لم تنم لورافين تلك الليلة.
منذ لحظة دخولهم المدينة بدأت الحركة تعود إلى القصر كما لو أن نبضًا خفيًا قد استيقظ فيه.
الرسل يعبرون الممرات الحجرية مسرعين، والجنود يتجمعون في الساحات، وأصوات الخطوات تتردد في الأروقة الطويلة.
لم تُعلن الحرب بعد…
لكن الجميع كان يشعر بأنها قادمة.
كانت ريسيليا قد سبقت الجميع إلى قاعة التخطيط.
وقفت أمام الطاولة الكبيرة التي غطتها الخرائط القديمة، تحرك القطع الخشبية الصغيرة التي تمثل الجيوش فوق الحدود.
دخل فلوريان بعد لحظات، وعيناه ما زالتا متعبتين من ليلة بلا نوم.
قال وهو يقترب من الطاولة:
"لم تنامي"
لم ترفع ريسيليا نظرها عن الخريطة.
"ليس لدينا وقت للنوم"
مررت إصبعها فوق الخط الذي يمثل الحدود الشمالية.
"إن هاجمت من هنا… ستصل أولًا إلى غابات الطاقة"
توقف فلوريان عند الكلمة.
"وهذا أسوأ احتمال"
أومأت.
"إذا سيطرت على منابع الطاقة ، ستصبح أقوى مما هي عليه الآن"
تنهد فلوريان.
"المشكلة أننا لا نعرف عدد جيشها"
رفعت ريسيليا رأسها أخيرًا.
"ولا نعرف إن كان لديها جيش أصلًا… أو شيء أسوأ"
في الجانب الآخر من القصر، كان إيليون يسير عبر ممرات هادئة مضاءة بمصابيح الزيت.
توقف أمام باب جناح والدة ووالدته
جاءه صوت عجوز هادئ من الداخل:
"ادخل"
فتح الباب ببطء.
في الداخل جلست والدة الحاكم قرب نافذة طويلة تطل على حدائق القصر بالقرب منه زوجتة ولورين والقلق كأن يظهر على ملامحهم.
رفعت لورين نظرها إليه.
وقالت:
"ما هذة الأخبار الثقيلة التي حملتموها معكم "
تردد إيليون لحظة.
ثم قال كل شيء بموضوع
بقي الصمت بينهما للحظات.
قال الحاكم
"إذن… لم تكن الأسطورة كاذبة"
نظر إليه إيليون باستغراب.
لكنه لم يشرح.
بل قال :
"اذهب إلى المجلس ،سأحضر بعد قليل "
قاطعتهم لورين:" أريد الإنضمام لكم "
والدتها:" لا فالوضع خطير "
إيليون:" أوافقك "
لورين بعبوس :" لماذا تمنعوني ؟"
الحاكم:" عزيزتي الحرب أخطر مما تتوقعين، وتخيلي لو كانت نتائجها عكسية ، في ذلك الوقت نحتاج لقائد هنا للحماية ، فستكون مهمتك حماية الباقين هنا لو هزمنا "
أقنعت بحديثه والدها ووافقت
بعد ساعة، كانت قاعة المجلس قد امتلأت.
القادة، مستشارو القصر… والجميع يجلس حول الطاولة المستديرة الضخمة.
الخرائط والوثائق تنتشر فوقها.
كان التوتر واضحًا في الوجوه.
قال داركسيس وهو يشير إلى الخريطة:
"لا نعرف حجم قوات ألثينا"
أضاف فلوريان:
"ولا نعرف أين ستهاجم أولًا "
قال أحد القادة:
"لكن بعد ما رأيناه… لا أظن أننا نستطيع هزيمتها بقوة السلاح فقط"
ساد صمت ثقيل.
ثم قال إيليون فجأة:
"ربما نستطيع"
التفتت إليه الأنظار.
