الفصل العشرون: لورافين
تسلّل ضوء الفجر إلى أروقة قصر الحور كخيوطٍ فضيةٍ تتراقص فوق الجدران الزجاجية.
كان البحر هادئًا على غير عادته، كأنه يتهيّأ لوداعٍ طويل.
الطيور البحرية تحوم فوق الميناء، والسفن تستعدّ للإبحار نحو لورافين.
في الداخل، عمّ الصمت أرجاء القصر إلا من أصوات الخدم وهم يجمعون الأمتعة ويطوون الأعلام الملكية.
جلس داركسيس عند شرفةٍ حجرية تطلّ على المرفأ، يرتدي ثوبًا أزرق داكنًا يلمع تحت ضوء الصباح، ووجهه يحمل شيئًا من القلق لم يعتده أحد.
اقترب منه فاليمر وهو يتثاءب قائلًا:
"يبدو أن النوم لم يعرف طريقه إليك الليلة، يا صاحب الجدية الأبدية."
ردّ داركسيس دون أن يشيح بنظره:
"الأمواج لا تنام يا فاليمر، ونحن الآن جزء من لعبتها."
ضحك فاليمر بخفة ثم قال وهو يعدّل سترته:
"اللعبة ستكون ممتعة ما دامت معنا الأميرات، خصوصًا تلك الجادة… نيمورا."
لكن داركسيس التفت إليه بنظرةٍ حادة جعلته يصمت للحظة.
وفي الجناح الآخر من القصر، كانت نيمورا تقف أمام المرآة تمشّط شعرها ببطء، ملامحها جامدة كالصخر.
لم تنم طوال الليل، فالأفكار تتزاحم في رأسها منذ أن فتحت ذلك الكتاب القديم.
همست لنفسها:
"ما رأيته الليلة الماضية… لم يكن حلمًا. الكتاب كان حقيقيًا."
قطع شرودها صوت ليوثارا وهي تقترب بخطواتٍ مترددة.
"نيمورا، أريد التحدث معك."
"نعم؟"
"أعتذر عن الليلة السابقة… لقد ثملت وبدأت أتفوّه بتراهاتٍ لا جدوى منها."
"لا تقلقي، كان عليّ أنا أن أعتذر. فقدت أعصابي."
ابتسمت ليوثارا بخجل، ثم ارتمت في حضن أختها.
كانت نيمورا، رغم كونها أصغر الأميرات، تعامل أخواتها كأنهن صغيراتها… أو ربما كأنهن بناتها.
طرق الباب بخفة، فدخلت إيلارا بثوب سفرٍ بسيط وقالت بابتسامة لطيفة:
"السفن جاهزة، وآن تنتظرنا عند الرصيف."
أومأت نيمورا بصمت.
إيلارا: "أعتقد أن هناك من ندم على كل كأسٍ شربه أمس."
ضحكت نيمورا بخفة، ضحكة صغيرة تحمل تعبًا دفينًا:
"فلنأمل ألا يندم أحد على ما هو أعظم من ذلك."
قالت ليوثارا وهي تسحب إيلارا معها نحو الباب:
"توقفي عن هذه الحركات، وأخيرًا سنخرج من أرض المتعجرفات هذه!"
خرجتا، وبقيت نيمورا لحظة تتنفس بعمق، قبل أن تغادر الغرفة بخطواتٍ ثابتة، تفكر في سؤالٍ واحد:
هل ما ستفعله الآن هو الصواب؟
في الممر الطويل المؤدي إلى البوابة، اجتمع الجميع.
الأمراء يرتدون عباءاتهم الموشّاة بشعارات الممالك، والأميرات الثلاث يتهيأن لوداع البحر.
كان أريام واقفًا بجانب إيلارا، يربط سيفه عند خصره، ثم ابتسم قائلًا بخفوت:
"لورافين ستكون مختلفة… لكني سأحميك كما فعلت دائمًا."
ابتسمت له بخجل واضح:
"وأنا واثقة أنك لن تتخلى عني، يا قائدي الوسيم."
وضع أريام يده على صدره بطريقةٍ درامية وقال:
"آه… سأفقد صوابي بسببك."
راقبتهما نيمورا من بعيد، وفي عينيها مزيج من الحذر والحزن، قبل أن تصعد على ظهر السفينة الأولى إلى جوار داركسيس، الذي لم ينطق بكلمةٍ واحدة منذ الصباح.
ارتفع صوت آن من بعيد، تودعهم بابتسامةٍ غامضة:
"أبحروا بسلام، يا أبناء اللعنة القديمة… البحر يعرف طريقكم جيدًا."
اقتربت كاليزار، وقد ارتسم الحزن على ملامحها، وقالت بصوتٍ ناعم:
"وداعًا يا داركسيس… سأشتاق إليك. لكن بعد انتهاء هذه المهزلة، سنكمل ما بدأ بيننا."
لم يُجب داركسيس، وكأنها لم تكن هناك أصلًا.
تبادل الحاضرون النظرات بين اشمئزازٍ وسخرية من حديثها المائع.
بدأت السفن تتحرك ببطء، تمزّق صفحة البحر الأولى نحو مصيرٍ جديد.
حدّقت نيمورا في الأفق، والريح تعصف بشعرها، ثم همست في سرّها:
"لورافين… فليبدأ كل شيء من جديد."
كهرمان محمد