كتاب قديم

كتاب قديم

24 0

الفصل التاسع عشر: كتاب قديم

عاد داركسيس إلى قاعة الاحتفال، ناثرًا بنظره بين الأمراء الذين ما زالوا يلهون ويتبادلون الأحاديث كأن شيئًا لم يحدث.

كانت الموسيقى تعلو في أرجاء القصر، تمتزج بضحكات الراقصات وقرع الكؤوس، لكن في عينيه لم يكن المشهد سوى ضجيجٍ فارغ.

تنهّد بضيق وهو يراقب الجميع ، ثم وقعت عيناه على ليوثارا التي كانت تمسك كأسها الزجاجي، تتأرجح بخفة وقد بدأ أثر الشراب يطفو على ملامحها.

قال فاليمر بنبرةٍ حادة:

"توقفي عن الشرب، هذا خامس كأس لك الليلة."

رفعت ليوثارا الكأس متحدّية:

"وأنتَ أكملتَ ما يقارب العشر كؤوس، فلا تلُمني إذن"

اقترب منها وهو يسحب الكأس من يدها بصرامة:

"أنا معتاد على الشراب، لستِ مثلي يا أميرة."

في تلك اللحظة، دلفت نيمورا إلى القاعة، تغلّفها هالة من الغضب والغموض، ونظراتها الحادة تشقّ الأجواء،

تقدّمت بخطواتٍ واثقة نحو ليوثارا، وبحركةٍ خاطفة لفت ظلالها حول جسد أختها المترنّح، وقالت بصوتٍ غاضبٍ يخترق الصخب:

"كيف لأميرة موراليس، ووريثة العرش، أن تثمل بهذا الشكل؟!

توقفي عن تصرّفات الأطفال هذه فورًا!"

ساد صمتٌ ثقيل في القاع، حتى الموسيقى خفتت كأنها تخشى البقاء.

رفعت ليوثارا رأسها بصعوبة، ضاحكة بسخرية:

"موراليس أو غيرها... الليلة احتفال، لا معارك يا أختي الصغرى"

اقتربت نيمورا أكثر، وارتجف صوتها وهي تهمس:

"ليس كل ما يُخفى يُنسى يا ليوثارا... بعض الأخطاء تعود لتحاكم أصحابها، حتى بعد أن ينتهي الاحتفال"

تبدّل جو القاعة.

نظرت إيلارا إليهما بقلق، بينما تبادل الأمراء نظراتٍ متوترة.

لم يكن أحد يعلم ما الذي يشعل هذا الغضب في نيمورا،

لكن إيليون التقط شيئًا خفيًا في عينيها... نظرة من يعرف سرًّا خطيرًا، أو من رأى ما لا ينبغي أن يُرى.

قال داركسيس بصرامةٍ وهو يقطع الصمت:

"إيلارا، خذي ليوثارا إلى جناحها، سأتحدث أنا مع نيمورا"

تحركت إيلارا بسرعة، بينما ساند فاليمر جسد ليوثارا المترنّح وساعدها على المغادرة.

أما نيمورا، فوقفت متحفّزة كأنها تنتظر المواجهة.

قال داركسيس وهو يقترب منها:

"ماذا هناك؟"

أجابت بحدة:

"لا شيء ،وإن كانت هذه أسئلتك الغبية، فاتركني وشأني"

تقدّم منها و أمسك بذراعها بخفة ليمنعها من الرحيل وقال بنبرةٍ منخفضة:

"أخبريني، ما الذي حدث؟ ولماذا تأخرتِ في تبديل فستانك؟ ولماذا رفعتِ صوتك على ليوثارا لأمرٍ تافه؟"

انتزعت ذراعها بعنف، وقالت بعينين تقدحان شررًا:

"حذرتك من قبل يا داركسيس… لا تلمسني، كي لا تخسر يدك يا أمير الثلج

أما عن فستاني فلا شأن لك به ،وبالنسبة لليوثارا… فهي أختي، وسأفعل ما أراه صوابًا.

أعيدها ثانيةً لا دخل لك بأفعالي"

ثم أدارت ظهرها وغادرت بخطواتٍ غاضبة، تاركةً خلفها داركسيس واقفًا في حيرة.

كان يعلم أن هناك أمرًا أكبر من مجرد غضبٍ أو غيره…

شيئًا يخفيه ظلّ نيمورا في تلك الليلة، شيئًا وُلد من كتاب قديم.

غادرت نيمورا القاعة بخطواتٍ سريعة، يلاحقها همس الحاضرين ونظراتٌ متسائلة، بينما تلاشى صخب الاحتفال خلفها شيئًا فشيئًا.

كانت أنفاسها تتسارع، ويدها تشدّ على طرف ثوبها كأنها تحاول كتم ارتعاشٍ خفيّ لا علاقة له بالغضب الذي أظهرته قبل قليل.