اقترب من الطاولة وقال:
"قرأت منذ سنوات عن وصفة قديمة استخدمت في الحروب ضد السحرة العظام"
رفعت ريسيليا حاجبها.
"وما هي؟"
قال ببطء:
"ليست سمًا… ولا سحرًا"
ثم أضاف:
"إنها خلطة تقلل قوة الساحر مهما كان قويًا"
قال داركسيس:
"مكوناتها؟"
رد إيليون:
"دماء عصفور النار…
الملح الأسود…
وقطرات من نداء زهرة اللوتس"
وقبل أن يكمل…
تجمدت نيمورا فجأة.
رفعت رأسها ببطء.
"الملح الأسود؟"
نظر إليها إيليون.
"نعم."
قالت نيمورا بصوت أخفض:
"أمي… منعت تصديره" ولكن أسترجعت حديثها وقالت " اااقصد الساحرة ألثينا "
ساد الصمت.
قالت ليوثارا بذهول:
"نعم أتذكر هذا الأمر "
أكملت نيمورا:
"لورافين أكبر منتج للملح الأسود … لكنه اختفى من التجارة منذ سنوات بعد وفاة والدي الحاكم "
نظرت إليها إيلارا ببطء.
"لم نعرف السبب يومها"
عندها قال فاليمر فجأة:
"لحظة"
التفت الجميع إليه.
اقترب من الطاولة.
"كان يصل إلى مملكتي… دارفال"
عقد حاجبيه وهو يحاول التذكر.
"كنا نخلطه بالعطور لنصنع طبقة تحافظ على زجاجات النبيذ الملكي"
رفع نظره إليهم.
"لكن قبل سنوات حدثت أزمة مع مملكة موراليس"
قالت ليوثارا:
"في ذالك الوقت انتشر انه حصل خلاف بيننا "
أكمل فاليمر:
"بعدها توقفت كل الشحنات فجأة"
ساد صمت بطيء في القاعة.
كل شيء بدأ يرتبط ببعضه.
قال داركسيس ببطء:
"كأنها… كانت تمنع أحدًا من استخدامه"
قالت نيمورا بهدوء مظلم:
"أو تمنع أحدًا من اكتشاف ضعفها "
تبادل القادة النظرات.
ثم قال فلوريان:
"هل ما زال الملح موجودًا في دارفال؟"
ابتسم فاليمر ابتسامة صغيرة.
"نعم"
نظر الجميع إليه.
قال:
"لدينا كمية صغيرة في أقبية القصر"
سأل إيليون:
"كمية تكفي؟"
رد:
"ليست كبيرة… لكنها كافية لصنع عدة جرعات من تلك الخلطة"
ثم نهض من مكانه.
قال بثقة:
"سأذهب بنفسي"
قال داركسيس:
"إلى دارفال؟"
أومأ.
"سأجلب الملح الأسود…"
ثم أضاف:
"وسأجلب جيشي معي"
ساد الصمت في القاعة بعد أن أعلن فاليمر قراره بالعودة إلى دارفال.
كان الجميع يدرك أن تلك الخطوة قد تكون حاسمة… أو قد تأتي متأخرة.
قال داركسيس وهو يمرر يده فوق الخريطة الكبيرة:
"إذن لنفترض أن الحرب قد تبدأ قبل عودتك"
أومأ فاليمر ببطء.
"لهذا سنضع احتمالين"
نظر إليه الجميع.
قال بثبات:
"إذا وصلتُ متأخر مع بدء القتال، فسأجعل جيشي يدخل مباشرة إلى ساحة المعركة ، وأنا سادخل إلى داخل لورافين لتسليم الملح "
ثم أشار إلى القصر على الخريطة
و التفت إلى إيليون.
"وسألتقي بك"
عقد إيليون حاجبيه قليلًا.
قال فاليمر:
"لن تغادر القصر حتى تنتهي من تحضير الخلطة"
أومأ إيليون ببطء.
