زهور الفاوانيا

زهور الفاوانيا

26 0

أمام حقل زهور الفاوانيا، كانت ليوثارا تجلس، والحيرة تملأ قلبها، وعيناها تتجولان في الحقل بملل.

قاطع صفو أفكارها صوت فاليمر، وهو يحمل في يده كأس نبيذٍ أحمر.

فاليمر:

"أرأيتِ جمال هذه الأزهار؟ وألوانها البهية؟"

نظرت إليه بفتور، ثم حرّكت عينيها ببطء بعيدًا عنه.

ابتسم وأضاف قائلًا:

"لكنّكِ أجمل منها"

نظرت إليه باشمئزاز وقالت:

"ما هذا الغزل الرخيص؟"

ضحك فاليمر ضحكة عالية وقال:

"هذا الذي تسمّينه رخيصًا أوقع الكثيرات في شباكي"

ليوثارا:

"تعلم يا فاليمر؟ هذه مشكلتك… كلامك معسول مع جميع الفتيات ، أنت زير نساء!!!!"

شهق بصدمة درامية:

"أعلم يا عزيزتي، لا تقلقي"

ثم مال نحوها قليلًا:

"دعينا من حديثي المعسول، وأخبريني… ما سبب حيرتك وحزنك؟"

قالت وهي تحدّق في الأفق:

"لا شيء… فقط مللت الترحال"

فاليمر:

"أهذا كل شيء؟"

رفعت ذقنها بعناد، لكن صوتها خرج أهدأ مما كانت تشعر:

"بعض الأمور لا تستحق أن تُقال… خصوصًا حين لا نعرف إن كان الغد سيأتي كما نريده"

ابتسم ابتسامة خافتة لم تصل إلى عينيه:

"الغد لا يأتي كما نريده أبدًا… لكنه يأتي. وهذا يكفي أحيانًا"

اقترب خطوة حتى لم يبقَ بينهما سوى ذراع:

"وأرض الثعابين؟ أترى أن الغد سيأتي منها؟"

سكت لحظة، ثم قال بصوت أخفض:

"أراها مقبرة للغافلين "

ارتجف شيء في صدرها، لكنها أخفته سريعًا.

قالت بسخرية:

"إذن أنت خائف؟"

هزّ رأسه ببطء:

"أنا مستعد… وهذا أخطر من الخوف"

وقبل أن تجيب، وصل صوت خطوات خلفهما.

إيليون.

كان وجهه مشدودًا، وعيناه تمسحان الساحة كمن يبحث عن شيء ضائع.

قال مباشرة:

"نحتاجكم جميعًا بعد ساعة عند البوابة الشرقية.

الممر سيتحرّك قبل الغروب"

تبادلت ليوثارا وفاليمر نظرة سريعة.

قالت:

"أسرع مما توقّعنا."

أجاب إيليون:

"كل شيء يتحرك أسرع منذ بدأت اللعنة بالاستيقاظ."

ثم نظر إلى فاليمر:

"أين داركسيس؟"

ردّ:

"رأيته مع نيمورا في الجناح الخلفي"

تغيّرت ملامح إيليون قليلًا:

"إذن… الخطة بدأت"

بدأ القصر يتحوّل ببطء إلى خلية نحل.

فرسان ينتشرون، خيول تُسرّج، رايات تُطوى، وصوت الفولاذ يصطدم بالفولاذ في كل زاوية.

كان الاستعداد للرحيل محسوسًا في الهواء، كأن القصر نفسه يدرك أن هذه الرحلة لن تكون عادية.

وقفت نيمورا عند إحدى الشرفات العالية تراقب الجنود وهم يصطفّون.

انضمّ إليها فلوريان، رداؤه الفضي يتمايل بهدوء مع الريح.

قال:

"أريام طلب الإذن بالمغادرة عبر الممر الجنوبي… والموافقة صدرت منذ دقائق"

نظرت إليه:

"إذًا سنغادر قبل الغروب"

أومأ:

"بل قبل أن يتحرّك الممر نفسه"

وفجأة دوّى في الساحة صوت خطوات منظّمة.

خطوات ثقيلة، حاسمة، لا تعرف التردّد.

رأت نيمورا امرأة تتقدّم الصفوف، ترتدي درعًا أسود مصقولًا، وعلى كتفيها وشاح أزرق داكن يحمل ختم لورافين الملكي.

شعرها الأشقر معقود بإحكام، وعيناها البنفسجيتان… نسخة كاملة من عيني فلوريان.

همست نيمورا:

"فلوريان…"

قال بهدوء:

"أختي ، ريسيليا"

توقّفت ريسيليا أمامه مباشرة.

ملامحها نسخة مؤنثة منه؛ نفس الوقار، نفس النظرة الحادة، بلا أثر للّين.

قالت:

"الكتائب جاهزة، ثلاث فرق مشاة، فرسان حدود، وكتيبة الرماة الخاصة. لن نتحرّك خطوة دون إشارتك."

قال فلوريان:

"وأنا أُسلّم القيادة الميدانية لكِ كما اتفقنا. أنا مستشار المملكة… وأنتِ سيفها."

أومأت دون تردّد.

ثم التفتت إلى نيمورا:

"أنتِ أميرة موراليس."

لم يكن سؤالًا.

أجابت نيمورا بثبات:

"نعم."

قالت ريسيليا:

"سنرافقكم حتى نهاية الممر. بعد ذلك… تصبح أرض الثعابين مسؤوليتكم وحدكم."

ظهر داركسيس وأريام عند بوابة القصر.

نظر داركسيس إلى ريسيليا نظرة فاحصة:

"لورافين أرسلت أفضل ما لديها"

أجابت بهدوء حاد:

"نحن لا نرسل أقل من ذلك حين تتغيّر مصائر الممالك."

قال فلوريان:

"حان وقت الرحيل"

وفي الأفق، بدأت الشمس تميل، والممر الجنوبي يهمس بحركته الأولى.

اكتمل الاصطفاف عند البوابة.

الجنود في نصف دائرة صامتة.

الخيول تضرب الأرض بتوتر يشبه ما في الصدور.

ريسيليا في المقدمة.

فلوريان إلى جوارها.

داركسيس شدّ قفازه، ثم نظر إلى نيمورا نظرة قصيرة — كأنها وصية غير منطوقة.

أريام في الخلف، عيناه معلّقتان بنوافذ القصر، حيث تعرف روحه أن إيلارا تراقب من خلف الزجاج.

اقتربت ليوثارا من فاليمر. لم تقل شيئًا… لكنها لم تبتعد هذه المرة.

تأخر إيليون خطوة.

ثم التفت نحو البوابة حيث ظهرت لورين أخيرًا.

لم تقترب.

لم تتكلم.

وقفت هناك فقط… بعينيها العاتبتين وصمتها الأثقل من أي وداع.

التقت عيناها بعيني إيليون لثانية واحدة.

لم يعتذر.

ولم تبتسم.

ارتفع صوت ريسيليا:

"حان الوقت"

تحركت الخيول.

انفتحت البوابة ببطء، كأن القصر يتردّد في تركهم.

ومع أول خطوة خارج الأسوار،

هبّت ريح باردة غير مألوفة،

حملت معها ذرات سوداء خفيفة،

لا يراها إلا من كان ينتظر الشر.

رفع داركسيس رأسه إلى الأفق.

البحر كان مضطربًا.

والغبار الأسود… بدأ رحلته نحوهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سُلالة منسية

المؤلف كهرمان محمد
2025/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (41)
الفصل 23: رائحة الورد
2025/11/15
الفصل 1: أحتفال العقد الثاني
2025/10/03
الفصل 2: وصول سفراء العروش
2025/10/03
الفصل 3: نيران الفجر
2025/10/04
الفصل 4: خريطة الممالك الخمس
2025/10/04
الفصل 5: أجتماع اللعنة
2025/10/05
الفصل 6: شرارة الرحيل
2025/10/06
الفصل 7: وصول القافلة
2025/10/06
الفصل 8: أنين الوريثة
2025/10/07
الفصل 9: رياح الرحيل
2025/10/08
الفصل 10: المرأة المجهولة
2025/10/09
الفصل 11: أرض الحور
2025/10/10
الفصل 12: قوة جديدة
2025/10/12
الفصل 13: أسرار آن
2025/10/13
الفصل 14: أخطبوط الدامبو
2025/10/14
الفصل 15: السيف الملعون
2025/10/16
الفصل 16: ألثينا
2025/10/19
الفصل 17: ساحرة من نسل ملكي
2025/10/23
الفصل 18: موسم البحر
2025/10/26
الفصل 19: كتاب قديم
2025/11/02
الفصل 20: لورافين
2025/11/05
الفصل 21: رحلة جديدة
2025/11/07
الفصل 22: على ظهر الموج
2025/11/11
الفصل 24: أرض السّلام
2025/11/17
الفصل 25: فلوريان
2025/11/19
الفصل 26: حب جديد ... أو أهتمام سياسي؟
2025/11/28
الفصل 27: أرض الثعابين
2025/12/02
الفصل 28: ما بين اللطف والاشتباك
2025/12/15
الفصل 29: زهور الفاوانيا
2026/01/02
الفصل 30: عبور الممر الجنوبي
2026/02/08
الفصل 31: رونسبور
2026/02/10
الفصل 32: ألمسخ
2026/02/12
الفصل 33: اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
2026/02/16
الفصل 34: إعلان حرب
2026/02/25
الفصل 35: "بداية العاصفة"
2026/03/07
الفصل 36: ملح أسود
2026/03/12
الفصل 37: العيون البيضاء
2026/03/16
الفصل 38: أقتربت ألنهاية
2026/03/28
الفصل 39: نهاية سُلالة منسية
2026/04/10
الفصل 40: ما بعد النهاية
2026/04/11
الفصل 41: إهداء بسيط
2026/04/11

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة