اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
اهتزّت الأرض بعنف، وكادوا يسقطون لولا أنهم تماسكوا في اللحظة الأخيرة.
صرخ داركسيس: "هيا! لنخرج بسرعة!"
اندفعوا مبتعدين عن منطقة الاهتزاز، يركضون ما استطاعوا حتى وصلوا إلى أبعد نقطة ممكنة.
كانوا يلهثون، متعبين، وقلوبهم تخفق بعنف يكاد يُسمع.
توقّف إيليون أخيرًا، منحنياً قليلًا وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم قال بصوت متقطّع: "لنتوقّف… لقد تعبت"
هدأ الاهتزاز خلفهم، ولم يبقَ سوى صدى بعيد يشبه أنين الأرض.
كانت الأشجار هنا أقل كثافة، والهواء أخف قليلًا، كأن الغابة نفسها سمحت لهم بالتقاط أنفاسهم… مؤقتًا.
جلس فاليمر أولًا على صخرة قريبة، يمرّر يده على جبينه المبلل بالعرق.
ليوثارا انحنت، تسند كفّيها إلى ركبتيها، تحاول تهدئة ضربات قلبها المتسارعة.
أما إيلارا فرفعت وجهها نحو السماء التي بالكاد تُرى بين الأغصان، وأغمضت عينيها لحظة طويلة.
قال إيليون بهدوء متعب: "سنرتاح قليلًا فقط… لا نريد أن نفقد قوتنا. دعونا نُبقي تركيزنا على السيف. لقد حصلنا عليه… ستنتهي اللعنة!"
ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن صمت خوف هذه المرة…
بل صمت نجاة مؤقتة.
قالت إيلارا بسعادة خفيفة: "أتمنى أن ينتهي كل شيء. وأعدكم… إن كسرنا هذه اللعنة المشؤومة وتحررت الممالك، سأقيم حفل زفاف ضخمًا… وسأتبرع للفقراء."
تحدثت ليوثارا وهي تنظر إلى السيف في يد نيمورا: "آه… ما أجمل هذا السيف"
قال فاليمر: "بالفعل، إنه سيف فاتن بشكل سحري"
أجاب داركسيس بجدية: "إذا أردنا كسر اللعنة، فعلينا حماية السيف. فكرت في صنع صندوق جليدي نحفظ فيه السيف حتى وصولنا إلى موراليس"
قال فاليمر بشك: "لكن… ألن يذوب الجليد؟"
ابتسم داركسيس بثقة: "لا تستهين بقدرات جليدي يا فاليمر"
وافق الجميع على فكرته، وبالفعل صنع صندوقًا مستطيل الشكل، متعدد الطبقات، متماسك البنية.
اقتربت نيمورا، ووضعت السيف — الذي كان يتوهج بلون أحمر نابض — داخل الصندوق.
وبعد الانتهاء…
ابتعدت نيمورا بضع خطوات دون أن تثير الانتباه، وكأنها تبحث عن مكان أكثر هدوءًا.
وقفت عند جذع شجرة عتيقة، تستند إليه. أنفاسها لم تعد مضطربة كما كانت… لكنها لم تكن مستقرة أيضًا.
كانت تنظر إلى الأرض، غارقة في أفكارها.
بعد لحظات، سُمعت خطوات خلفها.
لم تلتفت.
عرفت من هو.
توقّف داركسيس على مسافة قريبة منها؛ لا بعيدة بما يكفي لتكون غربة، ولا قريبة بما يكفي لتكون جرأة.
ساد بينهما صمت مختلف…
صمت لا يشبه صمت الفريق.
تحرّكت أوراق الشجر مع نسمة خفيفة، وانعكس ضوء خافت على وجهيهما.
وفجأة استدارت نيمورا وارتمت في حضنه، تحاول كتم دموعها، لكن كتفيها ارتجفا رغماً عنها.
رفع يده وربّت على رأسها برفق.
قال بهدوء: "سيكون كل شيء على ما يرام"
همست بصوت مكسور: "كيف سأستطيع مواجهتها؟"
أجاب بهدوءٍ مصطنع يخفي قلقه: "سنكون معًا. تذكّري… هي اللعنة، وسجن الممالك مرتبط بدقات قلبها الحي"
ازدادت دموعها: "لكنها… أمي. كيف… كيف سأقتـ…"
لم تستطع إكمال جملتها.
قال بحزم لطيف: "قلت إننا سنكون معًا. يجب أن تكوني قوية… من أجل أخواتك"
همست: "أنا أخاف من ردّة فعلهن"
قال: "الوقت كفيل بمداواة هذا الجرح"
سكتت، وغرقت في ذاكرة الأمس.
في الأمس، بينما كان الجميع يستريح بعد هجوم ذلك الرونسبور، سرحت نيمورا في أفكارها؛ منذ أرض الحور وحتى هذه اللحظة.
قطع شرودها لمسة داركسيس على كتفها.
"ما بكِ؟"
"لا شيء."
نظر إليها بغضب خافت، وضغط على كتفها قليلًا: "لا تستمري في الكذب. هل تظنين أنني غبي أو أعمى؟ لقد رأيت تغيّرك منذ أرض الحور… والسر الذي تخفينه"
انهارت. لم تستطع حبس دموعها أكثر.
قالت بانكسار: "اللعنة… في ألثينا نفسها… سيلفارا"
لم يفهم شيئًا.
"ما علاقة ألثينا، ابنة الساحر، بأمك؟ وكيف تكون هي اللعنة؟ لا أفهم"
قالت والدموع تنهمر أكثر: "ألثينا هي سيلفارا… وهي اللعنة. والسيف هو الحل… ليس العكس"
نظر إليها بصدمة: "وضّحي أكثر"
قالت بصوت متكسّر: "لا أعرف كل شيء… لكن هذا ما فهمته من الكتاب. أتذكر ذلك الكتاب في أرض السحر؟"
أجاب:"نعم، ولم نستطع قراءته"
"لقد أخذته قبل مغادرتنا. جعلت أحد ظلالي يلتف حوله ويجذبه نحوي، وأخفيته داخل سترتي. وعندما ذهبت لتبديل ملابسي، قرأته. لم أفهم الكثير لأنه بلغة غريبة… لكنني فهمت ما يكفي"
وفي الحاضر، كان الفريق ما يزال مشغولًا باستعادة أنفاسه، غير منتبه لذلك الفراغ الصغير الذي تكوّن بعيدًا عنهم…
فراغ يكفي لحديث لا يُقال أمام الجميع.
صمتت نيمورا.
لم تُكمل حديثها.
مسحت دموعها سريعًا، وابتعدت خطوة عن داركسيس، كأنها أعادت بناء جدارها في لحظة واحدة.
قالت بهدوء متماسك: "بعد خروجنا من أرض الثعابين سأخبرهم بكل شيء وقبل وصولنا لموراليس سنكون جاهزين للمواجهة "
نظر إليها طويلًا، ثم أومأ. "سنفعلها معًا لن تكوني وحدك "
لم يطل بقاؤهم لأنهم قرروا الخورج من هذة الأرض اللعينة
عبروا آخر ممرات أرض الثعابين، وخلفهم كانت الأشجار الفاتنة تبهت تدريجيًا، كأنها تفقد سحرها مع ابتعادهم.
وحين ظهرت حدود لورافين أخيرًا…
تجمّدوا.
لم يكن المشهد كما توقّعوا.
الجنود المرابطون عند الحدود كانوا ملقين أرضًا، بعضهم يتلوّى من الألم، وآخرون ساكنون بلا حراك.
الهواء نفسه كان مشبعًا برائحة احتراق خفيف.
وعلى بعد خطوات—
وقفت هي.
سيلفارا.
رداؤها الداكن ينسدل بهدوء غير طبيعي، وشعرها الطويل يتحرك مع نسمة خفيفة كأنه ظلّ حي.
ملامحها ساكنة… وذابلة أكثر مما ينبغي.
وحولها وقف حارثيون، بهيئات بشرية، لكن أعينهم تلمع ببريق سحري بارد.
واضح أنهم ليسوا مجرد حراس… بل سحرة.
وعلى الأرض أمامها—
ريسليا.
فلوريان.
أريام.
مقيّدون بطاقة خفية، أجسادهم شبه مشلولة، بالكاد قادرين على الحركة.
شهقت إيلارا: "أمي!"
وقالت ليوثارا بفرح مشوب بالذهول: "أمي! أنتِ بخير؟ ماذا أصاب جسدك "
اندفعتا خطوة للأمام—
لكن نيمورا لم تتحرك.
وجهها شحب، لكن عينيها لم تهتزّا.
همست: "تراجعا"
لم تسمعاها.
في اللحظة نفسها، تقدّم داركسيس خطوة بجانب نيمورا، ويده بدأت تتجمّد بطاقة جليدية واضحة.
قال منخفضًا: "الآن"
لكن قبل أن يتحرّكا—
رفعت سيلفارا إصبعين فقط.
وتجمّد الهواء.
شعرت نيمورا وكأن جسدها غارق في حجر.
لم تستطع تحريك قدمها… ولا حتى أصابعها.
داركسيس أيضًا شُلّ مكانه، عينه متّسعة بصدمة مكبوتة.
ابتسمت سيلفارا ابتسامة هادئة… باردة.
ثم تمتمت بكلمات بلغة قديمة.
انفجر ضوء خافت من الأرض، وتشكّل ما يشبه حجابًا شفافًا دائريًا أحاط بها وببناتها الثلاث فقط.
وفي لحظة—
ارتفعت أجسادهن عن الأرض.
ليس بسلاسل.
ليس بقوة مرئية.
بل برابط خفي، غير مفهوم، يشدّهن من صدورهن إلى نقطة في الهواء.
شهقت ليوثارا: "ما الذي يحدث؟!"
إيلارا نظرت حولها بارتباك: "أمي…؟"
أما نيمورا—
فكانت تنظر مباشرة إلى سيلفارا.
بلا دموع هذه المرة.
بلا ارتباك.
فقط معرفة ثقيلة.
تكلمت سيلفارا أخيرًا، وصوتها بدا أقرب مما يجب:
"ظننتم أنكم ستأتون إليّ… دون أن آتي أنا أولًا ؟ ولكن يا عزيزاتي أنا اطوق شوقًا لاستخراج قلوبكم من محاجرها "
ساد الصمت.
وجوه البنات كانت مزيجًا من والصدمة والأسئلة.
أما نيمورا…
فكانت الوحيدة التي لم تُفاجأ.
كهرمان محمد