الفصل الخامس عشر : السيف الملعون
مضى الوقت سريعًا، وجهِّزت القاعة استعدادًا للاجتماع الذي ستترأسه الجدة آن.
بدأ الأمراء في الدخول واحدًا تلو الآخر، يتجهون نحو حلٍّ ما… أو ربما نحو عقدة جديدة.
لكن السؤال الأهم كان دائمًا:
هل ستمنحهم آن الحقيقة؟
بدت "آن" هادئة على نحو مريب، تتحرك ببطء كأن عينيها تدرسان وجوه الحاضرين واحدًا واحدًا.
اصطفّ الأمراء في مقاعدهم، والبرود بادٍ على ملامح داركسيس. أما الأميرات فجلسن متجاورات، تتوسطهن ليوثارا التي ما زالت تنظر للجدة العتيقة بريبة. ووقف آريام في الخلف وإلى جانبه بعض حُرّاس جيشه، وكانوا هناك بتفويض من سيلفارا للحماية. تموضع أريام خلف إيلارا مباشرة، كأنه ظلّ خلق للدفاع عنها وحدها.
قالت آن بصوت هادئ لكنه حاد:
"لم تُدعوا إلى هنا للترحيب فقط… بل لتتذكروا ما تجاهله أسلافكم."
تبادلت النظرات بينهم، وارتفعت همهمة خفيفة في القاعة.
همست إيلارا لليوثارا:
"أشعر أنها ستقلب الطاولة علينا جميعًا."
تابعت آن وهي تتقدم خطوة للأمام:
"مملكة السحر لم تسقط عبثًا… لقد التُهِمَت كما يُلتَهَم اللحم ، واليد التي دفعتها للهلاك… ما زالت تنبض."
تحرك فاليمر بقلق:
"تقصدين موراليس؟"
رفعت آن ذقنها قليلًا وقالت:
"موراليس لم تُنفّذ… بل خططت. من يوجّه رأس العاصفة ليس من يقف تحت المطر."
شحب وجه أريام، بينما عقد فاليمر حاجبيه بتفكير.
تبادلت إيلارا ونيمورا النظرات. كان آريام قد تقدّم خطوة، يضع كفه على مقبض سيفه دون أن ينتبه.
قال داركسيس بنبرة باردة:
"إذا كنتم تلمّحون، فلتقولوا الكلام صراحة."
تكلمت كاليزار لأول مرة بنبرة ناعمة تخفي سُمًّا:
"اللعنة التي ارتبط بها مصير الممالك لم تُخلق من العدم بل كانت مربوطة بسيف قديم… سيف محرَّم لا شبيه له."
سأل فاليمر دون انتظار:
"وأين هو الآن؟"
تبادلت كاليزار وآن نظرة عابرة قبل أن تقول الجدة:
"وُضع في المكان الوحيد الذي لم يكن ليُمسّ… مملكة لورافين، حين كانت أكثر الأراضي أمانًا."
ساد الصمت برهة، ثم تقدّم آريام بخطوة أخرى وقال بنبرة ثابتة رغم توتره:
"لكن هناك ما هو أهم من السيف… كيف ما زلتِ على قيد الحياة؟ لقد مضت على الحروب العظمى قرون."
تحركت عينا "آن" كحجر حمل ذاكرة التيه، وبدا أنها تبتسم دون أن تتحرك شفتاها.
تدخلت نيمورا قبل أن يسبقهم أحد بالكلام:
"أنتِ لم تنجي مصادفة… ولا امتد عمركِ بلا ثمن. ساعدتِ مملكة السحر، أليس كذلك؟ ولهذا مُنحتِ الخلود… أو ما يشبهه. وما زالت هناك قوة حية للسحر، أليس كذلك؟"
تحولت نظرات الجميع نحوها، حتى كاليزار اعتدلت في جلستها، ممسكة بالصولجان بإحكام.
ارتفع حاجب آن للمرة الأولى، وقالت ببطء مريب:
"ليست كل الهبات رحمة… وبعض الخلود ليس حياة."
تململ إيليون وكأنه يستشعر تهديدًا خفيًا إلى الآن لم يستطع استيعاب ان السيف في مملكتة ، أما داركسيس فلم تُقرأ ملامحه، لكن ليوثارا تماسكت بصعوبة، وكأن السؤال التالي كان ينتظر الإذن للانفجار.
وهنا… سُمع صوت طرق خفيف على باب القاعة، كأن أحدًا كان يستمع منذ البداية.
فُتح باب القاعة ببطء، ودخل أحد حرّاس القصر البحري، ركع بإيجاز أمام كاليزار وقال:
ـ "مولاتي… المياه عند الضفة الجنوبية بدأت بالاضطراب ، والعرّافات يشعرن بالقلق
نظرت كاليزار نحو آن، وكأنها تسألها بصمت إن كانت تعلم السبب. لكن الأخيرة لم تُبدِ أي انفعال، واكتفت بالتنهيدة بصوت شبيه باحتكاك العظام.
ابتسمت آن وقالت في سرها:" يبدوا أن ألثينا ستحضر معنى الاجتماع "
لكنها قالت بصوت مرتفع:" سنكمل حديثنا بعدها سنكتشف ما خطب البحر"
نظرت نيمورا نظرة جانبية نحو داركسيس، ثم قالت بثقة هادئة:
ـ "إذا كان السيف في لورافين… فالمشكلة لم تبدأ بعد. شيء ما يحاول الوصول إليه."
سكت الجميع لثوانٍ، كأن الهواء صار أثقل من الكلام. ثم قالت آن بصوت متخشّن، موجّهةً كلماتها للأمراء والأميرات:
ـ "قبل أن تسألوا عن السيف… اسألوا أنفسكم: من منكم يضمن أن لا أحد بينكم من سلالة أولئك الذين صنعوا اللعنة؟"
تبادلت ليوثارا وإيلارا النظرات بقلق واضح. حتى داركسيس شدّ على مقبض ذراعه دون أن يشعر.
همس فاليمر:
ـ "تقصدين أن الدم نفسه قد يكون مفتاح التحرّك القادم؟"
أجابت آن ببطء:
ـ "اللَّعنة لا تُبعث إلا حين يقترب دمها الأصلي من مكانها."
قبل أن يطرح أحد سؤالاً آخر، قالت كاليزار وهي تنهض:
ـ "يكفي الحديث هنا. سيُستأنَف المجلس غدًا، ومن أراد أن يفهم الحقيقة، فليبقَ حيًّا حتى ذلك الحين."
تفرّق الجميع بنظرات ثقيلة… لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا:
اللعبة بدأت قبل وصولهم إلى أرض الحور… وهم لم يدركوا ذلك إلا الآن.
كهرمان محمد