وكأنهم انسحبوا لعالم آخر أصوات القتال بدأت تختفي، وظهرت أمامهم صور متقطعة تجول في ذهنهم وكأن جسدهم في مكان وروحهم في مكان أخر .
بدأت بصورة قصر ضخم مزين بزينة رمادية اللون وجدرانة منقوش عليها ترانيم كثيرة ، في باحة القصر كانت تجلس فتاة ذات جسد نحيل متناسق ووجها يبث بهاء وجمال وكانت تقطر سعادة واضحة ، اقتربت منها خادمة وقالت جلالة الأميرة ألثينا الحاكم يطلبك .
هنا صدمت الفتيات اهذة المرأة أمهم بالفعل؟ ولكنها مختلفة وبشكل أخر .
إنتقلت الصورة لداخل القصر كانت تقف ألثينا مع رجل يبدوا انه والدها الحاكم إنه والدها الساحر أرهانس!!.
صوته تردد كصدى بعيد:
"خيط البداية… ليس قوة… بل حكم"
ألثينا:" لكنك يا والدي تسيطر على جميع الممالك بالخوف إنهم يخشونك "
أرهانس: "من يملكه… لا يُهزم ، ويا أميرتي الخوف قد يتحول لقوة تدمر "
وقفت ألثينا أمامه، صغيرة… لكنها عنيدة.
"إذن لماذا لا تأخذه؟"
ابتسم ابتسامة باردة.
"لأنه… يحتاج إلى انكسارٍ عظيم"
أكمل بضحكة :" وهو تفرقة الممالك ورسم الحدود "
تغيرت الصور في عقل الفتيات بسرعة
ومضة.
ضحكة.
صوت خطوات.
ثم—
هو.
وقف عند مدخل القاعة.
ملامحه غير مألوفة… حتى كاد القلب يختنق.
انحنى الرجل وقال :"داڤير ، انا داڤير وريث موراليس، أسعد بحضوري اليوم لك "
عيناه ثبتتا عليها.
وكأن العالم كله توقف بين نظرتيهما ، نظرات هيام تكونت بين ألثينا وداڤير .
تتابعت الذكريات الآن أسرع… لكنها أوضح.
رسائل.
أوراق تُطوى بعناية ، تُرسل بالسر بين داڤير والثينا
حبر يجف ببطء.
أصابع ترتجف وهي تكتب.
"اشتقت إليك"
"متى تعود لزيارتي "
"القصر فارغ بدونك"
ثم…
رد.
"قريبًا"
"سآتي… حتى لو أشعلتُ حربًا من أجل الحصول عليك "
تبتسم.
تصدق.
تنتظر.
تعيش… على الوعد.
بدأ الحب ينمو.
ليس كشرارة…
بل كشيء بطيء، عميق، يتسلل إلى كل تفصيلة، كأن حبًا محرمًا
كانت تتحدث عنه.
تفكر فيه.
تحكي له…
أكثر مما يجب.
أكثر مما ينبغي.
عن السحر.
عن العائلات.
عن نقاط الضعف.
عن حجر الروبي.
عن السيوف التي إن مُسّت بتعويذة معينة… تقتل نسلًا ملكيًا.
لم تكن تخون والدها أو مملكتها
كانت تثق به فقط .
وهذا… كان الخطاء ،رمت باسرار مملكة السحر بين يدي معشوقها.
ثم—
المرآة.
وقفت أمامها.
حملتها بيديها.
ابتسمت، بخجلٍ خفيف.
وكتبت:
"لتتأمل جمالك" وأرسلتها بالسر إلى موراليس
ضحكت بخفة لأنها كانت مرآة سحرية كتبت التعويذة عليها بنفسها لكي تراقب معشوقها ، حبها وصل لمرحلة الهوس
وهي لا تعرف…
أنها كتبت نهايتها.
في الجانب الآخر…
جلس داڤير.
وضع المرآة أمامه.
نظر إلى انعكاسه.
ابتسم.
لكن صوته—
لم يكن لها.
"سندخل من الداخل"
صوت آخر:
"هل أنت متأكد منها؟"
ضحك داڤير.
ضحكة باردة.
خالية.
"إنها أعطتنا كل شيء"
"الأسرار… الحماية… حتى نقاط ضعفهم ، تلك البلهاء ابنت الساحر اللعين "
صمت لحظة.
ثم قال:
"السحرة… انتهوا ، سأكون انا المسيطر ، خيط البداية سيكون في جعبتي عما قريب "
" كل الممالك ستتعاون معي للخلاص من السحرة وبعدها سيقعون هم أيضًا في الفخ وسأكون الأقوى "
في تلك اللحظة—
لم تصرخ ألثينا.
لم تبكِ.
لم تتحرك.
فقط…
توقفت.
كأن شيئًا داخلها…
انطفأ.
ثم—
النار.
لم تبدأ فجأة.
بل ببطء.
كأن العالم يحترق… دون استعجال.
السماء تحولت إلى رماد.
الأرض تشققت ، الفتيات شعرن بالرعب من كم الذكريات والحقائق الهائل الذي يدور أمامهم
والصراخ—
كان في كل مكان.
دخلت الجيوش.
ليس كأعداء…
بل كحكمٍ نهائي.
السحرة سقطوا.
واحدًا… تلو الآخر.
بسهولة مرعبة.
كأنهم كانوا ينتظرون هذا.
ركضت ألثينا.
قدماها لا تشعران بالأرض.
صوتها مكسور:
"توقفوا!"
لكن لا أحد سمع.
أو لم يُرِد أن يسمع.
دخلت القصر.
وجدته—
واقفًا.
أرهانس.
لم يعد حاكمًا الآن.
بل رجل… خاسر.
نظر إليها.
وكانت تلك أول مرة…
ترى الخوف في عينيه.
قال:
"اختفي"
هزّت رأسها.
"لن أتركك!"
اقترب.
أمسك كتفيها
"اسمعي جيدًا"
"إذا بقيتِ… سيموت كل شيء بلا معنى"
"إذا عشتِ… قد يتبقى شيء"
صمت.
ثم قال الكلمة التي ستلاحقها للأبد:
"عيشي "
" لقد طلبت المساعدة من آن لكي تأمن وجودك انتِ وبعض السحرة "
وبالفعل بدأت بالهروب
ثم—
دخل داڤير.
سيفه… أحمر.
خطواته… ثابتة.
وقف أمام أرهانس.
ترددت لحظة.
واحدة فقط.
ثم—
ضرب.
سقط أرهانس.
لكن—
في اللحظة نفسها…
توقف داڤير.
اتسعت عيناه.
تراجع خطوة.
ثم—
سقط.
ميتًا.
كما لو أن الموت…
كان ينتظره.
صوت داخلي، كهمس قديم:
"من يقتل نسلًا ملكيًا بالروبي… يموت معه"
حتى النصر…
كان لعنة.
ثم—
الماء.
بدأ من الأرض.
ارتفع.
ببطء.
ثم أسرع.
ثم ابتلع كل شيء.
القصور.
الدماء.
الذكريات.
صوت بعيد:
"الفناء… يجب أن يكون كاملًا"
وقفت ألثينا.
وحدها.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
فقط… نظرت.
ثم أغمضت عينيها.
وعندما فتحتهما—
لم تكن نفس الشخص.
ومع سقوط أرهانس وداڤير في اللحظة ذاتها…
مات معهما السر.
خيط البداية—ذلك اللغز الذي سالت لأجله الدماء—اختفى، وكأنه لم يوجد قط.
ظنّت الممالك… أنها انتصرت.
ظنّوا أن بإبادة أرض السحر، قد اقتلعوا جذور الخراب من العالم، وأنهم أخيرًا وضعوا نهاية لكل ما يخشونه.
لكنهم لم يدركوا…
أن بعض النهايات، ليست إلا بداياتٍ أكثر ظلمة.
اجتمع ملوكهم، وبدافعٍ من الخوف لا الحكمة، قرروا دفن ما تبقى من أثرٍ لتلك القوة.
دُفن السيف—المشحون بلعنة الروبي—في أرضٍ قاحلة تُعرف بـ أرض الثعابين، حيث لا حياة تدوم، ولا أثر يبقى.
وأُحيط بتعويذةٍ قديمة، تحرسها كائنات الأرض نفسها…
ثعابين لا تنام، ولا ترحم.
تعويذة تمنع دخول أي ساحر من نسلٍ صافٍ،
ولا تسمح بعبوره إلا لملكٍ يحمل دم الحكم.
وهكذا… ظنّوا أنهم أغلقوا الباب.
أما "آن"…
رفعت يديها نحو السماء، واستدعت قوى مملكتها،
قوى لا تُرى… لكنها قادرة على محو ما تبقى.
ارتفع الماء.
ببطءٍ أولًا…
ثم بلا رحمة.
ابتلع الأرض.
القصور.
الأجساد.
والذكريات.
حتى لم يعد هناك ما يدل على أن مملكة السحر… وُجدت يومًا.
وبرّرت فعلتها بصوتٍ بارد:
"لكي نضمن عدم وجود أي سحر " ولكن ما كانت تخفية هو أن هذا الفعل آخر ما طلبة أرهانس منها
ظهرت ألثينا من بين الخراب.
لم تعد تلك الفتاة.
لم تعد حتى ما كانت عليه قبل لحظات.
كانت شيئًا آخر.
شيئًا يقف بين الحياة… والانكسار.
جمعت ما تبقى من السحرة—أطفال، جرحى، بقايا أرواح—
واستخدمت كل ما تبقى لديها من قوة لتحميهم.
أخفتهم.
خبأتهم في أماكن لا يصلها أحد.