"لن أفعل"
أضاف داركسيس:
"سنحتاجها"
مرر إصبعه فوق الخريطة، ثم قال:
"أما الجيش… فسيتحرك على ثلاثة وفود"
تحركت ريسيليا قليلًا للأمام.
قال داركسيس:
"الوفد الأول سيكون الأكبر"
وأشار إلى الطريق الرئيسي المؤدي إلى الحدود.
"وسيكون في المقدمة"
قال فلوريان:
"من سيقوده؟"
رفع داركسيس نظره إلى ريسيليا.
"أنتِ"
لم تبدُ عليها الدهشة.
بل أومأت بهدوء.
ثم أضاف:
"وأريام سيكون معك"
رفع أريام رأسه.
"سأكون هناك"
لكن قبل أن يتكلم أحد…
قالت إيلارا فجأة:
"إذن أنا أيضًا"
التفتت إليها الأنظار.
اقتربت خطوة وقالت:
"سأكون مع أريام"
قالت ذلك وكأن الأمر بديهي.
لكن داركسيس هز رأسه فورًا.
"لا"
عقدت حاجبيها.
"لماذا؟"
قال فلوريان بهدوء:
"المقدمة أخطر مكان في المعركة"
ردّت إيلارا بحدة:
"أعلم ذلك"
لكن ريسيليا قالت بحزم:
"وهذا بالضبط السبب"
توقفت إيلارا عن الكلام.
نظرت إلى أريام.
لم يقل شيئًا… لكنه لم يعارض أيضًا.
كان صمته كافيًا.
خفضت نظرها قليلًا.
قال داركسيس بعدها:
"الوفد الثاني سيكون لتأمين الجهة اليمنى"
وأشار إلى جانب الخريطة.
"سأقوده أنا"
نظر إلى فلوريان.
"وأنت معي"
أومأ فلوريان.
"مفهوم"
ثم قال داركسيس:
"الوفد الثالث سيكون في الخلف"
رفع نظره نحو إيلارا.
"وهو أهم مما يبدو"
توقفت الأنظار عنده.
قال:
"رماة السهام"
ثم أضاف:
"وستقودهم إيلارا"
ساد صمت لحظة.
لكن ليوثارا نهضت فورًا.
"في الخلف؟"
قالت الفتيات الأخريات أيضًا باستياء واضح.
"لماذا نبقى في الخلف؟"
نظر داركسيس إليهن بجدية.
"لأنكم الهدف الأول"
تجمدت القاعة قليلًا.
أكمل بصوت منخفض:
"ألثينا قالتها بنفسها"
ثم نظر إلى البنات.
"إنها تريد قلوبكن"
لم يتكلم أحد.
ثم أضاف:
"وأنتم أيضًا…"
توقف لحظة.
"لن يكون قتالها سهلًا عليكم"
فهم الجميع ما يقصده.
إيلارا نظرت إلى الأرض.
لكن الاحتجاج لم ينتهِ.
قالت ليوثارا:
"هذا لا يعني أن نختبئ"
ثم رفعت رأسها وقالت:
"سأكون في المقدمة"
نظر إليها داركسيس.
وقبل أن يرد…
قالت نيمورا:
"وأنا كذلك"
ساد صمت قصير.
ثم تنهد داركسيس ببطء.
"حسنًا"
نظر إلى الخريطة مرة أخرى.
"إذن…"
وأشار إلى المواقع.
"ريسيليا وأريام في المقدمة"
ثم أضاف:
"مع ليوثارا ونيمورا"
رفع نظره إلى إيلارا.
"أما أنتِ… فستقودين رماة السهام"
قالت بهدوء:
"في الخلف"
أومأ.
:"نعم"
لكن صوته كان جادًا حين قال:
"وهذا المكان قد يكون أهم من أي موقع آخر"
لم تعترض هذه المرة.
بعد ساعات طويلة من النقاش…
انتهى المجلس أخيرًا.
بدأ القادة يغادرون القاعة واحدًا تلو الآخر، بينما خفتت أصوات الحديث تدريجيًا.
بقي فاليمر واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية.
كان ينظر إلى المدينة التي تستعد للحرب.
سمع خطوات خلفه.
التفت
كانت ليوثارا.
اقتربت منه ببطء.
لم تقل شيئًا في البداية.
وقفت بجانبه فقط.
قال أخيرًا بابتسامة خفيفة:
"لم أركِ صامتة هكذا من قبل"
لم تبتسم.
قالت بصوت منخفض:
"هذه المرة مختلفة"
نظر إليها.
قالت:
"لم أكن أخاف من الحرب من قبل"
سألها بهدوء:
"والآن؟"
تنهدت.
"الآن… سأقاتل أمي"
سكت للحظة.
ثم قالت بصوت أخفض:
"وأنت ستذهب إلى مملكتك… عبر طريق قد لا يكون آمنًا"
نظرت إليه أخيرًا.
وكان في عينيها خوف حقيقي.
ابتسم فاليمر بلطف.
ثم قال:
"ليوثارا"
اقترب خطوة.
"لقد خضنا معارك أسوأ"
هزت رأسها.
"ليس مثل هذه"
مد يده وربت برفق على كتفها.
ثم قال بنبرة أخف:
"إذن لدي طلب"
رفعت نظرها إليه.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
"لا تموتي قبل عودتي"
حدقت فيه لحظة.
ثم، رغم كل شيء…
ابتسمت.
ابتسامة خفيفة، لكنها حقيقية.
قالت:
"لا تتأخر"
وفي الخارج…
كانت طبول الحرب تبدأ بالقرع في ساحة لورافين.
لم يبقَ سوى ضوء المشاعل يتراقص على الجدران الحجرية.
كانت نيمورا تسير وحدها في الشرفة المطلة على حدائق لورافين.
الليل كان هادئًا على غير عادته…
وكأن المدينة تحبس أنفاسها قبل العاصفة.
وضعت يديها على الحاجز الحجري ونظرت إلى الظلام البعيد.
قال صوت مألوف:
"كنت أعلم أنني سأجدك هنا"
اقترب داركسيس حتى وقف بجانبها.
ظل الاثنان صامتين لحظة.
ثم قال بنبرة خفيفة:
"مقاتلة … وأميرة… ومع ذلك تهربين من القاعة أولًا"
قالت دون أن تنظر إليه:
"لم أهرب"
ابتسم قليلًا.
"إذن لماذا خرجتِ؟"
تنهدت.
"لأن الجميع ينظر إليّ وكأنني أعرف كل الإجابات"
التفتت إليه أخيرًا.
"وأنا لا أعرف شيئًا"
نظر إليها داركسيس طويلًا.
كانت نيمورا دائمًا الأقوى بينهم رغم أنها الأصغر
لكن هذه المرة بدا أن شيئًا ما يثقل كتفيها.
أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه.
قال:
"إذن خذي هذا"
رفعت حاجبها باستغراب.
فتح كفه وأخرج من أصبعة خاتم فريد
كان خاتمًا صغيرًا يتوهج بلون عسلي خافت.
قال:
" خاتم حجر الكهرمان، أنه من نوعًا نادر "
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
"ومنذ متى تهدي القادة خواتم؟"
ابتسم.
"منذ اللحظة التي أدركت فيها أن القائدة قد تحتاج تذكيرًا بسيطًا"
أمسك عقدًا رفيعًا كانت ترتديه حول عنقها.
كان العقد يحمل قطعة حجرية صغيرة.
قال:
"اسمحي لي"
وقبل أن تعترض، فتح القفل الصغير في العقد.
نزع القطعة القديمة… ثم أدخل الخاتم مكانها.
وأغلق القفل من جديد.
