عندما استعادت نيمورا توازنها، أسرعت بخطوات ثابتة لتلحق بداركسيس.
وبالفعل، وصلا معًا إلى باب المكتبة.
أومأت نيمورا لفلوريان، ففتح الطريق أمامهما من جديد. كانت القاعة الهادئة تستقبلهما برائحة الورق القديم، وصوت خافت يشبه همسَ الأغصان السحرية في الخارج… وكأنّ المكان ذاته يراقب ضيوفه بفضول.
تقدّم فلوريان بخطوات رصينة نحو خزانة ضخمة منقوشة برموز لورافين القديمة، ثم مدّ يده بثقة وسحب درجًا سريًا لا يعرف مكانه سوى القلائل.
التفت إليهما وقال باحترام:
"هذه أحدث خريطة معتمدة لحدود المملكة والممالك المتّصلة بها ،دقيقة للغاية، وقد رُسمت بعد إعادة تثبيت الحواجز السحرية"
اقتربت نيمورا لترى، بينما وقف داركسيس خلفها بوضوحٍ مقصود… كأنّ وجوده حاجز يمنع أي تكرارٍ لحادثة السقوط التي لم ينسها
فتح فلوريان الخريطة، فاندفع من سطحها ضوءٌ سحريّ يتوهّج فوق الطاولة، مرسومًا على شكل ممرّات وأراضٍ وممالك تتلألأ بألوان مختلفة.
انحنت نيمورا أكثر، تمسح الخطوط بأطراف أصابعها، فيما كان داركسيس يتابع حركة يدها بنظرة يعرفها جيدًا من يحاول إخفاء غيرته.
قالت نيمورا بصوت منخفض:
"لم أظن أن حدود لورافين متشابكة بهذا القدر مع أراضي الشمال… مملكة فالدار"
أجابها فلوريان بهدوء:
"نعم، ولهذا نحافظ على دبلوماسية دقيقة معهم ، مملكة الشمال متقلّبة… ومن السذاجة الاعتماد على السحر وحده"
رفع داركسيس حاجبه بسخرية خفيفة:
"إذن تعتمدون على التحالفات أكثر من اعتمادكم على قوتكم؟"
ابتسم فلوريان ابتسامة لا تخلو من الثقة:
"بل نعتمد على الحكمة، القوة بلا حكمة تهدم مملكة في ليلة واحدة. ولا تنسَ ،لورافين قادرة على إنتاج سموم قوية ، واحد منه كفيل بإسقاط جيش كامل"
صوت داركسيس انخفض:
"وأحيانًا… الحكمة الزائدة تصنع التردد"
قبل أن يشتعل الجو، قالت نيمورا بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
"لنركّز على الخريطة"
أشار فلوريان إلى نقطة متوهجة قريبة من حدود الجنوب:
"هنا ،أتوقع أن السيف مخبّأ في هذه الأرض… أرض الثعابين"
تبادلت نيمورا وداركسيس النظرات، قبل أن يتكلم الأخير بجدية:
"ولماذا هناك؟"
قال فلوريان:
"لأن الثعابين لم تعد كما كانت ، كانت تحمينا… لكنها الآن تمرّدت ،أرضها محرّمة على الجميع، ولا يدخلها إلا صاحب دم ملكي ، إنها أرض مقدسة بالنسبة لنا.
كما أن ممرّ لورافين الجنوبي يتأثر كثيرًا بالتغيرات المناخية… أي تأخير إضافي قد يجعل العودة مستحيلة"
تمتم داركسيس بضجر:
"لقد تأخرنا أصلًا عشرة أيام ، البحر يبدو أنه كان يختبر صبرنا"
ثم نظر نحو نيمورا بنبرة خفت حدّتها، وكأنه يتراجع خطوة بعد انفعاله السابق:
"علينا إنهاء ما جئنا من أجله سريعًا… قبل أن تنغلق الطرق علينا"
صمتت نيمورا، تتأمل الخريطة، وفي رأسها ألف سؤال وسؤال.
قال فلوريان أخيرًا:
"علينا الذهاب إلى قاعة الاجتماع، الملك ينتظركم، وبالمناسبة…"
التفت نحو داركسيس بنظرة يصعب فهمها:
"سأرافقكم حتى المدخل، الملك يحب النظام… ولا يفضِّل دخول الضيوف دون ترتيب"
ردّ داركسيس، ونبرة التحدّي واضحة لكن لطيفة:
"سنحترم القوانين… ما دامت معقولة"
نظرت نيمورا بينهما بصمت، ثم تبعت الاثنين خارج المكتبة ،كان الممر مضاءً بضوء زهري خافت، كأن الجدران ترشدهم إلى مرحلة جديدة… وربما نوع آخر من التوتر.
دخل الثلاثة القاعة الواسعة حيث جلس الحاضرون في أماكنهم المحددة.
على العرش، جلس حاكم لورافين ( والد إيليون ولورين ) بملامح صارمة، وفي يمينه زوجته الحاكمة، وإلى يساره مقعدا الأميرين.
اقتربت إيلارا من نيمورا وهمست:
"هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة قليلًا"
أومأت نيمورا:
"أنا بخير… فقط أثقلني المرض "
جلس داركسيس إلى يمينها، وفلوريان اكتفى بالوقوف ، لأنه من سيشرح الخطة .
رفع الملك نظره إليهم وقال بصوت جهوري:
"أهلاً بكم ، هذا لشرف لي ان تكونوا في مملكتي "
هز الجميع رؤوسهم بأمتنان مصطنع
اكمل الملك حديثه بجيدية "أخبرني يا فلوريان… هل عثرتم على موقع السيف أخيرًا؟"
انحنى فلوريان قليلًا:
"نعم يا مولاي، الخريطة وجّهتنا نحو أرض الثعابين، الطريق لن يكون سهلًا"
رفعت الملكة حاجبها باهتمام، وقد بدا القلق واضحًا في نبرة صوتها:
"أرض الثعابين؟ ألم تُغلق ممراتها منذ سنوات؟"
أجاب إيليون بثباتٍ يليق بأمير يعرف خفايا مملكته:
"نعم، لكنها ما تزال تسمح بمرور من يحمل الدم الملكي… وحده."
تحرّك فلوريان بهدوء نحو الطاولة، فردّ الخريطة أمام الجميع، وانطلق يشرح مسار الرحلة بدقة، مشيرًا بإصبعه إلى الممرات الضيقة والمنعطفات التي لا يمكن لأي مُسافر اجتيازها دون إذنٍ من الأرض نفسها.
على الجانب الآخر، كانت ليوثارا تتنهّد بضيق، وقد ازدحمت أفكارها بعواصف لا يسمعها أحد فهمست لنفسها
"لقد تعبت من هذه الرحلات… ومن الأساس مصيرنا الموت لا محالة ،لماذا نرهق أنفسنا بمحاولة النجاة ونحن نسير نحو نهاية محتومة؟"
قطع صوت أريام خيط أفكارها:
"لدي سؤال، بعد إذنكم… ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أعني، لو عثرنا على السيف، ما هي الخطوة التالية؟"
بادرت نيمورا بالإجابة، نبرة صوتها هادئة لكنها ثابتة:
"سنذهب إلى موراليس. وفقًا لِما قالته (آن)… السيف لا يُدمَّر إلا في الأرض التي لُعن فيها"
ثم خيّم صمت خفيف.
نيمورا كانت تعرف الحقيقة… تعرف أن الخطة ليست بهذه البساطة، وأن ما تخفيه أعمق بكثير مما يظنه الجميع.
لكنها لم تقل شيئًا.
ليس بعد ، فالحقيقة مصيرها الظهور ، والدمار سيحل لا محالة
فلوريان:" سوف ننطلق في صباح الغد ؛لأن اللعنة تتحرك بسرعة "
وافق الجميع على كلام فلوريان ، وبعد عدة ساعات من النقاش وتحديد الخطة الأساسية وخطة بديلة وكانت من إقتراح داركسيس و أريام لأنهم يشعرون بأن هناك شيء أكبر قادم.
خرج الجميع من القاعة متوجهين لأجنحتهم
في جناح نيمورا كانت تجلس وتتحدث مع أختيها
نيمورا:" أتعلمون ما أكثر شيء اتمناه "
أجابت ليوثارا بفضول:" ماذا ؟"
نيمورا:" ان اضربكما "
إيلارا:" نعم .... نعم ،ولماذا ؟"
نيمورا بسخرية :" لماذا!!! ، منذ الصباح وانا اريد الحديث، ولكن الأميرات مشغولات في أمور فارغة ولا تفيد "
تحدثت إيلارا وليوثارا في وقت واحد وهما ينزلان من سريرها ويركضان خارج الجناح:" نعتذر والآن وداعًا "
تنفست نيمورا بعمق تحاول كبت قضبها ، ولكنها قالت بصوت مرتفع
نيمورا:" صدقاني سأقتل واحدة منكما "
كهرمان محمد