كان فاليمر ممدّدًا قرب جذع شجرة سوداء، عباءته مفتوحة قليلًا، وأنفاسه ما تزال غير منتظمة. لم يختفِ أثر السمّ تمامًا؛ جلده شاحب، وعيناه نصف مغمضتين، لكن الحياة لم تغادره بعد.
قال إيليون وهو يعيد إغلاق حقيبته الجلدية: "يحتاج إلى بعض الوقت. الترياق أوقف انتشار السم، لكنه استنزف جسده"
نظرت نيمورا إلى الظلام المتكاثف بين الأشجار، ثم قالت بحزم: "سنأخذ راحة قصيرة فقط. لا نملك ترف التأخير"
أومأ داركسيس موافقًا: "مع بقاء نوبات الحراسة… هذه الأرض لا تهاجم بالطريقة نفسها مرتين"
جلست ليوثارا قرب فاليمر بصمت. لم تلمسه، لكنها لم تبتعد. أما فاليمر… فابتسم بخفوت، كأنه شعر بوجودها رغم إغماض عينيه.
أطفؤوا أي مصدر للضوء، واكتفوا بدائرة حماية صغيرة، ثم استسلم المكان لهم… أو هكذا ظنّوا.
في مكانٍ آخر…
بعيدًا عن الغابة، وبعيدًا عن أرض الثعابين، داخل جناحٍ سريّ في موراليس، جلست ألثينا على عرشٍ متصدّع مصنوع من عظام سوداء.
كان جسدها شاحبًا إلى حدّ الذبول، كأن الحياة انسحبت منه قطرة قطرة. عروق داكنة تشقّ عنقها ويديها، وشعرها الطويل فقد بريقه، يتدلّى كظلٍّ ميت.
لكن عينيها… كانتا تلمعان.
ضحكت. ضحكة منخفضة، متقطّعة، محمّلة بشرٍّ قديم لم يبرد رغم السنين.
قالت بصوتٍ مبحوح، وكأن الكلمات تُنتزع من صدرها: "أشعر بهم… لقد دخلوا الغابة"
تحدث الرجل الواقف بجانبها بحذر: "هل سيخرجون أحياء؟"
رفعت يدها المرتجفة، فتكوّنت في الهواء صورة باهتة: الأمراء… الدماء الملكية… وخطوات تقترب من القلب.
ابتسمت ابتسامة مشقوقة: "أميراتي سيفعلن ما لم يجرؤ عليه غيرهن"
ثم انحنت قليلًا إلى الأمام، وعيناها تلمعان بجنون: "سيحصلن على السيف…"
وهمست، كأنها تخاطب جرحًا قديمًا: "وأنا… سأحصل على ثأري"
ارتجّ العرش تحتها، وانطفأت الصورة فجأة، تاركةً خلفها صدى ضحكتها يتردّد في الفراغ.
في الغابة…
تحرّك فاليمر أخيرًا، فتح عينيه ببطء، وخرج صوته أجشًّا: "كم نمت؟"
قال داركسيس: "ما يكفي لتبقى حيًا… لا أكثر"
حاول فاليمر الجلوس، فساعدته ليوثارا هذه المرة دون تردّد. تلاقى نظرهما لثانية صامتة، مشحونة، ثم ابتعدت.
قال فاليمر بابتسامة واهنة: "إذًا… ما زال السيف ينتظرنا؟"
أجابت نيمورا وهي تنهض: "نعم… وفي قلب الغابة"
نهض الجميع واحدًا تلو الآخر. الراحة انتهت.
أمامهم كان الظلام أكثر كثافة، الأشجار أعلى، والهواء أثقل… وكأن الغابة نفسها تستعد لاستقبالهم.
تحرّكوا. نحو القلب. نحو السيف. ونحو ما لم يخبرهم به أحد… وما لم تكن ألثينا وحدها تنتظره.
بعد سيرٍ دام يومًا كاملًا، تخلله تيهٌ وضياع عن المسار الأصلي بسبب تشابك الغابة وتداخل طرقها، وصلوا أخيرًا إلى منطقة غريبة في عمق القلب.
قالت نيمورا، وعيناها تضيقان: "أشعر بطاقة هائلة منبعثة من مكان ما"
أجاب إيليون: "لقد اقتربنا"
تابعوا السير حتى وقفوا أمام مدخلٍ ضخم يشبه فوهة كهفٍ مفتوحة.
قالت ليوثارا بصوت منخفض وهي تحدّق في الجدران: "هذا المكان… لا يحب الأحياء"
ابتسم فاليمر ابتسامة مشدودة: "ولا نحن نحب الأماكن التي تحبّنا كثيرًا"
قطع حديثهما صوت غريب. همهمة خافتة، كأن آلاف الأصوات تتهامس من داخل الحجر نفسه.
توقفت نيمورا فجأة: "هل تسمعون؟"
قال إيليون: "الممر يختبر العابرين"
اقترب داركسيس منها خطوة: "لا تنصتي لأي شيء… تابعي السير فحسب"
تابعوا التقدّم. لكن الممر بدأ يضيق. الجدران اقتربت، الضوء خفَت، والهواء أصبح أثقل.
ثم ظهرت العلامات الأولى. بقع سوداء على الصخور… غبار أسود يتساقط ببطء من الأعلى، يلتصق بالدرع والملابس ثم يتلاشى كالدخان.
شهقت نيمورا: "هذا هو الغبار الذي تحدّثتَ عنه…"
قال داركسيس بحدة: "نعم… وهو لا ينتمي لهذا العالم"
وفجأة اهتزّ الممر. صوت تكسّر عميق، كأن شيئًا هائلًا تحرّك تحت أقدامهم.
رفعت ليوثارا سيفها: "استعدّوا!"
ومن بين الجدران، بدأت كيانات غريبة بالظهور. لم تكن مخلوقات واضحة المعالم، بل تشوّهات سوداء ينبعث منها ضوء رمادي، أطراف غير مكتملة، وأجساد كالدخان المتجمّد.
هتف إيليون: "كيانات الممر!"
اندفعوا. اصطدم الفولاذ بالظلال، وانفجرت شرارات فضية مع كل ضربة. الضربات تمزّق الظلام، لكنه كان يعيد تشكيل نفسه من جديد.
داركسيس قاتل بصمتٍ قاتل. حركاته سريعة ودقيقة، كأن سيفه يعرف الطريق وحده.
رفعت نيمورا يديها، وانطلقت تعويذة ضوء شقّت الممر بنبضٍ أبيض، مزّقت الكيانات إلى شظايا دخان.
كان فاليمر يقاتل إلى جوارها. وفي لحظة، حين حاول أحد الظلال الالتفاف خلفها، اندفع داركسيس دون تفكير، وتلقّى الضربة بدلًا منها.
صرخت: "داركسيس!"
نظر إليها سريعًا، والدم يسيل من ذراعه: "لا شيء… لا تشتّتي تركيزك."
لكن الممر لم يكن قد انتهى.
ارتفع صوت جديد. صوت عميق، قادم من قلب الصدع نفسه.
قال إيليون، وصوته مشدود: "الوصيّ…"
توقّف كل شيء لثانية. ثم انشقّ الجدار الأمامي، وظهر كائن هائل، بلا هيئة واضحة، مجرد كتلة من حجر وظلال، وفي وسطها عين واحدة بلون الغبار الأسود.
قال بصوتٍ مخيف: "لن يمرّ… إلا من ورث دماء أصحاب السيف."
تبادلوا النظرات. قال إيليون: "أصحاب السيف؟ وما معنى هذا؟"
لم يُجب الكائن، بل مدّ ذراعه.
قال فاليمر باستياء: "عن ماذا يتحدث هذا المسخ؟"
لكن نيمورا تقدّمت فجأة. أخرجت خنجرها، وشقّت راحة يدها دون تردّد. سال الدم.
اقتربت وأسقطت قطرات الدم على يد الكائن، وسط صدمة الجميع، ونظرة داركسيس التي بدت وكأنها تفهم ما يحدث.
قالت نيمورا: "هيا يا ليوثارا… إيلارا، اقتربن"
تردّدتا. قالت ليوثارا: "نيمورا، ماذا يحدث؟"
أجابت بحزم: "لا وقت للشرح"
أمسكت يد ليوثارا وأحدثت فيها جرحًا صغيرًا. "قطّري دمك."
قالت ليوثارا متألمة: "حسنًا… حسنًا"
ثم جاء دور إيلارا. لم تشرح نيمورا شيئًا، بل لفّت أحد ظلالها حول يدها وأحدثت الشق. تعالت صرخة إيلارا: "آه! يدي تؤلمني، ماذا فعلتِ؟!"
امتزجت دماؤهن الثلاثة على يد الكائن.
قال بصوتٍ أجوف: "يمكنكم الدخول الآن."
تحرّك الجميع، لكن الكائن زمجر بغضب: "فقط أصحاب الدماء يمكنهم الدخول"
قال فاليمر بغضب: "مستحيل! بالتأكيد لن نتركهن يدخلن وحدهن"
تقدّمت نيمورا بخطوات ثابتة وقالت: "يجب أن ندخل. لا يوجد وقت"
قالت ليوثارا بحدة خفيفة: "نريد تفسيرًا قبل هذا"
تنهدت نيمورا، وألقت نظرة خاطفة نحو داركسيس قبل أن تجيب: "كل ما في الأمر أن آن قالت سابقًا إن دماء موراليس هي الحل… ونحن وريثات المملكة، هذا كل شيء. لذلك توقعت أن دماءنا هي مفتاح الممر"
قال إيليون بشك واضح: "هذا كل شيء؟"
هزّت نيمورا رأسها قليلًا: "أتوقع… أجل"
وبالفعل بدأن في التقدّم نحو المدخل.
وقبل أن تعبر نيمورا، أمسك داركسيس يدها فجأة وجذبها إليه.
اقترب منها حتى صار صوته خافتًا لا يسمعه سواها:
"كوني حذرة. وإن حدث أي شيء… لا تترددي في الهروب. أتسمعينني؟"
نظرت إليه لحظة قصيرة، عيناها ثابتتان، ثم أومأت دون كلام.
وتابعت السير مع أخواتها.
عبرن المدخل بمجرد دخولهن قفل الباب الحجري .
في الداخل، كانت الغرفة أشبه بقوقعة حجرية ضخمة، جدرانها منحنية ومتداخلة كأنها نُحتت من قلب صخرة عملاقة.
وفي المنتصف…
كان السيف.
مزدانًا بأحجار كريمة، ومقبضه حجر روبي أحمر يتوهج بشدة، يبعث ضوءًا قرمزيًا غنيًا ينبض كأنه قلب حي.
كانت أغصان سوداء ذابلة تلتف حوله، تتدلّى من السقف، وترفعه عن مستوى الأرض كما لو أنها تحتضنه… أو تقيّده.
ساد صمت ثقيل.
لكن فجأة وضعت ليوثارا يدها على صدرها، وانحنت قليلًا وهي تهمس بألم: "أشعر… أن قلبي يتمزق"
شهقت إيلارا، وامتلأت عيناها بالدموع: "آه… ما هذا الألم؟ قلبي يؤلمني!"
لم يكن حال نيمورا أفضل منهما.
تجمّدت للحظة، ثم سقطت على ركبتها من شدّة الألم، أنفاسها تتقطّع، ويدها تضغط بقوة على صدرها ، سقطت دموعها بألم
لم يكن الألم جسديًا فقط…
كان شيئًا أعمق.
كأن السيف لا يستقبل دماءهن…
كانت أنفاسهن متقطّعة، والألم يزداد كلما اقترب وهج الروبي من الاحمرار.
قالت ليوثارا بصعوبة: "إنه… يمتصّ شيئًا منّا"
رفعت نيمورا رأسها رغم الألم، عيناها مثبتتان على الأغصان السوداء التي تلتف حول السيف.
إيلارا:" علينا نزع السيف والخروج "
مدّت ليوثارا يدها المرتجفة نحو أحد الأغصان السوداء
وبدأت في سحبة لإخراج السيف
صرخت بسرعة " هيا أسحبا معي "
مسحت نيمورا دموعها بظهر يدها، وتقدّمت خطوة رغم الألم الذي يشقّ صدرها وبدأت في سحب السيف
قالت بصوتٍ مبحوح لكنه ثابت: "أنا لست خائفة ، نستطيع فعلها "
تقدّمت إيلارا خطوة وبدأت في مساعدتها
تراجعت الأغصان قليلًا.
لاحظت إيلارا ذلك، شهقت: "إنها تستجيب!"
ليوثارا بألم:" سوف ننجح "
تقلّصت الأغصان أكثر، والوهج الأحمر بدأ يهدأ.
قبضت نيمورا على المقبض بكل قوتها…
وسحبت.
صرير عميق دوّى في الغرفة، كأن شيئًا قديمًا انكسر.
الأغصان السوداء تفتّتت وتحولت إلى رماد،
والسيف انفصل أخيرًا.
وفي اللحظة نفسها
تشقّقت أرض القوقعة.
قالت ليوثارا بحدة: "الغرفة تنهار!"
لكن بدل أن يسقطن، انفتح خلفهن ممر ضوئي ضيق، نفس اللون القرمزي لكن أكثر صفاءً ، لقد انفتح باب الغرفة الحجري
نظرت نيمورا إلى أخواتها: "اركضن!"
اندفعن نحو الممر، والأرض تتفتّت خلفهن.
ما إن عبرن حتى انغلق الضوء فجأة.
وفي الخارج
اهتزّ الصدع.
تراجع الوصيّ خطوة، وعينه السوداء انطفأت تدريجيًا.
ثم…
انفتح الممر من جديد.
وخرجن.
نيمورا تمسك السيف، والروبي ما زال ينبض… لكن هذه المرة بنبضٍ متناسق
ساد صمت ثقيل.
إيليون:" إنه السيف !!!"
كهرمان محمد