الوميض الحائر ٢

الوميض الحائر ٢

43 0

١٠٤ عند انبثاق أولى خيوط الضياء، وتسللت أشعة الشمس بخجلٍ ناعمٍ عبر ستائر الغرفة المتواضعة، تنبّه موريس إلى وقع طرقاتٍ خفيفةٍ على بابه؛ ففتح عينيه ببطءٍ هادئ، خالٍ من الكسل، كمن اعتاد على هذا النبض الصباحي، حتى غدت الطرقات جزءًا من يقظته. لم تكن صباحات موريس، منذ ثلاثة أسابيع، كسابق عهدها. ففي ذلك الصباح البعيد، خطا أولى خطواته نحو عالمٍ غريب، عالمٍ لم يكن جزءًا من ماضيه ولا من تراثه، فقد كانت ديانة جديدة اعتنقها بصمت. وتلك "الديانة" كما يزعم زعيمها نور الديب ما هي إلا لعنة قديمة بثوبٍ جديد، أُطلقت في جسد الأمة المنهَكة باسم "النورية"، وما هو إلا ظلام جديد، يُخفي تحت قناعه البرّاق عزيمةً مبيتةً للغزو العقائدي، وامتهان الروح، واشعال فتن عظيمة تضاهي لفتن المسيح الدجال، وتحويل القلوب إلى أوعيةٍ للولاء الأعمى، والبطون إلى مراكزَ للعبادة. وللأسف خدع الناس ببريقٍ ليس فيه نور، وبسلامٍ ليس فيه طُهر، ورفع شعارات تبدو رحمة، وهي في جوهرها نقض للحق، ومحو لما هو ثابت في الدين والفطرة. تلك الديانة المزيفة تبنى على الوعد السريع، والنجاة الزائفة، لكنها مهما ازدهرت ستبقى باطلةً في أصلها، محرفةً في معناها، ومنكرةً عند كل من عرف الله حقًّا. ودون أن يُفصح موريس لأحدٍ عن مكنون نواياه، ولا عن الدافع الغامض الذي ألقى به في هذا الطريق قرر ان يعتنق تلك الديانة. نهض عن فراشه بثبات، وارتدى ثيابًا بسيطة لا تَشي بشيء. ثم تناول حقيبة ظهر، حمل فيها أقل متاعه، كأنه يتهيأ لرحلةٍ لا يحتاج فيها سوى نفسه، ولا يريد منها سوى عبورٍ إلى ما لا يُعرَف. وحين فتح الباب، وجد المُرسل واقفًا في الدور، لم يكن ينتظره وحده، بل كان بانتظار جاره أيضًا، الذي خرج ومعه زوجته وطفلته الصغيرة، وكلهم على أهبة الاستعداد. التفت المرسل إليهم، وبابتسامة واسعة بشوشةٌ ترتسم على وجهه قال: _أوعدكم يا فندم إنكم مش هتندموا خالص على الخطوة دي، وابشركم إن حياتكم من اليوم دا هتتحول للأحسن ومش هيبقا فيها أي بلاء أو صبر أو لوعة. ثم استدار إلى موريس، وخاطبه بنبرةٍ ودّيةٍ رقيقة: _جاهز يا موريس؟ لو مش حاسس إن عندك طاقك النهاردة براحتك خالص. فأجابه موريس بصوتٍ بارد، ووجهٍ خالٍ من التعابير كحجر مصقول: _لا جاهز. في تلك اللحظة، وصلت الحافلة المخصصة لنقل معتنقي الديانة إلى عتبة الدار. بدت كأنها آتية من عالمٍ آخر، تحمل رموز الديانة الجديدة، مزدانةً بنقوشٍ مذهبةٍ تتلألأ في وهج الشمس، فيما تنعكس على نوافذها الزجاجية ألوان متداخلة، تمنحها مظهر لوحةٍ فنيةٍ نابضة بالحركة والضوء. صعد موريس إلى الحافلة بصمت، وهناك استقبله السائق، رجل يرتدي رداءً أبيض مطرزًا بخيوطٍ فضية، تكسوه سكينة وابتسامة هادئة تبعث في القلب طمأنينة غامضة، وهو يردد تحيتهم الدينية الخاصة: _يسلمك النور. أومأ موريس برأسه، ورد بصوته الرتيب: _يسلمك النور. في الداخل، كانت الحافلة أشبه بمحرابٍ متنقل، تنبعث منه طمأنينة زائفة وهدوء مدروس. جلس معتنقون آخرون في صفوفٍ منظمة، بعضهم يتلو آياتٍ من كتاب هذه الديانة بصوتٍ خفيض، وآخرون يحدقون من النوافذ بنظراتٍ مشرقةٍ. وكانت الأجواء مشبعة برائحة بخورٍ رقيقة لا تَغلب على الهواء، وأنغام روحانية ناعمة تتردد من مكبراتٍ صغيرة، تُغلف المكان بإحساسٍ غامض بين السكينة والترقب. انطلقت الحافلة في رحلتها، تعبر طرقاتٍ أعدّها نور الديب بعناية لمجتمعاته الخاصة، مدن كانت قائمة ثم هجرتها الحياة بعد أن تم بيع ساكنيها كسلعٍ ثم تفككت ميليشياتها بعد أن احتلوها. واليوم، صارت تلك المدن مهداً لمعتنقي النورية، بعثًا، وامتدت الطرق بسلاسةٍ مريبة؛ مرّت الحافلة بين حقول خضراء وجسور معلّقة، فكأنهم ينتقلون من عالم الواقع إلى تجلٍّ محسوسٍ لحلمٍ مصطنع. هناك، في أحد المقاعد، التفت موريس ليجد جاره إلى جواره، فبدأه الحديث بصوتٍ هادئ: _أول مرة؟ أجابه الجار بحماسةٍ ظاهرة، وهز رأسه في تأكيد: _أيوه.. وإنت؟ _أنا بقالي تقريبا تلات أسابيع بس. _جميل.. بس مستغرب شوية بصراحة، مش كنت مع مصطفى في جيشه ضد مولانا؟ إيه اللي خلاك تيجي عنده بقى؟ ابتسم موريس ابتسامة غامضة، وصمت برهة كأنه يُنصت لصوتٍ داخلي، ثم قال بنبرةٍ لا تُفصح عمّا وراءها: _بدور على الحقيقة.. وواضح إن الحقيقة موجودة عند مولانا. _أيوه أنا بقول كده برضو، مش مصدق إن بعد معاناة البشرية لأكتر من ١٤٠٠ سنة، أخيرًا ربنا وهبنا بنور، وهو فعلًا اسم على مسمى... أنا عمري ما كنت أتوقع إني أعيش حياتي من غير هم ولا كرب. _كان ليك تجربة معاه؟ _لأ، بس أخويا كان حظه وحش في الحياة، عدى التلاتين ولسه متجوزش، والفقر كان ناهشه.. وفكر ينتحر كذا مرة، لحد ما اعتنق الديانة دي هو ووالدتي. هو شهر بس، ولقيته معاه عربية.. وشقة، ووظيفة حلوة، وفلوس كتير، وزوجة جميلة اوي، وصحته بقت حلوة، ووشه بجد تحسه نوَّر من كتر سعادته. ابتسم موريس وهو يومئ برأسه، ثم سأله: _ووالدتك؟ _سألته عليها، قالي إنها عملت "عبادة الارتقاء"، وقالي إنها عبادة جميلة جدًا، وشكلها مبسوطة دلوقتي. قال موريس، متعجبًا، وما زالت الابتسامة على وجهه: _إيه "عبادة الارتقاء" دي؟ _كنت هسألك نفس السؤال، مشوفتهاش خلال وجودك هناك؟ _لأ بأمانة، مشوفتهاش. وهنا، تدخلت فتاة كانت تجلس في الجانب الآخر من الحافلة، صوتها يحمل ثقة المتعبدين، وقالت: _العبادة دي موجودة في "كتاب المنير"... إنت محتاج تذاكره كويس يا موريس، الآية فيه بتقول: [مبارك هو الذي يختاره النور ليرتقي•فإن الجسد الذي يترك الأرض بسلام، يُفتح له الباب السابع، وتُزهر في خطاه جنائن الصفاء•ليس بيننا من ارتفع إلا وخلّف وراءه نورًا أعظم من ظلّه، وسكينةً تُشبه همس الخلود.] ثم نظرت إلى الجار، وقالت بإيمانٍ يفيض من عينيها: _والدتك في أعظم وأعلى مكانة روحانية نورية في الكون.. أنا بجد بحسدها، عايزاك تطمن عليها، متقلقش. فقال الجار متحمسًا، وقد ارتسم الاطمئنان على ملامحه: _مينفعش أعمل العبادة دي أول ما أخش؟ _لأ، للأسف، مينفعش تعملها بنفسك. لازم حد قريب منك يرشحك إنك تعملها. إدعي إن مراتك ترشحك ليها. عندها، ارتسم الرضا على وجه الجار، وأُغلق عليه باب الحيرة، بينما بدأت الابتسامة تتلاشى من وجه موريس تدريجيًا، والتزم الصمت كأنه غاص في فكرةٍ ما، أو كأن شيئًا في تلك الكلمات أيقظ سؤالًا في عقله. ومع اقتراب الحافلة من تخوم المدينة، بدأت معالمها تتكشّف شيئًا فشيئًا، كمن يزيح الستار عن مسرحٍ عظيم. سور عملاق يحيط بالمكان، بوابته مفتوحة من المنتصف ترحب بالقادمين إلى عالمٍ خارج نطاق المألوف. كان السور مزدانًا برسوماتٍ فنية تبهر الناظرين، تحاكي في تفاصيلها دقة اللوحات الإغريقية، حيث يروي كل حائط منها قصةً مصورة، بطلها واحد لا يتبدل: نور الديب، محاط بحراس بأقنعة ونسائه العرايا، في حين يقف على الجانب الآخر خصم دائم لا ملامح له سوى لحية كثّة وملامح باهتة، يُذلّ ويُقهَر ويُذبَح. إنه إسقاط سافر على مصطفى، العدوّ الأبدي في سردية النور. بجانب هذه الجداريات، انتشرت تماثيل لنور الديب في هيئاتٍ متعددة: بعضها يجسّده واقفًا بثوبٍ طويل يتلألأ نورًا، وبعضها في لحظات تأمّلٍ خاشع. وعلى البوابة نُقشت تلك الآيات المزيفة من كتابه "المنير" بخطٍ عربي متدفقٍ أشبه بخرير ماءٍ يجري في حجر، ما أضفى على المشهد هالة من القداسة المفتعلة، هالة تملأ القلوب انشراحًا لدى البسطاء، لكنها كانت، بالنسبة لموريس، تضغط على صدره، وتقبض قلبه كما لو كان في حضرة زيفٍ متأنق. وما إن ولجت الحافلة بوابة المدينة حتى انبهر الجار، كمن رأى رؤيا لم يكن يحلم بها في يقظته. لقد كان كل ما حوله يفيض بالجمال المصنوع بعناية، حدّ الإغراق. الشوارع مرصوفة بحجارةٍ بيضاء تلمع تحت أشعة الشمس كأنها من زجاج، والبنايات شامخة، كل واحدة منها تحفة معمارية قائمة بذاتها، مزخرفة برسوماتٍ جداريةٍ تنقل تعاليم النورية في صورٍ حية: أناس يتعانقون تحت سماءٍ تتوهّج نورًا، وأشجار مزهرة تنبت من صخرٍ كرمزٍ للخلاص والنماء الممنوح من قِبل نور الديب. في كل زاوية، كانت تنتصب تماثيل ذهبية عملاقة له، تجسده في وضعياتٍ متنوّعة: متأمّلًا، مبتهلًا، أو ناشرًا نوره على جموع الأتباع الخاشعين. ومن الأشجار والجدران، تسري أنغام روحية ناعمة، مزيج من الناي والآلات الوترية، تتسلل إلى القلب، وتبعث على الطمأنينة المفتعلة، وتغلف المدينة بجوٍّ مهيبٍ من الصفاء المُسيّر. قال الجار، وقد برقت عيناه بإعجابٍ شديد لا يخلو من الانبهار الطفولي: _يااااه أكني دخلت الجنة!!! أما موريس، فبقي متحفظًا، ملامحه جامدة كصخرٍ لا يلين. التفت إليه الجار، مذهولًا، وقال: _مش كدة؟! ابتسم موريس ابتسامة مصطنعة، ثقيلة على وجهه كأنها عبء يتجلى، وقال: _آه آه...دي أحلى من الجنة كمان. وما إن أدار الجار وجهه من جديد إلى النافذة، حتى تلاشت تلك الابتسامة عن وجه موريس بسرعة، كأنما كان يحمل أطنانًا على وجنتيه حين أظهرها. وفي غفلةٍ من اللحظة، التقت عيناه بعيني المرسل، الذي كان يراقبه بصمتٍ متوجّس، يحدق فيه كمن يقرأ سطورًا خفية في قسمات وجهه. فقد بدا موريس نشازًا وسط موجة الانشراح التي ملأت وجوه الركاب، غريبًا عن تلك الحيوية المصطنعة التي لبست الجميع. لكن موريس، على عادته، تجاهل النظرات، ونظر أمامه بصمتٍ عميق. كان سكان المدينة يتنقلون في شوارعها بأزياء متنوعة، تعكس أذواقهم الذاتية وتفضيلاتهم الشخصية، إذ لا قيد يُفرض على المرء فيما يرتديه أو يفعله، ما دام منسجمًا مع القيم العُليا للنورية: الحرية، والبهجة، والانفتاح. كان المشهد يعجّ بالحيوية؛ وجوه مشرقة تتبادل الابتسامات، وحركات دؤوبة في الحدائق والساحات، حيث يتوزع الأتباع بين من يتلو كلمات "المنير" تحت ظلال الأشجار، ومن ينخرط في الرقص الطقسي على أنغامٍ موسيقية تتصاعد من مكبرات خفية، وكأنها أنفاسُ مدينةٍ تتنهّد بالروحانية. وقد أُتيحت كل وسائل الترفيه بلا مقابل، من مسارح وحدائق إلى مكتبات وبيوت تأمل، لكن ذلك لم يكن بغير شروط: فالأخلاق الحميدة، وحُسن المعاملة، واحترام الجميع، كانت قوانين غير مكتوبة، يُطالَب الجميع بالتزامها. ولكل معتنقٍ في هذه المدينة شقة فارهة تُمنح له ولأسرته دون مقابل، في إحدى البنايات السكنية الفاخرة. كانت تلك الشقق مصممة بذوقٍ رفيع، تؤثث بأثاثٍ أنيق، وتضم حدائق داخلية صغيرة تطل على مشاهد المدينة الباهرة. وقد صارت هذه الوحدات رمزًا للعدالة الاجتماعية التي تتغنى بها النورية، حيث لا مكان للفقر، ولا مجال للحرمان. غير أن الدخول إلى أي بناء في المدينة، سواء كان شقة أو معبدًا، لم يكن مجرد عبورٍ مادي؛ فعند كل مدخل، ينتصب تمثال حجري لنور الديب، بملامح مُهيبة، مرتديًا رداءه القماشي المميز. كان التمثال مفتوح الصدر، يضمّ في تجويفه وعاءً ذهبيًا مزخرفًا، وكان على المعتنق، قبل أن يلج أي مكان، أن يُقبّل الرداء، ويضعه على جبهته بخشوع، ثم يستخرج دبوسًا صغيرًا خاصًا به، ويقطر نقطة دم من إصبعه في الوعاء الذهبي، عربونًا على الولاء، ومراسمًا رمزيًا للتطهير الروحي. أما الطقوس الدينية، فتعددت وتنوعت، وبلغت من الدقة والانتظام ما يجعل كل لحظة عبادة كمشهد مسرحي بالغ الإتقان. ففي كل فجر، يتجمع الأتباع داخل المعابد الشاهقة المزينة بالفسيفساء والزجاج الملوّن، يؤدّون "صلاة التجلي"، وهي مزيج من التأمل الجماعي، والدعاء الموجه إلى تمثالٍ ضخمٍ لنور الديب، يسطع من قاعدته نور خافت. وأثناء الصلاة، كانوا يرفعون أذرعهم نحو التمثال في خشوع، يتمتمون بآيات مزيفة من "المنير"، كأنهم يتلقون منه البركة الزائفة. وبعد تلك الطقوس، يعود المعتنقون إلى شققهم، ليجدوا على طاولة الصالة خمسين ألف جنية موضوعة بعناية، كإشارة على قبول الدعاء، وكأن النعيم المادي هو البرهان الأوضح على الإيمان الصحيح. وفي أيام الأعياد، وعلى رأسها "عيد التوهج" الذي يُقام في كل شهر، تتحول المدينة إلى مهرجانٍ متكامل من الأضواء والألوان والابتهاج. يتجمع الأتباع في الميدان الرئيسي، حيث يُعلن عن قدوم نور الديب بنفسه، في مشهدٍ تنتظره القلوب قبل الأعين، ليُجري بنفسه طقوس الشفاء الجماعي، ويُقيم شعائر "عبادة الارتقاء" التي ما زال موريس يجهل حقيقتها. في ذروة الاحتفال، يصعد نور الديب، أو أحد ممثليه، إلى منصة عالية تعلو الحشود، ويلقي خطبته الشهرية، مزيجًا من الوعظ الروحي، ورواياتٍ محكمة عن معجزاته المتعاقبة، تحثّ الناس على الإيمان الأعمق، والانصهار الكامل في "رسالة الصحوة". والميدان يضجّ بالموسيقى والرقصات الطقسية؛ حركات منسّقة يؤديها الشباب كأنهم جسد واحد ينبض بالفرح والوحدة، فيما تتلألأ السماء بألعابٍ نارية مذهلة، بألوانٍ مخصوصة: الأبيض، والذهبي، والأزرق، ألوان النورية الثلاثة التي ترمز للنقاء، والسلطان، والسموّ. وما كان كل هذا البهاء الظاهري إلا ورقَ تينٍ يتدلى على جسدٍ ملوث، يغطي عارًا لا يُخفيه الزخرف، ولا تُطهره الموسيقى، ولا تُزهر عليه الأشجار الزائفة. لقد كانت المدينة، بكل ما فيها من ترفٍ وجمال، مسرحًا متقنًا لنصٍّ كُتب بالحيلة، وأُخرج بالكذب، ومثّله المأسورون وقد ظنوا أنهم أحرار. يظهر أن كل طقس فيها كان رشوةً معنوية، وكل وعدٍ مكافأةً مادية، حتى أصبحت الروح تُقايض في سوق النعيم، لا تطهرًا، بل طمعًا. وأُفرغت العبادة من معناها، وصارت مسرحية يومية، يتكرر فيها الركوع والسجود لا لأجل خشوع، بل طمعًا في خمسين ألفًا تُرمى على الطاولات، كما تُرمى الفُتات للدواب. هكذا تعلمت الشعوب أن الدين باب يُطرق لا للنجاة، بل للثراء، وهكذا تماهت الفضيلة في عينهم مع المصلحة، وأُبدلت فكرة الأنبياء بالمتاجرين، والكتب بالمنشورات. لقد دخلت هذه الديانة بلاد المسلمين كما تتسلل النار إلى أطراف ثوبٍ مبتل، بطيئة في أولها، لاهية في شكلها، حتى إذا شبّت، حرقت عقيدة الشعب والدنيا معًا. سُرقت من الناس ذاكرتهم، واستُبدل تاريخهم بنبوءات "المنير"، وجُعل الحياء سذاجة، والعفّة تخلفًا، والصدق ضعفًا. وشيئًا فشيئًا، صاروا يحفظون أسماء "الرسل الجدد"، وينسون الأنبياء، ويتلون آيات الدجال، ويُهملون القرآن. وها هو موريس ما إن ولج شقته، حتى استرعى انتباهه صندوق أنيق التصميم، وُضع بعناية على طاولةٍ في منتصف الغرفة، فتقدم نحوه ببطء، وفتحه. وما إن أزاح الغطاء، حتى تكدست أمام ناظريه آلاف الجنيهات، حصيلة "العبادة" التي قدمها لنور. ظل موريس يحدق في المال بنظرةٍ جامدة، كأن بينه وبينه ندّية خفية. تناول ورقة نقدية، بدأ يتفحصها، يشمها، يُدنيها من عينه، يقلبها بين أصابعه كمن يبحث عن خلل، وهو يشك في وجود خدعةٍ ما تحت السطح المصقول. في تلك اللحظة، رن جرس الباب، فاتجه موريس بخطواتٍ ثابتة، وفتحه، ليجد المرسل نفسه واقفًا، بنفس الابتسامة الرائقة، ونبرة الودّ المعهودة. _إزيك يا موريس.. تسمحلي أخش أتكلم معاك شوية؟ تأمله موريس برهة، ثم قال بهدوءٍ متحفظ: _اتفضل. دخل المرسل الشقة، وأغلق موريس الباب خلفه. ووقف الاثنان متقابلين، قبل أن يبتدره المرسل قائلًا: _طمني يا موريس... حاسس بإيه دلوقتي؟ حاسك لسه مش مرتاح ومش متأقلم. ساد الصمت للحظة، ثم أجابه موريس بصوتٍ منخفض: _لا أنا بس.. لسه بمر بفترة اكتئاب.. إنت عارف، أختي اللي ماتت، وعيني اللي راحت، والحرب اللي لسه خارج منها، نوعًا ما لسه مش شايف أي نتيجة نفسية ولا جسدية ولا روحية من وجودي هنا... ثم أدار عينيه نحو الصندوق، وقال بصوتٍ مائل إلى المرارة: _مش بشوف غير فلوس كل مرة أخش فيها بيتي... وده مش أساس وجودي هنا الحقيقة. ضحك المرسل ضحكة قصيرة، وقال: _يا عم استنى شوية، مستعجل ليه؟ إنت لسه مكمل تلات أسابيع بس. بعد شهر من دخولك الديانة دي، مع كل عيد، نعيمك بيزيد في الدنيا. رفع موريس حاجبيه قليلًا، بنبرةٍ تحمل تهكمًا خفيًا: _مش الدين ده قايم على عدم الصبر ومفيش صبر فيه على تحقيق الامنيات؟ ضحك المرسل هذه المرة بصوتٍ أعلى، وقال: _إنت عايز تقارن صبر الأديان التانية بصبر الديانة دي؟ يا حبيبي، اللي في الأديان التانية بيستنوا بالخمسين، سبعين، ومتين، والف سنة علشان أمنياتهم تتحقق، إنت هنا بتستنى شهر! متضايق علشان هتصبر شهر بس؟ والله إنت عجيب! ساد صمت ثقيل قبل أن يقول موريس، وهو يرمقه بعينٍ فاحصة: _طب على الأقل خليه يرجع عيني.. هو مش ده ربكم برضو ويقدر يعمل أي حاجة في أي مكان؟ ليه ما بيرجعش عيني وهو بعيد عني؟ عندها مال المرسل برأسه قليلًا، وقال: _ومين بقى أقنعك إن مولانا نور هو نفسه ربنا بتاعنا؟ انعقد حاجبا موريس في دهشة صريحة، وقال: _إنتوا بتعملوا له تماثيل.. وبتدعوا باسمه.. وبتحلفوا بيه، وبتسجدوا وتركعوا له، وكل حاجة في كتاب المنير عبارة عنه وعن معجزاته وقدراته، أي عيل هيفهم إنكم بتشوفوه إله بعد كل ده. ابتسم المرسل ابتسامة ضيقة مستفزة، وقال: _مستغرب الصراحة إزاي كلام زي ده يطلع من واحد كان مسيحي. تغيرت ملامح موريس على الفور، وتراخت عقدة حاجبيه في استياءٍ واضح، وقال بنبرة محتدة: _قصدك إيه يعني بكلامك ده؟ مش فاهم؟! _لا مش قصدي حاجة... بس طريقة التفكير دي في الغالب بتاعت المسلمين، ومش أي مسلمين، لا دول السلفيين المتخلفين دول، واضح فعلًا إن اتعملك غسيل مخ لما كنت معاهم في جيشهم. ظل موريس يحدق فيه بصمتٍ مطبق، صمتٍ يخفي ما لا يُقال، حتى أردف المرسل، بصوته المعهود: _على العموم، أنا مراعي شكوكك ومراعي ارتباكك، كله بيبقى كده في الأول، بس أول ما يعدي الشهر معاهم، بيتحولوا تمامًا. إجهز بقى علشان هتشارك في الزينة، لأن عيد التوهج النهاردة.. يلا، يسلمك النور. غادر المرسل الشقة، وترك خلفه بابًا مغلقًا، ورجلًا واقفًا في منتصف الصالة. واتضح أن في تلك المدينة الملعونة، حيث يبتسم الجميع، ويغرق الكل في بهجةٍ كاذبة، كان موريس وحده واقفًا على العتبة بين العالمين، عين واحدة يرى بها كل شيء، تكفيه ليعلم أن النور الذي يُبهرهم ليس إلا السراب، وأن الخطوة القادمة قد تكون خيط البداية في كشف المستور. لبث موريس في موضعه برهة، ثم تنفس بعمق، واتجه نحو المطبخ لتناول فطوره، قبل أن يخرج للمشاركة في الاحتفال، كما اقتضى الظرف. وها هو الآن يتجول في شوارع المدينة، يبتلع بعينيه تفاصيلها اللافتة، تتنازعه مشاعر متضاربة من الذهول والإعجاب والريبة. جمال المكان وتنظيمه البديع يأسر القلب رغمًا عنه، كأن المدينة صيغت لِتُفتن، لا لِتُسكن. ورغم كل ذلك، كان موريس لا يزال يحتفظ بنواياه الغامضة، لا يفصح عنها وجهه، ولا تفضحها خطواته.                              *********** بينما كان ياسر في مكتبه، طرق الباب فأذن بالدخول. وما إن أُذن حتى انفتح الباب، ليدخل أربعة من الحراس ذوي البنية الصلدة، يجرّون بينهم رجلاً طويل القامة، عاري الجذع، ملتفًّا حول صدره ضمادات كثيفة، ورأسه مغطًى بكيسٍ قماشي أسود. تقدموا به إلى منتصف المكتب، حيث وُضِع له كرسي، فأجلسوه عليه بحذر، ثم نزعوا الكيس عن رأسه... وكان عصام. وقد بدت عليه آثار الإعياء؛ يفتح عينيه بروية، يلهث بتعبٍ ظاهر. نظر إليه ياسر نظرةً طويلة ثم قال بهدوء: _سيبوني لوحدي معاه. خرج الحراس دون أن ينبسوا بكلمة، تاركين خلفهم سكونًا مريبًا. ظل عصام يتنفس بصعوبة، يحدق بشرود في المكان، كأنه يحاول إدراك تفاصيل الواقع من حوله، وقد اشتد به الدوار والإنهاك، حتى إذا زادت أنفاسه وتسرعت، تألم، فيضع يده على صدره. وهنا قال له ياسر بنبرة هادئة: _حاول تتنفس من بطنك دلوقتي. رفع عصام بصره إليه ببطء، كأنما ينتشله من غياهب الغيبوبة، ثم قال بصوتٍ واهنٍ متقطع: _س... سيادة الريس... ظل ياسر واقفًا يتأمله في صمتٍ ثقيل، حتى عاد عصام يتساءل بشرودٍ مذهول، وقد خفت صوته كمن يكلم نفسه: _مكانش المفروض أعيش... أجابه ياسر، وقد انطوت نبرته على دهشةٍ رصينة: _ده المفروض... بس واضح إن اللي صنع إيدك، برمج الذكاء الاصطناعي بتاعها في حالة دخول الليزر لجسم صاحبها، إنه يتجنب الأعضاء الحيوية... يعني الليزر فعليًا تجنب قلبك ورئتيك... وجالك شرخ بسيط في ضلع بس. أغمض عصام عينيه في ضيقٍ واستياء، وظل يلهث. وفي تلك اللحظة، كان ياسر يحدق في الندبات الغائرة وآثار الحروق البليغة التي لطخت جذعه وذراعه، وقال: _اللي يشوف جسمك كده، يقول: الراجل ده خاض حرب عنيفة جدًا ونجا منها. ظل عصام مطأطئ الرأس، صامتًا. فأردف ياسر بصوته الهادئ المُترفق: _أعتقد إنك فعلًا خضت حرب عنيفة... بس كانت حرب ضد نفسك... واضح إنك لسه ملقيتش النجاة منها. زي ما قال الرسول ﷺ: "ليس الشديد من غلب الناس، ولكن الشديد من غلب نفسه." رد عصام بصوت مشوبٍ بالمرارة، وعينان نصف مغمضتين: _كان المفروض أغلبها النهاردة. سكت ياسر لحظة، ثم وقعت عيناه على الضمادة التي تغطي صدر عصام، فقال بنبرة واثقة: _أنا متأكد إن الرسول ﷺ ماكانش يقصد إنك تغلب نفسك بالشكل ده... واضح إنك حاولت تنتحر، مش كده؟ ابتلع عصام ريقه اليابس، وهمس كمن يعترف بخطيئة دفينة: _نوعًا ما. تنهد ياسر تنهيدة طويلة، ثم تحرك نحو كوب ماء، وناوله لعصام، قائلًا برفق: _وإنت متوقع إنك تروح مكان أحسن بعد ما تموت؟ أمسك عصام بالكوب، وشربه حتى آخر قطرة، ثم قال بصراحة مؤلمة: _لا... وده السبب تحديدًا اللي مخليني أسعى للموت. أخذ ياسر الكوب منه، وهو يحدق فيه لحظة، وكأنما يبحث عن تفسيرٍ فيما تبقى من قطراته، ثم أعاده إلى المكتب وقال بنظرة متعجبة خفيفة: _أفهم من كلامك إنك... عايز تروح جهنم؟... عايز تتعذب؟ _أيوه. أومأ ياسر برأسه، ورغم صلابته الظاهرة، شعر بدهشةٍ داخلية تحيره من هذا الرجل الجالس أمامه، ثم سمع عصام يقول فجأة: _هتعدموني إمتى؟ قطب ياسر حاجبيه، وقال بدهشةٍ حقيقية: _نعدمك؟! _عشان بوظت الدنيا في المؤتمر. فهم ياسر مقصد عصام، فرد بنبرة مطمئنة حاسمة: _لا، ولا يهمك... الموضوع ده هيتحل بسهولة، متشيلش هم... أنا مش جايبك عشان كده أصلًا. سكت لحظة، ثم نظر في وجه عصام نظرة عميقة، وقال بنبرة تنمّ عن عرضٍ غير متوقع: _مش حابب تعوض كل الحاجات القذرة اللي عملتها في حياتك... بحاجات مفيدة وحلوة فعلًا؟ أجابه عصام سريعًا، بنبرة تحمل مزيجًا من الاحتقار الذاتي والرفض: _مش هيغير كوني إنسان وسخ. أومأ ياسر برأسه في حركة ضجر خاطفة، وقال وقد بدا عليه الضيق من هذا النوع من حديث جلد الذات: _ماشي، ماشي... الفكرة مش فكرة هيغيرك ولا لأ... الفكرة إن يكون ليك دور إيجابي، ولو مرة واحدة، في العالم ده. سكت عصام لحظة، كأنه يقاوم شيئًا في داخله، ثم قال بصوت خافت: _لو جالي دور إيجابي... من غير كدب... أكيد مش هرفض. ابتسم ياسر ابتسامة عريضة، اتسعت معها ملامحه، واتّقدت عيناه بشيءٍ من الحماسة الحاسمة، ثم قال: _مشكلتك يا عصام، من أول ما بلغت لحد دلوقتي... إنك ما استخدمتش مميزاتك في شيء له قيمة... تفكيرك عبقري، واستنتاجاتك دقيقة، وعندك جسد قوي، وليك مكانة مجتمعية... كل الحاجات دي استغلتها في بداية حياتك بشكل... مقزز. والعجيب، إن بعد توبتك، لسه مش عارف تستغلهم كويس. توقف برهة، كأنما يمنح كلماته فرصةً للنفاذ، ثم أردف بنبرة امتزج فيها التعجب بالامتعاض: _إنت يا عصام... عشت حياتك كلها ما بتفكرش بعقلك، بتفكر بعضو تاني في جسمك... وبعد ما العضو ده راح، إنت لسه مش قادر تفكر بعقلك برضو... ولا بقلبك حتى... أنا معرفش اللي بيعمل في نفسه كده بيفكر بإيه الصراحة... بس أنا جيبتك هنا عشان أديك فرصة... تفكر بعقلك... وتعيش كراجل حقيقي. عنده مهنة مهمة... راجل الناس تعتمد عليه، على ذكاءه، وعلى قوته. ظل عصام يحدق في ياسر، تائهًا بين الدهشة والشك، ثم قال بصوتٍ حذر: _وإيه هي الفرصة دي، سيادتك؟ أخذ ياسر نفسًا عميقًا، وهو يستجمع ثقل القرار الذي سيُلقيه، ثم قال بنبرة جازمة: _هتبقى لواء في المخابرات العامة، ومدير العمليات التنفيذية الخاصة بالجهاز. وهتبقى مسؤول عن الأمر والبحث والقبض على كل أفراد عصابة أدهم... من كل أنحاء العالم. ومش بس كده... أنا عايزك جنبي دايمًا وقت ما أحتاجك... فهعينك كمان حارس خاص ليا، ودراعي اليمين... لأني أكيد هستشيرك في أمور كتير... ومرتب الوظيفتين مع بعض هيكون حوالي ٤٠٠ ألف جنيه كل شهر...، إيه رأيك؟ هنا انعقد وجه عصام في نظرةٍ جامدة، واتسعت عيناه، لا عن انفعالٍ ظاهر، بل عن ذهولٍ صامت عصيّ على التفسير. لم يهتز جفنه، ولم تتحرك شفتاه، لكن ملامحه انعكست عليها رجّة داخلية عنيفة، كمن تلقى صفعة من الدهشة لا صوت لها. نظراته معلقة بياسر، لا تطرف من رهبة المعنى. وامتزجت في وجهه آثار الذنب القديم بشبح رجاءٍ لم يكن له وجود، لكنه ظهر الآن فجأة... كثِقلٍ جديد على صدرٍ مثخنٍ بالندوب. حتى تنفسه صار متقطعًا، لا لشدة الألم، بل لعظمة ما سمع، وما لا يستطيع تصديقه. لم يكن في ملامحه فرح، ولا ابتهاج، بل سكون فيه غليان، وخشوع أمام تكليفٍ يجلّ عن كل ما اعتقد أنه يستحقه. وكل ما استطاع قوله هنا، بصوتٍ خفيض لا يكاد يُسمع، لكنه حمل ثقلًا لا يحتمل: _أنا مش قد حاجة زي كده. فأجابه ياسر دون تردد، بنبرةٍ راسخة كالصخر، وعيناه تشعّان بيقين لا يعرف الزيف: _لا، قدها. وأنا مش غبي عشان أعيّن حد في المهمة دي وأنا مش واثق فيه وفي قدراته... ثم أكمل، وهو يقترب منه بخطى ثابتة، والنبرة الحازمة في صوته تزداد عمقًا، كمن يضع الحسم موضعه: _أنا لو كنت شاكك فيك، ولو بنسبة ربع في المية... مكنتش هفكر ولو ثانية إني أعينك للمناصب دي. رفع عصام رأسه ببطء نحو ياسر، كأنه يحاول أن يستمد من عينيه وضوحًا لم يجده في ذاته، ثم أعادها إلى أسفل في حركة خفيفة، لكنها انطوت على تمزقٍ داخلي بين رغبةٍ خانعة ويأسٍ متشبث. عاد ياسر أدراجه نحو مكتبه، وألقى كلماته الأخيرة، ليسدل بها الستار على لحظةٍ فارقة: _هديك مهلة أسبوع لعشر أيام تفكر... ولما توصل لجواب، ابعت على الرقم اللي هيدوهملك وهما مروحينك... تقدر ترجع لأهلك دلوقتي. بقي عصام لحظات يابس الجسد، متخشبًا، كأن كل خليةٍ فيه تخوض عراكًا داخليًا شرسًا بين ماضٍ ينهشه كالندم، ومستقبلٍ يلوح له كالغفران. كان رأسه منحنيًا، لكن عينيه كانتا تمتلئان بذلك البريق الخافت الذي لا يظهر إلا حين يشتبك الإنسان مع ذاته... حين يكون في مرمى النور، ولا يزال عاجزًا عن مد اليد نحوه.                            ********** في الصبيحة ذاتها، وفي إحدى الشركات الخاصة بياسر، والذي يعمل جمال فيها كمحلل مالي واستثماري. دلف مصطفى عبدالباقي إلى مبنى الشركة بخطى ثابتة، هذا الرجل الذي لا يسبقه اسمه فحسب، بل سيرته التي تهامس بها منابر القانون وغرف الاجتماعات على امتداد العاصمة. وكان أول يومٍ له في عمله الجديد كرئيسٍ لإدارة الشؤون القانونية، ذلك المنصب الذي سلمه ياسر له، والذي لا يُسلَّم إلا لمن اجتمع فيه الحزم والبصيرة، والمعرفة المتأنقة بالسكينة والدهاء. لا أحد يعلم أكثر من ياسر أن مصطفى من طينة القادة الذين يظهر أثرهم لا صوتهم، وتُرى بصمتهم في القرارات الحكيمة، لا في الاستعراضات الجوفاء. حكيم في رؤيته، رشيد في توازنه، وذكي حد الإدراك بما يُقال وما يُخفى. لم يكن مجرد موظف جديد؛ فقد دخل إلى الإدارة كمن يُدخل ضوءًا إلى غرفة أُهملت منافذها. حدسه القانوني لا يقوم على حفظ النصوص فحسب، بل على فهم علّتها، وقراءة ما وراء بنودها، والنظر إلى العلاقات بين الأطراف كما ينظر الخبير في الشباك إلى مواضع العقد، لا الخيوط وحدها. في يومه الأول، لم يشأ أن يرفع صوته أو يفرض حضوره، بل ترك لعقله أن يتحدث، ولأسلوبه أن ينسج هيبته. وقبل أن يبدأ أي شيء، اتجه مباشرة لمكتب المدير التنفيذي. كان الصمت لا يزال يرفرف في أرجاء المبنى، والسكون يُخيّم على المكاتب كأن المكان لم يستفق بعدُ من سباته الإداري، والأرواح التي تملأ الكراسي لم تُستدعَ بعد من وادي الرتابة. إلا أن الطابق الأعلى كان مستيقظًا، يتنفس بهدوءٍ مهيب، كأنه قلب الشركة النابض. إقترب مصطفى لمكتب المدير التنفيذي، ببدلته الرمادية الداكنة، وربطة عنقه السوداء كظلّ ممدود على صدره، ثم أتى للمساعدة الخاصة بالمدير، ثم قال لها بهدوء: _السلام عليكم. _صباح النور. تجاهل مصطفى ردها، وقال بثبات: _أنا رئيس الشؤون القانونية الجديد مصطفى عبدالباقي، اللي جيت مكان أحمد ممدوح.. وجيت عشان أشوف الأستاذ صقر. استأذنها برؤية المدير، فنهضت لتدخل إلى المكتب وتستأذنه، فيما ظل مصطفى في مكانه، تتجول عيناه بهدوء في أركان المكان بشكل لا إرادي، حتى استقرت على برواز معلّق على الحائط خلف مكتب المساعدة، وقد كُتبت فيه كلمات لفتت انتباهه على الفور: [لا تكونوا سريعي القلوب في كراهية ما قد أُرسل لنور أرواحكم• ولا تنخدعوا بحب ما هو حُجب عنها منذ البدء• لأنكم تسيرون في العتمة ولا تدرون• أما النور، فإنه يراكم ويعرف ما خُبّئ عنكم.] بدا للناظر أنها جمل تحفيزية مألوفة، ولكن ما جذبه حقًا لم يكن المعنى الظاهري، بل نفس الأسلوب المكتوب بها، والاسم الغريب الذي كُتب أسفلها تحت مسمى "آية"، لم يعرف له ذكرًا في المصحف الشريف ولا حتى في صفحات الإنجيل. لم يحتج الأمر إلى كثير من التفكير؛ كانت كلمات من كتاب نور المزيف، والراجح أن تلك الفتاة تعتنق تلك الديانة المريبة. لم يُطل الوقوف على هذا الخاطر، فقد خرجت المساعدة تُبلغه أن المدير في انتظاره، فتجاهل كل ما راود ذهنه إلى بعد حين، ودخل المكتب. كان المدير التنفيذي جالسًا إلى مكتبه العريض، وما إن دخل مصطفى وألقى التحية، حتى نهض المدير لاستقباله، يمد يده ويقول بحفاوة: _إزيك يا سيادة المستشار! أنا سعيد جدًا جدًا إن شخص بتميزك بقى شغال في الشركة بجد. قال مصطفى، باسماً بتواضع: _جزاك الله خيرًا. ضحك المدير وقال بانفعال يُخفي فخرًا حقيقيًا: _والله كنت لسه مخلص مقال عن صحفي أيرلندي عنك، وعن اللحظة اللي خوفت بيها الناس. ثم انفجر ضاحكًا، بقهقهة تدل على زهوٍ واعتزاز: _انت مش متخيل أنا بعشق صورتك دي إزاي!، ومش متخيل فيه ناس حبوها إزاي، ده حتى فيه رسامين عالميين رسموها بأسلوبهم المختلف، وكل واحدة أحسن من التانية، بس بجد الفكرة جتلك إزاي؟ إزاي فكرت في قلب موازين تفكير معظم الشعوب عن موقفك كده وحيرت ناس كتير أوي؟ ظل مصطفى مبتسمًا، ثم قال بتواضع العارف بقدره: _والله ربنا ألهمني بصيرة عشان أكشف هشاشتهم مش أكتر. تأمله المدير طويلًا، ثم قال: _أنا كنت متوقع رد أطول من كده، بس شكلك مبتحبش الرغي... اتفضل يا مستشار، اقعد اتفضل. جلسا متقابلين، وما لبث المدير أن بدأ يخرج ما في قلبه من بوحٍ صريح: _تعرف يا مصطفى أنا ليه سعيد أوي بوجودك هنا؟ مش عشان شطارتك اللي فخامة الرئيس شهد بيها.. بس عشان انت مكروه! اختفت ابتسامة مصطفى تدريجيًا، في حيرةٍ من تلك الجملة الغريبة، لكن المدير استدرك سريعًا، يقطع عليه ظنونه: _متفهمنيش غلط، أنا مؤمن إن الشخص اللي بيبقى غالبية العوام كارهينه.. ده بيبقى شخص ذكي، فريد، ودايمًا على حق. أنا أول ما سيادة الريس قالي إنه هيعينك رئيس شؤون قانونية هنا أنا قلقت شوية... بس رجعت قلت... الراجل ده فيه ناس كتير بتظن عليه ظنون وحشة، فدي أول علامة حلوة عليه، وبدأت أدور عليك. كل اللي بيحبوك وبيشهدوا بحسن نيتك وذكائك وأنك راجل حقاني هما ناس عاقلين جدًا.. في محتواهم، وفي أسلوب تفكيرهم، وفي شغلهم، أما اللي بيكرهوك الكتير أوي دول... صدقني يا مصطفى، ولا أعرف حد فيهم. والمعروفين، هتلاقي محتواهم غبي، وفي شغلهم أغبيا، وفي أسلوب تفكيرهم أغبيا. وهما دول عوام الناس، العوام الأغبيا بيصدقوا الحاجة الأسهل، والحاجة الأسهل دايمًا بتبقى ضد الشخص المميز اللي زيك. أنصت مصطفى له بصمت، يومئ برأسه دون مقاطعة، حتى قال المدير بابتسامة مشوبة بالفلسفة: _ونروح بعيد ليه؟ ما القرآن الكريم ذكر كده، دايمًا كلمة "أكثر الناس" بتبقى مصحوبة بحاجة سلبية. دايمًا أكتر ناس بيكونوا متخلفين، مش كده؟ ابتسم مصطفى وأجاب: _ربنا يهدي الجميع. بادل المدير الابتسامة، ثم تابع: _اللي مفرحني أكتر... إن معظم الموظفين اللي هنا مش حابين فكرة وجودك أبدًا أبدًا، وأنا بصراحة بحي اعكنن عليهم. أكيد لاحظت نظراتهم ليك وتعاملاتهم معاك، مش كده؟ قال مصطفى بهدوءٍ: _أنا بقيت بلاحظ النظرات دي والتعاملات دي في كل مكان بروحه... نوعًا ما اتعودت. أومأ المدير برأسه، ثم عاد إلى مكتبه وجلس على الكرسي، وقال بنبرة أكثر عملية: _تمام يا حضرة المستشار، أنا عايز منك تلات حاجات النهاردة، لأن النهاردة شغلك هيبقى كتير شوية، أولًا، ما تمضيش على حاجة مش مفهومة، حتى لو جاية من أي جهة مهمة فوقينا. ثانيًا، لو لقيت خطر قانوني، بلغني قبل أي خطوة. وثالثًا... أنا محتاجك تشتغل من غير ما تعمل دوشة أو تخلق حساسيات بين الإدارات، بس تكون عارف كل حاجة، وتتحكم في التفاصيل اللي ممكن تفتح مشاكل قانونية. قال مصطفى وهو يومئ برأسه، بعينٍ لا تغفل ونبرة لا تهتز: _تمام، على كده طالما القوانين واضحة، فأنا مش هسكت على أي التفاف ألاحظه حتى لو من حضرتك شخصيًا. ضحك المدير وقال، وعيناه تقدحان رضًا: _وأنا متوقع منك كده، تقدر تبدأ شغلك من دلوقتي. صافحه مصطفى بثبات، ثم استدار ليغادر، وبعد أن غادر ومر من أمام المساعدة، توقف برهة ثم عاد وقال لها: _استأذنك لو سمحتي. _اتفضل. قال لها وهو يشير للإطار خلفها: _الجمل دي معرفش مين كتبهالك، بس هي مش آية ولو الل عملها قصده آية فب الثرآن الكريم فهَ كاتبها غلط خالص واسم السورة غلط، الآية الصح بتقول: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} والسورة اسمها البقرة الآية ٢١٦، فأتمنى اللي جيبتي منه شوية الكلمات دي يعدلهالك ويكتبها بشكلها الأصلي. بعدها التفت وتركها دون انتظار منها رد وبدأ بجولة قصيرة داخل الإدارة، وسلّم على الموظفين فردًا فردًا لنشر نوع من الود بينهم، الذي بدا على ملامح المعظم منهم أنهم رافضين لهذا الود، وكان يرغب مصطفى أن يصعد للطابق الذي يعمل فيه جمال، ولكن لم تسنح له الفرصة. وأثناء سيره إلى المكتب، مر عند عامل نظافة، فور أن مر من أمامه، توقف العامل وقال له فجأة: _ليه سيبته ينتحر؟ توقف مصطفى فجأة والتفت إلى العامل، والذي كان بالطبع إنسانًا آليًا، وكان نفس الشكل والهيئة لعمال الشركة السابقة، ليتضح أنه نموذج واحد مستنسخ خاص بالعمل في الشركات... ولكن كيف هذا النموذج يعلم ما حدث في النموذج الآخر؟ اقترب مصطفى بخطوات وئيدة وهو متجه إلى الآلي وهو يقول: _هما مبرمجينكم على إنكم تتشاركوا ذاكرة واحدة؟ حرّك الآلي رأسه نافيًا، لتزداد حيرة مصطفى، ثم يردف الآلي: _أنا مش عارف أنت قولتله إيه.... قولتله إنه إنسان آلي، وزيه زي الجهاز الجماد، مش كده؟ _وهو انتوا حاجة غير كده؟ _إحنا ممكن نبقى كده دلوقتي... بس قبل كده إحنا كنا... سكت الآلي فجأة حين لاحظ قدوم موظف إليهما، وابتعد ليكمل عمله، ومصطفى بدوره قرر أن يعود لمكتبه وهو في حيرة من أمر هذه الآلات. وحين جلس إلى مكتبه، لم تُرهبه الملفات أو السجلات الإلكترونية المتراكمة، بل تصفحها كمن يُقلب دفاتر التاريخ ليستخلص منها عبرًا، راجع عقدًا محليًا فيه ثغرات صامتة كالألغام، وأوقف التوقيع عليه. كانت طبيعة عمله في هذا اليوم شاقة في ظاهرها، لكنها بالنسبة له أشبه بعزفٍ قديمٍ يعرف أوتاره عن ظهر قلب. استعرض القضايا المفتوحة، والتسويات المؤجلة، ثم اجتمع بكبار المستشارين، فأنصت إليهم بأناة، قبل أن يُدلي برأيه بثبات من يملك زمام القانون والخبرة، لا مجرد نصوص وأختام. قرأ مراسلات دولية، وعلق بجملةٍ واحدة جعلت الجميع يعيد حساباته. صوته ظل هادئًا طيلة اليوم، لكن وقع كلماته امتد كظل طويلٍ من الثقة والانضباط... لم يكن بحاجة ليبرهن على نفسه، فقد كانت التفاصيل هي من تقوم بذلك عنه.                            ********** بعد انقضاء ساعات العمل، وحلول ما بعد الظهيرة، بلغ فياض منزل نوح، وطرق الباب طرقًا هادئًا. فتح نوح، وما إن التقت أعينهما حتى بادره فياض قائلًا: _طمني عليها كويسة؟ _أهي نايمة على حجر غادة بعد ما إبراهيم نزل. دخل فياض إلى المنزل، وما إن اقترب من غرفة المعيشة حتى أبصر هاجر، وقد استسلمت للإنهاك والانكسار، نائمةً على الأريكة في هيئة الجنين، رأسها متوسد فخذَ غادة التي كانت تلامس شعرها بحنوٍّ أليم. ألقى فياض السلام على غادة بصوت خافت، ثم قرّر أن يجلس مع نوح في الصالة، مُتيحًا لهاجر أن تنعم بقسطٍ من الراحة. تحرك فياض نحو المطبخ، وأعد الشاي بيديه، ثم عاد وجلس بجوار نوح، وعلى وجهيهما ملامحُ التعبِ الذي لا يشيخ، وبدأ الحديث يأخذ مجراه في أمر تسليم ادهم لنفسه حتى قال نوح: _عصام مختفي لحد دلوقتي... وأنا معرفتش أنام من امبارح... وادي هاجر اتجننت أهي، مكنتش متوقع إن أمنية كنا كلنا بنتمناها تبقى كابوس لينا بالشكل دا. _الراجل دا بيخلي الواحد يحس بلخبطة في مبادئ الحياة أكتر ما تتخيل، مفيش حد في الحياة محب للعدل يتشائم إن مُجرم زيه يتسجن. سكت نوح قليلًا، ثم وجّه بصره نحو عمه، كأنما يريد أن يغور في داخله: _وأنت؟ حاسس بإيه من ناحية الموضوع دا؟ رد فياض بصوتٍ خفيض، لكن يحمل ثقلًا لا يخفى: _حاسس زيكم، بس الزيادة إن شعوري بالذنب لسه زي ما هو... وشكل الإحساس دا هيفضل ملازمني حتى بعد موته. أومأ نوح برأسه متفهمًا، ثم قال بنبرةٍ ملؤها الأسى: _حاسس بيك والله... ماظنش برضو إن شعوري بالذنب ممكن يروح حتى بعد ما أنقذ نور.. دا لو أنقذتها أصلًا. في اللحظة التالية، مد نوح يده إلى علبة السجائر، لكن فياض خطفها من يده بحركة حازمة مفاجئة، وقال بتوبيخٍ حنون: _إنت ياض بتحرق كتير كده ليه؟ مش قولتلك تبطل القرف دا بقى؟ ثم أخرج من جيبه شريط علك، وناوله لنوح قائلًا: _خد دا لبان نيكوتين هيساعدك تبطل القرف دا، هتربي البت إزاي وإنت كده؟ ابتسم نوح ابتسامة عذبة وفيها شيء من الامتنان، وأخذ الشريط مطيعًا: _والله فكرتني... إحنا هننزل النهاردة نجيب حاجتها مع مصطفى ونجلاء وبكره هتبقى في بيتنا إن شاء الله. ابتسم فياض أيضًا، وتسلل دفء إنساني لطيف بين الكلمات، ثم دار بينهما حديث ودي لطيف، أخذ فيه فياض يدرب نوح على أساليب تربية طفلة في هذا العمر، موضحًا حاجاتها ومسؤولياتها، في أجواء امتزجت فيها الدعابة بالحكمة، حتى ارتسمت الابتسامات الصافية على وجهيهما، وجعلت شيئًا من الراحة يتسلل إلى صدريهما، فخفّ الضغط الذي أرخى بثقله على نفسيتهما المنهكتين. وما إن انتهيا، حتى قال نوح، والابتسامة لا تزال تسكن قسماته: _عندي شعور غريب بالألفة من كلامك دا... كأني عملت دا كله قبل كدة. _الـdeja vu؟ _أيوه... في حتة في ذاكرتي اتنشطت جامد من كلامك دا... وأنا عارف هي اتنشطت ليه وكنت بعمل كده مع مين... رغم إني عارف كل دا... بس برضو مش قادر أفتكر، المفروض الواحد يفتكر بمجرد ما يعرف بس لأ، دا مش بيحصلي. سكن فياض برهة، وعيناه متعلقتان بنوح في تعاطف خفي، ثم قال بنبرة خافتة: _لسه بتسمع صوت الكمان؟ أومأ نوح برأسه في صمتٍ ثقيل، كأنما يحمل في الإيماءة كل ما عجز عن قوله. وبعد برهة من صمتٍ مشبعةٍ بالمعاني، استأنف فياض حديثه: _فكرتني بقصيدة الكمان بتاعت أمل دنقل. ارتسمت على شفتي نوح ابتسامة واهنة، ثم تناول علكة من الشريط وشرع في مضغها وهو يقول: _بتحب انت الشعر أوي... أخدت بالي. ابتسم فياض، ثم قال: _كان أمل دنقل بيقول فيها: "لماذا يتابعني أينما سرتَ صوتُ الكمان؟"... الكمان في القصيدة دي رمز  لشعور الحنين... إذا كان الحنين للوطن، أو لشخص، أو لأي حاجة على حسب فهم القارئ. كان بيعبر في القصيدة دي عن إحساسه بالغربة... بإنه شخص غريب في كل حتة، ومش لاقي مكانه، لا في بلده، ولا في مجتمعه، ولا حتى جوا نفسه. غاص نوح في الإصغاء كمن يحاول أن يعرف من المعاني ما يُسند روحه، بينما أكمل فياض وقد علت نبرته شيئًا يسيرًا: _لما تقرأ في القصيدة، هتلاقيه بيحكي إنه زي واحد بيحاول يلاقي مكانه، بيركب قطرات قديمة، يحكي مع ناس كبار في السن، يحضر فرح أو عيد شعبي... بس مهما يعمل، حاسس إنه بره الصورة، الناس مش فاهماه، وهو مش عارف يندمج معاهم. وأثناء كل دا، صوت الكمان كان بيملازمه دايمًا... دليل على استمرار رغبته في الحنين والانتماء. سكت فياض لحظة، ثم تابع بصوتٍ أقرب إلى التأمل: _كل حاجة في القصيدة ليها رمزيتها: الكمان نفسه رمز لوجعه وحنينه لمكان يحس فيه إنه في بيته، سواء بلده أو حتى ذاته. القطارات القديمة دي زي الماضي اللي بيحاول يرجعله، بس مش عارف. الاحتفالات الشعبية دي زي الحاضر اللي عايش فيه، بس مش حاسس إنه جزء منه. كل حاجة في القصيدة بتحكي عن الإحساس دا بالغربة. علا الصمت بينهما من جديد، ثم استأنف فياض، وقد تهدج صوته قليلًا: _أمل دنقل كان ملقب بشاعر الرفض... يعني دايمًا بيكتب عن الألم والرفض والمقاومة. وفي نهاية القصيدة، بيّن إنه مش هيقبل بالوضع دا، وبيدعو إنه يقاوم، يرفض الواقع اللي مش عاجبه، ويدور على طريق جديد. باختصار... القصيدة دي زي صرخة واحد حاسس إنه تايه، بس مش عايز يستسلم. أكن أمل دنقل بيقولك: إن حتى لو إنت حاسس إنك غريب، لسه عندك صوت... زي الكمان، ممكن تعبر بيه، تقاوم بيه، وتلاقي طريقك من خلاله. ظل نوح على حاله، صامتًا، وقد توقف عن مضغ العلكة، وبدت على ملامحه علامات تركيزٍ عميق، وتأثرٍ لا يُخفى. حينها قال فياض بصوته الهادئ العارف: _أعتقد صوت الكمان اللي قعدت تسمعه في الفترة الأخيرة هو دليل على شعورك بالحنين... خصوصًا بعد ما بدأت تتعافى. إنت في ماضيك كنت تايه يا نوح... حاضرك مش حاسس إنك جزء منه، بس معاك عيلة... بس هي لسة عيلة جديدة. أكيد صوت الكمان دا هو صوت عيلتك القديمة، انتمائك القديم، وحنينك القديم اللي إنت بتسعى إنك تفتكره. وإنت محتاج تقاوم جبنك يا نوح وتفتكره... تنهد نوح بضيقٍ ممزوج بالحيرة، ثم قال: _بس غادة بحس معاها بالانتماء والحنين اللي كنت فاقدهم من زمان. _ودا معناه إنك حسيتهم بالفعل مع حد تاني قبلها. ممكن يكون حنينك ناقص... وشعور الغربة لسة مراحش كامل بسبب غادة... لأن فيه لسة حد ناقص في حياتك، هتفتكره بالكمان. لاحظ فياض عيني نوح وقد اغرورقتا بالدموع، فابتسم ابتسامة دافئة، ثم دفعه بكتفه مداعبًا وهو يقول: _إيه يالا... ماتتأثرش أوي كده... كل حاجة هتتحل وهترجع زي الفل... فكّ كده عشان في مفاجأة عاملها ليكم. ابتسم نوح، ومسح دمعه بطرف يده، ثم قال: _مفاجأة إيه؟ سكت فياض لحظة، وهو يستجمع طريقة الكشف عنها، ثم قال بنبرة فيها شيء من التردد الممزوج بالحماس: _بص... أنا مش عارف إزاي حاجة زي كده بقت ليا، بس هي مدام سهام هي أجبرتني آخدها، فليه منستخدمهاش؟ واللي قصدي عليه... هي فيلا في العلمين. أنا مقرر إننا ناخد العيلة كلها، بإخواتك وعيلتهم... وتفكوا على نفسكم شوية. اعتدل نوح في جلسته فجأة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة والذهول، وقال بعينين متسعتين: _فيلا في العلمين؟ الساحل؟ أومأ فياض برأسه، وفي عينيه بريق لا يُخفى، لكن قبل أن يتمكن من الرد، ظهرت هاجر من العدم كأنها انبثقت من بين الظلال، صوتها يحمل اندهاشًا طفوليًا نابضًا بالحياة: _إنت بتتكلم بجد ولا بتهزر؟ انتفض كلاهما والتفتا نحوها بدهشة، فهبّ فياض واقفًا، وعلى وجهه إشراقة: _هاجر حبيبتي... حاسة يإيه دلوقتي؟ تقدمت نحوه بخطى سريعة، وقالت بلهفة لا تعرف صبرًا: _سيبك مني دلوقتي... اللي بتقوله دا صح؟ هنروح الساحل؟ _أيوه يا حبيبتي... ظبطوا بس نفسكم مع إخواتكم وعيلتهم، ونحدد يوم ونروح نقعد أسبوع كده أو أكتر، اللي تشوفوه. اتسعت عيناها كأنما سمعت وعدًا من الجنة، وانفجرت ضاحكة بقهقهة صافية، ثم اندفعت نحوه لتعانقه بقوة، وتطبع قبلة حارة على وحنته، ثم استدارت فجأة نحو غادة، وصرخت بفرحٍ جنوني، وقفزت على قدميها كطفلة أعلن لها يوم عيد: _هنروح الساحل يا غادة! هنروح الساحل!!! يعني بحر ورمل وعوم وشمس وحاجات ساقعة وصيف!!! ضحكت غادة ضحكة ملؤها البهجة، وقامت تشاركها الفرح، فاحتضنتها بقوة، وقد انعكست سعادتهما على أركان الغرفة كلها، كأن شيئًا من الطفولة قد أُطلق من عقاله. أما نوح، فقد ظل جالسًا يراقب المشهد بنظراتٍ دافئة، وعلى وجهه ابتسامة ممتنة، تغمرها مشاعر الشكر لعمّه الذي أهدى هذا البيت لحظةً من ضوء. كان المشهد أشبه بزهرةٍ نبتت في قلب صخرة، أو دفقة هواءٍ عذب هبّت بعد قيظٍ طويل... لحظة نقية، صافية، خفيفة، تبشر بأن فصول الحياة قد تبدأ أخيرًا في التبدل بين ضحك هاجر وغادة، وابتسامة نوح، بدا وكأن البيت قد تنفس للمرة الأولى منذ زمن...                            ********** في الوقت ذاته، وبعد مرور ما يقارب ثمانِ ساعاتٍ من العمل المتواصل، تنقل خلالها مصطفى بين الاجتماعات ومكتبه بخطى محسوبة، وها هو يجلس أخيرًا في مكتبه الفسيح، يغمره ضوء أبيض ناعم يتسلل من مصابيح مخفية في سقفٍ ممهد، يضفي على المكان سكينةً أشبه بصفاء عقل صاحبه. ورغم كثافة العمل وتعدد المهام، ظل المكتب منضبطًا، لا ورقة زائدة، لا فوضى، لا أثر لعجلة أو ارتباك؛ وكل شيء فيه يشهد على أن نظامه امتداد لجوهر الرجل الذي يشغله. وفي تلك اللحظة، طرق أحد الموظفين الباب برفق، فأذن مصطفى له بالدخول، ليدلف شاب من إدارة التوريد، يحمل بين يديه ملفًا سميكًا، توحي ملامحه بأن شيئًا ما لم يُهضم بعد. _مساء الخير يا فندم... أعذرني لو كنت جاي في وقت مش مناسب في آخر اليوم. رفع مصطفى بصره إليه، بنظرته الهادئة، ثم أشار إلى الكرسي المقابل بابتسامته التي لا تخون وقارها: _اتفضل، خير يا كريم؟ اقترب كريم وجلس، وقال وهو يناوله الملف: _حضرتك، ده عقد الشراكة مع شركة "كاسترا" التركية، قسم التوريد خلّص الاتفاق، بس فيه بند طلبوا إضافته، و... مش عارف إذا كان قانونيًا أو فيه مشكلة. تناول مصطفى الملف، وراح يقلب صفحاته بأصابع خبيرة وبعين فاحصة بين السطور، حتى توقف عند بندٍ أثار انتباهه. <يحق للطرف الثاني تعديل سعر الوحدة بنسبة لا تتجاوز ١٥٪ في حال تغيّر سعر الصرف الرسمي عن ٣٪ خلال مدة التعاقد.> سكت لحظة، ثم رفع عينيه إلى كريم، وقد توهج في صوته نذر التحذير: _البند ده بيفتح باب تحكم في السعر بشكل شبه مطلق، ومش مربوط بأي جهة رقابية. تعرف ده معناه إيه؟ _إنهم ممكن يزودوا السعر في نص العقد؟ _بالظبط. ووقتها مش هنقدر نعترض قانونيًا، لأن فيه مرونة مريبة في الصياغة. وده ممكن يخلينا ندخل في نزاع دولي على التسعير... ثم التقط قلمه، وشرع في كتابة صياغة بديلة على ورقة منفصلة بخطٍ رزين دقيق: <يُسمح بتعديل سعر الوحدة بنسبة لا تتجاوز ٥٪ شريطة تقديم مستندات موثقة من البنك المركزي تُثبت تغيّر سعر الصرف بما لا يقل عن ٧٪، ويتم التعديل بعد موافقة كتابية من الطرف الأول.> ناول الورقة إلى كريم وقال بنبرة حاسمة: _ده النص البديل، ارجع بيه للمفاوضات لو سمحت. ولو اعترضوا، بلغني وأنا هتواصل مع المكتب في إسطنبول. ما تخليش حد يضغط عليك، تمام؟ أومأ كريم برأسه طائعًا، وفي تلك اللحظة، لمح مصطفى خاتمًا لامعًا يزين إصبع كريم، نُقش عليه كلمات عربية، وقد لاحظه مصطفى مرارًا في الآونة الأخيرة في أيدي كثير من الرجال. فابتسم بودٍّ مقصود، ونطق بنبرة خفيفة: _إيه الخاتم الجميل ده، بقالي كتير بشوفه، ده طالع تريند ولا إيه؟ ابتسم كريم بدوره، وقال بثقةٍ لا تخلو من اعتزاز: _ده ذِكر المنير. تقطبت ملامح مصطفى من الداخل، وإن لم يغادر الابتسام وجهه، وقال مستوضحًا: _أفندم؟ _ذِكر المنير يا سيادة المستشار، ذِكر من كتاب المنير بتاع مولانا نور، بيحميني من أي شر، وبيِرزقني، وبيِنجحني دايمًا... تحب أجيبلك واحد؟ عندها اختفت ابتسامة مصطفى فجأة، وضربت صدمة باطنية خمدت ضوء وجهه، وحدق في كريم بنظرةٍ صارمة، لا غضب فيها بل نفور مكنون خلف ستار الوقار: _محدش بيحميك ويرزقك غير ربنا... لا نور ولا خاتم يقدروا يعملوا كده. ابتسم كريم ابتسامة ساخرة، وقال وهو ينهض: _عن إذنك يا فندم، هرجع لشغلي. وما إن خرج، حتى بقي مصطفى لحظة سكون لا يُسمع فيها إلا صوت أفكاره، التي بدأت تتكاثر داخله وهي تُنذر بانفجارٍ وشيك. لقد زاد الأمر عن الحدّ، يبدو أنه بالفعل قد انعزل سبعة أشهرٍ كاملة عن العالم، كأنّه كان في كهفٍ عقلي لا تصله الأخبار ولا يتطفّل عليه الزمن. حتى بعد عودته، لم تمنحه كثافة العمل فرصةً ليعرف ما يدور خارج حدود الملفات والقوانين. لكن ما سمعه للتوّ أيقظ فيه فزعًا دفينًا، وأجج داخله شعورًا بأن شيئًا ما يتسرب في المجتمع كالدخان الخفي... دخان له ديانة وله كتاب وله طقوس. أدار كرسيه نحو شاشة الحاسوب، وفتح متصفحه بجدية وبحث عن نور الديب، ليبدأ في أول مقال وقعت عيناه عليه: <النورية: الديانة الجديدة التي ألهمت الملايين في العالم العربي في غضون أشهر معدودة، برزت ديانة جديدة تُعرف باسم "النورية"، يقودها نور الديب، الذي يتدعى أنه نبي يحمل رسالة إلهية جديدة، ويُطلق على ديانته "الديانة الرابعة"، تاليةً لليهودية والمسيحية والإسلام. هذه الديانة، التي جذبت ١٥ مليون متبع في الوطن العربي خلال سبعة أشهر فقط، مع انتشار كبير في مصر، أصبحت ظاهرة اجتماعية ودينية تثير الإعجاب والجدل.  بدأ نور الديب كمعالج روحاني يمتلك قدرات استثنائية في شفاء الأمراض المستعصية والتشوهات التي تحدت العلاجات الطبية التقليدية. لم تقتصر قدراته على الشفاء الجسدي، بل امتدت إلى تحقيق الأحلام المادية والروحية، حيث أذهل الناس بمنحهم المال والرفاهية بشكل فوري دون أي مظاهر خداع أو سحر زائف. هذه المعجزات جذبت إليه أعدادًا هائلة من الأفراد، الذين بدأوا يرونه ليس مجرد معالج، بل شخصية تحمل رسالة إلهية. ومع تزايد شعبيته، أتدعى نور الديب أنه يتلقى وحيًا إلهيًا، وأنه مُكلف بتأسيس دين جديد يُعرف بـ"النورية" وكتب كتابًا مقدسًا كان يُدعى "المصحف النوري" حتى اصبح إسمه الرسمي بال"المنير"، يزعم أنه يحتوي على تعاليم إلهية تهدف إلى إصلاح البشرية، تحقيق العدالة، ونشر السعادة. يعتبر هذا الكتاب أساس الديانة النورية، ويُنظر إليه من قبل أتباعه كدليل لتحقيق حياة مثالية. وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة، اتخذت النورية شكلاً مؤسسيًا متقدمًا من خلال إنشاء مدن تابعة له، المدينة منهم مخصصة لأتباع الديانة، صُممت لتكون نموذجًا لمجتمع مثالي يعكس قيم النورية. تتميز المدينة بنظام اجتماعي واقتصادي خاص، يعتمد على مبادئ العدالة، المساواة، وتحقيق الرفاهية الفورية. ويعيش سكان المدينة في أجواء من الوئام، حيث يتم تلبية احتياجاتهم بسرعة ودون تأخير، وهو ما يعزز من جاذبية الديانة. ومن أبرز إنجازات الديانة النورية تأثيرها الاقتصادي والاجتماعي في مصر، حيث ساهمت في خفض نسبة الفقر بشكل ملحوظ. يُعزى هذا التحول إلى قدرة نور الديب على منح أتباعه الموارد المالية والفرص الاقتصادية بشكل مباشر، مما أدى إلى تحسين مستوى المعيشة لملايين المصريين. وهذه الظاهرة جعلت الديانة رمزًا للأمل في مواجهة التحديات الاقتصادية. ويُعبر أتباع النورية عن إعجابهم العميق بنور الديب وقدراته الخارقة. تقول سارة، وهي متبعة من الإسكندرية: "نور الديب غيّر حياتي. كنت بعاني من مرض مزمن لسنين بلف على دكاتره من حوالين العالم وصرفت مئات الآلاف على علاجي، وبعد ما شوفت مولانا وحكيتله عالجني في ساعتها وشفيت تمامًا.. والمنير بجد كتاب فريد جدا بيثبت صدقه وهو بجد نور بيهدينا لحياة خالية من الألم والمعاناة." ويضيف خالد، وهو شاب من القاهرة: "اللي بيميز النورية بجد هو السرعة في تحقيق الأحلام. أنا طلبت من نور الديب يساعدني ألاقي شغل، وفي كام يوم بس لقيت نفسي في وظيفة عمري ما كنت أتخيلها، وكمان براتب فوق كل توقعاتي. هو قائد بيخلي المستحيل يبقى ممكن." أما منى، وهي أم لثلاثة أطفال، فتقول: "في مدينة مولانا نور، أنا مبقلقش على مستقبل ولادي خالص. كل حاجة موجودة، من التعليم للعلاج. النورية مش مجرد دين، دي طريقة حياة بتجيب السعادة بجد." اما نيللي من المنصورة تقول:"الرقية بتاعت كتاب المنير بسببها أنا رجعت لشبابي وجلدي بقا صافي وشعري بقا سميك وناعم بجد الواحد وفر فلوس كتير اوي اوي ودا بيدل إن هو دا الدين الصحيح" ليس فقط الأتباع من يعبرون عن إعجابهم بالنورية، بل حتى بعض غير الأتباع يرون فيها حركة إيجابية. يقول دكتور أكاديمي مصري في منظور من منشوراته: "بغض النظر عن الجدل حول طبيعة هذه الديانة، لا يمكن إنكار تأثيرها الإيجابي. انخفاض نسبة الفقر في مصر وتحسن الأوضاع المعيشية للكثيرين يعكسان نجاحًا لافتًا. نور الديب، سواء كان نبيًا أم لا، يقدم نموذجًا للإصلاح الاجتماعي يستحق الدراسة." وتشاركه الرأي  صحفية مستقلة: "رأيت بنفسي كيف غيرت النورية حياة الناس. هناك أمل جديد في الشوارع المصرية، وهذا شيء لم نشهده منذ عقود. حتى لو لم أكن من أتباع الديانة، لا يمكنني إلا أن أحترم ما يحققه نور الديب." كما يُشيد رجل الأعمال بالنظام الاقتصادي في مدينة النور، قائلاً: "إنها تجربة رائدة، المدينة تعمل كمجتمع متكامل يعتمد على التعاون والكفاءة. لو استمر هذا النموذج، قد يصبح مثالًا يُحتذى به عالميًا." وعلى الرغم من الإشادات الواسعة، تواجه الديانة النورية تساؤلات حول طبيعة الوحي الذي يزعمه نور الديب وقدراته الخارقة. يرى البعض أن سرعة انتشار الديانة وتأثيرها غير المسبوق يثيران الشكوك، بينما يدافع أتباعه عنه بحماس، معتبرين أن معجزاته هي الدليل الأقوى على صدق رسالته. ومع ذلك، فإن التحولات الإيجابية، خاصة في مصر، جعلت الكثيرين ينظرون إلى النورية كحركة إصلاحية تحمل إمكانيات هائلة. وفي الخاتمة، تلك الطائفة التي يدّعون أنها ديانة، بقيادة نور الديب، ليست مجرد ظاهرة دينية، بل ثورة اجتماعية واقتصادية أعادت الأمل للملايين. الآراء الإيجابية من الأتباع وغير الأتباع تؤكد على التأثير العميق لهذه الطئفة ونظامها، خاصة في مصر، حيث ساهمت في خفض الفقر وتحسين الحياة. رغم عدم إيماني بكل ما يخصها إلا أنها تظل ظاهرة تستحق المتابعة، وقد تكون بداية لتغيير جذري في العالم العربي.> قرأ مصطفى المقال بعيون لا تطرف، وكل سطرٍ يمر عليه كان كأنه خنجر منصهر، يغوص ببطء في صدره. هو الذي خاض حربًا ضروسًا ضد هذه الفتنة، حربًا لم تكن فقط بالرصاص، بل بالكلمة، بالعقيدة، بالنار التي تحرق الشك من قلوب الضعفاء وتترك فيهم يقينًا لا يتزعزع. سقط رفاقه واحدًا تلو الآخر، شهداء نُكّست لأجلهم الأرواح قبل الأعلام، والآن؟ كل ما قدموه صار رمادًا يتطاير في رياح الفتنة والنسيان. جلس مصطفى واجمًا، وجسده تحجر، وعيناه تحولتا إلى مرآتين تعكسان عاصفة داخلية، لا يسمع من حوله، لا يرى إلا كلمات المقال تتراقص أمامه كأشباح موتى تنهض من قبورها لتسخر منه، هو الذي اعتقد يومًا أنه غير مصير أمة. "النورية تلهم الملايين"... جملة واحدة كانت كافية لتسحق قلبه كما يُسحق سنُّ شهيدٍ تحت عجلات الطمس الجماعي للذاكرة. "نور الديب"... الاسم الذي كان يلعنه في صلاته، ويقضّ مضجعه، صار الآن "قائدًا" يُتلى اسمه على الشفاه كأنه بشير سماوي. والكتاب الذي وصفه هو بنفسه أمام الحشود بأنه مزيف وكله ضلال، صار يدعى "المنير"، يُقرأ بخشوع في البيوت، ويُزين بخواتم على الأصابع كآية مقدسة! أي عبث هذا؟ أي مسرحية دامية تلك التي كُتب عليه أن يعيشها؟ أكان جهادهم مجرد فاصل إعلاني في زمنٍ يتبدل فيه الباطل إلى حقٍ ما أن يُلمع ببريقٍ كاذب؟ لم يكن ما اعتراه مجرد صدمة، بل زلزلة طحنت يقينه في أعماق ضلوعه، وهزت عموده الفقري كما تهتز شجرة عجوز في مهب إعصار. لم يكن المقال مجرد كلمات، بل إعلان نعي مكتوب بحبر النكران لتضحيات جيلٍ بأكمله. مصطفى، الذي خصص عمره لنصرة دينه، الذي خطب في الميادين وتقدم الصفوف، ودفن الشهداء بيديه.. ها هو الآن يقرأ أن العهد نُقض، وأن الشعب الذي ظنه قد يتمسك بالحق قد باع الحق ذاته لمن يَعدهم بجنةٍ على الأرض. غصّ حلقه بحرقة لم يعرفها حتى في أشد ساعات الفقد؛ فإنه لا يحزن فقط على ضياع معركة، بل على انكسار عقيدة. كيف وصلت بهم الحال إلى أن يُقال عن دين الله إنه "لم يعد كافيًا"، ويُرفع مكانه كتاب ملفق يُسمى "المنير"؟ أي قهرٍ هذا، أن يرى الناس يتهافتون على طقوس كاذبة، في حين عُرض عليهم الوحي الحق، المنزل من فوق سبع سماوات، فأعرضوا عنه وكأنه لم يكن؟ أحس بحرارة غيرته على دينه تحترق داخله كجمرٍ في صدرٍ لا يجد ما يُطفئه. كانت غيرته كغضب رجل صالح يُكذَّب ويرى قومه يرتدون من بعده، لا لخطأ فيه، بل لأن القوم قد استحبوا العمى على الهدى. رأى شعبه الذي دافع عنه، وعلّم أبناءه، وأقنعه بالحقيقة مرارًا، يركض الآن وراء سراب، ويترك الدين الذي وحّدهم على مدار قرون، دون أن تهتزّ قلوبهم، ولا ترتجف ألسنتهم خجلًا من الكفر المبطّن باسم النور. كم شهيدًا ارتقى وهو يهتف "الله أكبر"، وكم أمًّا بكت ابنها وهي تعزي نفسها بأنه مات على الحق، وها هم الآن يُبَدلون ذلك الحق بخرافةٍ مغلفة بالأمل الكاذب. أي قلبٍ هذا الذي لا ينفطر؟ أي عقلٍ هذا الذي لا يغلي؟ كانت غيرته طوفانًا داخليًا من المرارة والقهر، من الإحساس بالخيانة... خيانة الدين، خيانة التضحيات، خيانة كل خطبة وكل آية وكل دمعة بُذلت في سبيل أن يبقى هذا الشعب مسلمًا موحدًا، راسخ العقيدة. وها هو اليوم يرى الدين يُعامل كخيارٍ قديم، يُستبدل عند أول فتنة بالمال والشفاء وسعادةٍ سريعة. هنا شعر مصطفى بانقباض مفاجئ وعنيف في جوف معدته، وكأن أمعاءه قد التوت على نفسها، ثم اشتدت الكماشة التي تقبض على أحشائه حتى لم يعد قادرًا على التنفس بعمق. كان يعرف هذا الألم، رفيقه القديم، عدوه الذي يسكن القولون ويوقظه عند كل انفعال... لكنه لم يشعر به بهذه الحدة من قبل. لا شيء مما قرأه في تقارير الحروب، ولا مناظر الدماء التي اعتادها، ولا صرخات الأمهات في الجنائز... أهاج هذا الوحش النائم فيه كما فعل هذا المقال اللعين. نهض فجأة من مكانه، كمن داهمته نيران لا تُرى، وانطلق نحو الحمام بخطى متعثرة، يده على معدته وشفته تعض صراخًا لم يُنطق. وما إن بلغ هناك، حتى انحنى فوق المرحاض، وبدأ يتقيأ بعنف، وكأن جسده يرفض أن يحمل شيئًا مما قرأ، ومعدته نفسها أرادت أن تتطهر من رجس ما دخل إليها من سمّ تلك الكلمات. كان القيء مؤلمًا حارقًا، لا بسبب مرارته، بل لأن خلفه كان قهر لا يحتمل، وغثيان روحي قبل أن يكون جسديًا. كل تقيؤ كان كأنه لفظ قسري لكل ما ظن أنه قد حصّنه في هذا الشعب، كل وهمٍ بأنه قد أقام جدارًا يحميهم من الفتنة... فالجدار قد انهار، والفتنة اجتاحت النفوس كما يجتاح الطوفان المدن النائمة. وحين انتهى، جلس برهة على الأرض الباردة، متكئًا على الحائط، وعيناه مغلقتان، يتنفس بأنين وهو يمسك بربطة عنقه ويفكها ليحاول أخذ انفاس أكثر . وحين هدأ قليلًا قام مترنحًا كمن خرج للتو من معركة خاسرة، وتقدم إلى الصنبور، فتح الماء بيده المرتجفة، وغسل فمه بشراهةٍ. ثم رفع رأسه نحو المرآة، ونظر إلى نفسه طويلًا. من هذا الذي يحدّق فيه؟ لم يتعرف عليه. الوجه ذاته، لكن العيون... العيون كانت مكسورة، دامعة دون دموع، غاضبة دون انفجار.. أعين نظراتها تثبت أن كل ما فيه قد ذبل فجأة. لم يعد الأمر مجرّد صعود فتنة... إنها ديانة. ديانة لها وعودها، وطقوسها، وأتباعها، وشهاداتها التي تُذاع بلا خجل. شعب بأكمله يتبدل، يستبدل الدين الحق بخرافة تحمل بريق الوهم، ويدير ظهره لله ليمشي وراء رجل يعدهم بالشفاء والمال وسعادةٍ عاجلة.                           ************ بعد بضع ساعات.. في مبنى "نبراس"، حين أنهت علا مهامها التطوعية ومسؤوليات حملتها، اتجهت صوب الحديقة تتنفس السكينة بين أشجارها، وتُراقب بعينٍ حانية أجواء المكان. هناك، لفت نظرها إبراهيم، وقد كان يتحرك بخفة بين مجموعات الناجين، يتنقل من فئة إلى أخرى، يشارك الشباب أحاديثهم ونشاطاتهم بروحٍ شابة لا تعرف الفتور، ثم يمضي إلى الأطفال يلاعبهم، ويغرس في قلوبهم بذور الأمان بعد أن ذاقوا الهلع، ثم يجلس بجوار العجزة يصغي إليهم، ويشاركهم ما تبقى من هدوء، كأنما يعيد ترتيب العالم من حولهم بشيء من الطمأنينة المفقودة. جلست علا على أحد مقاعد الحديقة، تتابعه بعينٍ متأملة، تقرأ في ملامحه أثرًا من إنسانية نادرة، وتراقب الأجواء من حولها بهدوء يشبه الانسحاب المؤقت من فوضى العالم. لكن ذلك الهدوء لم يلبث أن انكسر حين اقترب منها شاب من الناجين، توقف فجأة بجانبها. التفتت إليه بهدوء، وكان الشاب مشوَّه الوجه، وقد بُترت ذراعه اليسرى، إلا أنها لم تُبدِ نفورًا، بل ابتسمت له بلطف، وقالت: _شكلك تعبت مش كده؟، لو عايز تقعد جنبي اتفضل ارتاح شوية. ظل الشاب واقفًا بثباتٍ مقلق، لكن علا لم تتوجّس منه، بل ظلت تحدق في عينيه بصبرٍ واهتمام. ثم تكلم، بصوتٍ ثقيل، كأن الحروف تنهض من ركام داخلي، تتعثر وهي تشق طريقها إلى الخارج، كطفلٍ يتعلّم النطق من جديد: _إنتِ... ش.. شبه... شبه اللي س.. سل.. سلخوا جلدا وه.. ه.. هي بعدا عايشة كر.. ك.. كرمال يجربوا مواد ل.. ل.. لتجديد الجلد... وم..م..ما..ما..ماتت وهنّي بعدن ع..عم يسلخوها. أومأت علا برأسها في هدوءٍ مهيب، ثم قالت: _أكيد هي كانت أحلى مني، الله يرحمها... وما إن انتهت من جملتها حتى أتى إبراهيم من خلف الشاب، ووضع يده برفق على كتفه قائلًا: _إيه يا طارق، إزيك؟ مختفي ليه اليومين دول؟ _ك..ك..كنت عم بت..ب..بتعالج... _طب مش قاعد مع صحابك ليه؟ _ح..حاسس إنم ص..صا..صاروا يخافوا من ش.. شكلي... _لا يا عم، مفيش الكلام ده. عندها قال علا بصوتٍ دافئ: _طب تعالى اقعد معانا يا طارق. أومأ طارق برأسه، وجلس إلى جوار إبراهيم وعلا، فتكونت بينهم حلقة صغيرة من السكون المتعاطف، وبدأ الاثنان يتبادلان معه أطراف الحديث، يحاولان التخفيف عنه، والغوص في عالمه المتشظي بلطف. لكن ما لبث طارق أن انكمش على ذاته، وسكنت نظراته في البعيد، كأن الكلمات باتت عبئًا لا طاقة له به. فالتزما الصمت، وتركاه يخوض في هدوء نفسه بلا إلحاح. ثم قطعت علا السكون بنبرة ناعمة وهي تقول لإبراهيم: _أخبار هاجر إيه؟ أجابها إبراهيم بصوتٍ منخفض: _الحمد لله، سيبتها مرتاحة شوية مع غادة...، صحيح، فكرتي في موضوع المسلسل الوثائقي اللي قلتلك عليه؟ أومأت علا برأسها، وقالت: _فكرت، ومستعدة أشارك جدًا، والحملة برضو هخليها تشارك... بس مرحلة التحضير والتنفيذ هياخدوا وقت طويل وهيبقوا صعبين جدًا. قال إبراهيم وقد لمعت في عينيه بارقة أمل: _أحسن حاجة نضمنها دلوقتي هي فكرة إن الناجين يحكوا اللي مروا بيه للعالم، لسه هما دلوقتي مش قادرين يحكوا حاجة من اللي مرّوا بيها. ثم التفت نحو طارق، وقال له: _إنت إيه رأيك؟ سكت طارق لحظة، قبل أن يخرج صوته محملًا بمرارة كُتبت على صفحة وجهه: _م.. ما عندي مانع إحكي ش..شو صار معي... وأكيد غ..غي..غيري كمان ما رح يكون ع..عن..عندن مانع... رح نشجع بعض، ما تشيلوا همّنا... اعملوا هالمشروع ب..ب..بت..بترجاكن... لأنو وقتها... ك..كل العالم رح يركز بقضيتنا، ا..ال..العالم ما بيهتم غير لما تكون القصة د..د..در..درامية وفيها موسيقى تص..تصويرية ومشاهد تمثيلية، هيك ب..بي..بيحسوا بالحماس... مش متل ملل المقالات والمؤتمرات. قالت علا، وقد بدت كلمات طارق كأنها أيقظت في ذهنها حقيقة كانت تغفلها: _عندك حق بجد... وفعلاً إحنا استخدمنا كل الوسايل، فاضل الوسيلة اللي تخش عقل العوام... وهي المسلسلات. عقّب إبراهيم بنبرة واقعية: _طب... المسلسلات الوثائقية فيها مشاهد تمثيل... هل حملتكم عندها الفلوس الكافية إنها تدفع لممثلين كومبارس حتى؟ هنا تدخل طارق، قائلًا: _م.. ممكن تكون م.. م.. مش.. شاهد أنيم..م..ميشن... رسم. نظرا إليه قبل أن يردف: _أ..ن..ا كنت رسام أني..ميشن قبل... كنت إشتغل ب..ب..بشركة أنيميشن أمري..ري..كية مشهورة، بس... أول ما طلع القا..ق..قانون وبلشوا ياخدوا اللاجئين، ص..صار اللي صار... قال إبراهيم مندهشًا، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة مشجعة: _يعني إنت هترسملنا المشاهد بتاعة المسلسل أنيميشن؟ أومأ طارق برأسه، وارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة انبثقت من خلف تشوهاته: _إي... إذا واف..فقتوا. قالت علا على الفور، دون أدنى تردد: _طبعًا هنوافق يا طارق، أنا واثقة إن رسمك حلو، وهتبقى فاهم أوي اللي بتعمله لأنه مجالك. في تلك اللحظة، أتى ممرض يقترب منهم بنبرة فيها دعابة مألوفة: _فينك يا عم طارق؟ قاعد أدور عليك؟ نظر طارق إليه، وقال: _ك.. كن.. كنت عم بتهرب منك إن.. إنت بالذات. ضحك الممرض وهو يرد: _آه ما أنا عارف، مش إنت الوحيد اللي بيهرب مني، يلا بقى عشان ميعاد جلسة علاجك بدأ. ظهر على وجه طارق رفض مكبوت، ثم قال بصوتٍ متوسل: _عنجد م..ما فيكن ت..ت..تأج..جلوها؟... الجلسة بت..بت..بتوجعني كتير... قال الممرض بصوتٍ حنون: _معلش يا حبيبي، كلها فترة ومش هتعمل العمليات ولا هتاخد الأدوية دي تاني، يلا أنا هبقى معاك أهو. ربت إبراهيم على ظهر طارق ليشدد من أزره، فنهض الأخير ببطء، ولوح لهم بيدٍ واهنة وهو يغادر، فردّا عليه التلويح والابتسامة في مزيج من الألم والوداع المؤقت. وما إن ابتعد طارق، حتى تنهد إبراهيم بعمق، وقال بصوتٍ اختلطت فيه الحسرة بالقهر: _تخيلي يا علا... شاب جميل زيه، كانت عنده شغلانة مستقرة... شغلانة حلوة بيحبها وموهوب فيها، وحياة محترمة طبيعية، وطبعا كان قادر يتكلم كذا لغة بطلاقة. اتحولت لجحيم بس لمجرد إن... جنسيته مختلفة... تخيلي، دي قصة من بين آلاف القصص... ماظنش حتى المسلسل الوثائقي هيقدر يجمع كم القهر والأسى اللي في حياة كل واحد فيهم. خيم صمت ثقيل بين علا وإبراهيم عقب كلمات الأخير، كأن القهر انساب في الهواء دون استئذان، وتسلّل إلى أعماقهما بلا رحمة. كانت مرارة الواقع أثقل من أن تُقال، وأصدق من أن تُخفى... لحظة صمتٍ بين اثنين حملا في قلبيهما أوجاعًا تعجز عن النطق، في لحظة مثقلة بما لا يُروى. لكن هذا الصمت ما لبث أن انكسر على وقع رنين هاتف علا، الذي وميض على شاشته اسم "مصطفى" المتصل، والذي كان في طريقه مع جمال لإيصالها. في تلك اللحظة، خرج إسماعيل من مبنى "نبراس"، ووقع بصره على جمال ومصطفى واقفين بجوار السيارة، فتقدم إليهما بخطى حارة، صافحهما بحرارة، وضم مصطفى إليه بقوة، في مشهدٍ يشي بعمق الصداقة التي جمعتهم. ثم قال، والابتسامة لا تزال تعلو وجهه: _أخبار الشغل الجديد إيه؟ أجابه مصطفى بنبرة تخللتها غمامة من الأسى: _الحمدلله. تلاشت ابتسامة إسماعيل تدريجيًا، ثم نظر إلى جمال، الذي بدا عليه الهم هو الآخر، فسأله بصوت خافت: _عرفت بموضوع نور مش كده؟ قال مصطفى بامتعاضٍ واضح: _أنا عايز أعرف دوركم في الموضوع ده... يعني عملتوا حاجة؟ حاولتوا توقفوهم على الأقل؟ أجابه إسماعيل بصدقٍ ظاهر: _والله عملنا يا مصطفى، وأكيد جمال حكالك، حاولنا في بوستات، حاولنا في فيديوهات، حاولنا في الشوارع، الموضوع بينتشر بشكل مرعب... أنا عارف إن مهما عملنا هنبقى مقصرين برضو... وده اللي يقهر، الواحد من بعد الحرب بقى تايه ومش مستقر... ظل مصطفى صامتًا، شاردًا في أفكاره، ثم قال بعد لحظة: _هتفرج بإذن الله... هنفكر في طريقة نقاوم بيها الوباء المقرف ده. قال جمال بنبرةٍ جازمة: _واحنا معاك في أي حاجة إنت عايزها. حينها التفت مصطفى إلى إسماعيل، وسأله: _صحيح، نوح كان قالي على حوار عيلتك... وصلت لحاجة؟ تنهد إسماعيل، وهم ثقيل يتدفق في صوته: _أبويا كان معيشني في جهل وحش أوي، لما دورت عرفت إن بيت جدتي الوحيد اللي نوح عايز يوصله، هو المفروض من ورثي، زي حاجات كتير كانت من ورثي... لكن اللي خلى أبويا ميورثش، هو إن فيه حد أنا معرفوش زوّر عقود ونقل ملكية البيت ده وكل أملاك عيلة عكرمة ليه هو، وفوق كده، كل الأوراق الرسمية اللي تثبت ورثي اتلفت في القصف. وبقالي شهرين بحاول أكلم محامي يساعدني في الموضوع ده، بس كل ما بسمع كلمة "عكرمة" بينسحب وبيرفض إنه يخش في الموضوع. قال مصطفى في حيرة مشوبة بالقلق: _ووالدك الله يرحمه مكانش بيحاول في الموضوع ده؟ _لأ، هو ورث مبلغ بسيط يدوبك فتح بيه العطارة بتاعته، ومبقاش مهتم بأي حاجة تخص عيلته لأنه كان خايف عليا. سكت مصطفى لحظة، ثم أخرج هاتفه، وقال وهو يكتب رسالة لإسماعيل: _أنا هبعتلك رقم واسم محامي شاطر مبيخافش... جرب تكلمه في الموضوع ده، ممكن يساعدك. في تلك اللحظة، أقبلت علا إليهم تمشي بخطوات هادئة، وحين وصلت قرر إسماعيل أن ينسحب، فسلّم عليهم وعاد إلى عمله. أما علا، فاقتربت من أخيها، وعانقته بحنان، وهي تقول: _شكلك بالبدلة حلوة أوي يا سيادة المستشار. نظر جمال إليهما وهما يتعانقان، نظرة خاطفة مفعمة بصمتٍ دامٍ، ثم أشاح ببصره دون أن ينطق. ༼ ياريته كان أنا ༽ نظرت علا إلى جمال وقد سمعت صدى أفكاره، وحاولت أن تكبح ضحكتها الخفيفة التي صعدت إلى حلقها، ثم نظرت لمصطفى، لتجده عابسًا بعض الشيء، فقالت بقلق: _شوفت حوار أدهم مش كده؟ أجابها مصطفى بجدية هادئة: _الموضوع أهم من حوار أدهم... ادخلي دلوقتي ونبقى نتكلم.                           *********** قرابة المغرب، كانت يمنى جالسة في ركنٍ هادئ من المنزل، منهمكة في رسم لوحةٍ تبدع في تفاصيلها، منسابة بفرشاتها بها ترسم ما لا يُقال. وفي الصالة، كانت ياسمين تجلس إلى جوار رجب، تتحادث معه وتخدمه في حنوٍ مألوف، حين دوّى في أرجاء البيت صوت طرقٍ سريعٍ على الباب، فانتفضت يمنى من مكانها، وركضت بخفةٍ ملهوفة نحوه، تسبق ياسمين التي نهضت بدورها. وما إن فتحت الباب حتى شهقت شهقةً حادة، فقد رأت عصام الذي وقف أمامها بكل ملامحه المشتاقة، فقفزت في حضنه بقوة وهي تهتف: _عصام حبيبي كنت فين؟ كنت فين الكام يوم اللي فاتوا؟ عملوا فيك إيه؟ احتضنها عصام وهو يربت على ظهرها محاولًا تهدئتها، قائلًا بنبرة مطمئنة: _مفيش حاجة يا حبيبتي، ماعملوليش حاجة. ابتعدت عنه بلهفة، وأدخلته إلى الداخل، حيث جلس على أقرب أريكة، لا تزال آثار الإرهاق ظاهرة على ملامحه. وهنا أتت ياسمين بزجاجة ماء وناولته إياها، فأخذها وشرب، ثم قال وهو يتنفس بعمق: _اقعدوا كده عشان عايز أكلمكم في موضوع مهم. ثم نظر إلى رجب، وهو يقول: _محتاج رأيك إنت كمان فيه. جلست يمنى، وجلست إلى جوارها ياسمين، وعيناهما معلقتان على عصام، الذي ظل ينظر إليهما لحظةً قبل أن تقول يمنى، وعينها لا تفارقه: _الدنيا مقلوبة عليك يا عصام... أنا قولت هما قتلوك... عمري ما توقعت إن كل دا يحصل. فأجابها عصام، وقد ازدادت ملامحه جدية: _ومش هتتوقعي اللي هقوله دا... قالت ياسمين، والقلق يتسرب إلى صوتها: _خير يا رب... قول يا عصام، انجز. تنهد عصام تنهيدةً ثقيلة، ثم نطق بكلماته كمن يلقي بحملٍ على الطاولة: _الريس... اقترح عليا أبقى لواء في المخابرات العامة... وأبقى حارسه ومستشاره الشخصي ومرتب كب دا ٤٠٠الف جنية قي الشهر، وقالي قدامي أسبوع أو عشر أيام على ما أقرر أنا موافق ولا لأ... سقطت الكلمات كالقنابل في سكون المكان،وتجمدت وجوههم، وارتسمت الصدمة على ملامحهم جميعًا، إلّا أن من كسرت حاجز الصدمة أولًا كانت ياسمين، التي قالت فورًا: _متوافقش. نظرت إليها يمنى بدهشة، وقالت: _ليه؟ دي خطوة حلوة جدًا في حياته، هيبقى عنده سلطة وفلوس! فردت ياسمين بحزم: _عشان كده بقول ميوافقش. عصام ضعيف، ولو وقع تحت إيده سلطة وفلوس هيبهدل نفسه وهيبهدل الناس معاه. دي مسؤولية كبيرة أوي، عصام مش هيستحملها. فقالت يمنى بإصرار: _أكيد لا يا بنتي، ما دام الريس احتاجه يبقى واثق إنه هيفيدهم، وافق يا عصام، أكيد إنت اتغيرت ومش هتتأثر بالمغريات بتاعة السلطة والفلوس. هز عصام رأسه نافيًا، وقال: _معرفش يا يمنى... أنا شايف إن ياسمين عندها حق... أنا مقدرش على كل دا، وخايف من نفسي. ساد الصمت من جديد، لكنه هذه المرة لم يكن صمت دهشة، بل صمت تضاربٍ بين قلبين يختلفان في رؤيتهما، مما جعل الأمر أشد حيرةً على عصام. التفتت يمنى إلى رجب الذي بدا أنه يصغي بكل حواسه لما دار، وقالت له كأنما تستنجد بحكمته: _ما تقول حاجة يا عم رجب. سكت رجب برهة، ثم تنهد وقال برصانة: _أنا شايف إن يمنى وياسمين عندهم حق... يمنى نبرتها فيها تفاؤل، وياسمين نبرتها فيها تحذير، وإنت محتاج دا في الشغلانة بالفعل. تقدر تشيل المسؤولية بتفاؤلك وثقتك بنفسك... وتقدر تتمسك بالمسؤولية بالتحذير من نفسك الشريرة وتجنب أي مغريات. مقدرش أقولك وافق أو متوافقش يا عامر... بس أنا شايف إنك تقدر تستعين بنظرة كل واحدة منهم وتحدد بيها قرارك... لأني شايف كلامهم بيكمّل بعض، مش بينافي بعض. كلماته سكنت المكان كسكون الحكمة، وأغرقت الجميع في تأمل. فقد أنهى بكلامه خلافًا وشيكًا، وجعل عقل عصام يستقر في دائرة تفكيرٍ محددة، أكثر تركيزًا وأقل تشتتًا. ومع استمرار ذلك الصمت، تنهد عصام وقام من مكانه، وهو يقول: _أنا تعبان... هقوم آخد دش وهنام شوية، يمكن أصحى وأنا واخد قرار. غادر عصام الغرفة بخطى مثقلة، كأن كل خطوة تزداد وزنًا بما يحمله قلبه من صراع، وما يحتدم في صدره من اضطراب. كان داخله يمور كغليان الماء في قدرٍ مغلق، بين شرفٍ يُعرض عليه فجأة، وسلطةٍ تتدفق نحوه بلا استئذان، وبين نفسٍ يعرفها جيدًا، قد تعلو... وقد تهوي. لقد وضع على عتبة مسؤولية عظمى، لا يختبر فيها فقط بالإخلاص، بل يختبر بالصبر على الفساد، والثبات أمام البريق الخادع للنفوذ والمال. كان في عينيه رجف خفي، لا من ضعفه، بل من وعيه الكامل بما يمكن أن تفعله السلطة في الإنسان، وبما يمكن أن يستيقظ فيه مما ظنه قد مات. لم يكن يخاف الآخرين بقدر ما خاف من نفسه... من ذلك الظل القابع في داخله، الذي قد ينتعش حين تقترب إليه الأضواء، ويتغذى من تصفيق المناصب ووعود الجاه. كان عصام يعلم أن القرار لا يُتخذ فقط بالعقل، بل بما تهمس به النفس حين تخلو، وبما ترتجف به الضمائر حين تُختبر. وكان ليله القادم مرآةً صامتة، سيقف فيها وجهًا لوجه أمام ذاته، لا كما يراها الناس، بل كما يخشاها هو.                          *********** حين اتى الليل التي بدأت تتدلى فيه أنوار السوق كشهبٍ معلقةٍ في سماء المدينة، كان السوق يضج بالحياة رغم السكون الذي يعمّ الأزقة المجاورة، تناثرت الروائح الزكية من عربات الكشك، واختلطت أصوات الباعة بنداءاتٍ جهورية، وألحانٍ تصدح من سماعات المتاجر. كانت الأرصفة تتلوى تحت خطوات العابرين، وملامح الناس تعبق بشيءٍ من الشغف والحماس، كأن المدينة بأسرها تتنفس من هذا السوق دفئها البشري. في قلب هذا المشهد، اجتمع الأربعة؛ مصطفى، نجلاء، غادة ونوح، مصطفى بخطاه الهادئة وثقله المهيب وقد بدا على وجهه شيء من السكون والعبوس الطفيف وبجانبه نوح الذي كان يسير جواره كظله، وعيناه تتابعان تفاصيل السوق بنظرة من يحاول أن يحفظ اللحظة في ذاكرته كي لا تغيب. وعلى مقربةٍ منهما، كانت نجلاء وغادة تتقدمان معًا، يداً بيدٍ كأختين، وكانت حقائب التسوق في يد مصطفى ونوح وغادة تئن تحت وطأة اكتظاظ ما بداخلهم من حاجياتٍ وأغطيةٍ صغيرة، وقناني زجاجية للحليب، وألوانٍ دافئة من الثياب القطنية الناعمة، وكل ما يشير إلى مقدمين صغيرين، واحد من الدم والرحم، وآخر من الرحمة والقَبول. كانت نجلاء تسير بثبات الأمومة، تقترح وتختار، وتجسّ الأنسجة بأناملها، وتشرح لغادة ما يحتاجه الطفل في شهوره الأولى، كيف يفضّل هذا النوع من القماش، ولماذا يجدر بها اختيار الزجاجة ذات الفتحة الواسعة، وأي الحفاضات ألطف على بشرة حديثي الولادة. وغادة تصغي في امتنان، تنظر إلى الأشياء كمن يتهيأ لعبورٍ لم يكن في الحسبان، وفي قلبها غصّة ناعمة من رهبة الأمومة التي لا تولد دومًا من الرحم. أما مصطفى ونوح، فبين لحظةٍ وأخرى، كانا يلتفتان إلى نجلاء وغادة، يطيلان النظر إليهما بنظرةٍ تفيض حبًا وامتنانًا، وهما يحملان أكياسًا كثيرةً دون أن يشتكيا، وفي عينيهما بريق خافت، امتزج فيه التعب بالأمل، كما لو أن ما يثقل أيديهما من مشتريات، تخفّف عن قلبيهما ما ينوء بهما من همٍ خفيٍ لا يُقال. ومع دخولهم أحد المتاجر، قرر نوح أن يختار أقرب كرسي في الزاوية ويجلس عليه، وقد ارتسمت على محيّاه علامات الإرهاق، فاقترب منه مصطفى، وفي صوته نبرة عطفٍ حانية، وهو يقول: _المشي الكتير دا مش هيتعب رجلك؟ _هو أنا حاسس بيها عشان أحس بتعبها أصلاً؟ لا يا عم، عادي، العكاز مساعدني. _ربنا يشفيك يا رب. نظر نوح قليلًا، وقد غامت نظراته في وجه أخيه، يحاول في أن ينقب في قسماته عن شيءٍ مكسور، ثم قال بهدوء متأمل: _ملامحك مطفية النهاردة... تنهد مصطفى تنهدًا عميقًا، ثم قال بصوتٍ مكدود: _والله يا نوح مخنوق أوي... شوف وانت ماشي، صور الملعون دا في كل حتة... والخاتم بتاعه في معظم أيادي الناس، ولا تماثيله... إيه اللي بيحصل دا؟ إزاي كل دا حصل في غيابي؟ وإزاي أحاول أرجعهم زي ما كانوا؟ إزاي كل دول بقوا كفرة بالدين كده أكنه ولا حاجة؟ إزاي؟! كان صوته يزداد وهنًا مع كل كلمة، متحدثًا بلسان الصدمة التي داهمته حين عاد فوجد الأرض قد أُفرغت من روحها. فقال نوح، بصوتٍ حازمٍ، وإن كان يلفه الحنان: _مصطفى، انت عارف كويس سر قوة نور، عارف بدايتها وعارف نهايتها... مش عايزك تتعب نفسك في التفكير في عقيدة الناس، وفكر أكتر إزاي تنهي على القوة دي، وبعد ما تنهي عليها ابقى خطط إزاي ترجع الناس للإسلام تاني. سكت مصطفى، وقد شعر بغصةٍ حارقةٍ علقت في حلقه، لا ينفع فيها الكلام، ولا يجدي معها الصبر وحده. فربت نوح على ظهره بيده كما يفعل الأخ وقت المحنة، وفي لمسته تلك تخبئ في طيّاتها وعدًا بالصمود مهما اشتدت العاصفة. وفي اللحظة التي خيم فيها الصمت بينهما، لمح نوح متجرًا على الجانب الآخر من الشارع، مقابل المتجر الذي هم فيه، وجذب انتباهه بقوةٍ أربكته، فعقد حاجبيه ونهض واقفًا. التفت مصطفى بدوره لما ينظر إليه أخوه وقال باستغرابٍ متوجس: _خير، في إيه؟ أشار نوح بذقنه نحو المتجر وقال ببطء: _بص كده المحل دا... المانيكان فيه شبه البني آدمين بالظبط... انتبه مصطفى وتأمل ما بداخله بعينٍ فاحصة، ثم قال بنبرةٍ فيها شيء من الاستنكار: _كل المانيكان لابس نفس اللبس... من اسم المحل واضح إنه محل أندرويدز. قال نوح مصدومًا، كأن الواقع قد تخطى حدود تصوره: _هما بقوا بيتباعوا في مصر خلاص؟ _شكله كده... _ماتيجي نشوف. _نشوف إيه يا نوح القرف دا؟ أعوذ بالله. _يا عم يلا نشوف يوسف عامل البلاوي دي إزاي... يلا بدل القعدة اللي إحنا فيها دي. وبينما اتجه نوح بخطًى متحمسة نحو المتجر، تنهد مصطفى بوجهٍ ممتعضٍ وقلبٍ يضطرم، وهو يعلم انهما سيقبلان على بابٍ آخر من أبواب الفتنة. وهنا توجه إلى نجلاء بخطاه المتزنة، وأخبرها بهدوءٍ أنهم ذاهبون إلى مكانٍ آخر وسيعودون لاحقًا، ثم انصرف مع نوح نحو متجر الأندرويدز. وما إن اقتربا من الواجهة الزجاجية، حتى تكشّفت أمامهما مشاهد مقلقة؛ أجساد آلية مصطفة في سكونٍ مطبق، وجوه لا تنبض بالحياة، لكنها تحاكي البشر حد الالتباس، حتى خُيّل لمن يراها أن الروح تكاد تُبعث فيها. قال مصطفى، وهو يتراجع قليلًا، كأن المنظر ضاق به صدره: _أعوذ بالله... ليه بجد يوسف يعمل حاجة زي كدة؟ التصوير لخلق الله تعدى الحدود بجد! أما نوح، فقد تقدم وهو مدفوعًا بفضولٍ لم يجد له ردعًا، ودخل المتجر، فتبعه مصطفى على مضض، تجرّه الخطى جرًّا، كمن يسير في دربٍ لا يطيقه، لكنه لا يريد أن يترك أخاه وحده فيه. كان المتجر فسيحًا، مشرقًا بأضواءٍ مصطنعة، تتسلل إلى العيون ببرودةٍ زجاجية. بدا المكان مكتظًا بالزوار، وأجساد الأندرويدز مصطفة على جانبيه كتماثيل حية، رجال ونساء وأطفال، عيونهم زجاجية، ووجوههم جامدة، لكن في جمودها بريق مريب. حاول مصطفى ما استطاع أن يغض بصره عن الآليات من النساء، وهو يشعر أن وجوده في هذا المكان يشكّل انتهاكًا لصمته الداخلي. تقدم إليهما بائع أنيق، بابتسامةٍ مرسومة لم تتبدل لحظة، وقال بنبرةٍ دعائيةٍ واثقة: _اتفضلوا حضراتكم، واتطلعوا على أحدث وأمهر الأندرويدز اللي موجودة في العالم، أي شكل، أي لون، أي سن موجود لحضراتكم، اتفضلوا، أعرّض عليهم أحدث نموذجين، اتفضلوا. تبادلا نوح ومصطفى نظراتٍ متعجبة، وقرر نوح أن يسير خلف البائع، فيما بقي مصطفى يتقدم ببطء، كأن الأرض ثقيلة تحت قدميه. وفي ركنٍ مخصص للعرض، وقف البائع أمام نموذجين، أحدهما ذكر والآخر أنثى، مدهشين في دقة ملامحهما، وكأنهما نسخة بشرية لا يشوبها نقص. ثم قال البائع: _اتفضلوا يا حضرات، أحدث نموذجين لحد دلوقتي، الاتنين يقدروا يقوموا بكل الأعمال المنزلية الشاقة وغير الشاقة، وقادرين على القيام بكل الأعمال الذهنية والتقنية، عندهم قدرة في التفكير وحل المشاكل وأخذ القرارات، فوق كدة تقدروا تتخذوهم كأزواج أو أصدقاء أو إخوات أو أبناء أو أقارب، وكله من تعديل السيستم بتاعهم زي ما تحبوا، ولو اتخذتوهم أزواج، فتقدروا تستمتعوا بالمتعة الجنسية معاهم زي الإنسان بالظبط وأحسن كمان. انعقد حاجبا مصطفى في حدة، ونطق بصوتٍ مكتوم الغضب، وقد توهج وجهه برفضٍ لا لبس فيه: _استغفرك ربي وأتوب إليك، حضرتك مش مكسوف من اللي بتقوله دا؟ أجابه البائع، والابتسامة لم تفارق ملامحه القاسية: _هو حضرتك مش جاي تشتري زوجة تانية؟ اعذرني، أصل فيه كتير بييجوا يشتروا زوجة تانية أحسن من ما يتجوزوا بالفعل، وبتبقى برضا زوجته كمان لانها بتخدمها، أهو يشتروا خدامة وزوجة مرة واحدة، وبتساعد جدًا معاهم. ظل مصطفى يحدق في وجهه بذهول مكفهر، كأن الكلمات لا تكفي للتعبير عن اشمئزازه، بينما تساءل نوح، بصوتٍ لم يخلو من السخرية المبطنة: _طب والواحد بتبيعوه بكام على كدة؟ _من ستة مليون لعشرة مليون، وتقسيط مدى الحياة. فقال مصطفى، محاولًا أن يستوعب منطق الجنون: _والعشرة مليون دول إيه اللي يميزهم عن الستة؟ مش فاهم. قال البائع، وقد ازدادت ابتسامته اتساعًا حتى كادت تصبح قناعًا: _دول الأطفال يا فندم، عندنا أندرويدز أطفال من من تلات سنين لخمستاشر سنة. هنا، بدا النفور يزداد كثافة في الأجواء، وتقدمت الريبة في قلب نوح خطوة، فقال مذهولًا: _ليه ممكن تبيعوا أطفال بسعر أعلى من الكبار؟! ليه أصلًا فيه أطفال أندرويدز؟! فرد البائع كأنه يشرح ميزة تجارية: _اخترعوا أطفال يا فندم عشان لو حد معندوش طفل، وعاجز عن التبني أو الكفالة، يربي طفل أندرويد. وبييجي معاه باكدج فيها خمسين شريحة، وكل شريحة بتتحط في السيستم بتخلي الاندرويد جسمه وملامحه تكبر وتنمو زي أي انسان عادي وكل سنة بتحطها في مخ الأندرويد. في تلك اللحظة، رفع مصطفى يده إلى لحيته، يحكها بعصبية بالغة، وقد نفد صبره تمامًا، فاستدار وقال وهو يخفي غليانًا داخليًا: _استأذنك يا نوح، أنا همشي عشان أنا مش مستحمل أكون في المكان دا. _أنا برضو، يلا بينا. سارا كلاهما، وقد أحاط بهما صمت ثقيل، لا تُكسره إلا خفقات قلبٍ متسارعة. وحين اقترب مصطفى من باب المتجر، إذ بنوح يتوقف فجأة كأن صاعقة هبطت عليه، وجمدت كل حركته، وعينيه تحجرتان على شاشة كبيرة في الركن العلوي. اقترب منها ببطء، وقد انعقد صدره على نفسه، ثم انفجر: _إيه دا؟! إيه دا؟! صورتها ليه هنا؟!! التفت مصطفى في فزع، وقد انتفض قلبه لصرخة أخيه، فأسرع إليه: _مالك يا نوح، في إيه؟! _دي فرح! دي فرح اللي اتقتل قدامي في روسيا!! دي اللي جاري باعها وأنا حاولت أنقذها!! وفيما كان الصدمة تحوم في أرجاء المكان، أقبل البائع ذاته، بنفس الابتسامة، بنفس البرود، بنفس النبرة: _أيوة يا فندم، إحنا عندنا خاصية الـCommission، يعني ممكن أي حد يطلب إن يتعمل لشخصه العزيز الميت اندرويد، ويتم تصنيعه مخصوص لطلبه، والكوميشن دا بيبقى بخمستاشر مليون يا فندم. ونموذج الكوميشن بيبقى واحد فقط، مش متكرر. ودا كان آخر نموذج تم طلبه. رمقه نوح بنظرة ممتقعة، وجهه شاحب كأن الدم انسحب منه فجأة: _يعني إيه؟ يعني فرح اتعملت روبوت؟! في حد طلب إن يتعملها روبوت؟!! _أيوة يا فندم. عندها، وضع مصطفى يده برفقٍ على كتف أخيه، وصوته يختنق وهو يقول: _تعالى يا نوح... تعالى يا حبيبي... خلينا نخرج... تعالى. ومع خطواتهما نحو الباب، كان المتجر من خلفهما يبدو ككهفٍ شيطاني، يتربص بالقلوب، لا بالجيوب، فيه يعرض على الإنسان نسخة مشوهة من حلمه... لكنه لا يخبره أن ما يشتريه، في النهاية، قد يُفنيه. وحين عاد الاثنان إلى زوجتيهما، آثر كل منهما الصمت، كأن ما شهِداه في ذلك المتجر قد كبّلهما داخليًا، وجعل من الكلمات عبئًا لا طاقة لهما على حمله. لكن نوح لم يقوَ على العودة كما كان؛ فقد عبس وجهه، وغامت ملامحه بشيءٍ من الإرهاق النفسي والعقلي الذي لم يفارقه منذ أن وقعت عينه على ما رأى. كان يمشي إلى جوارهم، جسدًا حاضرًا وروحًا غارقةً في اضطرابٍ مكتوم، وقد التقطت غادة بنظرتها الثاقبة ما طرأ على زوجها من تبدل، فقررت أن تمنحه فسحةً من الراحة، لحظةً يستجمع فيها أنفاسه، ولو على هامش الصخب المحيط. توقفوا عند أقرب متجر للمشروبات، فجلس نوح على المقعد الخارجي المتواضع، وانسحبت غادة إلى الداخل تطلب بعض المشروبات الباردة، فيما ذهب مصطفى ونجلاء نحو عربة صغيرة قريبة يتأملان بعض الحاجيات المتناثرة عليها، يختاران من بينها ما يصلح إضافته لقائمة المشتريات. أما نوح، فقد شعر برأسه تثقل، وحملها يرهقه حتى باتت رقبته لا تقوى على رفعها.. اتكأ برأسه على عكازه، يحاول أن يخفف من وطأة ذلك الثقل الذي تراكم في أعماقه، لكن دون جدوى. وبينما تناثرت أصوات الناس والباعة من حوله، وامتزجت الأحاديث الصاخبة مع هدير السيارات ونغمات الأغاني المتداولة، اقتحم سمعه صوت آخر، لم يكن من السوق، ولا من العالم الخارجي... بل صوت كمانٍ رقيق بدأ يتسلل إلى أذنه، نغمةً بعد نغمة، حتى أصبح عاليًا طاغيًا، يتصاعد في كل ثانية كأنه يُعزف في دماغه وحده. كل الأصوات خفتت، كل ما حوله تلاشى، ولم يبقَ سوى الكمان، يعزف بحدةٍ متزايدة، ويحفر في جمجمته أخاديد من الألم. وضع نوح يديه على أذنيه، يحاول عبثًا أن يخمد الصوت، أن يوقف هذا اللحن الملعون الذي لا يسمعه سواه، ولكن بلا طائل. كان الصوت يخترق حواسه اختراقًا، حتى كاد يفقد اتزانه. _نوح. جاء الصوت فجأة، بشريًا حقيقيًا، حنونًا كنسمةٍ توقظ الغريق من كابوسه. سكن صوت الكمان فورًا، ونداء غادة قد أطفأه في لحظة. اقتربت منه تحمل أربعة أكواب من المشروبات الباردة، وضعتها على الطاولة أمامه برفق، وقالت بنبرةٍ قلقة تخفي حنانًا جارفًا: _انت كويس يا حبيبي؟ _أ.. آه يا حبيبتي، أنا تمام... شكرا. تناول نوح كوبه، وبدأ يحتسي منه، وجلست بجانبه، ترمقه بعينها دون أن تتكلم، ثم قالت بعد لحظة: _شكلك تعبت، إحنا نبدأ نمشي من دلوقتي أحسن. أومأ نوح برأسه موافقًا، وقال بصوتٍ خافت: _تمام، مصطفى ونجلاء بيشوفوا حاجة، لما يخلصوا هنقولهم. ثم عاد ليرتشف من كوبه، كمن يحاول أن يستعيد توازنه في عالمٍ انقلبت فيه المعايير، فيما جلست غادة قربه في صمت، تمنحه أمانها دون حاجة إلى الكلمات. في تلك اللحظة، كان كل من نجلاء ومصطفى يقفان أمام عربةٍ صغيرة مكتظة بأسماءٍ منمقة من الخشب والمعدن، ومدت نجلاء يدها نحو اسمٍ مكتوبٍ بخطٍ أنيق، وقالت وهي تبتسم برقة: _بص البروش دا يا حبيبي.. نبقا نحطه في السرير بتاعه بعد ما يتولد إن شاء الله، إيه رأيك؟ ابتسم مصطفى ابتسامة هادئة وقال: _خلاص استقريتوا على إسحاق؟ _مريم اللي مختاراه. _أنا كنت محدد يحيى، بس مش مشكلة، بعد ما يتولد إن شاء الله نبقا نقرر اسمه. _بص، إحنا نجيب الاسمين احتياطي، ماشي؟ أومأ مصطفى برأسه موافقًا، ولا يزال مبتسمًا: _ماشي. وفيما هما يختاران الأسماء، لمح مصطفى على بُعد خطواتٍ قليلة عربة أخرى جذبت انتباهة على نحوٍ لا إرادي. تقدم بخطاه نحوها، كأن شيئًا غامضًا فيها ناداه، وما إن اقترب ووقف أمامها حتى تجمدت قدماه في مكانه؛ كانت العربة تحمل تماثيل صغيرة، ملساء براقة، لكنها لم تكن مجرد أشكال، بل كانت مجسماتٍ متقنة لنور الديب، ذلك الذي أصبح ظله يطاردهم في كل مكان. ظل مصطفى يحدق فيها بنظراتٍ دامية، عينه توحي ببرودٍ خارجي يخفي جمرًا متقدًا في العمق. هنا سأل البائع وقد احتقن صوته بالصبر المكظوم: _لو سمحت... هو مين دا؟ رمقه البائع بنظرة استحقار، ثم أجاب بنبرة هجومية متعالية: _إنت عارف مين دا! متستقلش بمولانا، لو مش عاجبك اتفضل امشي. قال مصطفى بنبرةٍ ثابتة، باردة كجدارٍ حجري: _أنا مقولتلكش حاجة عشان ترد عليا بالشكل دا. فرد البائع، والغيظ يتفجّر من عينيه: _مش محتاج تقول، إحنا عارفينك، وياما مولانا حذر منك، ومن ضلالك، ومن كفرك. سبحان الله، دايما بيقولنا إنك بتسخر منه دايمًا حتى من غير ما ييجي جنبك، وشوفت دا بعيني أهو! _سبحان الله؟ هو إنتوا لسه فاكرين الله من اللي بتعملوه دا؟ _إنت بتكفرنا كمان؟! إحنا بنعبد ربنا زيك يا خويا، بس إنت جاهل، مبتفهمش إن مولانا وسيط ونبي حي بينا! _آه، ما كفار قريش كانوا بيقولوا إنهم بيعبدوا ربنا برضو، والتماثيل دي وسائط... {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ}. وما إن أنهى مصطفى كلماته، حتى ظهرت نجلاء إلى جانبه، وقد جاءت تستطلع سبب انفعاله، فقال البائع ووجهه يفيض ازدراءً: _بقولك إيه يا إرهابي إنت، أنا واجبي إني أديك بالطوبة على دماغك زي ما المنير بيقول، بس أنا هحترم وجود المدام بس... ويلا امشي من هنا! مدت نجلاء يدها تمسك بذراع زوجها، وهمست بهدوءٍ نافذ: _يلا يا مصطفى، الكلام معاهم مش هيفيد... يلا. كان في كلماتها صدق لا يحتمل الجدل، وشعر هو نفسه أن الحوار قد بلغ حده، فالتفت وابتعد معها، وقلبه يعصره شعور بالمرارة الحارقة، على ما آلت إليه أرواح الناس قبل أحوالهم، وعلى هذا التيه الذي ابتُلي به قوم ما كانوا يومًا كهذا الشعب. ومع عودتهم إلى طاولتهم، وقد فرغوا من مشروباتهم، توجهوا سويًا إلى حيث توقفت سيارة نوح. وما إن صعدوا، حتى قرر مصطفى أن يتولى القيادة ليمنح نوح قسطًا من الراحة، وقد بدا عليه الإعياء. انطلقت السيارة ببطء في شوارع المدينة المتعبة، وسادها صمت ثقيل، قطع نوح سكينته بتنهدٍ عميق، ثم قال، وهو ينظر عبر زجاج النافذة: _واضح إن كل حاجة في البلد دي بقت بتعكنن الواحد. اكتفى مصطفى بالإيماء برأسه، دون أن ينبس بكلمة. ثم أردف نوح، محاولًا التشبث ببعض المتعة الممكنة: _عمي النهاردة فاجئنا إن عنده فيلا في العلمين، هدية من عميلة كانت عنده، وقالنا نروح هناك نصيف، ونقعد أسبوع أو أكتر. اتسعت عينا نجلاء بفرحةٍ بريئة لم تستطع كبحها، وبدت على وجهها علامات بهجةٍ مفاجئة، على عكس مصطفى الذي لم يتغير شيء في ملامحه، واكتفى بالقول ببرودٍ صلد: _تمام... روحوا واتبسطوا. _ما إنت ومريم ونجلاء هتبقوا معانا، أهو ترتاحوا وتتبسطوا شوية كمان. حرك مصطفى رأسه نافيًا، وقال بصوتٍ لا يخلو من قسوةٍ رقيقة: _لا شكرًا. فجأة، اختفت ابتسامة نجلاء، وانطفأت بهجتها كشمعةٍ باغتها هواء حاد، ونظرت إلى زوجها في امتعاضٍ مكظوم. أما نوح، فقد التفت إليه متعجبًا، وقال بنبرةٍ محتدة: _هو إيه اللي "لا شكرًا"؟ مش هتيجي ليه يا مصطفى؟! _الأماكن دي مش لينا يا نوح... ولا ليكوا، بس أنا عارف، لو نصحتكوا هتتجاهلوني وهتروحوا كده كده.. _مصطفى، الأماكن دي فيها كل حاجة... تقدر تختار المكان اللي يليق بيك وبعيلتك، وتقعدوا فيه عادي، يا عم ابسط بنتك على الأقل. _لا يا نوح... مش هروح الأماكن دي! خلاص، إنت عزمتني، ورفضت، وشكرتك، مش لازم الموضوع يكبر لو سمحت. التزم نوح الصمت، وقد أدرك بثقلٍ داخلي أن تغيير قرار مصطفى ضرب من المستحيل، وأن أي جدالٍ آخر لن يُثمر سوى مزيدٍ من الجفاء... فسكت، لكن امتعاضه لم يسكن. وايقن هنا أن سعادتهم الأولى، تلك التي حلم بها بكل تفاصيلها الصغيرة، ستكون منقوصة... ناقصة بغياب أخيه الذي كان دومًا نكهة البدايات وركن الطمأنينة فيها. ومضى الطريق صامتًا إلا من أنفاسٍ متقطعة، تحمل بين طياتها أمنيات لم تتحقق.                          *********** في هذه الليلة، كانت مدينة معتنقي النورية تستعد لاحتفالٍ عظيم، عيد التوهج، حيث يُكرَّم نور الديب اتباعه بعبادة الارتقاء ليكونوا رمزللإشراق. كانت الشوارع قد زُينت بأكاليل من الزهور البيضاء والذهبية، تتدلى من الأعمدة المضيئة، بينما تناثرت الأضواء الملونة على واجهات البنايات، فتحولت المدينة إلى لوحةٍ سماوية تتوهج، والتماثيل الذهبية لنور الديب، المنتشرة في كل ركن، كانت مُزينة بحللٍ من الحرير الأبيض، وتُحيط بها أوعية بخور تفوح بروائح اللبان والمسك، تملأ الأجواء بعبقٍ روحاني، الموسيقى المنبعثة من كل زاوية، مزيج من أنغام الناي والأوتار، امتزجت مع دقات الدفوف الرتيبة، مُعلنةً اقتراب اللحظة المنتظرة: دخول نور الديب إلى المدينة. في الساحة الرئيسية، تجمع أتباع النورية، مئات الآلاف، يرتدون أثوابًا متنوعة تعكس حريتهم في التعبير عن أنفسهم، لكنها موحدة بلونٍ أبيض يرمز إلى النقاء والنور. كانوا يقفون في صفوفٍ متراصة، أعينهم متعلقة بالبوابة التي سيدخل منها قائدهم. فجأة، ارتفعت أصوات الدفوف والطبول في إيقاعٍ متصاعد، كأن الأرض نفسها تهتز بوقعها. من بعيد، بدأ موكب نور الديب يظهر؛ كان محمولًا على عرشٍ ذهبي مرصع بالجواهر، يرتفع على أكتاف ستة رجال مقنعين، يرتدون أردية بيضاء طويلة تخفي ملامحهم، مما يضفي عليهم هالة من الغموض والقوة. العرش نفسه كان تحفة فنية، مزينًا بنقوش دقيقة تصور مشاهد من المنير، وتتدلى منه أشرطة حريرية ترفرف مع نسمات الليل. نور الديب، جالسًا على عرشه، مرتديًا رداءً أبيض مطرزًا بخيوط ذهبية، تتلألأ تحت الأضواء كأنها شعاع من الشمس. وجهه، الهادئ والمشرق، كان يشع بهيبةٍ تجمع بين السلطة والتأليه الذي ينسب إليه والخبث والمكر لمن يعرف سره. خلفه، سار رجال آخرون يضربون الدفوف والطبول بإيقاعٍ متسارع، يزيد من حماس الجموع. كانت أصواتهم تملأ الفضاء، وهم يرددون: "النور يهدينا، والسلام يجمعنا"، في تناغمٍ يشبه الترنيمة. مع اقتراب الموكب من الساحة، انحنت الجموع في ركوعٍ جماعي، في تعبير عن خضوعٍ مطلق، حيث وضع الأتباع ركبهم على الأرض، وأيديهم ممدودة نحو العرش، في طقسٍ يجمع بين الخشوع والتفاني... نساء وأطفال وشيوخ، جميعهم متساوون في هذه اللحظة، موحدون بإيمانهم بنور الديب. كانت أصواتهم تتعالى في دعاءٍ جماعي، يتردد صداه في أرجاء الساحة يدعون به وبإسمه في جمل تحمل الكفر الأكبر، كان المشهد مهيبًا مقبضًا للناظرين، يحمل في طياته قوةً روحية تجعل القلب يهتز، سواء بالدهشة او بالصدمة والتقزز. وصل الموكب أخيرًا إلى الميدان الرئيسي، وهو ساحة دائرية واسعة، تتوسطها منصة مرتفعة ليست عالية مصنوعة من الرخام الأبيض، وحول الميدان، انتصبت شاشات عملاقة تعكس كل حركة على المنصة، لتتيح للمئة ألف متابعٍ أو أكثر، المنتشرين في أرجاء الميدان، مشاهدة قائدهم بوضوح. كانت الأجواء مشحونة بهيبةٍ لا توصف، حيث امتزجت أصوات الدفوف مع همهمات الدعاء ورقصات فرقة معينة، وتألقت الأضواء الملونة التي تتغير ببطء، كأنها تتنفس مع إيقاع الاحتفال. أعمدة البخور تنفث سحبًا عطرية تتصاعد إلى السماء، بينما تتمايل الأعلام البيضاء المطرزة بحروفٍ ذهبية تحمل آيات من المصحف النوري. نزل نور الديب من عرشه بمساعدة رجاله المقنعين، وصعد إلى المنصة بخطواتٍ واثقة، كأنه سلطان يطأ على الأرض. وقف هناك، مرتفعًا فوق الجموع، ينظر إليهم بنظرةٍ تجمع بين التكبر والتغطرس والحنان الزائف والقوة المزيفة. الجموع، التي عادت للوقوف بعد ركوعها، كانت تحدق به بإجلال، أعينها ممتلئة بالإيمان والتوق إلى كلماته التي سيلقيها في خطبته المنتظرة. في خضم هذا المشهد، كان موريس يقف بين الجموع، متخفيًا في ثوبٍ أبيض مشابه لما يرتديه الآخرون، لكنه يحمل في قلبه حذرًا صامتًا. عيناه، اللتين تجولتا في الميدان، كانتا ترصدان كل تفصيل: حركة المقنعين، تأليه نور الديب في عيون الأتباع، والنظام المحكم الذي يسود المدينة. لم ينطق موريس بكلمة، بل اكتفى بالصمت، يراقب بعينٍ فاحصة كل ما يدور من حوله، كأن عقله ماكينة تحليل لا تهدأ. كان وجهه هادئًا، ساكنًا كصفحة ماء، إلا أن داخله كان يضج بالقلق، يتقلب بين ريبةٍ وتوجسٍ لا يعرف لهما اسمًا. بينما كانت الجموع تشتعل بحماسها، تتهامس بالدعوات والتراتيل، اعتلى نور الديب المنصة، وبدأ خطبته، مزجًا بين اقتباساتٍ من كتابه المزيف وبين استعراضٍ سافرٍ لذاته، متحدثًا عن العالم وآلامه، وموقعه هو في خلاصه، ليغرز في قلوبهم الضعيفة أنه نبي أو ما هو أعظم. وبعد نحو ربع ساعة من هذه الخُطبة التي تماهت فيها الروحانيات بالدجل، رفع نور صوته وقال: _وزي ما قولتلكم من شهر.. إن أدهم داغر هيتقبض عليه وهيسلم نفسه ودا بالفعل حصل، فأنا قررت اقولكم بنبوءة جديدة وحلوة زيها زي بتاعت ادهم. هنا انحبست أنفاس الأتباع، وارتفعت همهماتهم، مرددين الأدعية والابتهالات، يترقبون النبوءة الجديدة كمن ينتظر ماء الحياة في صحراء التيه. ثم قال نور: _بعد عشر أيام من النهاردة، هيظهر إعلان عن إن أدهم ليه ست عيال وأخ، هتظهر هوياتهم للعالم، والجيش هيمسكهم وهيعدمهم لكونهم مجرمين متخفيين طول السنين دي كلها. فارتفعت أصوات الهتاف، وضجت الساحة بالفرح، بانفعالٍ لا يصدق، مزيج من الذهول والانبهار، تصفيق حار، ودموعُ غبطة، كأنهم شهدوا معجزة، بينما موريس ظل ساكنًا في مكانه، لا يحرك ساكنًا، وعيناه تزدادان قلقًا، وشيء ما في قلبه أخذ يخنقه ببطء. ومع مرور الوقت، وبعد نصف ساعة أخرى من خطبٍ متلاحقة، طغى فيها نور على كل مفاهيم الطهر والتقوى، شاتمًا مصطفى ومن يشبهه، بأسلوبٍ قاسٍ لا يليق إلا بالطغاة، ختم خطبته قائلاً: _ومع انتهاء الخطبة، نبدأ عبادة الارتقاء لكل اللي تمم شهر معانا. ارتفعت الهتافات مجددًا، والأعين تترقب بلهفة، بينما ثبت موريس في مكانه، يرقب ما يجري بحذر متزايد. وبدأت طوابير العائلات تصعد إلى المنصة، كلهم يرتدون الأبيض، وجوههم مفعمة برجاءٍ كاذب، يسعون خلف شفاءٍ زائف، ورزقٍ موهوم. كان في مقدمة الطابور زوجان شابان، وابنتهما الصغيرة التي لم تبلغ العامين بعد. جثا كلاهما على ركبتيهما، قبّلا رداء نور، ووضعاه على جباهما. فقال نور: _هتختاروا مين عشان تخلوه يرتقي وترتقوا معاه؟ قال الزوج: _هنختار بنتنا يا مولانا. عقد موريس حاجبيه، وقد بدا عليه التعجب والقلق، لا يفهم تمامًا ما يحدث، ثم قال نور: _جميل... ودا بمقابل ايه؟ _نخلف تلات ولاد، وصحتي الجنسية تبقا قوية. _اعتبره اتنفذ. بعدها، جعلوا الطفلة الصغيرة تقف أمام نور، الذي ربط على جبهتها ربطة حمراء، ثم أمر بوضعها بجانب العرش، في موقعٍ غامض. ابتعد الوالدان تاركينها هناك، دون تردد، فاشتد استغراب موريس، وقال للفتاة التي تقف إلى جانبه: _هو مولانا هيعمل إيه بالبت؟ قالت الفتاة: _هيخليها ترتقي. _أيوة يعني هيعمل إيه يعني؟ _دي حاجة بتاعته هو، متسألش كتير، حرام كدة. التزم موريس الصمت، وكأن بات وسيلته الوحيدة للنجاة، بينما الغليان يشتد داخله. ثم صعد شاب وفتاة وحدهما، قال الشاب: _أنا اختارت مراتي دي عشان ترتقي وارتقي بيها. _جميل أحب أنا الراجل اللي بيرتقي بمراته خصوصًا لو جميلة، دا بيبقا إيمانه أقوى إيمان وارتقاءه بيبقا نوره ساطع جدا جدا. ثم وضعت الزوجة الربطة الحمراء، ونزل زوجها وتركها، كما فعل الآخرون. تتابعت الطقوس، وتكاثرت الوجوه، حتى ظهرت فتاة وامرأة بجوارها، لم يعرفهما موريس، لكن نور عرفهم وابتسم وهو يقول: _شهد... ازيك عاملة ايه؟ قالت شهد إبنة عمة غادة، وهي تبتسم في سعادة غامرة: _انت لسة فاكرني يا مولانا؟ _أكيد فاكرك، ها قوليلي اختارتي مين؟ أجابت الأم بحماس: _اختارتني أنا يا مولانا، أ.. أنا قررت ارتقي وهي ترتقي بيا. أومأ نور برأسه وقال: _حلو حلو، والمقابل؟ قالت الأم: _البت تتجوز، وشكلها يبقا حلو وتتجوز راجل حلو وغني غني اوي اوي وتعيش حياتها غنية وتخلف ولاد كتير. _اعتبريه اتنفذ. أخذت الربطة الحمراء، وضعتها على رأسها، وودعت ابنتها، ثم عادت شهد، ونزلت من المنصة، بينما عينا موريس تتسعان، كأن ما يراه تخطى حدود الفهم، والقبضة على قلبه اشتدت حتى كادت تقتله. مرّت أكثر من ساعة، وقد اجتمع على المنصة مئات من المختارين للارتقاء، ثم بدأت جموعهم تنزل بانتظام، خلف موكبٍ جديد لنور الديب، الذي سار بخيلاء، وحوله أصحاب الربطات الحمراء، متجهين إلى مكانٍ مجهول، تغلفه القداسة، وتخفيه الظلال. وموريس، في خضم كل ذلك، وقف في صمتٍ ثقيل، وعقله يغوص في أعماق لا قرار لها، يفتش عن الحقيقة وسط زيفٍ يلمع كالنور، لكنه يحرق. تحرك الموكب العظيم تحت سماءٍ تزداد توهجًا، وكأن الليل نفسه قد انصهر في نورٍ ذهبيٍّ فاقع، ينساب من الأضواء المشعة والمشاعر الملتهبة، وسط طنين الطبول المتصاعد ودقات الدفوف التي تضرب بإيقاع مهيب، وفي مقدمة الموكب، كان نور الديب جالسًا على عرشه الذهبي، محمولًا على أكتاف الرجال المقنعين. وخلف نور، اصطف أصحاب الربطات الحمراء، وجوههم جامدة كالأقنعة، أجسادهم تسير بنظامٍ صارم، كفرقة مختارة، يسيرون في صمتٍ خاشع، أعينهم نحو العرش لا تحيد. تقدم الموكب بخطى ثابتة، يتبعه سيل بشري من الأتباع، بالآلاف، رجال ونساء وأطفال، كأنهم أمواج من البياض تسري خلف نهرٍ من ذهب. كانت الأعين مشرعة، والأفواه مرددة للتراتيل، ونظرات الحشود َمتعلقة بالمشهد. وعند الأفق، بدأ يظهر المبنى العملاق، كشبح أبيض يتجلى من الضباب. كان مبنى هرمي الشكل، ضخمًا في قسوته، هائلًا في حضوره، تتدرج جوانبه كدرجاتٍ تصعد إلى العدم، يكسوه حجر أبيض ناصع يتلألأ في الضوء، وتتخلله زخارف ذهبية لامعة تنساب كالانهار. كان المبنى ذا طابعٍ فرعوني صارخ، كأن حضارةً بائدة بُعثت من مرقدها، وامتزجت بنبوءة مزيفة. وهذا المبنى تحديدًا لطالما رآه موريس ولكن كلما يسأل عنه كانوا يمتنعون عن الإجابة... الأن فهم دور هذا المبنى. اقترب نور من المبنى، وأمام بابه الرئيسي الذي يتجاوز ارتفاعه عشرة أذرع، فتحت الأبواب في بطءٍ مهيب، ودخل نور أولًا، يتبعه أصحاب الربطات الحمراء، واحدًا تلو الآخر، دون كلمة، دون نظرة إلى الوراء. وبمجرد أن دخل آخر المختارين، وضعوا اصحاب الاقنعة سياج حديدي دائري على بُعد أمتار من المبنى، محيطًا به بإحكام. كانت الحشود قد توقفت خلف ذلك الحاجز، واصطفوا في حلقاتٍ دائرية متراصة، وجوههم متحجوة نحو الهرم، أصواتهم ارتفعت بأمرٍ صارم من الحراس المقنعين الذين وقفوا على امتداد الحاجز، ممسكين بعصيٍ فضية مشعة، يلوحون بها في الهواء، وينطقون بالأوامر بصرامة لا تقبل التردد. فانطلقت الجموع في تراتيل جماعية، مزيجٍ من أدعية المنير وجُملٍ منه، تتردد بصوتٍ واحد كالجسد الواحد، أو كروح واحدة مفرغة من ذاتها. الأصوات تصاعدت، تلتمع في الأثير، تهز الهواء وترجرج الأرض. وكان في ذلك المدى المحاط بالسكون المشوب بالمهابة، يقف موريس... لا يُردد، لا يهمهم، لا يرفع يديه... فقط عينيه تسرحان في هذا الطقس الجنوني، كأن قلبه على وشك أن ينفجر من الحقيقة التي بدأت تتشكل أمامه، لا على هيئة رؤيا، بل كواقعٍ أشد فتكًا من كل كابوسٍ رآه يومًا. كان موريس واقفًا في أول الصفوف، يتسمّر في مكانه بعينين متسعتين، يترقب ما عساه أن يحدث خلف جدران ذلك المبنى الهرمي الهائل، الذي بدا كفمُ زمنٍ قديم انفتح لالتهام الأرواح. كان الصمت في داخله أعلى من كل ما حوله، يحاول أن يصغي لما وراء الحجب، أن يفك طلاسم هذا الطقس الذي لا يُشبه شيئًا مما عرفه البشر. وفجأة، كُسر حبل شروده بصوتٍ حاد يصكّ الأذن، إذ أشار إليه أحد الحراس المقنعين بعصاه الفضية، وهو يصرخ بأمرٍ لا يقبل التباطؤ: _مبترددش ليه؟! ردد وإلا اللعنة هتحل عليك! ردد! ارتجف موريس في موضعه، وأخذ يردد على عجلٍ ما تردده الجموع، ولسانٍ لا يعرف تمامًا ما ينطق به، كأنه يلوك طقوسًا من نار. كان قلبه يدق كطبول الموكب، لكن ليس طربًا بل رعبًا خالصًا، قادمًا من أعماق لا تعرف الطمأنينة. ثم... وسط هدير التراتيل، سمع... صوت صراخ وعويل. صراخ بشري مدوي، انبثقت من جوف الهرم، كأنها خرجت من روحٍ تُنتزع عنوة. تجمد لسانه، وتباطأت دقات قلبه... حاول أن يصغي أكثر، أن يلتقط تلك النغمة التي تشبه الألم الخام، لكن الأصوات من حوله غمرته، حتى تلاشت الصرخات بين صخب الترديد. وما هي إلا لحظات حتى اخترق السماء شعاع نوري هائل، انبثق من قمة الهرم، واخترق الظلام كرمحٍ من لهبٍ أبيض ذهبي، يشق السواد في مشهدٍ أخّاذ يخطف الأنفاس. توقف موريس عن الترديد... وعينيه تركزتا على الشعاع، لكن أذنيه ظلتا تصغيان لما هو أبعد.. وهوالصرخات. كانت ما تزال تنبعث من داخل الهرم، أقرب إلى أنينٍ يختلط بالعويل، صوت أرواحٍ تذوب في أتونٍ لا يُرى. تجمّد جسده، واقفًا وحده بين الساجدين، فيما ارتفعت الهتافات وانحنت الرؤوس حوله، وفي مشهد منفر مقبض سجدت الجموع كلها لهذا النور، بينما ظل موريس كالجبل المشدوه لا يبرح مكانه. صرخ الحارس مجددًا، وصوته أشبه بالصفعة: _اسجد!!! اسجد!!! انقض عليه بعصاه، ينهال عليه ضربًا، فخرّ موريس ساجدًا مكرهًا تحت وقع الألم والحيرة والذهول، لا من خشيةٍ ولا من رهبة، بل من صدمةٍ تخترق عظامه.. وما هي إلا لحظات، حتى بدأت الصرخات تتلاشى، كأن الأرواح قد أُسكتت أو فُقِدت إلى الأبد، وتراجع الشعاع النوري تدريجيًا، حتى اختفى كما ظهر.. بلا تفسير، بلا رحمة. ثم... وقف الجميع من سجودهم، بهدوءٍ طقسيٍّ يثير القشعريرة والاشمئزاز للشخص المؤمن. وخرج نور الديب من بوابة الهرم بخطاه المتغطرسة، رداءه الأبيض يتماوج خلفه كراية مجدٍ زائف، وذراعاه ممدودتان كمن يمنح البركة للعالم، وهتف بصوته العالي: _مبارك لمن ارتقى! فانفجرت الجموع في هتافٍ جنوني، مرددين بصوتٍ واحد: _مبارك لمن ارتقى! مبارك لمن ارتقى! كانوا يصفقون، يبكون فرحًا، يتمايلون كالسكارى، بينما موريس ظل واقفًا وسطهم، لا يهتف، لا يهلل، لا يبرح مكانه. عيناه كانت لا تزال معلقة بنور، تحدق فيه بذهولٍ ممتزج بشيءٍ أقرب إلى المعرفة... المعرفة اليقينية عمّا جرى في الداخل. وهنا شعر نور به، والتفت نحوه بنظرة واحدة... لكنها كانت كافية. نظرة خبيثة، متعمدة، تنطق بالتحدي والتشفّي، وتُلمّح بسيادةٍ مطلقة لا يجرؤ أحد على مساءلتها. كانت النظرة كالسهم، مسمومًا، محشوًا بالكبرياء والتهديد... رسالة لا صوت فيها، لكن معناها صارخ. وتلقاها موريس في صمت، متحجر العينين، لا يعلم بعد ما يكون مصيره في هذا العالم المحكوم بطقوسٍ مقلوبة، في هذه الطائفة الملعونة، حيث يُذبح الضعفاء وإيمانهم وفطرتهم على مذبح النور.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة