الفصل التاسع: رياح الرحيل
طلع الفجر على مملكة موراليس بلونٍ رماديّ خافت، كأن السماء تتردّد في توديعهم.
على الميناء، اصطفت السفن الأربع كأنها جيوشٌ من الخشب والذهب تنتظر إشارة الانطلاق.
كانت الأعلام تتراقص في الهواء، وصوت الجنود يمتزج بصرير الحبال وهدير البحر.
على السفينة الثانية — المخصّصة للأمراء والأميرات — كان كلّ شيءٍ يضجّ بالحركة.
الطيور تحوم فوق الصواري، والموج يصعد ويهبط كأن البحر نفسه يشاركهم الحماس.
جلست إيلارا على حافة السفينة تراقب الأفق، والنسيم يداعب شعرها المنسدل.
اقترب منها إيليون بخطواتٍ هادئة، وقال بابتسامة صغيرة:
إيليون: "يبدو أنكِ تحبين البحر."
نظرت إليه بارتباك:
إيلارا: "أحب اتساعه... يجعلني أشعر أن لا حدود لشيء."
إيليون: "وهل فكرتِ أن الاتساع قد يُخفي الغرق أحيانًا؟"
قبل أن ترد، جاء أريام بخطواتٍ سريعة وصوتٍ حادّ قليلًا:
أريام: "إيلارا، يجب أن تكوني في الداخل، الشمس قوية هنا."
نظرت إليه بدهشة:
إيلارا: "ولكن—"
قاطَعها بابتسامةٍ مصطنعة، وهو يوجّه نظرة جانبية نحو إيليون:
أريام: "ليس من اللائق أن تبقي في الخارج طوال الوقت... خاصة حين يكون حولك من لا يعرف معنى الحدود."
رمش إيليون ببرود، ثم قال بسخريةٍ لطيفة:
إيليون: "أظن أن الحدود هي ما يصنع الكرامة... أليس كذلك، يا قائد جيش موراليس؟"
اقترب أريام خطوةً، والبحر من حولهما يهدر كأنه يراقب بصمت، لكن إيلارا وقفت بسرعةٍ بينهما وقالت بحدةٍ ناعمة:
إيلارا: "كفاكما! البحر لن يتحمّل معركتين في يومٍ واحد!"
تبادلا النظرات للحظةٍ، ثم تراجع كلٌّ منهما في صمتٍ ثقيل.
في الطرف الآخر من السفينة، كانت ليوثارا تتكئ على السور، تراقب مشهد البحر الواسع كأن لا نهاية له.
اقترب منها فاليمر وقال ساخرًا:
فاليمر: "تبدين سعيدة، على غير العادة."
ليوثارا: "حتى سعادتي تُدخل فيها أنفك؟ لا شأن لك."
فاليمر: "صدقيني... أنتِ مجنونة وعصبية، وأيضًا—"
قاطعته بغضب:
ليوثارا: "اصمت يا من يظن نفسه فارسًا وهو لا يملك سوى لسانٍ طويل!"
ابتسم بوقاحةٍ لطيفة وقال:
فاليمر: "على الأقل لساني لا يخسر أمام السيوف، مثلك تمامًا بالأمس."
اتسعت عيناها وقالت مهددة:
ليوثارا: "تجرؤ وتقول هذا أمام الجميع؟"
فاليمر: "قلتِها بنفسك، الجميع يعرف."
صرخت:
ليوثارا: "أيها الأحمق!"
ورفعت سيفها، لكنه كان أسرع منها وسحبه من يدها بخفة.
قال وهو يضحك بصوتٍ عالٍ:
فاليمر: "سأضيف إلى قائمة عيوبك أنك بطيئة!"
ليوثارا: "قائمة ماذا؟ أيها اللعين! لن أرحمك هذه المرة، سأحرقك حتى تتفحّم!"
تجمّع بعض الجنود يراقبون القتال الطفولي الذي بدأ يتحوّل إلى ضحكٍ وصراخٍ وتبادلٍ للشتائم النبيلة.
أما نيمورا، التي كانت تراقب من بعيد، وضعت يدها على رأسها وقالت بملل:
نيمورا: "اثنان من أمراء الممالك العظمى يتقاتلان لأن أحدهما لا يعرف كيف يُغلق فمه!"
رد داركسيس بهدوء وهو يراقب البحر:
داركسيس: "ربما الضجيج أفضل من الصمت... الصمت يجعل الناس تفكر أكثر مما يجب."
نظرت إليه بخبث:
نيمورا: "وهل أنت تفكر كثيرًا يا سيّد الجليد؟"
قال ببرودٍ لا يخلو من الغموض:
داركسيس: "أنا فقط أنتظر أن تتوقف الأمواج... وعندها سيبدأ ما هو أهم من التفكير."
انطلقت السفينة تشقّ الموج بقوة، ورذاذ الماء يبلل وجوههم.
بين الحماس والضحك والغيرة والجدال، كانت الرحلة تحمل شيئًا خفيًّا لا يشعر به أحد...
اهتزازًا خفيفًا في عمق البحر، كأن شيئًا ما يراقبهم من الأعماق.
لكن لا أحد انتبه لذلك... بعد.
في وقتٍ لاحق، جلس الجميع حول طاولةٍ خشبية مربوطةٍ بالسلاسل حتى لا تسقط مع حركة الأمواج.
كان البحر هادئًا، لكن الحديث لم يكن كذلك.
ألقى فاليمر بقطعة خبزٍ على وجه ليوثارا وهو يضحك:
فاليمر: " إصابة دقيقة كالعادة!"
صرخت ليوثارا:
ليوثارا: "أقسم إنك طفل في جسد رجل! توقف قبل أن أرميك في البحر!"
تحدث داركسيس بعدما نفد صبره:
داركسيس: "أقسم لكما، لو رأيتكما تتشاجران مرة أخرى، سأرمي بصقيعي عليكما وأجعلكما تمثالين من الثلج!"
صمت الجميع، ما عدا فاليمر الذي قال ضاحكًا:
فاليمر: "افعل ما تشاء، فلن أصمت، وسأرفع سيفي في وجهك إن لزم!"
نظرت نيمورا نحو داركسيس لتقيس مدى غضبه، لكنها صرخت عندما رأته يمد يده بثبات:
نيمورا: "داركسيس، لا! ليس هنا!"
لكن الأوان كان قد فات.
تجمّد طرف الكرسي الذي يجلس عليه فاليمر، فصرخ وهو يتشبث بالطاولة، بينما انفجر الجميع بالضحك.
حتى داركسيس نفسه ابتسم ابتسامةً خافتة، كأن شيئًا في قلبه ذاب مع البحر.
لكن قهقهاتهم انقطعت فجأة...
حين اهتزّت السفينة بعنفٍ غير مألوف، حتى اختلّ توازن الجميع وسقطت إيلارا على الأرض.
ارتفع صوت الموج كأنه يصرخ، وبدأت الرياح تعصف من كل جانب.
كانت رياح الرحيل قد تحوّلت إلى ما يشبه التحذير...
تحذير من شيءٍ لم يره أحد بعد.
كهرمان محمد