ظلّت البنات معلّقات في الهواء، أقدامهن لا تلامس الأرض، وأجسادهن مشدودة بذلك الرابط الخفي الذي ينبض من صدورهن.
حاولت ليوثارا التحرّك، لكن الألم اخترق قلبها كخيطٍ من نار.
صرخت: "أمي! ما الذي تفعلينه؟!"
أما إيلارا، فكانت نظراتها مليئة بالارتباك والذهول: "أمي…!"
قاطعتها سيلفارا بهدوء بارد: "اصمتي"
ساد صمت ثقيل، كسرته نيمورا.
قالت بثبات موجوع: "لقد أتيتِ من أجل السيف… يا ابنة الساحر ألثينا"
ارتجف الهواء من حولها، وبدأ الحُراث خارج الحجاب يتحرّكون كظلالٍ صامتة، يشدّون قبضتهم على الجنود المصابين.
حاول داركسيس كسر الشلل؛ تجمّدت أطراف أصابعه بالجليد، لكنه لم يستطع تجاوز القيد السحري.
همس بغضب مكتوم: "اتركيهن!"
نظرت إليه سيلفارا بطرف عين، وكأن وجوده لا يعني شيئًا، ثم أعادت بصرها إلى بناتها.
ابتسمت… ابتسامة لم تصل إلى عينيها.
"إذًا عرفتِ أن اللعنة ليست في السيف"
ثم تحوّل نظرها ببطء إلى نيمورا.
الوحيدة التي لم تصرخ.
الوحيدة التي لم تنادِها "أمي"
قالت بهدوء: "أنتِ تعرفين"
لم يكن سؤالًا.
بل اتهامًا.
توتر الرابط الخفي فجأة، وارتفعت البنات أكثر قليلًا. شهقت إيلارا من الألم.
تكلّمت نيمورا أخيرًا: "أطلقي سراحهم"
صوتها لم يرتجف.
تقدّمت سيلفارا خطوة، رغم أن قدميها لم تتحرّكا فعليًا — كأن المسافة نفسها انطوت.
قالت بابتسامة خفيفة: "دائمًا ما قلت إنكِ ذكية، ورثتِ هذا مني… وأنا سعيدة بذلك"
ردّت نيمورا ببرود قاتم: "ستلقين حتفك قريبًا"
ارتفعت أصوات الأمراء في الخارج وهم يحاولون الإفلات من القيد.
فاليمر: "ماذا يحدث؟!"
لكن لم يستطع أحد التحرّك.
قالت ليوثارا باكية: "أمي… أرجوكِ اتركينا!"
لم تجبها سيلفارا.
اقتربت من نيمورا أكثر، ومدّت أصابعها تمرّرها على وجهها برفقٍ مخيف، حتى استقرت عند رقبتها… ثم شدّت.
بدأت تخنقها.
قالت ببرود: "أين السيف؟"
لم تُجب نيمورا، لكن السعال قطع أنفاسها.
ورغم ذلك… ابتسمت ابتسامة مهزوزة.
"ستحصلين عليه… لكن وأنتِ مقتولة به"
إيلارا ببكاء:" كان في الصندوق الجليدي "
شدت سيلفارا قبضتها على عنق نيمورا وقالت:" لن تسير علي هذة الحيلة، انا لا أستشعر قوة السيف من ذلك الصندوق اللعين "
صرخ داركسيس، واستطاع أخيرًا أن يفلت جزئيًا من القيد، مندفعًا نحوها، لكن هجومه ارتدّ عليه بعنف وأسقطه أرضًا.
"اتركيها فورًا!"
نظرت سيلفارا إليه، ثم أعادت تركيزها على نيمورا.
"أخبرتِه، أليس كذلك؟"
لم تُجب.
لكن عينيها قالتا كل شيء.
تنفّست سيلفارا ببطء، واهتزّ الحجاب من حولهن.
"كنتُ آمل أن أصل إليكن قبل أن يفسد أحدهم الصورة"
صرخت ليوثارا: "عن ماذا تتحدثان؟! نيمورا؟!"
نظرت إيلارا بخوف: "أمي… لماذا الجنود مصابون؟ لماذا أريام مقيّد؟!"
انخفض صوت سيلفارا، وصار أعمق.
"لأن العالم لا يفهم التضحية"
ثم رفعت يدها.
توهّج ضوء أحمر خافت داخل صدر كل واحدة منهن — نفس الوهج الذي كان في السيف.
شهقت ليوثارا: "قلبي—!"
قالت سيلفارا بصوت صارم: "أنتم لستم ضحايا اللعنة"
صمت.
"أنتم أبناء مصدرها"
تجمّد الزمن.
هزّت إيلارا رأسها بعنف: "لا… لا، لم أفهم!"
أغلقت نيمورا عينيها للحظة قصيرة.
بدأت الحقيقة تنكشف… لكن ليس بطريقتها.
في الخارج، صرخ أريام وهو يقاوم القيد: "لا تستمعن إليها!"
لكن صوته بدا بعيدًا، كأنه خلف جدارٍ من ماء.
اقتربت سيلفارا أكثر، حتى صارت على بُعد ذراع من بناتها.
قالت بهدوء قاتل: "السيف لن يكسرني"
أجابت نيمورا
"بل خُلق ليقتلك"
انتهى همس سلام بابتسامة حزينة…
ليست ابتسامة شر.
بل ابتسامة أم تعرف نهايتها.
ثم ابتعدت فجأة، وقالت بصوتٍ أعلن القرار:
"سآخذه بالقوة. وستبدأ الحرب التي أُجّلت قرونًا"
انكشف الحجاب فجأة، لكن الشلل بقي يقيّد الجميع.
تقدّمت سيلفارا نحو أحد الحارثيين، ونظرت إليه نظرة واحدة فقط.
فهم قصدها.
فتح حقيبته، تمتم بكلماتٍ غير مفهومة، ونثر رمادًا أسود في الهواء.
تمزّق الفراغ أمامهم، وظهرت فتحة غريبة، كأنها شقّ في الواقع نفسه.
التفتت سيلفارا نظرة أخيرة نحو بناتها.
ثم دخلت الممر.
تبِعها الحارثيون.
وانغلقت الفتحة كما ظهرت.
اختفت.
وبقي خلفها إعلان حرب… لم تبدأ بعد، لكنها أصبحت حتمية.ما إن أُغلقت الفتحة واختفى أثر سيلفارا، حتى سقط الرابط الخفي فجأة.
هوَت البنات إلى الأرض بقوة، وانكسر الشلل عن الجميع دفعة واحدة.
اندفع داركسيس نحو نيمورا قبل أي أحد، أمسكها من كتفيها: "هل أنتِ بخير؟!"
أومأت بصعوبة، ما تزال تلتقط أنفاسها.
في الجهة الأخرى، نهضت إيلارا ببطء، وعيناها لا تزالان معلّقتين بالمكان الذي اختفت فيه سيلفارا.
همست: "هي… لم تحاول قتلنا"
لكن ليوثارا استدارت نحو نيمورا فجأة.
"أنتِ كنتِ تعرفين"
لم يكن سؤالًا.
بل حقيقة مؤلمة.
ساد صمت قصير.
فاليمر نظر بينها وبين داركسيس: "ماذا كانت تقصد؟ أبناء مصدر اللعنة؟ ماذا يعني هذا؟!"
اقتربت إيلارا، وعيناها ممتلئتان بالدموع: "نيمورا… لماذا قالت إنكِ تعرفين؟ ولماذا نادتها ابنة الساحر ألثينا؟"
لم تستطع نيمورا الهروب هذه المرة.
نظرت إلى أخواتها…
رأت الصدمة.
رأت الألم.
ورأت شيئًا أصعب من ذلك — الخذلان.
قالت ليوثارا بصوت مرتجف: "أخبرينا أنكِ لم تخفي عنا شيئًا بهذا الحجم"
أغمضت نيمورا عينيها لحظة، ثم فتحتها بثبات.
"أخفيت"
الكلمة سقطت ثقيلة.
تراجعَت إيلارا خطوة، وكأنها صُفعت.
"كيف استطعتِ؟! نحن أخواتك!"
قالت نيمورا بسرعة، وصوتها ليس دفاعيًا بل متألمًا: "كنتُ سأخبركن ،خططتُ لذلك بعد خروجنا من أرض الثعابين ، أقسم أنني لم أرد أن تعرفن بهذه الطريقة"
قاطعتها ليوثارا: "إذًا أخبرينا الآن!"
تدخل داركسيس بهدوء: "دعُوها تتكلم"
تنفّست نيمورا بعمق، وبدأت.
تتحدث عن كل ما تعرفة من الكتاب
تحدث فلوريان بعدما استطاع النهوض مع ريسيليا وأريام
" إذآ هما شخص واحد ؟"
أومأت نيمورا ببطء.
"ألثينا… وسيلفارا… هما الشخص نفسه"
شهقة خافتة خرجت من ليوثارا.
تابعت نيمورا، وصوتها يرتجف الآن رغم محاولتها التماسك: "أمنا لم تُصب باللعنة ،هي اختارت أن تصبحها"
صمت.
حتى الهواء بدا متجمّدًا.
قال فاليمر بعد لحظة: "اختارت؟ لماذا قد يفعل أحد ذلك؟!"
أجابت نيمورا: "لأن هناك شيئًا لم نعرفه بعد، شيئًا أكبر من الممالك نفسها ، الكتاب كان يتحدث عن حرب قديمة… عن ختمٍ لا يُغلق إلا بتضحية ملكية"
نظرت إلى الأرض.
"السيف لم يُصنع لكسر اللعنة"
رفعت رأسها.
"صُنع ليقتلها"
انهمرت دموع إيلارا، لكنها لم تبتعد هذه المرة.
قالت بصوت مكسور: "وكانت ستدعنا نفعلها…؟"
همست نيمورا: "هي جاءت لتأخذ السيف ،لأنها لا تريد أن تموت… أو لأنها تريد أن تموت بطريقتها. لا أعرف"
ساد صمت طويل.
ثم اقتربت ليوثارا ببطء.
نظرت إلى نيمورا بحدة… ثم دفعتها دفعة خفيفة على كتفها.
"كان يجب أن تخبرينا"
لم يكن في صوتها كره.
بل ألم.
اقتربت إيلارا أيضًا، واحتضنت ذراع أختها.
"لا تخفي عنا شيئًا مرة أخرى"
انكسرت ملامح نيمورا أخيرًا.
"لن أفعل"
تقدّم داركسيس خطوة: "مهما كانت الحقيقة… لن نواجهها متفرقين"
قال فاليمر بحزم: "إن كانت الحرب قادمة… فنحن معًا"
نظرت الأخوات الثلاث إلى بعضهن.
لم يكن بينهن انقسام.
كان هناك حزن.
وصدمة.
قالت نيمورا أخيرًا، وعيناها تتجهان نحو الأفق حيث اختفت سيلفارا:
"إذا كانت هي مصدر اللعنة… فعلينا أن نقرر"
صمتت لحظة.
"هل ننقذ الممالك… أم ننقذ أمنا؟"
والسؤال بقي معلقًا بينهم… أثقل من أي سيف.
وبعد ساعات استعاد الجميع عافيتة ليس كلها ؛ مازالت جروحهم النفسية مفتوحة .
ساعد إيليون المصابين ونظف جروحهم، وبعد الإنتهاء جلس الجميع
كانت الفتيات قرب بعضهم البعض مقابلين لي ريسيليا وفلوريان وأريام وفي اليسار جلس فاليمر وإيليون وداركسيس.
تنهد إيليون وهو يقول :" ماذا حصل في غيابنا "
قالت ريسيليا بصوت أجش: "ظهرت… بعد دخولكم مباشرة"
فلوريان: "لم نشعر بقدومها، الهواء تغيّر فجأة… ثم كانت أمامنا"
تنفّس أريام ببطء، وكأنه يستعيد المشهد.
"حين رأيتها… انحنيت"
نظرت إليه نيمورا.
أكمل: "هي ملكتي، مهما حدث… تبقى ملكتي"
خفض بصره لحظة.
"لكنني لم أفهم"
شدّ قبضته.
"رفعت رأسها نحوي… وابتسمت"
صمت قصير.
"ثم هاجمت"
شهقت ليوثارا: "من دون سبب؟!"
أريام أومأ.
"تذكّرت كلماتكِ"
نظر إلى نيمورا مباشرة.
"قلتِ لي… مهما حدث، وأيًا كان من يقف أمامنا، لا أتردد في الهجوم"
تصلّب وجه نيمورا.
أكمل: "ترددتُ لثانية واحدة فقط"
تنفّس بمرارة.
"وكان ذلك كافيًا"
قال فلوريان بصوت منخفض: "قوتها… لم تكن طبيعية"
قال أريام: "حاولتُ ضربها ،حاولتُ استخدام كامل قوتي، لكن كل هجمة كانت تتلاشى قبل أن تلمسها… وكأنها تقاتلنا من مكان آخر"
شدّ على جرحه
"ثم بدأت… تضحك"
ارتجفت إيلارا.
"تضحك؟"
أومأ.
"لم تكن ضحكة جنون ،كانت ضحكة من يعرف النتيجة مسبقًا"
تحدثت ريسيليا بصوت مرتجف: "قالت إننا لا نفهم ،إننا نقاتل ظلًا… وأن الأصل لم يتحرك بعد"
سأل فاليمر بحدة: "ماذا تقصد؟"
هزّ أريام رأسه: "لا أعلم"
ثم أكمل بصوت أكثر قتامة: "بعدها لم تقتلنا"
نظر إلى البنات الثلاث.
"بل أبقتنا أحياء
كانت تضربنا… ثم تتركنا نتعافى قليلًا… ثم تعاود"
صمت ثقيل.
قال فلوريان: "كأنها… تختبرنا"
نظرت نيمورا إلى الأرض.
قال بهدوء: "وفي النهاية… قالت شيئًا قبل أن تدخلوا في الحجاب"
"ماذا قالت؟" سألت ليوثارا.
تصلّب فكه.
"قالت إن بناتها اقتربن من الحقيقة أكثر مما ينبغي… وإن الوقت لم يعد في صالح أحد"
ارتفع الصمت من جديد.
إيلارا نظرت إلى نيمورا بارتباك: "إذًا… كانت تعلم"
أريام اقترب خطوة، رغم ألمه.
نظر إلى نيمورا بعمق: "إن كانت هذه الحرب قادمة… فنحن لن نتراجع"
ثم انحنى لها قليلًا.
داركسيس راقب المشهد بصمت، لكنه لم يتكلم.
الهواء من حولهم بدا أهدأ الآن…
لكن الهدوء لم يكن سلامًا.
بل ما يسبق العاصفة.
كهرمان محمد