الفصل الخامس والعشرون: فلوريان
مضى الليل سريعًا، يحمل بين طياته ما يكفي من الأسرار ليُثقل قلب أي شخص .
وفي الحديقة الواسعة، خرجت نيمورا وهي تتذمّر من فوضوية أختيها ، فمنذ الأمس وهي تخبرهما بأنها تريد الحديث معهما اليوم، لكن حديثها ضاع بين انشغالاتهما التافهة:
ليوثارا لم تفارق الإسطبل الملكي منذ أن رأت الخيول ، أما إيلارا فقضت الصباح كلّه في الباحة ترمي السهام كأنها في منافسة وهمية لا تنتهي.
توقفت نيمورا أمام حقلٍ من الأزهار، تغمض عينيها بتعب ،الليالي الأخيرة مرّت ثقيلة عليها؛ لم تستطع النوم لا بسبب ذكريات والدتها فقط، بل بسبب الصداع الذي داهم رأسها والمٍ يلتف حول حلقها كطوقٍ يحبس أنفاسها.
ويبدو أنّ نوبة التهاب الحلق قد بدأت تزحف بالفعل…
قطع صوتٌ هادئ أفكارها.
"يبدو أنّ هذه الأزهار تثير اهتمامك"
فتحت نيمورا عينيها ببطء، وحدّقت فيه محاولةً تذكّر وجهه ، ثم ما لبثت حتى تذكرته ، المستشار الشاب.
رفعت نظرها من جديد، تتأمل ملامحه…
فلوريان كان مختلفًا عن المستشارين الذين اعتادت رؤيتهم
لم يكن مسنًّا، ولا يحمل على ملامحه أثقال السنين.
طويل القامة، رشيق، بشعرٍ أشقر ينسدل حتى كتفيه، يلمع كلما داعبه ضوء النهار، كأن خيوط القمر التفّت لتكوّن خصلاته.
أما عيناه البنفسجيتان فهما هادئتان، لكن خلف ذلك الهدوء يقظةٌ حادّة… يقظة رجلٍ يعرف أكثر مما يقول.
وعلى جانب عنقه يمتد خطٌّ رفيع من العلامات الزهرية حتى الترقوة؛ علامة دمٍ قديم، متصل بجذور لورافين السحرية.
ورداءه المطرّز بالفضة كان يمنحه مهابة لا علاقة لها بالعمر… بل بالمعرفة والقوة والمكانة.
لكن نيمورا سرعان ما خفضت بصرها، تعود للأزهار وتبتسم بخفوت.
نيمورا:
"نعم… شكلها جميل"
والحقيقة أنها لم تكن تنظر إلى أي زهرة. كان ذهنها مشغولًا فقط بكيفية معاتبة أختيها ،وتمنّت للحظة لو تلفّهما بظلالها مثل الشرنقة وتحبسهما معها قليلًا… فقط لثوانٍ.
لكنها حافظت على أدبها وقالت:
"أحبُّ تنوّع الألوان في هذه المملكة"
فلوريان:
"نعم… فالزهور هي روح لورافين، ومنها تستمد الأرض سحرها"
لم تستطع التركيز في حديثه؛ العطاس يهاجمها، والسعال يقطع أنفاسها.
نظر إليها بقلق واضح.
فلوريان:
"هل أنتِ بخير يا أميرة؟"
أجابت بصوت مجروح قليلًا:
نيمورا:
"بخير… شكرًا لسؤالك ، لكن يبدو أنني أصبت بنوبة برد"
تردّد لحظة، ثم قال بنبرة لطيفة لكنها حازمة:
فلوريان:
"هل تسمحين لي أن أساعدك؟"
صمتت نيمورا…
لم تكن معتادة على طلب المساعدة، لكن حلقها يؤلمها، وحرارتها ترتفع، وكبرياؤها لم يكن قويًا بما يكفي هذه المرة.
وأخيرًا، أومأت موافقة.
قادها فلوريان بخطواتٍ واثقة عبر الممر الحجري المؤدي إلى العيادة الملكية ، كانت نيمورا تمشي خلفه بصمت، تنظر إلى الأرض كي تُخفي اهتزاز أنفاسها وتعبها.
وعندما وصل إلى الداخل، أشار لها بالجلوس على مقعدٍ قريب من النافذة.
اقترب منها بهدوء وفتح صندوقًا صغيرًا من الخشب الأبيض، أخرج منه قارورة زجاجية دقيقة محفورًا على غطائها رمز لورافين القديم.
فلوريان:
"هذا العلاج مصنوع من جذور الميرالين… مُرّ الطعم، لكنه الأفضل لالتهاب الحلق"
ناولها القارورة، وراقبها وهي تتردد لحظة قبل أن ترفعها لشفتيها.
ما إن لامس الدواء لسانها حتى انعقد حاجباها باشمئزاز.
نيمورا:
"م-ما هذا…! هذا أسوأ طعم تذوقته في حياتي!"
كتم فلوريان ضحكة صغيرة وقال بلطف:
"دواء فعّال… يجب أن يكون مرًّا"
لكن نظرته تغيّرت فجأة.
توقّف أمامها، انحنى قليلًا كي يرى وجهها عن قرب، ثم قال بنبرة هادئة… لكنها كانت صادمة لها:
فلوريان:
"منذ كم يوم لم تنامي يا نيمورا؟"
اتسعت عيناها بذهول، ولم تجد جوابًا، فهي لم تتوقع منه أن يلاحظ… أو يهتم.
تابع بصوته الحازم الهادئ:
فلوريان:
"ظلالك لا تخفي التعب… الهالات واضحة جدًا. هذا الإنهاك وحده قادر على أن يضعف أي قوة "
خفضت نيمورا نظرها، تشعر بأن كلماتِه اخترقت الحاجز الذي تحرص دائمًا على بنائه.
ثم استقام واقفًا، والتفت نحو الباب.
فلوريان:
"سامويل!"
دخل أحد الخدم فورًا، فانحنى احترامًا.
فلوريان:
"أريد شاي البابونج مع الزنجبيل والليمون… يكون ساخنًا للغاية.
وأخبر ماري أن تجهّز ماءً دافئًا لنقع القدمين، مع أعشاب لورافين المهدّئة"
أومأ الخادم مسرعًا وغادر.
عادت نظرات فلوريان إلى نيمورا، هذه المرة أكثر لينًا:
فلوريان:
"جسدك مرهق… والبرد يتمسك بالذين يسهرون طويلًا،
لن أسمح بأن تمضي ليلة أخرى بهذا الشكل"
رفعت نيمورا عينَيها إليه، ورغم تعبها، ابتسمت بخفوت:
نيمورا:
"أنت تتصرف وكأنك… طبيب"
رد بابتسامة جانبية خفيفة:
فلوريان:
"أنا فقط أفعل ما ينبغي، الراحة جزء من الحكمة… وأنتِ بحاجة إلى الكثير منها"
جلس مقابلها، صوته منخفض لكنه صريح:
فلوريان:
"لن أدعك تعودي للحديقة اليوم ،ستلتزمين بالعلاج، وتشربين الشاي بالكامل… وستنامين"
تنهدت باستسلام، ثم هزّت رأسها موافقة:
نيمورا:
"حسنًا… سأستمع إليك"
أجاب بنبرةٍ هادئةٍ لكنها تحمل شيئًا يشبه العناية الحقيقية:
فلوريان:
"جيد… لأنني لا أرغب في رؤية الهالات حول عينيك مرة أخرى"
بعد لحظات، دخل الخدم حاملين صينية فضية عليها كوب شاي البابونج والزنجبيل والليمون، يتصاعد منه بخار عطِر يملأ الغرفة برائحةٍ مريحة. خلفهم جاءت خادمة أخرى تحمل وعاءً حجريًا عميقًا مملوءًا بماءٍ دافئ تُطفو عليه أوراقٌ زهرية وأعشاب لورافين الخضراء.
انحنت الخادمات أمام نيمورا ثم بدأن في ترتيب الأشياء أمامها باهتمام.
قال فلوريان وهو يشير للماء الدافئ:
"انقعي قدميكِ لمدة عشر دقائق… سيخفف التشنج ويُساعد جسدك على الاسترخاء قبل النوم."
جلست نيمورا بصمت، وضعت قدميها في الماء الدافئ، وشعرت للمرة الأولى منذ أيام أن حرارة بسيطة تُذيب الثقل عن أطرافها.
ارتشفت من كوب الشاي، فاختلط الطعم الحار بمرارة الدواء السابقة، لكن جسدها بدأ يستجيب فعلاً.
راقبها فلوريان للحظات، يطمئن لملامحها التي بدأت تفارق الشحوب.
فلوريان:
"هكذا أفضل… أظننا نحرز تقدمًا"
هزت رأسها بخفة وهي ما تزال تحتفظ ببرودها المعتاد، رغم أنها تشعر بالامتنان في داخلها:
نيمورا:
"شكرًا… لم أكن أظن أنني سأقبل المساعدة من مستشارٍ غريب"
ابتسم فلوريان برقة نادرة:
"وهل ما زلتِ تعتبرينني غريبًا؟"
لم تُجبه، فقط أزاحت نظرها عنه، في محاولة لتجنّب التورط في هذا السؤال.
بعد انتهاء العلاج، وقفت ببطء وهي ترتدي عباءتها الداكنة.
اقترب منها فلوريان ليعطيها قارورة صغيرة أخرى من الدواء.
فلوريان:
"تناولي جرعة ثانية قبل النوم. وسيرافقك أحد حرّاسي إلى جناحك"
ترددت لحظة ثم قالت:
"لا داعي… أستطيع الذهاب وحدي"
رفع حاجبه باستفهام خفيف:
"أميرة… أنتِ على وشك السقوط من الإرهاق. دعينا لا نبدأ خلافًا جديدًا الآن"
تنفست بعمق واستسلمت أخيرًا:
"حسنًا… فقط هذه المرة"
غادرت نيمورا الغرفة، يرافقها أحد الحرس بخطوات هادئة في ممرات القصر الواسعة.
كانت أرضيات الرخام اللامعة تعكس ضوء المشاعل، والهواء يحمل رائحة الزهور التي تُميز لورافين دائمًا.
كل خطوة كانت تُثقل جفونها أكثر، وكأن جسدها عاد يطالبها بنومٍ سُرق منه لأيام طويلة.
توقفت أمام باب جناحها، التفتت للحارس:
"شكرًا… يمكنك الذهاب."
انحنى باحترام وغادر.
دفعت الباب ببطء ودخلت.
الستائر البنفسجية كانت مسدلة، والسرير الكبير مُعدّ بعناية، وعلى الطاولة الصغيرة وُضع طبقٌ من الفاكهة وكوب ماء دافئ… يبدو أن فلوريان أرسلهم أيضًا دون أن يخبرها.
تنهدت بعمق، ثم همست لنفسها:
"يبدو أن هذا المستشار… لا يعرف متى يتوقف"
لكن ابتسامة صغيرة ظهرت على زاوية شفتيها… ابتسامة لم تنتبه لها.
أغلقت الباب خلفها، وسمحت أخيرًا لثقل الجسد والنعاس أن يسحباها إلى الداخل.
كهرمان محمد