كأنها… تحاول أن تؤجل النهاية.
أو تعاندها.
لكن القوة…
لم تكن بلا ثمن.
كل تعويذة أطلقتها… كانت تسحب منها شيئًا.
كل حياة حمتها… كانت تسرق من روحها جزءًا.
حتى—
بدأت تتلاشى.
اجتمع السحرة حولها.
بقايا من بقي.
لم يستطيعوا إنقاذها…
لكنهم استطاعوا أن يؤجلوا سقوطها.
أدخلوها في ثباتٍ سحري.
نوم… بلا زمن.
بين الحياة والموت.
ومرت السنوات.
طويلة.
صامتة.
قاسية.
حتى—
استيقظت.
لكن ليس في جسدها.
فتحت عينيها… داخل جسد فتاة.
اسمها…
سيلفارا.
لم تعد ألثينا كما كانت.
لكنها… لم تختفِ.
بل عادت…
باسمٍ جديد.
بوجهٍ جديد.
وبقلبٍ لم يعد يعرف الرحمة.
كان هدفها واضحًا:
الانتقام… والسيطرة على خيط البداية.
لكنها لم تكن حرة.
لم تكن حية… بشكلٍ كامل.
كانت مربوطة بلعنة.
بقاءها… يعتمد على شيء واحد:
القلوب.
قلوب من يحملون دم الحكم.
وفي طريقها…
وصلت إلى مملكة موراليس.
إلى وريثها…
فالدار.
لم تهاجمه.
لم تكشف نفسها.
بل اقتربت…
ببطء.
بنعومة.
كهمسٍ لا يُخاف منه.
أغوته.
دخلت حياته.
أصبحت ظلّه…
ثم صوته…
ثم شيئًا لا يستطيع الابتعاد عنه.
وكان أول ما أخذته—
قلب والده.
في صمتٍ تام.
دون أن يعلم أحد.
استيقظت المملكة على ملكٍ ميت…
ووريثٍ متوَّج.
أصبح فالدار ملكًا.
وأصبحت هي…
أقرب إليه من أن تُمس.
ثم—
عشيقته.
ثم—
زوجته.
أنجبت.
طفلًا.
وريثًا.
وفي اللحظة التي كان يفترض أن تكون بداية حياة…
كانت بالنسبة لها…
وسيلة للبقاء.
أخذت قلبه.
دون تردد.
ثم—
فالدار.
نظر إليها…
بثقة.
بحب.
بكل ما تبقى من إنسانية في هذا العالم.
ولم يشك.
حتى اللحظة الأخيرة.
وعندما سقط…
كانت قد أصبحت كل شيء.
ملكة.
قوية.
مهابة.
لا يُنازعها أحد.
لكن…
في مكانٍ ما داخلها—
بقي شيء.
عندما نظرت إلى بناتها…
لم ترَ مجرد وسيلة.
لم ترَ فريسة.
لم ترَ قوة.
رأت…
شيئًا لم تستطع تسميته.
اقتربت منهن.
مدّت يدها.
لمست وجوههن.
ببطء.
بحذر…
كأنها تخاف أن تختفي.
وقالت:
"أنتم قوتي…"
ثم، بعد لحظة صمتٍ طويلة، أعمق من كل ما سبق—
همست:
"أنتم… روحي"
وفي تلك اللحظة—
تحطم شريط الذكريات.
عاد الصوت.
عاد الألم.
عاد العالم.
شهقت الأميرات.
كأنهن عدن من موتٍ بطيء.
مازال جسدهم مجمد وكل ما كان يدور في رأسم هو الشفقة الخوف والدمار ، حاولت ألثينا الاقتراب منهن أكثر ولكن جسدها انتفض بقوة للخلف ودائرة السحرة من حولها بدأت تضعف .
العالم من حولهن انفجر من جديد بالصراخ والحديد.
دوّت الأبواق.
وارتجّت الأرض تحت وقع أقدامٍ جديدة.
فاليمر… وصل.
اندفع بجيشه كالإعصار،
وفي يده ما غيّر مجرى المعركة.
الملح الأسود.
سُلّم إلى إيليون.
حُضّرت الخلطة.
وُزعت على الجنود.
ودُهنت بها السيوف.
وعندما التقت بالعدو—
حدث ما لم يتوقعه أحد.
اهتزت أعين جنود موراليس.
تلاشى البياض.
عاد السواد.
عاد الوعي.
سقط أحدهم صارخًا:
"ماذا… فعلنا؟!"
آخر ألقى سيفه.
ثالث تراجع.
بدأ الجيش…
ينهار من الداخل.
السحرة تراجعوا.
قوتهم ضعفت.
دوائرهم انكسرت.
وألثينا—
لأول مرة…
تراجعت.
خطوة واحدة فقط.
لكنها كانت كافية…
لتعلن أن النهاية—
اقتربت.
كهرمان محمد