفض الجميع… قد تُرغم على الاستماع أخيرًا وتلك الشمطاء (آن) تعلم الكثير ".

إيلارا (بتردد):

"سنغادر مع الأمراء؟"

سيلفارا (تنظر لهن بعينين واثقتين):

"ستذهبن ليس كضيوف… بل كوريثات. الحل الذي يبحث عنه العالم لن يبقى في موراليس، بل يبدأ من خارجها."

ليوثارا همست:

"ومن لا يستمع… سنجعله يسمع بالقوة ".

سحبت الملكة الخريطة ولفّتها ببطء، وقالت بنبرة تُشبه الختم:

"الليلة الاجتماع والتحرك لأرض الحور سيكون بعد ان تأتي القافلة التي أرسلتها للاستكشاف استعدن… فالطريق لن يرحم الجاهل."

إيلارا هامسة بسعادة لنفسها القافلة ستعود وأخيرًا

بدأت خادمات القصر بتزيين القاعة الكبرى بالشموع والستائر المطرزة. انتشرت همسات بين الخدم عن سبب الاجتماع، وتضاربت الحكايات بين من قال إنه احتفال آخر، ومن قال إن الليلة تحمل شأنًا سياسيًا خطيرًا.

في جناح الأميرات، دخلت إحدى الخادمات لتخبرهن أن الاجتماع سيبدأ .

ومع آخر ضوء للشمس، دُق جرس خافت في أروقة القصر، الليلة لن تكون كسابقتها…

وأن ما سيُقال في الاجتماع قد يفتح بابًا لم يكن أحد مستعدًا له بعد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سُلالة منسية

المؤلف كهرمان محمد
2025/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (41)
الفصل 23: رائحة الورد
2025/11/15
الفصل 1: أحتفال العقد الثاني
2025/10/03
الفصل 2: وصول سفراء العروش
2025/10/03
الفصل 3: نيران الفجر
2025/10/04
الفصل 4: خريطة الممالك الخمس
2025/10/04
الفصل 5: أجتماع اللعنة
2025/10/05
الفصل 6: شرارة الرحيل
2025/10/06
الفصل 7: وصول القافلة
2025/10/06
الفصل 8: أنين الوريثة
2025/10/07
الفصل 9: رياح الرحيل
2025/10/08
الفصل 10: المرأة المجهولة
2025/10/09
الفصل 11: أرض الحور
2025/10/10
الفصل 12: قوة جديدة
2025/10/12
الفصل 13: أسرار آن
2025/10/13
الفصل 14: أخطبوط الدامبو
2025/10/14
الفصل 15: السيف الملعون
2025/10/16
الفصل 16: ألثينا
2025/10/19
الفصل 17: ساحرة من نسل ملكي
2025/10/23
الفصل 18: موسم البحر
2025/10/26
الفصل 19: كتاب قديم
2025/11/02
الفصل 20: لورافين
2025/11/05
الفصل 21: رحلة جديدة
2025/11/07
الفصل 22: على ظهر الموج
2025/11/11
الفصل 24: أرض السّلام
2025/11/17
الفصل 25: فلوريان
2025/11/19
الفصل 26: حب جديد ... أو أهتمام سياسي؟
2025/11/28
الفصل 27: أرض الثعابين
2025/12/02
الفصل 28: ما بين اللطف والاشتباك
2025/12/15
الفصل 29: زهور الفاوانيا
2026/01/02
الفصل 30: عبور الممر الجنوبي
2026/02/08
الفصل 31: رونسبور
2026/02/10
الفصل 32: ألمسخ
2026/02/12
الفصل 33: اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
2026/02/16
الفصل 34: إعلان حرب
2026/02/25
الفصل 35: "بداية العاصفة"
2026/03/07
الفصل 36: ملح أسود
2026/03/12
الفصل 37: العيون البيضاء
2026/03/16
الفصل 38: أقتربت ألنهاية
2026/03/28
الفصل 39: نهاية سُلالة منسية
2026/04/10
الفصل 40: ما بعد النهاية
2026/04/11
الفصل 41: إهداء بسيط
2026/04/11

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة