رونسبور

رونسبور

26 0

جلست نيمورا عند حافة الدائرة الصغيرة التي نام فيها

الجميع، ظهرها إلى جذع شجرة سوداء، وعيناها تجوبان العتمة بتركيزٍ لا يلين.

الغابة لا تصدر أصواتًا عبثًا، كانت تعرف ذلك.

كل حفيفٍ هنا قرار، وكل سكونٍ فخ.

إلى جوارها، وقف داركسيس صامتًا، يده قريبة من سيفه، يراقب الاتجاه المعاكس.

لم يتبادلا كلمة واحدة، فالحراسة لا تحب الكلام.

ومع ذلك…

خانها عقلها.

انسحبت من الحاضر، كما تفعل دائمًا عندما يطول الصمت أكثر مما ينبغي ، تذكرت آخر حوار بينها وبين أريام .

قبل انطلاقهم للرحلة كانت الشمس أعلى، والهواء أكثر جفافًا.

أريام يقف أمامها بهدوء

قالت له حينها، دون مقدمات، بصوتٍ لا يقبل النقاش:

"مهما حصل…

ومهما كان الشخص الذي سيقف أمامكم، لا تتردّد"

قطّب حاجبيه، لكنّه لم يقاطعها.

تابعت، ونبرتها أشد:

"لو هاجم أحدهم، لا تفكّر في الاسم، ولا في الوجه، ولا في الماضي.

اضرب أولًا… واسأل لاحقًا إن بقي وقت"

اقتربت خطوة، وخفضت صوتها:

"هذه الأرض لا تختبر الرحمة، بل الغفلة.

ومن يتردّد هنا… لا ينجو"

نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوءٍ قاتل:

"حتى لو كان من نعرفه؟"

لم تتردّد.

لم ترمش حتى.

"خصوصًا إن كان من نعرفه"

ساد صمت ثقيل.

ثم أومأ أريام إيماءة واحدة، كافية لتختم الأمر.

عادت نيمورا إلى الحاضر فجأة، حين تغيّر الحفيف.

لم يكن أعلى…

بل أبطأ.

وضعت يدها على مقبض خنجرها دون أن تشعر.

أنفاسها انتظمت، وكتفاها تصلّبا.

همست دون أن تلتفت:

"داركسيس… هل تشعر به؟"

أجابها بصوتٍ منخفض:

"نعم"

لم يظهرا قلقًا.

الخطر لم يكن واضحًا بعد، لكن نيمورا كانت متيقّنة من شيءٍ واحد هنالك شيء ضخم قادم

أغمضت عينيها للحظات وسرعان ما فتحتها وهي تصرخ

نيمورا:" داركسيس أنا أستشعر هالة قوية قادمة بسرعة في اتجاهنا "

لم تكمل كلامها لظهور ثعبان ضخم بثلاث رؤس وذيل مدبب.

تصلّبت نيمورا في مكانها.

هذا ليس حفيف أشجار، ولا حركة كائنٍ عابر.

هذا ثِقل.

انبثق أول رأس من بين الجذوع السوداء، جلد متقشّر بلونٍ داكن تتخلله عروق خضراء مضيئة، عيناه عموديتان تشعّان بذكاءٍ وحشي.

ثم ظهر الرأس الثاني…

والثالث.

ثعبانٌ هائل، ثلاثي الرؤوس، جسده أطول من صفّ الأشجار نفسها، وذيل ضخم مدبّب يغوص في الأرض ويخرج منها كرمحٍ حيّ.

قال داركسيس بصوتٍ خافت لكنه حاد: "استيقظوا… الآن"

لم ينتظر ردًا.

انقضّ الرأس الأيسر فجأة، فاتحًا فمه ليكشف عن أنياب أطول من سيف.

قفزت نيمورا جانبًا، وتدحرجت على الأرض بينما ارتطم الفك بالمكان الذي كانت فيه قبل لحظة، فتناثرت التربة السوداء.

صرخت: "الجميع إلى مواقع القتال! لا تتجمّعوا"

استيقظ فاليمر وهو يسحب سيفه بنصف وعي: «أقسم أنني كنت أحلم…»

لكن الحلم انكسر حين اندفع الذيل المدبّب كالسوط، فاصطدم بجذع شجرة فحطّمه نصفين.

تحرّكت ليوثارا بسرعة، قبضتها اشتعلت بطاقةٍ حمراء قاتمة، وقذفتها نحو الرأس الأوسط.

انفجرت الطاقة عند اصطدامها، لكن الثعبان لم يتراجع سوى خطوة واحدة، وأطلق فحيحًا اهتزّت له الأرض.

إيلارا ثبتت قدميها، سحبت قوسها، وسهمها لمع بلونٍ فضي.

أطلقت.

أصاب السهم عين الرأس الأيمن، فتعالى صراخٌ حاد، وتراجع الرأس وهو يتلوّى.

قال إيليون بصرامة: "إنه لا يُقتل بسهولة… استهدفوا الرقاب، ليس الرؤوس!"

داركسيس اندفع للأمام، جسده محاط بظلٍّ كثيف، قفز فوق انثناءة الجسد العملاق، وغرس سيفه في موضعٍ بين القشور.

زمجر الثعبان، وارتفع جسده أكثر، كاشفًا عن قوته الحقيقية.

نيمورا أغمضت عينيها للحظة قصيرة…

ثم فتحتها.

مدّت يدها، وتمتمت كلماتٍ قديمة، فانطلقت ظلال سريعة، امتدت نحو الذيل، قيّدته جزئيًا.

صرخت: "الآن! قبل أن يتحرر!"

فاليمر، رغم ارتجاف ساقيه، ركض وضرب موضع التثبيت بكل ما أوتي من قوة.

تشقق العظم الداخلي للذيل، وأطلق الثعبان فحيحًا مرعبًا، تراجع معه جسده أخيرًا.

لكن الرأس الثالث، الذي ظل صامتًا طوال المعركة، فتح فمه ببطء…

وتكوّن داخله ضوءٌ أخضر سام.

قالت نيمورا بحدة: "ابتعدوا!"

أطلق الرأس سيلًا سامًا اجتاح المكان، فتفرّق الجميع في اللحظة الأخيرة.

احترقت الأرض حيث سقط السم، وتآكلت جذوع الأشجار.

تنفس الجميع بصعوبة.

فبينما كان الجميع يلتقط أنفاسه، عاد الرأس الأوسط للظهور فجأة من بين الجذوع، أسرع… أشرس، وكأنه اختار هدفه بعناية.

اندفع الرأس نحو فاليمر، لمم يتردّد فاليمر في رفع سيفه والهجوم، صرخ وهو يثبت قدميه: "تعال إذن!"

اصطدم السيف بالأنياب في ضربةٍ مباشرة…

لكن الصوت الذي تلاها لم يكن صوت نصر.

بل سقوط سيف فاليمر ، سقط بفعل ضربة قوية من ذيل هذآ الكائن.

ساد صمت خاطف.

ليوثارا صرخت: "فاليمر!"

تراجع خطوة واحدة فقط.

خطوة واحدة… لا أكثر.

نظر فاليمر إلى سيفه الذي سقط بعيدًا عنه، ثم رفع رأسه ببطء، وابتسم ابتسامة جانبية غريبة، لم تكن ساخرة هذه المرة… بل مظلمة.

قال بهدوءٍ مرعب: حسنًا…"

ارتفعت حدقتاه، وتغيّر بريق عينيه.

أسنانه بدأت تطول، تتحول إلى أنياب حادة لامعة، وأصابعه انثنت بزاوية غير بشرية، لتبرز منها مخالب سوداء حادة كأنها صُقلت للقتل.

قال :"إن خسر أمير من دارفال سيفه…

فمن المستحيل أن يخسر أنيابه ومخالبه"

انقضّ.

لم يكن هجومًا مدروسًا…

بل اندفاع غريزي قاتل.

قفز على جسد الثعبان، غرز مخالبه في القشور، تسلّق العنق كظلٍّ مفترس، والرأس يصرخ ويتلوّى بعنف.

لكن فاليمر لم يتراجع.

بصرخة واحدة، غرس أنيابه في موضعٍ ضعيف أسفل الفك، ثم سحب بكل قوته—

وانفصل الرأس عن الجسد.

ارتطم على الأرض بصوتٍ مكتوم، والعينان لا تزالان مفتوحتين.

تراجع الجسد العملاق بعنف، والرأسان المتبقيان أطلقا فحيحًا مذعورًا، ثم انسحبا أخيرًا داخل الغابة، تاركين خلفهما دمًا داكنًا ورائحة موت.

وقف فاليمر يلهث، جسده مغطى بخطوط سوداء من السم.

نظر إلى ذراعه… الجلد بدأ يغمق.

قال بابتسامة متعبة: آه… يبدو أنني لُدغت"

ترنّح قليلًا.

قبل أن يسقط، كان إيليون قد وصل إليه، أمسكه من كتفيه، وأخرج قارورة صغيرة من حقيبتةالقماشية ، سائلها أزرق شفاف.

قالت ليوثارا بدموع: لا تجرؤ على الموت الآن"

فتح إيليون القارورة، وسكّ الترياق على الجرح مباشرة، ثم ألزمه بالشرب.

تشنج جسد فاليمر للحظة، ثم هدأ تنفّسه تدريجيًا.

قال إيليون وهو يراقبه: السم قوي… سمعت عن هذا الكائن من قبل ، يطلق علية رونسبور"

جلست ليوثارا قرب فاليمر، تنظر إليه بعيون مختلفة هذه المرة، مزيج من صدمة… وإعجاب لم تعترف به.

تمتمت: " هيا أفتح عينيك "

قاطعها بابتسامة متعبة: "طعم دم هذا الرونسبورور أو مهما كان إسمة، مُر جدًا "

1

في الخلف، كانت نيمورا تراقب بصمت.

أرض الثعابين لم تكشف لهم وحشًا فقط…

قالت ليوثارا وهي تضع يدها على صدرها: "إن كان هذا… مجرد حارس…"

أكمل داركسيس بصوتٍ منخفض: "فما الذي ينتظرنا في قلب الغابة؟"

نظرت نيمورا إلى الأثر المتروك على الأرض وقالت :" يجب أن لا نبقى هنا كثيرًا "

إيليون:" أوافقك " اكمل كلامة وهو يخرج الخريطة:" نحن الآن في طرف الغابة سوف نحتاج يومًا كاملًا للوصول لقلبها "

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سُلالة منسية

المؤلف كهرمان محمد
2025/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (41)
الفصل 23: رائحة الورد
2025/11/15
الفصل 1: أحتفال العقد الثاني
2025/10/03
الفصل 2: وصول سفراء العروش
2025/10/03
الفصل 3: نيران الفجر
2025/10/04
الفصل 4: خريطة الممالك الخمس
2025/10/04
الفصل 5: أجتماع اللعنة
2025/10/05
الفصل 6: شرارة الرحيل
2025/10/06
الفصل 7: وصول القافلة
2025/10/06
الفصل 8: أنين الوريثة
2025/10/07
الفصل 9: رياح الرحيل
2025/10/08
الفصل 10: المرأة المجهولة
2025/10/09
الفصل 11: أرض الحور
2025/10/10
الفصل 12: قوة جديدة
2025/10/12
الفصل 13: أسرار آن
2025/10/13
الفصل 14: أخطبوط الدامبو
2025/10/14
الفصل 15: السيف الملعون
2025/10/16
الفصل 16: ألثينا
2025/10/19
الفصل 17: ساحرة من نسل ملكي
2025/10/23
الفصل 18: موسم البحر
2025/10/26
الفصل 19: كتاب قديم
2025/11/02
الفصل 20: لورافين
2025/11/05
الفصل 21: رحلة جديدة
2025/11/07
الفصل 22: على ظهر الموج
2025/11/11
الفصل 24: أرض السّلام
2025/11/17
الفصل 25: فلوريان
2025/11/19
الفصل 26: حب جديد ... أو أهتمام سياسي؟
2025/11/28
الفصل 27: أرض الثعابين
2025/12/02
الفصل 28: ما بين اللطف والاشتباك
2025/12/15
الفصل 29: زهور الفاوانيا
2026/01/02
الفصل 30: عبور الممر الجنوبي
2026/02/08
الفصل 31: رونسبور
2026/02/10
الفصل 32: ألمسخ
2026/02/12
الفصل 33: اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
2026/02/16
الفصل 34: إعلان حرب
2026/02/25
الفصل 35: "بداية العاصفة"
2026/03/07
الفصل 36: ملح أسود
2026/03/12
الفصل 37: العيون البيضاء
2026/03/16
الفصل 38: أقتربت ألنهاية
2026/03/28
الفصل 39: نهاية سُلالة منسية
2026/04/10
الفصل 40: ما بعد النهاية
2026/04/11
الفصل 41: إهداء بسيط
2026/04/11

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة