حل صمت غريب، كان فاليمر كالعادة أول من كسر
الصمت وهو يرفع كأسه:
"أتعلمون؟ لا شيء يُضاهي هذا الشعور: الهواء المالح، والرحلات الطويلة، والرفقة الغريبة ،تمامًا كما أحبها"
ابتسمت ليوثارا وقالت بملامح متعبة:
"غريبة فعلاً… كلنا هنا أبناء ممالك مختلفة، كأننا خُلقنا لنتصادم ثم نجتمع"
ضحك فاليمر وهو يضع يده خلف رأسه:
"أنا؟ لو لم أكن أميرًا، لِصِرت قائدَ سفينة، أبحر بين الجزر وأجمع اللآلئ. نحن في مملكتي عشرة إخوة تخيلوا! عشرة!"
شهقت إيلارا بدهشة حين خرجت من مقصورتها وانضمت إليهم:
"عشرة؟! كيف تتذكر أسماءهم أصلًا؟"
ضحك فاليمر حتى كاد يسقط:
"لا أتذكر! أحيانًا أنادي أحدهم باسم الآخر، وأمي تصفعني قبل أن أبرر، بيتنا مثل سوق لا يهدأ ، أصوات وضجيج وموائد ممتدة طول النهار… ولدي الكثير من أبناء العائلة أيضًا فنحن أسرة كبيرة أو بالأصح ضخمة "
ابتسم داركسيس بخفة نادرة وقال بنبرة هادئة:
"مملكتكم واسعة إذن… ربما لذلك تحبون الصخب"
ضحكت ليوثارا وقالت:
"أنتَ محظوظ لأنك لن تخاف على نسب المملكة مثلنا. نحن، كل من يحمل الدماء الملكية، يُعامل كأنها ميراثٌ يقتل، لذلك تشرع الملكة في تزويجنا بسرعة"
تنحنحَت نيمورا وقالت:
"هذا مصيرنا يا ليوثارا، ويبدو أننا سنموت مثلهم ، بسرعة"
شهقت إيلارا وقالت بحزم:
"لن أموت أو أضحي من أجل أي مملكة أو لعنة، أريد الزواج وعيش حياة هادئة وسلمية"
قال فاليمر مازحًا:
"ذكروني بعد انتهاء موضوع اللعنة هذا؛ يجب أن نزوج هذه الأميرة ونرتاح منها!"
ردّت ليوثارا بضحكة مريرة:
"بالفعل، إيلارا يجب أن تتزوجي ونرتاح منكِ… وأرتاح أنا من همِّ الزوج المثالي والحاكم المستقبلي"
قالت إيلارا:
"فلننتهِ من موضوع اللعنة قبل أن تنهينا هي"
التفتت نيمورا نحو داركسيس بفضول واضح:
"وأنتَ يا داركسيس؟ لا أظنك ممن يتحمّل بيتًا مزدحمًا"
سكت قليلًا، ثم قال دون أن يرفع نظره عن البحر:
"لي أخ واحد… أستيريون. هو الملك الآن بعد وفاة والديّ. متزوج ولديه طفلة صغيرة؛ يقولون إنها تشبهني، لكني لم أرها بعد. نادرًا ما أعود إلى القصر"
قال أريام بخفوت:
"إذن أنت عمّها؟ لماذا لا تزور القصر كثيرًا؟ آسف لو ضايقك سؤالي"
ردّ داركسيس بهدوءٍ ممزوج بنبرة غريبة:
"القصر… ليس مكانًا للعودة، بل ساحة تذكّرك دومًا بما فقدت، أنا مشغول بشؤون المملكة والحدود"
ساد الصمت للحظة، فغيّر إيليون الموضوع بلطف وهو يرفع كأسه:
"أنا ليس لدي سوى أخت واحدة، تُدعى لورين. مشاغبة، لكنها تملك قلبًا طيبًا ،كل ما أفعله في حياتي أن أحاول حمايتها من نفسها"
ضحكت ليوثارا وقالت:
"يبدو أن كل أخٍ هنا لديه قصته"
قطع حديثهم أريام بتثاؤب: "عن إذنك، لقد داهمني النوم" فقام وتحرك، وقرر البقية الرجوع إلى مقصوراتهم.
في مقصورة ليوثارا، دخلت وبدلت ثيابها لملابس نوم مريحة ووقفت تمشط شعرها، لكن إيلارا دخلت وقاطعتها.
ليوثارا بلهجة متذمرة:
"قلبي سيتوقف من حركاتك هذه… ألم تسمعي بشيء اسمه استئذان؟"
ضحكت إيلارا وقالت:
"لم أستطع النوم، قررت أن آتي وأسليك قليلًا"
ليوثارا:
"وكيف ستنامين وأنتِ طول النهار في ثبات عميق، كأنك دب قطبي؟"
إيلارا:
"تشبيهاتك غبية"
ليوثارا:
"لكنها الحقيقة. والآن لو سمحتِ اخرجي"
إيلارا بمكر:
"إذا خرجتِ فمن سيساعدك في تضفير شعرك؟"
صمتت ليوثارا؛ فهي في الحقيقة تكره تمشيط شعرها وكانت دائمًا تلجأ لإيلارا لمساعدتها.
ليوثارا بانسجام متردد:
"حسنًا… سأجلس وأنتِ مشطيني شعري"
أكملت تحذيرًا بمرح:
"ولكن لو ألمستِ شعري بقوة أو شددتِه، أقسم أنني سأطلق لهبًا على أصبعك وأحرقه"
ردّت إيلارا وهي تمسك بالمشط وتسحب رأس أختها:
"جربي فقط أن تظهري نارك تلك عليّ، واقسم أنني سأنفذ سهمًا في رأسك"
قاطعهما دخول نيمورا قائلة بحدة:
"ما هذه الضجة؟ صوت صراخكما يملأ المكان"
تبادلتا إيلارا وليوثارا نظرة واحدة وقالتا في وقت واحد:
"الحق عليها!"
اتجهت نيمورا وجلست على السرير بتعب وقالت:
"توقّفا عن أفعال الأطفال هذه ، أنتما أميرات"
ضحكت إيلارا وهي تضع المشط على الطاولة:
"نيمورا، أنتِ تتصرفين كأننا في مجلس حكم، لا في غرفة نوم!"
رفعت نيمورا حاجبها وقالت بجدية خفيفة:
"مجلس الحكم أرحم من فوضى الغرفة هذه، على الأقل هناك من يُصغي"
تأوهت ليوثارا وهي تتمدد على الفراش:
"يا إلهي، بدأنا بالمواعظ… لو لم تكوني أختي لقلت إنك وُلدتِ في معبد!"
ردت نيمورا بابتسامة ساخرة:
"وأنتِ لو لم تكوني أختي لقلتِ إنكِ وُلدتِ في حانة"
ضحكت إيلارا بصوت عالٍ، ثم قالت وهي ترجع أدوات الشعر في مكانها :
"أنتم الاثنتان لا تتغيران أبدًا… دائمًا جدال بين النار والظلال وأنا بينكما الهواء طيبة ومسكين وايضًا مسالمة "
التفتت إليها ليوثارا وقالت بمكر:
"بل أنتِ الدخان، تتسربين من كل مكان وتختفين وقت الحاجة"
عبست إيلارا وقالت بطفولية:
"أنا لا أختفي، فقط لا أحبّ الصراخ"
اقتربت نيمورا منها بلطف وجلست بجانبها:
"لا أحد يحب الصراخ يا إيلارا… لكن أحيانًا نحتاجه لنُسمِع من لا يريد أن يسمع"
ساد صمت قصير، ثم قالت ليوثارا وهي تنظر للسقف:
"هل تظنون أننا سنعود بعد هذه الرحلة؟"
نظرت نيمورا إليها دون إجابة، أما إيلارا فابتسمت بخفوت وقالت:
"ربما سنعود… وربما سنجد بيتًا آخر ينتظرنا هناك"
أخفضت نيمورا رأسها وقالت بصوت هادئٍ لكنه مثقل:
"العودة ليست دائمًا إلى مكان، أحيانًا نعود إلى ما كنّا عليه قبل أن تُفسدنا اللعنة"
أدارت ليوثارا وجهها نحوها وقالت بسخريةٍ حزينة:
"تتكلمين وكأنك تعرفين ما سيحدث، أرجوكِ يا نيمورا لا تبدئي بنبوءاتك"
وقفت نيمورا بهدوء، ورفعت الشال عن كتفيها استعدادًا للخروج:
"ربما لا أعرف، لكني أشعر… وللشعور طريق لا يخطئ، حتى وإن لم نُصدّقه"
رمقتها أختاها بصمتٍ طويل، ثم قالت إيلارا وهي تتثاءب:
"أكره حديثك هذا في الليل، يجعل أحلامي كوابيس"
ضحكت ليوثارا أخيرًا وقالت وهي تطفئ المصباح البلوري بجانبها:
"إذن، اخرجي ونامي في مقصورتك ا، ودعي نيمورا تحلم بلعناتها وحدها"
ردّت نيمورا بصوت خافت وهي تتجه إلى الخارج "
"اللعنات لا تزور من يحلم… بل من يخاف أن يحلم"
عمّ الصمت الغرفة، ولم يبقَ سوى صوت البحر يصطدم بجوانب السفينة.
وفي تلك اللحظة، لم تعلم الأميرات أن الأمواج تحمل أسرارًا أكثر مما تُخفيه القصور.
كهرمان محمد