حلَّ الصباح أخيرًا، يتسلّل ضوءه الذهبي بين نوافذ
القصر الوردية، معلنًا بداية يوم بدا أثقل من الأيام السابقة.
كانت رائحة الخبز الساخن وشاي الأعشاب تعبق في الممرات، كأن القصر نفسه يحاول تهدئة التوتر الذي سبق الليلة الماضية.
في قاعة الطعام، اجتمع معظم أفراد المجموعة حول المائدة الطويلة.
نيمورا وصلت أولًا، يتبعها فلوريان بصمته المعتاد، ثم جلست إيلارا وليوثارا وكل منهما في حالها؛ إيلارا بكامل حيويتها، أما ليوثارا فكانت تنظر إلى كوبها بلا تركيز، وكأن عقلها يجري سباقات خاصة به.
لكن مقعدين كانا فارغين… ثم ثالث ورابع.
نظرت نيمورا باستغراب:
"لورين لم تأتِ بعد؟"
تنهد إيليون وهو يضغط أصابعه فوق الطاولة:
"هي… ليست في مزاج جيد هذا الصباح"
رفعت إيلارا حاجبها:
"ماذا أصابها؟"
هزّ رأسه ببطء:
"بالأمس عندما علمت أننا سنتجه لأرض الثعابين طلبت مرافقتنا ، لكن لا يمكن تعريضها لهذا الخطر، فرفضت. ومنذ ذلك الحين وهي ترفض حتى فتح باب غرفتها"
علّقت ليوثارا دون أن ترفع عينيها:
"طبيعي ،لورين لا تحتمل فكرة استبعادها"
لكن المقعدين الآخرين؟
سألت نيمورا بفضول ممزوج بالقلق:
"وماذا عن داركسيس وأريام؟ لم أرهما منذ الفجر"
أجاب فلوريان، وقد لمح الأمر قبل الآخرين:
"كانا في الساحات الخلفية مع فرسان لورافين… لقد شرعوا في التجهيز للخطة البديلة "
إيلارا تهمس:
"دائمًا هكذا… سرية ووجوه جدية!"
ضحكت نيمورا بخفوت، لكن قلقًا خفيفًا مرّ في صدرها.
وكأن إيليون قرأ ما تفكر به، قال بهدوء:
"هما يحضّران خطة بديلة، على ما يبدو وهذا أفضل حل ،سمعت أريام يتحدث عن تجهيز قوة صغيرة ترافقنا حتى حدود الممر، فقط لتقليل أي خطر محتمل"
رفعت ليوثارا رأسها فجأة، وكأن الكلام أعاد إليها شيئًا من حياتها:
"جيش صغير؟ هذا يعني أنهم لا يثقون بالطريق أو أنهم يتوقعون هجومًا"
فلوريان بهدوءه المعتاد:
"الاحتياط ليس سوء ظن ،أرض الثعابين… لا أحد يعرف كيف ستستقبلنا هذه المرة"
تبادلت الأعين نظرات صامتة، واختلفت التوترات في الوجوه
وفجأة فتح باب القاعة بقوة خفيفة، فالتفت الجميع.
دخل داركسيس وأريام، ووجوههما تحمل مزيجًا من الإجهاد والصلابة.
قال داركسيس وهو يسحب مقعده:
"آسفين على التأخير… كان علينا إنهاء بعض الأمور قبل المغادرة"
ابتسم أريام وهو يجلس:
"اطمئنوا، لن نذهب عميانًا إلى أرض الثعابين"
نظرت نيمورا إليهما، وفي عينيها سؤال لم تنطق به…
لكن داركسيس اكتفى بنظرة قصيرة إليها، كأنها تكفي لتقول:
"أعرف ما أفعل"
وهكذا بدأ الصباح…
بلا لورين، وبخطط إضافية، وتوتر يسبق أخطر مرحلة في رحلتهم.
بعد انتهاء الفطور بقليل، خرجت نيمورا إلى الممر الهادئ المحاذي للحديقة، تمشي بخطى مترددة وهي تُحاول جمع أفكارها. لم تمضِ لحظات حتى شعرت بظل يقترب خلفها.
توقفت دون أن تلتفت، وقالت بصوت منخفض:
"أعلم أنك تتعمد اللحاق بي"
اقترب حتى وقف بجانبها، ملامحه جامدة كما اعتاد، لكن عينيه تحملان شيئًا آخر… شيئًا لم تكن تفهمه بعد.
قال ببرود يحاول إخفاء توتره:
"كنتِ قلقة في القاعة ،أردتُ فقط التأكد"
التفتت إليه أخيرًا:
"أريد معرفة ما تخطط له أنت وأريام تتصرفان وكأننا ذاهبون للحرب وليس لمهمة " أكملت بشك " أخبرني ماذا تعرف ؟"
لم يجب مباشرة ، نظر نحو أشجار الحديقة، كأنه يبحث عن كلمات لا يريد قولها.
لكن صمتُه الطويل جعلها تنفجر:
"داركسيس! لو كنتَ تعتبرني جزءًا من هذه الرحلة فعلاً… أخبرني بما تفكر فيه"
شدّ فكه قليلًا ثم قال:
"ليس الآن"
اتسعت عينا نيمورا بغيظ واضح:
"ليس الآن؟ دائمًا هكذا! دومًا تخفي عني أشياء ،حسنًا… سأذهب لفلوريان إذًا، على الأقل يجيبني، قال إنه سيعلّمني اليوم كيفية تحضير بعض السموم الدفاعية—"
لم تكمل.
في لحظة، امتدت يده وأمسكها من خصرها بقوة ثابتة، ليست إيذاء… بل منعًا.
جذبها نحوه خطوة كاملة، حتى اختل توازنها.
قال بصوت منخفض كالنار تحت الرماد:
"لن تذهبي"
نظرت إليه بدهشة:
"داركسيس! ماذا تفعل؟ اتركني!"
اقترب أكثر، همس بجانب أذنها:
"لا شأن لفلوريان بتعليمك شيئًا، والخطط التي نضعها… وُضعت لأجل أن أطمئن عليكِ، وليس لتشعري بالإقصاء"
حاولت أن تتراجع لكنه لم يسمح لها بالحركة.
ارتفعت حرارة وجهها من الغضب… وربما من شيء آخر لم تعترف به.
قالت بحدة:
"إذن أخبرني أنت! بماذا تفكر؟ ما الذي تخفيه منذ الأمس؟"
أغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما ببطء، وصوته أصبح أكثر جدية من أي وقت مضى:
"أريام بعث بأحد رجال البحر… ليراقب الساحل قرب مملكة السحر القديمة "
شهقت نيمورا بخوف مفاجئ:
"منذ متى؟"
"منذ أن كنا في أرض الحور."
اتسعت عينيها أكثر:
"ولماذا؟"
خفض نظره إلى الأرض قبل أن يعود إليها:
"لأن البحر… ليس طبيعيًا منذ عشرة أيام. مياهه ترتفع وتنخفض بلا سبب… وما هو أسوأ—"
توقّف لحظة، ثم أكمل بصوت أكثر حدة:
"هناك غبار أسود ينتشر فوق سطحه. شيء… يشبه ما رأيناه ليلة الحور"
تجمدت نيمورا.
فهمت الآن لماذا كان يخطط، لماذا كان مضطربًا، ولماذا حاول إخفاء الأمر.
لكنها لم تستطع كتم انزعاجها، فقالت وهي تحاول فك قبضته عن خصرها:
"وهذا سبب يجعلني آخر من يعلم؟"
لم يتركها، بل شدّها نحوه أكثر، وصوته انخفض إلى همسة خطيرة:
"لأنني… لو أخبرتكِ قبل أن أتأكد، كنتِ ستركضين نحو الخطر قبل الجميع " أكمل حديثة برفعة حاجب
" وأنتِ أيضًا تخفين شيئًا ما ولا تريدين ان يعرف أحد ، لذلك اعتبري ذالك سر مقابل سر "
رمشت بذهول… فقد كان محقًا ، واغمضت عينيها بألم فكما يبدوا أن خطة ألثينا قد بدأت
ومع ذلك، أجابت بحدة أخف لكنها ما تزال غاضبة:
"أنا لستُ شيئًا عليك حمايته طوال الوقت ، وصدقني لا أخفي اي شيء "
اقترب أكثر، أقرب مما اعتاد، وقال ببطء:
"أعلم… لكن لا أريد رؤيتك تسقطين مرة أخرى"
تسارعت أنفاسها للحظة، فبدا الارتباك في عينيها.
هي ليست معتادة على سماع هذا منه… ولا هو معتاد على قوله.
وبينما كانت تحاول صياغة رد، أفلت خصرها أخيرًا…
لكن يده بقيت على ذراعها، كأنه يرفض تمامًا فكرة تركها تبتعد.
ابتعدت عنه بسرعة لكي تخفي توترها وقالت برفق
نيمورا:" سوف سوف !! سوف أذهب لتفقد باقي التجهيزات "
هربت من أمامة وملامح وجهها تحمل شيئًا لم يمر بها من قبل
كهرمان محمد