ثم أعاد العقد حول عنقها.
استقر الخاتم الكهرماني فوق صدرها.
كان الضوء المنبعث منه دافئًا وخافتًا.
قال بهدوء:
"الكهرمان يهدئ العقل"
ثم أضاف مبتسمًا:
"ويمنع صاحبه من التفكير في أسوأ الاحتمالات"
نظرت نيمورا إلى الحجر لحظة.
مدت أصابعها ولمسته.
كان دافئًا فعلًا.
رفعت عينيها إلى داركسيس.
"شكراً"
قال بخفة:
"لا تذكريها كثيرًا… قد أندم"
لكن ابتسامته خفتت قليلًا وهو ينظر إليها.
قال ببطء:
"نيمورا"
"مم؟"
"أنتِ تخفين شيئًا"
توقفت يدها فوق الخاتم.
قال بهدوء:
"أعرفك جيدًا … وعندما تصمتين هكذا فهذا يعني أن هناك شيئًا لم تقوليـه"
صمتت.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"تخيلاتك واسعة"
لم يقتنع.
لكنّه لم يضغط.
تنهد وقال:
"حسنًا"
ثم أضاف وهو يستدير للمغادرة:
"لكن عندما تقررين إخباري… سأكون هنا"
خطا بضع خطوات.
ثم توقف فجأة وقال دون أن يلتفت:
"ولا تحاولي خلع الخاتم"
نظرت إليه باستغراب.
"لماذا؟"
قال مبتسمًا:
"لأنه هدية"
ثم أضاف:
"وأنا أكره أن تُرفض هداياي"
وغادر الشرفة.
بقيت نيمورا وحدها.
وضعت يدها فوق الخاتم مرة أخرى.
لكن هذه المرة لم يكن وجهها هادئًا.
بل كان شاحبًا قليلًا.
همست لنفسها:
"لو كنت تعلم فقط…"
خفضت رأسها.
والضوء الكهرماني انعكس على عينيها.
ثم أغلقت أصابعها حول الخاتم بقوة.
لأن السر الذي تخفيه…
لو خرج إلى النور…
قد يغيّر كل شيء.
كانت أروقة القصر قد هدأت أخيرًا بعد انتهاء المجلس.
اختفت ضوضاء القادة والجنود، ولم يبقَ سوى صوت المشاعل الخافت في الممرات الطويلة.
في إحدى الغرف المطلة على حدائق لورافين، جلست ليوثارا قرب النافذة، ذراعاها معقودتان حول نفسها.
كانت تنظر إلى الظلام خارج القصر وكأنها تبحث عن إجابة لن تأتي.
فُتح الباب بهدوء.
دخلت إيلارا.
توقفت عند المدخل لحظة، ثم تقدمت وجلست قربها.
لم تتحدثا.
كان الصمت بينهما ثقيلاً… لكنه مألوف.
قالت إيلارا أخيرًا بصوت منخفض:
"هل تصدقين أننا سنقاتلها؟"
لم تحتج لذكر الاسم.
قالت ليوثارا بعد لحظة:
"لا"
تنهدت ببطء.
"وكلما حاولت تخيّل ذلك… أشعر أن قلبي يرفض"
خفضت إيلارا رأسها.
"أتمنى لو نعرف الحقيقة كلها"
رفعت عينيها نحو أختها.
"لماذا أصبحت هكذا؟ لماذا تركتنا؟ لماذا تريد قتلنا؟"
لم تجب ليوثارا.
لم يكن لديها جواب.
فُتح الباب مرة أخرى.
دخلت نيمورا.
توقفت عندما رأت وجهيهما.
فهمت فورًا.
اقتربت وجلست أمامهما.
قالت بهدوء:
"ما زلتما مستيقظتين"
لم تجب أي منهما.
قالت إيلارا بصوت خافت:
"نريد أن نعرف الحقيقة"
تبادلت نيمورا النظرات معهما.
ثم قالت:
"وأنا أيضًا"
ساد الصمت.
ثم أضافت بهدوء:
"لكن بعض الحقائق لا تأتي كلها دفعة واحدة"
رفعت ليوثارا رأسها قليلًا.
كانت عيناها متعبتين.
قالت:
"أنا خائفة"
لم تكن تلك كلمة تقولها بسهولة.
نظرت إليها نيمورا طويلًا.
ثم قالت بنبرة أكثر جدية:
"ليوثارا"
انتبهت إليها.
"أنتِ الحاكمة القادمة لهذه المملكة"
تجمدت قليلاً.
أكملت نيمورا:
"والحاكم لا يملك رفاهية الخوف"
لم تقل ذلك بقسوة… بل بثبات.
قالت ليوثارا بصوت أضعف:
"أنا لا أخاف من الحرب"
ثم همست:
"أنا أخاف من نفسي… عندما أراها"
اقتربت نيمورا قليلاً.
"لهذا يجب أن تكوني أقوى"
توقفت لحظة.
ثم أضافت:
"الحكم ليس شجاعة فقط"
"إنه صبر… وعقل… وقدرة على اتخاذ القرار حتى عندما يكون القلب مكسورًا"
خفضت ليوثارا نظرها.
لكن كلمات نيمورا بقيت في ذهنها.
التفتت نيمورا بعدها إلى إيلارا.
قالت بنبرة أهدأ:
"وأنتِ"
رفعت إيلارا رأسها.
ابتسمت نيمورا ابتسامة خفيفة.
"أنتِ أميرة"
قالت إيلارا بحيرة:
"أعرف ذلك"
قالت نيمورا:
"وهذا يعني أنكِ ستكونين السند الأول للملكة"
سكتت لحظة.
ثم أضافت بلطف:
"وأعلم أيضًا أنكِ تحبين أريام"
احمرّ وجه إيلارا قليلًا.
لم تنكر.
قالت نيمورا:
"وأعلم أن جزءًا منك يحلم بحياة أبسط… زواج… وربما بيت بعيد عن كل هذا"
لمعت عينا إيلارا قليلًا.
لكن نيمورا أكملت:
"لكن المملكة تأتي أولًا"
قالتها بهدوء… لا قسوة.
ثم أضافت:
"وإذا ضعفت الملكة يومًا… فستكونين أنتِ من يساندها"
نظرت إيلارا إلى ليوثارا.
ثم أومأت ببطء.
ساد صمت قصير.
ثم قالت ليوثارا فجأة:
"وماذا عنكِ أنتِ؟"
نظرت نيمورا إليها.
قالت إيلارا:
"أنتِ دائمًا تقوديننا"
ثم أضافت بخفة حزينة:
"ستكونين معنا… أليس كذلك؟"
ترددت نيمورا لحظة.
لحظة قصيرة… لكنها كانت حقيقية.
ثم ابتسمت أخيرًا وقالت:
"بالطبع"
لكن في عينيها مرّ ظلٌ خفيف.
لم تلاحظاه.
نهضت إيلارا فجأة.
اقتربت منهما.
ثم قالت بصوت مكسور قليلًا:
"أنا أكره هذه الحرب"
ابتسمت نيمورا بحزن.
"وأنا أيضًا"
وفجأة…
اندفعت ليوثارا نحو أختيها.
احتضنتهما بقوة.
بعد لحظة، عانقتها إيلارا أيضًا.
وبقيت نيمورا في المنتصف.
ثلاثتهن متعانقات.
كما كنّ دائمًا.
لكن هذه المرة…
كان الخوف بينهم أكبر.
ومع ذلك… لم يتركن بعضهن.
خارج الغرفة…
كانت لورافين تستعد للحرب.
أما داخلها…
فكانت ثلاث أخوات تتمنين فقط…
لو أن الحقيقة أقل قسوة.
كهرمان محمد