الفصل الثامن عشر
موسم البحر… وعيون تترقب
أشرقت شمس اليوم التالي على مملكة الحور بلونٍ ذهبيٍ لامعٍ انعكس على مياه البحر الهادئة.
كان اليومُ يومًا خاصًا — موسم الصيد العظيم، حيث يبدأ الاحتفال السنوي الذي يجمع الأركان الساحلية جميعها، ويُقام فيه "رقص البحر المقدّس"… الرقص الذي يختار فيه البحر من سيقوص في أعماقه أولًا.
تزيّنت القاعات باللآلئ والأصداف المضيئة، وتعالت أصوات الموسيقى البحرية، واختلطت رائحة الملح بعطر الزهور المعلّقة في الممرات.
دخل الأمراء تباعًا، وكلٌّ منهم يحمل طابعه المميز: داركسيس الهادئ المتأمل، إيليون ذو الابتسامة الملكية، وفاليمر المفعم بالثقة.
كانت الأميرات الثلاث يقفن في جانب القاعة:
إيلارا بثوبٍ أزرق بلون الموج، ليوثارا بثوبٍ ذهبيٍّ متلألئ، ونيمورا التي اكتفت بزيٍّ بسيط يخفي اضطرابها الداخلي.
تقدّم قائد جيش موراليس، أريام، بخطواتٍ ثابتة وسط الحشد، درعه الفضي يلمع تحت الضوء، وصوته العميق يعلو بتحيةٍ رسمية:
"نيابةً عن مملكة موراليس، نُهدي مملكة الحور أمنياتِ النصر والبحر الهادئ في موسمهم الجديد. وقد أرسلت الملكة سيلفارا بعض الهدايا تعبيرًا عن امتنانها لكم."
تعلّقت أنظار كثيرة به ، لكنه لم يرَ أحدًا سوى إيلارا،
كانت نظراته نحوها هادئة، لكنها تحمل ما لم يُقال، وابتسامتها الخجولة أشعلت شيئًا في صدر إيليون الواقف بعيدًا يراقب بصمتٍ تام.
بدأت الموسيقى ترتفع تدريجيًا، وانسجم الحشد مع الإيقاع،
كانت هناك راقصاتٌ بثياب شفافةٍ خفيفة، مزينةٍ باللؤلؤ، يتمايلن بخفةٍ كأنهن زبد البحر لا أجساد بشرية.
اقترب إيليون من إيلارا وقال بابتسامةٍ لبقةٍ وهو يرفع كأسه:
"السيدة إيلارا، هل تشرفينني برقصة البحر الأولى؟"
لكن قبل أن تنطق، تقدّم أريام خطوةً للأمام وقال بثقةٍ هادئة:
"أعتذر يا صاحب السمو، لكنها وعدتني بتلك الرقصة منذ الصباح."
ساد صمتٌ قصيرٌ في القاعة، ورفعت إيلارا رأسها بتردد، ثم قالت بابتسامةٍ صغيرة:
"صحيح… وعدته بذلك."
انعقدت عضلة في فكّ إيليون، لكنه سرعان ما أخفى انزعاجه بابتسامةٍ دبلوماسية.
راقبهما وهما ينزلان إلى ساحة الرقص، تتمايل الأضواء تحت أقدامهما، وعيونهما تلتقي أكثر مما ينبغي.
حينها فقط، أدرك إيليون أن قلبها لا يمكن أن يصبح له.
همست إيلارا بخفوتٍ وهي تتبع خطوات أريام:
"متى وعدتك بذلك؟"
ابتسم أريام وقال بنصف ابتسامةٍ ساخرة:
"هل كنتِ تفضلين الرقص مع ذلك الأمير؟ مستحيل أن أتركك بين يديه."
وفي الجانب الآخر من القاعة، كانت ليوثارا تمسك بكأسها الزجاجي حين اقترب منها فاليمر بابتسامته المعتادة.
قال بصوته الماكر:
"لم أتوقع أن أراك الليلة بهذا الجمال يا ليوثارا… كنت أظن أن الضوء وحده من ينافس البحر."
رفعت حاجبها وسألته ببرود:
"هل تقول هذا لكل فتاةٍ تراها؟"
ضحك بخفة:
"ربما… لكن الليلة، لست أكذب."
نظرت إليه نظرةً فاحصة ثم مالت نحوه قليلًا وقالت:
"تعرف يا فاليمر؟ أنت تملك موهبةً نادرة في جعل النساء يكرهنك ببطء."
ثم رفعت قدمها بخفةٍ وضربت حذاءها بطرف قدمه قبل أن تكمل بتهكم:
"اذهب وابحث عن تلك المدعوة ديفني، ستناسبك أكثر."
تركته ومضت مبتسمة، تاركةً خلفها رائحة النبيذ وضحكته المندهشة.
وفيما الحفل يزداد صخبًا، انسحب داركسيس بهدوء من بين الحضور، تلحق به نيمورا عبر الممرات الخلفية الخالية من الخدم.
قالت وهي تهمس بخوفٍ مكتوم:
"هل أنت متأكد أن الكتاب هنا؟"
ردّ دون أن يلتفت:
"آن لا تترك شيئًا يخصّ اللعنة بعيدًا عن يدها… مكتبتها هي عقل القصر الحقيقي."
وصلا إلى بابٍ خشبيٍّ ضخم محفورٍ عليه رمز الغوص القديم.
قال داركسيس بهمسٍ حذر:
"هذا جناح آن."
فتح الباب ببطءٍ محدثًا صريرًا خافتًا،
وانبعثت رائحة الورق المبلل بالملح كأن البحر نفسه يتنفس بينهم.
قالت نيمورا وهي تتأمل السقف المقوّس المزين بالمرجان:
"كأن البحر نفسه يحرس هذا المكان…"
اقترب داركسيس من الرفوف وبدأ يقلب الكتب، وقال بصوتٍ خافت:
"ابحثي عن أي شيء يحمل ختم العائلة القديمة."
سحبَت نيمورا كتابًا مغطى بالغبار، وعليه علامة السيف الغارق.
ترددت قليلًا، ثم مدت يدها لتفتحه ،لكنها توقفت فجأة.
أمسكت صدرها بقلق، وقالت بصوتٍ مرتجف:
"انتظر… أشعر بشيءٍ قادم ، هنالك هالة تقترب "
رفع داركسيس نظره بحدة، فهمس:
"آن؟"
هزّت رأسها بسرعة:
"نعم، إنها تقترب… إذا راتنا ستحدث مشكلة"
أعاد داركسيس الكتاب إلى مكانه بسرعة، وأمسك بيدها،
سحبها من المكتبة نحو الممر الجانبي، وفي لحظةٍ خاطفة مزق جزءًا من سحاب فستانها من الخلف.
نظرت إليه مصدومة:
"ماذا تفعل؟!"
قال بثقةٍ باردة:
"نحتاج مبررًا… اصمتي واتّبعي الخطة."
وفي اللحظة التي فُتح فيها الباب،
كانت آن قد دخلت بثوبٍ أسود يلمع كالليل، نظرتها حادة، وابتسامتها لا تحمل دفئًا.
توقفت حين رأت المشهد أمامها:
داركسيس يقف بجانب نيمورا، يضع رداءه على كتفيها ليستر ظهرها المكشوف.
آن :" ماذا يجري هنا، ولماذا أنتم في جناحي "
انحنى داركسيس بانحناءةٍ مهذبةٍ وهو يتحدث بهدوءٍ مدروس:
"نعتذر يا سيدتي… تمزق سحاب فستانها أثناء الاحتفال، ولم يكن من اللائق أن تعود بهذه الهيئة أمام الجميع، فكان أقرب مكانٍ من القاعة جناحكِ ، وأنا أخشى أن تقع عليها أعين الحشد والخدم "
ثم أضاف بابتسامةٍ صغيرة:
"لم نرغب بإزعاجكِ ، وأكرر اعتذاري "
لم تردّ آن، لكنها اكتفت بنظرةٍ طويلةٍ جعلت نيمورا تشعر ببرودةٍ تسري في أطرافها.
مرّت لحظةٌ صامتة، ثم قالت آن بنغمةٍ غامضة:
"احذروا أن تعبثوا بموج البحر… فهو لا يرحم من يلامسه دون إذن."
نيمورا:" أستأذنك الآن يجب أن أبدل ثيابي "
وبالفعل خرجوا الاثنين من الجناح
بعد أن تأكدت نيمورا من ابتعادها، تنفست بارتياحٍ وقالت بصوتٍ منخفضٍ لداركسيس:
"كنا على وشك أن نُكتشف."
ردّ بنبرةٍ حازمةٍ وهو ينظر نحو الباب المغلق:
"لكننا لن نتوقف… لقد شمّت شيئًا، وأنا متأكد أن ذلك الكتاب هو ما نبحث عنه."
أجابته بجديةٍ وهي تصلح فستانها:
"سنعود لاحقًا… بعد أن يهدأ كل شيء "
ثم افترقا.
داركسيس عاد إلى القاعة متظاهرًا بالهدوء، بينما توجهت نيمورا إلى جناحها لتبدّل ثوبها الممزق .
كهرمان محمد