الفصل الثامن: أنين الوريثة
في ساحة التدريب، كانت ليوثارا تتبارز مع أحد فرسان المملكة.
لم تكن تتدرب من أجل المهارة، بل لتفرغ ما يضج داخلها من أفكار تؤلمها.
كانت ضربات سيفها حادة، تحمل الغضب والارتباك، إلى أن دخل فاليمر.
وقف يتأملها، مركزًا نظراته عليها وكأنه يقرأ ما وراء ملامحها.
اضطربت ليوثارا لتلك النظرات، وازداد خفقان قلبها.
أنزلت سيفها، واستدارت للمغادرة، لكنه تقدم بخطوة ليعترض طريقها.
قال بهدوء:
فاليمر: "دعينا نجلس ونتحدث."
لم يتوقع أن توافق، لكنها فعلت. جلسا على منصة المشاهدة، والريح تعصف بشعرها الذهبي كأنها تفضح اضطرابها.
ليوثارا: "ماذا تريد مني؟"
فاليمر: "هل أنتِ بخير؟"
ليوثارا: "نعم، بخير... ولكن لماذا هذا السؤال؟"
فاليمر: "لا تكذبي. رأيت الحزن في عينيك. هل أزعجك سؤال إيليون؟"
ليوثارا: "لا، فَسؤاله منطقي. وأتوقع أنه خطر ببالكم جميعًا... لكن كلماته أعادت إلى رأسي ذكرى قديمة."
سألها بهدوء ممزوج بالحذر:
فاليمر: "هل عن والدك المتوفّى؟ أم عن أخيك؟"
صمتت قليلًا، ثم قالت بصوت مرتجف:
"لم أكن قريبة من والدي. في الحقيقة، لم يعترف بي قط.
كل اهتمامه كان موجهًا لـ(إيثريون)، وريثه الذكر وصاحب الكَمّ من بعده.
أما أنا... فكنت مجرد طفلة أخرى، وكم تمنى أن أكون ذكرًا.
حتى حين وُلدت، أراد دفني كما فعل مع بقية أخواتي."
اتسعت عينا فاليمر دهشة:
فاليمر: "أخوات؟!"
تابعت وهي تبكي بصوت مخنوق:
"نعم، كان والدي مهووسًا بالوريث. كل يوم مع امرأة مختلفة.
اثنتان منهن أنجبتا إناثًا، فدفنهُنّ لأنه رآهُنّ لعنة.
لكن حين تعرّف على الملكة سيلفارا، وولدت له الذكر، جعلها زوجته،
وربما خشي حزنها، فتركني هذه المرة على قيد الحياة.
تركَني... وتركَ إيلارا، ثم مات، فيما كانت نيمورا لا تزال في بطن الملكة."
انفجرت بالبكاء، واهتز جسدها.
اقترب فاليمر منها ومسح دموعها برفق:
فاليمر: "أنتِ لستِ لعنة، بل ملاك... كيف لصاحبة العيون التي تشبه العسل الصافي أن تكون لعنة؟
لا تبكي، فصوتك يضعفني، وأنا أكره الضعف."
ارتبكت ليوثارا، وكأن قلبها سينفجر، لكنها أخفت اضطرابها قائلة بحدة مصطنعة:
ليوثارا: "هل ترغب في مبارزةٍ ثانية؟"
نظر إليها باستغراب:
فاليمر: "الآن؟"
ليوثارا: "نعم، أم تخاف الخسارة؟"
ضحك بخفة:
فاليمر: "حسنًا، هيا بنا."
وانغمسا في الأحاديث والمبارزة، حتى غطى الظلام الساحة، وذابت التوترات بين ضربات السيوف.
وفي مكانٍ آخر، كانت نيمورا تراقص الظلال تحت نفس الشجرة التي رأت عندها داركسيس من قبل.
كانت مستمتعة بعبثها، حتى لمحت إيلارا وأريام تحت ضوء البحيرة، يضحكان ويتحدثان.
ابتسمت بخبث وتقدمت نحوهما.
نيمورا: "أيها العاشقان، ماذا تفعلان هنا؟"
شهقت إيلارا بخجل:
إيلارا: "لا... لا شيء، كنا نتحدث فقط!"
ضحكت نيمورا قائلة:
"لو رأتكما الملكة سيلفارا، لعلّقتكما في سقف جناحها"
تحدث أريام بخجلٍ أكبر:
أريام: "هل الأمر واضح إلى هذه الدرجة؟"
نيمورا: "ربما... لكنني أعرف منذ زمنٍ أنكما تحبان بعضكما.
يكفي أن أذكر اسمك لتتحول وجنتاها إلى الفراولة!
لكن لا تقلقا، لن يعلم أحد. تعلمون رأي الملكة، فهي تعتبرك ابنًا لها، وأخًا لنا "
ارتبكت إيلارا وقالت وهي ترفع نظرها نحو القمر:
إيلارا: "لقد تأخر الوقت، يجب أن نعود."
ضحكت نيمورا بخفة وهي تسير مبتعدة:
"كما تشائين، لكن وجهك الآن صار كحبة طماطم، لا فراولة!"
سارت نيمورا قاصدة جناح الملكة، بخطوات واثقة يُخفي هدوؤها فيضًا من القوّة.
دفعت الباب بخفة، لتجد في الداخل داركسيس وإيليون يجلسان أمام الملكة سيلفارا، وقد بدت على ملامحهم علامات انشغالٍ واضح، وكأنهم غارقون في حديثٍ مهم.
قالت نيمورا وهي تنحني قليلًا:
"آسفة إن قطعت حديثكم، أردت فقط الاطمئنان عليكِ يا جلالتك"
ابتسمت سيلفارا ابتسامة صغيرة وقالت بنبرة دافئة:
"لا عليكِ يا عزيزتي، ادخلي. نحن فقط نناقش بعض الأمور السياسية"
تقدّمت نيمورا وجلست بالقرب من والدتها، تتأمل الوجوه أمامها.
كان داركسيس متكئًا على ذراعه، ملامحه جامدة كالجليد الذي يجري في عروقه ،
نظرت في عينيه، كانتا بلون الرماد الفاتح، تشبهان غيوم الشتاء قبل المطر.
أما إيليون فكان صامتًا، يعبث بخاتمٍ فضيّ في إصبعه وكأنه يطرد به أفكارًا لا يريد البوح بها.
تابعت الملكة حديثها بنبرة حازمة:
"كما قلت، غدًا صباحًا سيكون التحرك.
ستنطلق من ضفاف موراليس أربع سفن
الأولى هي التي أتى بها الوزير ماريل ووفده،
الثانية ستكون مخصصة لكم ومجهزة بكل ما تحتاجونه،
الثالثة تحمل نخبة من محاربينا لأنني لا أثق بقرارات كاليزار،
أما الرابعة فتحمل الهدايا لأرض الحور، لأن مملكة موراليس لا تدخل أرضًا إلا وتترك أثرًا من الخير"
تنهد داركسيس بخفوت، وهمس لنفسه:
"أي خيرٍ هذا؟ موراليس لا تجلب إلا المصائب"
رفع إيليون نظره نحوه فجأة، وقال بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
"احذر كلماتك، فموراليس إن جلبت العواصف، كانت دائمًا تعرف متى تهدأ"
تجمّد الجو لحظة، لتكسر نيمورا الصمت بابتسامة جانبية:
"بل يبدو أن كليكما نسي أن ما ينتظرنا هناك قد يكون أبعد من خيرٍ أو عاصفة"
تبادل الثلاثة نظراتٍ غامضة، وكأن شيئًا غير مفهوم يربط مصيرهم بما هو قادم، قبل أن تُنهي الملكة الحديث قائلة:
"تهيأوا جميعًا، فالفجر القادم لا يشبه ما قبله"
كهرمان محمد