عبور الممر الجنوبي
لم تكن الأرض بعد البوابة تشبه أي طريق عرفوه من قبل.
بمجرد أن تجاوزت آخر حوافر الخيول ظلّ الأسوار، تغيّر الهواء.
بردٌ لزج تسلّل إلى الرئتين، ورائحة معدنٍ قديم امتزجت برطوبة غامضة، كأن المكان يتنفّس من جرحٍ مفتوح.
الممر الجنوبي لم يكن نفقًا…
بل صدعًا هائلًا في جسد العالم.
جدرانه صخرية سوداء متداخلة، كأنها عروق حجرية تلتف حول نفسها، تتلوّى ثم تستقيم، ثم تختفي في عمقٍ لا يُرى آخره.
ضوء باهت بلون الفضة يسري على امتداد الممر، ينبعث من شقوق الأرض والسقف، دون أن يُعرَف له مصدر.
تقدّمت ريسيليا أولًا.
خطواتها ثابتة، سيفها مشدود عند خاصرتها، وعيناها لا تفارقان الفراغ أمامها.
خلفها داركسيس، نيمورا، فلوريان، إيليون، أريام، ليوثارا، فاليمر…
ثم الجنود في تشكيلٍ صامت.
توقّف الجميع عندما توقّفت ريسيليا.
قالت بصوتٍ حاسم:
"أرض الثعابين أمامنا… وهذا آخر حد يمكننا الوصول إليه"
تنفّست بعمق، ثم أكملت:
"من هنا، ستكملون وحدكم"
توقّفت القافلة عند الحافة، كما لو أن الأرض نفسها رفعت يدها مانعةً التقدّم.
لم يكن هناك سور ولا بوابة، فقط تغيّر مفاجئ في الهواء؛ صار أثقل، أدفأ، تفوح منه رائحة ترابٍ رطب وشيءٍ لاذعٍ لا يُرى.
كانت تلك مقدّمة أرض الثعابين.
قال فلوريان بهدوءٍ ثقيل:
"من هنا نتوقّف"
تبادلت العيون نظراتٍ مترددة.
الأمراء وحدهم ظلّوا ممسكين باللجام، كأنهم لم يستوعبوا بعد أن الرحلة ستنقسم عند هذه النقطة.
أشارت ريسيليا إلى الامتداد الرملي الداكن أمامهم وقالت:
"ما بعد هذه الحدود لا يعترف إلا بالدماء الملكية.
لا الجنود، لا المرافقون… ولا الخيول.
الأرض نفسها سترفضهم"
صهل أحد الخيول بعصبية، وكأنه فهم.
حاول أحد الفرسان التقدّم خطوة، فتشنّج الحصان فجأة وتراجع، يتصبّب عرقه دون سببٍ ظاهر.
كان أريام صامتًا.
نظر طويلًا إلى الخط غير المرئي الذي يفصل عالمين، ثم التفت إلى إيلارا.
لم يقل شيئًا في البداية.
اقترب منها خطوة واحدة، وكأن الضجيج كلّه انسحب ليترك لهما هذا الفراغ الصغير.
كانت عيناها معلّقتين بالأرض، لكنها رفعت رأسها حين شعرت به.
قال بصوتٍ منخفض، أقرب إلى الوعد منه إلى الكلام:
"أعرف أن المكان هناك لا يرحم"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، شجاعة أكثر مما هي مطمئنة.
تابع:
"لكني واثق بقدراتك"
توقّفت الكلمات عند هذا الحد، كأن الزيادة ستفسد معناها.
ثم أضاف، وهو يشير خلفه حيث تقف ريسيليا وفلوريان عند الحدود:
"سنكون هنا، مهما طال الوقت…
سأكون في انتظارك"
لم تجبه فورًا.
مدّت يدها فقط، وضغطت على أصابعه لحظة قصيرة؛ لحظة تكفي لتقول كل ما لا يُقال أمام أرضٍ تستمع.
ترجّل الأمراء عن خيولهم، وتقدّموا بخطواتٍ ثابتة داخل أرض الثعابين.
وبعد مسيرٍ طويل، قطعه الصمت والرهبة، قال فاليمر متنهّدًا:
"وماذا الآن؟ إلى أين نتّجه بالضبط؟"
توقّف إيليون وأخرج الخريطة، ثم قال:
"وفقًا لها، علينا الوصول إلى قلب الغابة"
قال داركسيس بجدية:
"يجب أن نبلغ أطراف الغابة قبل حلول الصباح"
تمتمت إيلارا، وعيناها تجولان في الظلال:
"قلبي غير مرتاح لهذا المكان"
وبعد وقتٍ بدا أطول مما هو، وصلوا إلى أطراف غابةٍ ضخمة.
أشجارها شاهقة، تتزيّن بجذوعٍ سوداء، وتفوح منها رائحة رطوبة خانقة.
تعالى من داخلها حفيفٌ منخفض، كأن الغابة تتنفّس.
وضعت ليوثارا يدها على صدرها وقالت بصوتٍ خافت:
"لأول مرة أشعر بالخوف هكذا"
أجابت نيمورا بهدوءٍ قاسٍ:
"الخوف لا يُختفى… يُقتل لنستمر"
قال فاليمر وهو يجلس بتعب:
"كل عظمة في قدمي تئن وجعًا. نحتاج إلى بعض الراحة"
ردّ داركسيس:
"سنبقى على حذر
أحدنا للحراسة، والباقي يستسلم للراحة… فنحن لا نعلم ما الذي قد تُخرجه لنا هذه الأرض"
قالت نيمورا فورًا:
"يمكنكم النوم، سأبقى للحراسة. لست متعبة"
نظر إليها داركسيس وقال:
"سأبقى معكِ"
جمعوا أوراق الشجر الضخمة وصنعوا طبقة تحميهم من تراب الأرض.
وسرعان ما غرق الجميع في نومٍ عميق، بينما ظلّ الحفيف يتردّد في الظلام… يراقب.
كهرمان محمد