الفصل الحادي عشر: أرض الحور
بعد مضيّ بعض الوقت، رست السفن على ضفاف أرض الحور.
ترجّل الأمراء من السفينة ووقفوا على اليابسة، تتنفس صدورهم أخيرًا هواءً بلا ملوحة.
قالت إيلارا وهي تمد ذراعيها بتنهيدة ارتياح:
"وأخيرًا... اليابسة!"
وقبل أن يتقدموا خطوة، تقدّمت نحوهم امرأة حسنة المظهر، ذات ملامح هادئة وهيئة رسمية، ثم انحنت باحترام وقالت بصوت رنّان:
"أرض الحور ترحب بكم، ضيوفنا الكرام."
تمتمت ليوثارا بصوت منخفض يكاد لا يُسمع:
"يُصرّون دائمًا على الظهور بمظهر أصحاب الفضل..."
تابعت المرأة بلباقة:
"تفضلوا، الملكة كاليزار بانتظاركم."
تحرك الوفد معها بخطوات ثابتة، تعلوهم نظرات الفضول والترقب.
دخلوا قاعة فخمة تتخذ من البحر طابعها الأساسي؛ الجدران مزينة بأصدافٍ لامعة ولون مائل للفيروزي، والسقف يعكس ظلال الماء المتراقصة. في مقدمة القاعة ارتفع عرش ضخم مزين بالأصداف البحرية والمرجان المصقول، وعلى جانبيه يقف حارسان عريضا المنكبين، تعلو ملامحهما الصلابة والصرامة.
جلست على العرش امرأة فاتنة الجمال، ترتدي ثوبًا يكشف من جسدها أكثر مما يستر، مثل أغلب نساء القصر والخادمات اللواتي ازدانت ملابسهن بزخارف ملفتة تتراقص مع الحركة. يتوسط رأس الملكة تاج من اللؤلؤ، وتحمل في يدها صولجانًا ذهبيًّا مرصعًا بالصدف.
في تلك اللحظة، حاولت نيمورا استشعار هالة المرأة الجالسة على العرش، فأغمضت عينيها لثوانٍ وهمست في داخلها:
"كما توقعت... هالة بحرية قوية جدًا."
نهضت الملكة من على عرشها بخطوات محسوبة، تقطر ثقة وتعاليًا، ثم وقفت أمامهم وتحدثت بنبرة لا تخلو من العجرفة:
"مرحبًا بالأمراء الكرام."
ثم حرّكت بصرها نحو داركسيس تحديدًا، وابتسامة متعمدة ترتسم على فمها:
"آه... ما زلتَ وسيماً كما عهدتك، يا أمير أركتوريس."
رفع فاليمر حاجبيه بدهشة وقال مستغربًا:
"هل تعرفان بعضكما؟"
أجاب داركسيس باقتضاب:
"نعم، كان بيننا بعض التعاهدات سابقًا."
تقدّم الوزير ماريل وبدأ بتقديمهم واحدًا تلو الآخر، بينما اكتفت كاليزار بالابتسام وإيماء رأسها بخفّة وهي تلقي تحية بروتوكولية قصيرة.
أشارت كاليزار بيدها بخفة متعالية وهي تستدير مبتعدة عن العرش: "تفضلوا... لا يليق بضيوفنا أن يقفوا طويلًا بعد سفرٍ كهذا."
تحركوا خلفها عبر ممر واسع تكسوه أرضية لامعة كأنها رُطبت بماء البحر، وعلى الجانبين انتشرت مشاعل زجاجية يتراقص فيها ضوء أزرق باهت.
كانت خطواتها هادئة لكن متعمدة، وكأن كل حركة محسوبة لتُظهر هيبتها. بين الحين والآخر تلتفت جانبًا نحو داركسيس وحده، وكأن باقي الوفد مجرد تفاصيل غير مهمة.
همست ليوثارا بسخرية وهي تتظاهر بالنظر إلى أحد الأعمدة: "لو استطاعت لحملت الأرض تحت قدميه لتتفاخر بها."
كتم فاليمر ضحكة قصيرة، ثم تمتم بتهكم لا يخلو من المتعة: "أخشى أنها ستقدم داركسيس على طبقٍ مطلي باللؤلؤ ، ونظراتها لم تتحرك عنه "
تابعوا السير حتى بلغوا قاعة طعام واسعة ذات سقف مرتفع، تتدلى منه أشكال زجاجية شفافة تشبه فقاعات البحر. امتدّت طاولة طويلة تلمع فوقها أوانٍ فضية .
وقفت كاليزار عند المدخل، ثم التفتت إليهم قائلة ببرود " "تنويه بسيط قبل الطعام... جدتي العظمى، السيدة آن، نائمة الآن في جناحها الخاص. لا يجرؤ أحد على إيقاظها أو الاقتراب من غرفتها دون إذن شخصي مني. هذا القصر يعرف تمامًا من يُسمح له بالحركة ومن لا."
ساد الصمت لثوانٍ، كأن الاسم وحده يملك سلطة تفوق سلطة الملكة نفسها.
تقدمت كاليزار بخطوات هادئة وتابعت متباهية وهي تشير للمقاعد: "اجلسوا حيث يناسبكم... وسنُحضِر ما يليق بمقامكم."
داركسيس جلس دون أن يرفع نظره نحوها، وكأن كلماتها انزلقت عليه دون أن تترك أثرًا، مما أشعل في عينيها لمعة غامضة لم تُخفَ عن أحد.
جلست كاليزار على رأس المائدة، متكئة ببطء على ذراع العرش القصير الجانبي، ثم مالت برأسها قليلًا نحو داركسيس الذي جلس على مقربة منها. رفعت كأسها المصنوع من البلور البحري وقالت بنبرة حيادية ظاهريًا، لكن بداخلها غاية لا تخفى:
"داركسيس... مرت أعوام منذ آخر مرة سمعت فيها أخبار أركتوريس. كيف حال شقيقك الحاكم وزوجتة(ميا)؟"
رفعت ليوثارا رأسها بفضول واضح، فيما توقفت يد أريام عن تقليب الطعام دون أن يعلّق. أما نيمورا فاكتفت بالمراقبة بنصف ابتسامة لا تُفهم.
أجاب داركسيس بهدوئه المعتاد، غير مكترث بنظراتها الساعية لكل كلمة: "أخي بخير كما عهدتيه. منشغل بشؤون المملكة وحدودها، ولا يحب مغادرة العرش كثيرًا."
ابتسمت كاليزار ابتسامة جانبية وكأنها تحاول قراءة ما بين السطور، ثم قالت: "غريب أنه لم يحضر. توقعت أن يكون هو من يأتي بدلًا منك... فهو لا يدع الفرص السياسية تمر بسهولة."
رد داركسيس بنبرة قاطعة تحمل احترامًا رسميًا دون مودة: "لم تكن هذه زيارته، بل مهمتي. ثم إن وجودي يكفي لتمثيل أستيريون في هذا التحالف المؤقت."
أجابت بصوت أكثر انخفاضًا: "أستيريون لا يُرسل إلا الأشد نفوذًا عنده... هذا يعني أن مكانتك ما زالت محفوظة عنده."
أجاب دون أن يلتفت إليها: "المكانة تُثبت بالأفعال لا بالترف. ونحن هنا لأجل مهمة، لا استعراض."
ساد لحظات صمت قصيرة، تخللتها حركة ملاعق وهمسات خدم، قبل أن تتابع كاليزار محاولة تغيير نبرة الحوار: "أبلغْه تحياتي عندما تعود. فآخر تعاهد بيننا كان... حافلًا."
قال فاليمر بخبث واضح وهو يقطع قطعة من السمك : "أأنتِ متأكدة أن الحديث عن التعاهد... وليس عن شيء آخر يا جلالة الملكة؟"
نظرت إليه كاليزار بنظرة باردة لكنها احتفظت بابتسامتها، بينما خفف داركسيس حدة التوتر بجملة مقتضبة: "لننهي الطعام أولًا... فالكلام بعد الشبع أوضح."
كهرمان محمد