الفصل الثالث والعشرين: رائحة الورد
مر اكثر من أسبوع كامل على السفينة وهي تتخبط في الماء ، كأن البحر متذبذ لذلك تأخرت الرحلة أكثر من ثلاث أيام من موعدها الطبيعي
و هكذا مرّت عشرة أيام على البحر…
كان الموج أكثر اضطرابًا من المتوقع، والرياح تغيّر اتجاهها كل يوم وكاّن لورافين تختبر صبر القادمين إليها.
كان الجميع يتوقعون الوصول خلال أسبوع، لكن السفن ما تزال تشقّ طريقها عبر المياه اللامتناهية.
على سطح السفينة، وقفت إيلارا ويديها على خصرها وهي تحدق في الأفق بنفاد صبر واضح:
"أريام! أنت قلت إننا سنصل خلال أسبوع ،والآن مرّ عشرة أيام! عشرة!
هل كنت تخدعني أم أن البحر يعاندنا؟"
اقترب أريام منها وهو يقمع ضحكته:
"قلت على الأغلب أسبوع… البحر ليس طريقًا مستقيمًا يا أميرتي الثرثارة"
لوّت فمها بضيق واضح:
"ثرثارة؟ وأنا التي صدّقت وعودك الفارغة!"
ضحك أريام بصوتٍ أوضح هذه المرة، ثم انحنى قليلًا ليكون في مستوى عينيها:
"إن كان هذا سيهِدّئ غضبك… فذنبي الوحيد أنني أردت إسعادك، لا أكثر
لكن البحر؟ هذا شأنه، ليس لي سلطان عليه"
تحاشت النظر إليه للحظة، لكنها لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور.
ومع ذلك تمتمت بضيق:
"لن أسامحك بسهولة، البحر جعل شعري يتشابك، ومعدتي تنقلب، وروحي تطير من الملل!"
رفع حاجبًا وقال بمكر:
"روحي تطير؟ دعيني أتأكد"
قبل أن تستوعب، أمسكها من خصرها ورفعها بخفة إلى الأعلى، مستخدمًا قوتة — موهبة اهل موراليس الفريدة
صرخت إيلارا فورًا:
"أررريييياااام! أنزلني الآن! سأسقط! البحر تحتّي! سأموت! هذا ليس مضحكًا!"
كان يرفعها فوق مستوى حافة السفينة، ليس عاليًا جدًا، لكن بما يكفي ليدبّ الرعب فيها.
ضحك بخفة وهو يثبتها جيدًا:
"اهدئي، لن أتركك تسقطين، لو سقطتِ، سأسقط معك، هل هذا يكفي؟"
"لا يكفي! أنزلني! الآن!"
ضحك أكثر، ثم أنزلها ببطء حتى استقرت قدماها على أرض السفينة
كانت ترتجف قليلًا وتمسك بذراع معطفه بقوة.
قالت بغضب مرتجف:
"أنت… أسوأ… شخص… قابلته بحياتي!"
خفض رأسه نحوها وقال بابتسامة جانبية:
"لكنني الشخص الذي تعتمدين عليه في كل مرة تخافين فيها… صحيح؟"
لم تجد ردًا ،شاحت بوجهها عنه، لكنّ حمرة خجولة ارتفعت على وجنتيها.
اقتربت نيمورا من بعيد، تراقب المشهد بتعليق مقتضب:
"لو أنكما تستخدمان طاقتكم هذه في حلّ اللعنة… لكنا وصلنا منذ ثلاثة أيام"
فغر أريام فاهه:
"أتمنى الصبر فقط … نيمورا أيضًا بدأت تعاتبني؟ الجميع يلومني!"
إيلارا، وقد استعادت شجاعتها، قالت وهي ترفع حاجبها:
"طبعًا سنلومك، أنت قائد حرسنا، يجب أن تعرف اتجاه الرياح والبحر وكل تلك الأشياء المخيفة"
اقتربت ليوثارا من خلفهم وهي تتثاءب:
"ما هذا الضجيج؟ هل سقط أحد في البحر؟ أتمنى ذلك"
ردت نيمورا ببرود:
"للأسف ليس بعد ، ولكن لو لم تنتهوا عن هذا الشغب سأسقط أحدهم بالتأكيد "
فغر أريام عينيه:
"هل اتفقتن جميعًا ضدي؟ أنا الضحية هنا ، في الحقيقة لا استوعب تقلب مزاج النساء هذا "
عاد الجميع للضحك، رغم الإرهاق والملل، لكن تلك اللحظات الصغيرة كانت تجعل الرحلة أقل ثقلاً…
وربما تُقرّب قلوبًا لم تعترف بعد بما تشعر به
في الجانب الآخر وقف إيليون قرب مقدمة السفينة، يرفع رأسه ليستنشق الهواء، ثم ابتسم ابتسامة لم تظهر على وجهه منذ أيام:
"أظننا وصلنا… هذا الجو لا تخطئه ذاكرتي"
اقتربت نيمورا منه، رمشت بعينيها وهي تحاول تمييز ما يميّز هذا الضباب عن غيره:
"وصلنا؟ لكنني لا أرى شيئًا سوى بحر وضباب"
أجابها إيليون بثقة هادئة:
"لورافين لا تُرى بالعين أولًا… بل تُشم ،رائحتها تسبق حدودها"
تأملت نيمورا كلامه، وما إن سحبت نفسًا عميقًا حتى اتسعت عيناها قليلًا:
"زهور… ما هذه الرائحة؟ إنها لطيفة… لكنها غريبة"
ابتسم إيليون تلك الابتسامة الهادئة التي لا يراها إلا المقربون منه:
"زهور الـ لورافينيل… تنمو فقط في هذه المنطقة. رائحتها مزيج من ياسمين بريّ ونباتات ليلية. أهل لورافين يفتخرون بأن حدودهم تُعرف بالرائحة قبل المنظر"
انضمت إليهما ليوثارا وهي تشد عباءتها حول كتفيها:
"أوه… هذا جميل. على الأقل رائحة المكان أفضل من رائحة البحر التي علقت بنا."
إيلارا وقفت قرب الحافة، تمد يدها للضباب :
"إنه ضباب دافئ… ليس كضباب المرافئ الباردة. وكأنه يُرحّب بنا."
رد فاليمر وهو يقترب و يمسح قطرات من الماء عن شعره:
"الضباب دافئ؟ لا بد أن هذا سحر… أو شيء غريب من لورافين"
ضحك إيليون بخفة:
"ليس سحرًا تمامًا… نسيم القمر هنا يختلط برائحة الزهور، فيدفئ الضباب قليلًا. ستعتادون ذلك"
تدخل داركسيس أخيرًا، بنبرة منخفضة لكنها مليئة بالترقب:
"هذا يعني أننا تجاوزنا الحدود؟"
أومأ إيليون:
"نعم… من هذه النقطة سنرى أول أضواء لورافين خلال ساعة"
رفعت نيمورا نظرها إلى الأمام، الضباب ينقشع تدريجيًا وكأنه يُزيح ستار مسرح:
"إذن… بدأنا صفحة جديدة"
قالت ليوثارا وهي تقف بجانبها:
"صفحة؟ بل كتابًا كاملًا… أتمنى فقط ألا يكون مليئًا بالمشاكل"
ضحك فاليمر وقال:
"المشاكل تلاحقنا أينما ذهبنا… وأغلبها بسببكم أنتن!"
ردت ليوثارا فورًا:
"اصمت يا فاليمر، أنت أكبر مشاكلي "
بينما استمر النقاش الخفيف، كان الضباب ينحسر شيئًا فشيئًا… وألوان خافتة بدأت تظهر في البعيد — أحجار مضيئة، أشجار عملاقة، ووميض أزرق يشبه تنفس الأرض نفسها.
إيليون، وهو يراقب تلك اللمحات الأولى، قال بنبرة فخورة وناعمة:
"أهلًا بكم في لورافين"
كهرمان محمد