في الممر الطويل المؤدي إلى جناحها، انعكس ضوء المشاعل على عينيها، فبدتا داكنتين كأنهما تحملان ظلّ البحر نفسه.

توقفت عند أول مرآةٍ صادفتها، نظرت إلى انعكاسها وتنفست بعمق.

همست لنفسها بصوت مرتجف:" كل شيء سيكون بخير ... لن تستطيع نشر سوادها مره أخرى "

أغلقت الباب خلفها حين وصلت إلى جناحها، وأسندت ظهرها إليه بإرهاق ، رأت ليوثارا نائمة وبالقرب منها إيلارا التي استسلمت للنوم أيضًا ،جلست أمام النافذة تنظر إلى الأفق حيث كانت السفن تُجهَّز بصمت استعدادًا للرحيل إلى لورافين.

رأت الرجال يحملون الصناديق ويشدّون الأشرعة، بينما الأضواء الخافتة ترقص على صفحة الماء كأنها نجومٌ تهرب من السماء.

همست بمرارةٍ وهي تتابع المشهد:

"لورافين... البداية والنهاية هناك، أليس كذلك؟"

وفي تلك اللحظة، سُمع صوت خطواتٍ خلف الباب، ثم طرقاتٌ خفيفة.

ترددت قليلًا، ثم قالت:

"من هناك؟"

جاء صوت داركسيس من الخارج، هادئًا كعادته:

"لم آتِ للومك… فقط أردت التأكد أنك بخير."

لم تُجب.

اقترب أكثر وقال:

"أعرف أنكِ رأيتِ شيئًا، نيمورا، ولكن تذكّري… ليس كل ما يُكتشف يُقال"

ساد الصمت بينهما للحظات طويلة، قبل أن تقول بصوتٍ منخفضٍ بالكاد يُسمع:

"وأحيانًا… ما لا يُقال يقتلنا ببطء يا داركسيس."

ثم أغلقت النافذة بإحكام، تاركةً الريح تهمس خلف الزجاج، والبحر من بعيد يئنّ كأنه يعرف ما ينتظرهم جميعًا.

وفي الخارج، وقف داركسيس أمام بابها، ينظر إلى يده التي لامستها قبل قليل

داركسيس:" لن أتركك أبدًا ، سأكون برفقتك دائمًا "

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سُلالة منسية

المؤلف كهرمان محمد
2025/10/03 مكتملة
قائمة الفصول (41)
الفصل 23: رائحة الورد
2025/11/15
الفصل 1: أحتفال العقد الثاني
2025/10/03
الفصل 2: وصول سفراء العروش
2025/10/03
الفصل 3: نيران الفجر
2025/10/04
الفصل 4: خريطة الممالك الخمس
2025/10/04
الفصل 5: أجتماع اللعنة
2025/10/05
الفصل 6: شرارة الرحيل
2025/10/06
الفصل 7: وصول القافلة
2025/10/06
الفصل 8: أنين الوريثة
2025/10/07
الفصل 9: رياح الرحيل
2025/10/08
الفصل 10: المرأة المجهولة
2025/10/09
الفصل 11: أرض الحور
2025/10/10
الفصل 12: قوة جديدة
2025/10/12
الفصل 13: أسرار آن
2025/10/13
الفصل 14: أخطبوط الدامبو
2025/10/14
الفصل 15: السيف الملعون
2025/10/16
الفصل 16: ألثينا
2025/10/19
الفصل 17: ساحرة من نسل ملكي
2025/10/23
الفصل 18: موسم البحر
2025/10/26
الفصل 19: كتاب قديم
2025/11/02
الفصل 20: لورافين
2025/11/05
الفصل 21: رحلة جديدة
2025/11/07
الفصل 22: على ظهر الموج
2025/11/11
الفصل 24: أرض السّلام
2025/11/17
الفصل 25: فلوريان
2025/11/19
الفصل 26: حب جديد ... أو أهتمام سياسي؟
2025/11/28
الفصل 27: أرض الثعابين
2025/12/02
الفصل 28: ما بين اللطف والاشتباك
2025/12/15
الفصل 29: زهور الفاوانيا
2026/01/02
الفصل 30: عبور الممر الجنوبي
2026/02/08
الفصل 31: رونسبور
2026/02/10
الفصل 32: ألمسخ
2026/02/12
الفصل 33: اللقاء الذي لم يكن في الحسبان
2026/02/16
الفصل 34: إعلان حرب
2026/02/25
الفصل 35: "بداية العاصفة"
2026/03/07
الفصل 36: ملح أسود
2026/03/12
الفصل 37: العيون البيضاء
2026/03/16
الفصل 38: أقتربت ألنهاية
2026/03/28
الفصل 39: نهاية سُلالة منسية
2026/04/10
الفصل 40: ما بعد النهاية
2026/04/11
الفصل 41: إهداء بسيط
2026/04/11

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة