٢٢ ظل ثلاثتهم واقفين في صمت، ونوح مطاطيء رأسه وهو جالس يحدق في الارض، يشعر بالإحراج والعار الشديد ولا يريد النظر إلى وجوههم. تقدم مصطفى وجلس بجانب نوح. _نوح.... _أنا آسف يا شيخ، كنت عايزك تكون صديقي، بس... مينفعش تكون في علاقة مع شمام. _إحراجك على الذنب دي إشارة حلوة لتوبتك يا نوح. لا أنا ولا عمر هنعايرك ولا هنشمت فيك زي عصام. ظل نوح صامتاً ولم يرد، فقال مصطفى هنا: _الوصية دي والدتك كتبتها لنجلاء، بنت خالك. نظر نوح إلى الورقة ثم نظر لمصطفى وقال: _أنا معرفش هي فين... _نجلاء مراتي يا نوح، مراتي تكون بنت خالك. نظر نوح لمصطفى وملامحه باردة لا يعرف أيندهش أم لا، ثم قال مصطفى: _بص... أنا هاخد الوصية دي لنجلاء، وبعديها أنت لازم تعرف اللي في الوصية دي. لأن والدتك كتبتها عشانك. _لا مش عايز أعرف... مش عايز أعرف يا مصطفى... أ... أنا تعبتها كتير أوي... و... أكيد هي كتبت كده... أكيد هي قالت أنا عملت إيه فيها... هنا تذكر نوح كل ما فعله بها... تذكر حين كان يسرقها، تذكر حين كان يضربها ويصرخ في وجهها، تذكر حين كان كل حديثه معها بشكل سلبي وبحقارة. أمسك نوح برأسه وبدأ يبكي بشكل مكتوم، جسده يرتعش وينتفض، يلهث بكثرة يحاول ان يأخذ انفاسه اثناء إنتحابه وكأنه رئتيه تحجرت كالأسمنت، حاول مصطفى تهدئته وشعر أنه لم يكن من المفترض أن يحدثه عن هذا الأمر الآن. بدأ نوح يضرب رأسه أملاً أن تتوقف تلك الأفكار عن الظهور في عقله علم عمر هنا أن نوح دخل في نوبة هلع قوية قد تسبب بموته، فمهما حاولوا ان يوقفوه عن إيذاء نفسه وتهدئته واخذ انفاسه لن يجدي نفعًا، ذهب للمطبخ مسرعًا وأخرج بصلة وقشرها وعاد لنوح. وضع البصلة على فم نوح وأجبره على قضمها ومضغها، ليستفاق نوح من النوبة منتفضًا من طعم البصل الحار المؤلم وبصقها بسرعة وهو يسعل، وحين انتهى من السعال هدأ وسكت تماماً وبدأ يأخذ انفاسه بهدوء. نظر مصطفى إلى عمر مستغرباً وجلس عمر بجانب نوح قائلاً: _نوح... أنا جنبك خلاص. ظل نوح صامتاً ويلهث، وبعد ما يقارب الثلاث دقائق من الهدوء والسكينة قال نوح: _أنا هقوم أغسل وشي. قام نوح ودخل الحمام، وهنا قال مصطفى: _دكتور عمر، هو... أنت عملت كده ليه؟ _متقلقش... دي طريقة مناسبة عشان نفوق فيها أي حد جاتله نوبة هلع، نخليه يأكل أو يقضم أي حاجة فيها طعم قوي او وحش..او حاجة هو شخصيا بيتقزز منها. صمت مصطفى وبعد قليل خرج نوح من الحمام وهو يقول: _أنا آسف يا شيخ مصطفى... أنا آسف. _يا حبيبي بتعتذر على إيه؟ والله ما يهمني غير سلامتك... _هو ينفع أشوف نجلاء؟ _أيوة... ممكن حضرتك تشرفنا في البيت أي وقت تحب. _تمام... بعد قليل قام مصطفى وعاد إلى منزله، ولم يتبقَّ سوى عمر... _أنا آسف يا عمر... أنا خذلتك جامد أوي... أظن دي شغلتي في الحياة مش كده؟ كان عمر صامتاً لا يرد، وعاد نوح يقول: _كنت بحسب أني عقلت بس... أنا لسة زي ما أنا... بقالي عشرين سنة عايش على الدايرة دي... عايش على غبائي واذيتي للي حوالي وخذلهم ناحيتي، حتى مش فاكر قبل العشرين سنة أنا كنت إزاي... مش فاكر حياتي خالص يا عمر... مش فاكر غير المصايب السودا اللي أنا عملتها وبعملها، ولو ماعملتش مصايب وحاولت أكون شخص أحسن... بتاخد بالجزمة على دماغي... ولما اخترت الوحدة عشان لا أأذي حد ولا أتعرض للأذى... بعيش مع أفكاري المسمومة ومع هلاوسي... والمرة اللي قررت فيها مبقاش وحيد... رجعت للخذلان تاني... وخذلتك... وبعدين يا عمر... وبعدين؟ ظل عمر صامتاً يسمع له، ثم عاد نوح قائلًا: _ما يمكن يا عمر أنا المفروض مكونش عايش... يمكن الحياة دي مش ليا. _في بالك أن ربنا بيخلق ناس بالغلط؟ مفكر إنه بيغلط؟ ظل نوح صامتاً قليلاً، ثم قال عمر: _أنا مش الدكتور النفسي اللي كان بيعالجك زمان... وإحنا مش في جلسة دلوقتي، أنا عمر صاحبك... مش الدكتور بتاعك. ظل نوح صامتاً، ثم قال عمر: _عارف عصام اللي خلاك تحس بالإحساس دا؟ عارف دا خذل مين في حياته؟ ومش ندمان ومش شايف نفسه غلط، اللي زيه هو اللي نقول عليه المفروض ما يكونش عايش. بس أنت يا نوح، أنت ضعيف ومحتاج تبقى أقوى مش أكتر. أمسك عمر بالصندوق الذي كان فيه كوكايين. _العلبة دي أنا مش هاخدها منك... هسيبهالك وكأني ماشوفتش حاجة... عشان ترجع وتقعد مع نفسك كده... هل أنت مستعد ترجع تلات سنين في المصحة تاني؟ هل أنت مستعد تشوفك غادة وانت بتشم اللي في العلبة دي؟ _أكيد أنت متضايق... بعد التلات سنين تعب عشان تعالجني... ورجعت تاني برضو. _نوح، أنت مرجعتش بإرادتك... اللي أنت فيه دا اسمه انتكاسة. _ومين المسؤول عن الانتكاسة دي؟ صمت عمر قليلاً، ثم قال: _مفيش حد بعينه مسؤول عن انتكاستك. الفكرة إن الظروف اللي مريت بيها خلتك تهمل نظام علاجك اللي كتبتهولك... وفي شعور بيقول إن أنا جزء من السبب برضو. _انت مالكش ذنب... أنت عملت اللي عليك وزيادة. _وانت برضو... أنت برضو تعبت عشان تتعالج... متنساش التعب اللي تعبته يا نوح... نسيانك للتعب دا... هيرجع كل حاجة من أول وجديد. _أنا بنسى كل حاجة يا عمر... هو أنا إيه اللي بفتكره؟ مفيش حاجة بتفكرها... مبفتكرش غير أسوأ الحاجات اللي بتحصلي. ظل عمر صامتاً ولاحظ بإبتسامه خفيفة ترتسم على وجه نوح وكأنها ابتسامة ساخرة، وقال نوح هنا: _تعرف... أنا لو حصلي اللي حصل دا في ظروف تانية... كنت استنيتك تمشي عشان أدبح نفسي على طول من غير أي تردد... بس دلوقتي مستحيل أفكر في كده. ابتسم عمر، ثم قال: _عشان غادة. أومأ نوح برأسه ثم قال: _مش عارف ليه، أول ما شوفتها... قبل ما حتى تفتح بُقها وتنطق... حسيت بإحساس غريب، بعد ما بعتلك الريكورد على طول لقيتها عندي... زي المنقذ، هي شايفاني انا اللي هنقذها من اللي هي فيه، بس الحقيقة... هي متعرفش إنها هي اللي هتنقذني... أنا اللي محتاجلها مش هي اللي محتاجالي. قال عمر: _محسيتش الإحساس دا ناحية رشا لما كنت بتحبها؟ _لا... بداية حبي لرشا كان عندي حماس ليها غير منطقي... وهي مكانتش بتعمل حاجة غير إنها تستقبل الحماس دا، أنا كنت بحبها عشان شايفها هتحسن حياتي... وهي كانت بتحبني عشان كانت شايفاني هحسن حياتها... بس دا ما حصلش، بس غادة... أنا وهي عارفين إننا مش هنحسن حياة بعض... بس حابين إننا نعاني سوا... من غير ما حد مننا يشعر بوحدته اللي بيحاربها طول حياته. قال عمر: _أظن مجرد وجودكم سوا دا هيحسن حياتكم من غير ما تلاحظوا. هنا رأى هاتف عمر يرن، وكانت شيماء، فقال نوح هنا: _روح أنت بقى يا عمر... شيماء دي غلبانة ومحتاجاك، أنا عارف إنها متضايقة عشان بتجيلي كتير... روح وطيب خاطرها ومتقلقش عليا. ابتسم عمر وربت على ظهر نوح، ثم سلم عليه وقام ليعود إلى منزله. ********* على منتصف الليل، كان معتز والد علا جالسًا على سريره، يمارس هوايته المفضلة وهي مشاهدة النساء الأجنبيات الريفيات وهن يقمن بأعمالهن في البيت الريفي ومزرعتهن. كان يستمتع بمشاهدة هذا النوع من المقاطع قبل النوم تحديدًا، لأن ذلك يدخل السلام والهدوء في نفسه ليتمكن من النوم. فجأة، وهو جالس على سريره يشاهد من الهاتف، سمع طرق الباب. _تعالي يا حبيبتي. دخلت علا وجلست أمامه على السرير وهي صامتة تمامًا. _عندك أرق؟ _أنا مش بنام، أنت عارف. _أقوم أعملك كوباية لبن سخن؟ ظلت علا صامته قليلاً ثم قالت: _أنا مقتلتش ابني يا بابا... أنا مقتلتوش. ترك معتز الهاتف واقترب منها وهو يقول: _أنا عارف يا حبيبتي... كلنا عارفين كده. _هي إزاي صدقت أني ممكن أقتل ابني؟ ظلت علا صامته ثم قالت: _هو أنا ممكن أكون قتلته فعلاً؟ هو أنا قتلته فعلاً؟ _يا حبيبتي، إنتِ مقتلتيش حد... والله يا بنتي ما عملتي حاجة. ظلت علا صامته ثم قامت وخرجت من غرفته ومعتز ينظر إليها بشفقة شديدة. فقد مر على تلك الحادثة عشر سنوات، لكنها لم تتخطَّها حتى الآن. أصبحت علا مصابة باضطرابات نوم شديدة بسبب تلك الحادثة. عقلها لا يتوقف عن التفكير وقلبها لا يتوقف عن الاحتراق حزنًا على ابنها، ابنها الرضيع الذي مات فجأة وهو لم يكمل سوى عشرين يومًا. بجانب صدمتها بفراق ابنها المفاجئ، فقد اتهمتها حماتها بقتله. إنه كابوس لعلا لا تستطيع الاستيقاظ منه أبدًا. عادت علا إلى غرفتها الغرفة العائمة بالظلام وظلت جالسة على سريرها تحدق في الفراغ بملامح متعبة مهمومة. وظلت جالسة تفكر وهي لا تشعر بالوقت. لم تشعر إلا بعد أن لاحظت أشعة الشمس تدخل غرفتها. ****** في صباح اليوم التالي، حيث المدرسة التي يعمل بها نوح، بعد الاستراحة بساعتان، خرج نوح من إحدى الفصول منتهياً من حصته ومتجهاً إلى فصل آخر. نزل في الساحة ولمح ولاء، السيدة المسنّة التي تعمل عاملة في هذه المدرسة، كانت تنحني لالتقاط القمامة، فذهب إليها وبدأ يساعدها ويلتقط عنها وهو يقول: _إيه يا حجة ولاء... مش كنتي بطلتي الشغلانة دي وارتاحتي بقى؟ _أستاذ نوح... إزَّيك يا بني، وإزَّي صحتك؟ _الحمد لله... إزَّي صحتك إنتِ؟ مش من تلات سنين بطلتي عشان ضهرك؟ رجعتي ليه؟ _والله يا بني رفعت رجعني... وأنا مقدرتش أقول لا. استغرب نوح بشدة وقال: _هو مش عارف إنك تعبانة ومش قادرة على الشغلانة دي؟ _عارف... بس هو ما بيهموش الحاجات دي... الشغل شغل. أخرج نوح مئة جنية وقال: _طب خدي... وهجيبلك زيها كل يوم. _لا يا بني، لا... لا لا، مينفعش، استغفر الله. _استغفر الله إيه؟ هو أنا برشيكي؟ أنت تستحقيهم يا حجة، إنتِ بتتعبي. _يا بني، لا، مش هاخد... هتإذي... هتإذي والله. _يعني إيه هتتإذي؟ مين اللي هيأذيكي؟ _يا بني... أنت مكانك مش هنا، المدرسة مش عادية زي ما أنت متخيل، ولا المدرسين اللي بتشتغل معاهم عاديين...دول مش مدرسين اصلًا يابني دول عصابة... أرجوك امشي... امشي وإلا هتتحبس فيها زيي كده... ظل نوح ينظر إليها مستغربًا من حديثها، وفجأة سمع صوت رشا خلفه. _مستر نوح. التفت إليها وقالت: _مستر رفعت عايزك في مكتبه. هنا بدأت ولاء تهمس: _ربنا يحميك... ربنا يحميك ويسترها عليك... ليه يا بني... ليه؟ نظر لها وهو مستغرب بشدة وقال: _في إيه يا حجة، هو أنا رايح أتعدم؟ قالت رشا: _يلا يا مستر لو سمحت... هو مستني. ذهب نوح مع رشا إلى مكتب رفعت مدير المدرسة الجديد. رفعت رجل في منتصف العمر بنيته ضخمة قليلًا، وهو في الحقيقة رجل اعمال يمتلك نفوذ، وما كان يميزه هو نظاراته الطبية. دخل نوح وخرجت رشا وأغلقت الباب. لاحظ أن رفعت ينظر إلى شاشة حاسوبه وكأنه يراقب أحدهم من الكاميرات. _شكلك شاب بتحب تساعد اللي حواليك... _مش أوي يعني... بس الحجة ولاء عزيزة عليا ومن أول ما جيت المدرسة دي وهي بتعاملني زي ابنها. معرفش بصراحة ليه رجعتها لأنها فعلاً كانت تعبانة وعندها التهاب في مفاصل ضهرها وركبها... الأحسن أنها ترتاح يا مستر. _هي قالتلك إني أنا اللي رجعتها؟ صمت نوح قليلاً وشعر أنه ورط ولاء بشكلٍ ما ليقول: _لا، مقالتليش... بس أنا استنتجت ده لأن أول ما حضرتك بقيت مدير، هي رجعت، لو مش زنت اللي رجعتها فكويس عشان أعرفك إنها تعبانة فعلاً وكفاية عليها الشغل لحد كده. صمت رفعت قليلاً ثم رفع رأسه ينظر اليه قالًا: _وقالتلك إيه كمان؟ _مقالتليش حاجة... كانت بتسألني عن صحتي وكانت رافضة تاخد مني الفلوس. _وإنت ليه تديلها فلوس؟ صمت نوح قليلاً ثم قال بنبرة بها غضب خفيف: _مستر رفعت... أنت بتحقق معايا كده ليه؟ مكانش كيس شيبسي اللي شيلته من على الأرض عشانها. _صدقني يا نوح، كيس الشيبسي اللي مستهيفه ده بيعمل فرق... أنا مش عايز مرقعة من العمال في مدرستي. _مرقعة؟؟؟ دي واحدة عندها تمانين سنة وأنا بساعدها... _السن مالوش لازمة من وجهة نظري. ظل نوح يحدق فيه وهو في حيرة شديدة. _اتفضل ارجع لحصتك. التفت نوح وخرج وليس لديه أي طاقة للنقاش، فيبدو أنه رجل مجنون. انتهى اليوم الدراسي وانطلق نوح بسيارته إلى بنك الجينات، وفي حقيبته الملاعق التي بها الحمض النووي لمصطفى وعصام. ذهب إليه وطلب تحليل لجيناته وجيناتهما. دخل أحدهم إلى المعمل لتحليل الجينات، وظل نوح جالسًا منتظرًا. انتظر قرابة الساعة تقريبًا، ثم خرج الطبيب بأوراق وقال له: _في تطابق في الجينات بينك وبينهم، وبين اانين تانيي، وأظن هما إخوات حضرتك، فأحنا حطينا هويتهم عشان لو حبيت تتواصل معاهم. _ش... شكراً... ذهب نوح إلى سيارته وجلس والصدمة تعتليه، وبدأ يرى التحاليل ويرى نسبة التطابق. إنهم بالفعل إخوته... عصام شرف الأخ الثاني، العمر ٣٤ سنة، الطول ٢٠١ سنتيمتر. علا مرزوق الأخت الثالثة، العمر ٣٣ سنة، الطول ١٦٨ سنتيمتر. مصطفى عبدالباقي الأخ الرابع أصغر من علا بثلاثة أشهر، العمر ٣٣ سنة، الطول ١٨٦ سنتيمتر. أنوبيس جيناتها ليست موجودة في البنك لذلك لم تظهر نتائجها. سليم السمان الأخ السادس، العمر ٢٥ سنة، الطول ١٨٥ سنتيمتر. ونور، الأخ الأخير مجهول الهوية ليس لديه جينات في البنك أيضًا. ********* في الكويت، بإحدى المدن المرفهة، نزل أحدهم من طائرة خاصة. كان صاحب بنية جسدية قوية نوعًا ما، وطوله يقارب ١٩٠ سنتيمترًا، وسنة يقرب الى ٢٤ الى ٢٥ سنة. أتى إليه رجل ثري كان حوله ما يقارب الأربع سيارات ومجموعة من الحراس الأقوياء. ذهب إليه ورحب به بحرارة قائلاً: _حيّاك الله شيخ نور، والله اسفرت ونورت. نور الديب، معالج روحاني شهير في الشرق الاوسط، لديه شعبية خارقة واغنياء العرب يستعينون به دائما خصوصا حين عاد لهم بعد اختفاء لأكثر من سنتان. أجابه نور: _متقوليش شيخ دي... أنا مش شيخ. رد الرجل: _العفو... ما كان قصدي أزعجك... العفو. قال نور: _قولي بقى، عرفت تجيبني إزاي؟ دخلا كلاهما سيارة كبيرة فخمة وبدأ الرجل بالتحدث: _الأمير، الله يطول بعمره، حدثني عنك وقالي اكو معالج روحاني قوي وأعطاني رقمك. أجابه نور: _أيوة بالضبط، أنا معالج روحاني مش شيخ. وإيه هي مشكلة ابنك بقى؟ حكى له الرجل أن ابنه يعاني من مس شديد منذ سنتين، وبسبب ذلك أصبح نحيفًا بشكل قاتل... يعيش على المحاليل ومشلول لا يتحرك من على سريره. شعره أبيض من الرعب الذي كان يراه، وابيضت عينيه وأصبح كفيفًا من كثرة البكاء. وأحباله الصوتية تدمرت تمامًا من كثرة الصراخ، بالإضافة إلى الأمراض الداخلية مثل قرحة قوية وغريبة في معدته. أصبح جثة هامدة بها روح لا أكثر... لا يتحدث ولا يأكل ولا يبصر، وكان والده يأتي بأمهر الأطباء حول العالم ولكنهم فشلوا في علاجه. نور الآن موجود في قصر ذلك الرجل وفي غرفة الشاب الممسوس... لم يصدق نور أنه شاب بسبب نحافته المرعبة، فقد كان هيكلًا عظميًا وعليه طبقة جلدية خفيفة فقط. عيناه البيضاوان جاحظتان وشعره أبيض. بكى الرجل بشدة قائلاً: _والله إني مابي أي شي في الدنيا سوى أن يكون ولدي بخير ويعود متل ما كان، والله لو عالجته بعطيك كل قصوري وكل مصاري. أجابه نور: _مصاري مين يا حج... أنا مش بحتاج فلوس... أنا اللي بعمل الفلوس. اقترب نور من الشاب ووضع يده على جبهته وأغمض عينيه... وجد في ظلام عينيه نقاطًا مضيئة تظهر واحدة تلو الأخرى حتى رأى خمسين نقطة. وكل نقطة من الخمسين خرجت منها أعداد كبيرة من الخطوط الشبيهة بالبرق. فتح نور عينيه وقال: _متقلقش... هقضي على الخمسين عشيرة اللي بتعذبه وهرجعهولك زي الأول. سأل الرجل: _خمسين عشيرة؟؟؟ من الجن؟ أجابه نور: _لا، خمسين عشيرة من الشياطين وأولادهم المردة... كل عشيرة منهم فيها سبعمية وتمانين فرد... يعني في تسعة وتلاتين ألف شيطان ومارد متلبس بابنك. هو عمل إيه عشان كل ده؟ قال الرجل: _مدري... والله مدري شنو المصيبة اللي سواها... كيف هالعدد كله بإبني وحده؟ رد نور: _يا حج هما مش جواه يعني... لا، هما متربصينله وبيإذوه ومتوظفين إنهم يمسوه. قبل ما أبدأ شغلي... محتاج عيل صغير ما يتجاوزش اتناشر سنة. قال الرجل: _عندي بنيتي عمرها خمس سنوات. قال نور: _حلو... أنا هدبحها... عندك مانع؟ صمت الرجل تمامًا وقد اصابه الفزع والصدمة، ليقول نور: _بص يا حج... أنا مش محتاج فلوس، بس أنا محتاج مقابل مفيد... ومفيش مقابل مفيد قد الأطفال. ومن غير العيل الصغير أنا مش هعرف أشتغل، خصوصًا إني هعمل مجهود كبير. ها؟ تجيبلي بنتك ولا أمشي؟ ظل الرجل يفكر ثم قال: _طيب... أمر أحد الخدم بأن يأتوا بإبنته، وبعد قليل جاءت الابنة. قال نور: _تمام... سيبونا لوحدنا بقى. خرجت الدموع من عيني الرجل، وجلس على ركبتيه واحتضن ابنته بشدة وظل يقبلها والابنة مستغربة: _أبوي... شنو فيه؟ ليش بتبكي؟ خرج الرجل وأغلق الباب، وخافت الطفلة وظلت تنادي عليه. أخرج نور خنجرًا غريب الشكل، والتفتت الطفلة إليه وفور رؤيتها له وهو ممسكًا بالخنجر بدأت تصرخ وهي تستنجد وأبيها في الخارج يبكي بحرقه شديدة وهو يسد أذنه. أمسك نور بشعرها وبقوة نحرها وفصل رأسها عن جسدها وظل يشرب من دمائها، وشرب كمية كبيرة جدًا. بدأ الشاب الهزيل بإصدار أصوات وكأنه يحاول الكلام ليطمئن على أخته ويتساءل ما الذي حدث. بعدما شرب نور من دماء تلك الطفلة، مسح وجهه وذهب إلى المرآة وأغلق أضواء الغرفة ووقف أمام المرآة وهو يحدق فيها. ظل يحدق... ويحدق... وقف ما يقارب العشر دقائق وهو يحدق إلى أن أنارت عينيه باللون الأصفر بداخل المرآة وفجأة انتقل لمكان أشبه بالصحراء. كانت السماء لونها أرجواني داكن، والرمل يلمع باللون الأرجواني، كان مكان ساحر لونه جذاب وليس ككوكب الارض ابدًا وحوله تسعة وثلاثون ألف شيطان متفاجئين من وجودهم هنا وكأنه حضرهم جميعًا لهذا المكان. بدأ الجميع في الركض للهجوم عليه لقتله وتقطيعه مئة قطعة، كان هناك من يطير، ومن يركض بسرعة خارقة، ومن يزحف. على كل حال، نور كان واقفًا ببرود، وكل ما فعل أنه لمس الأرض، وفجأة خرج تسعة وثلاثون ألف خازوق من الأرض اخترق كل جني أمامه وحوله وجانبيه، وقُتِلوا جميعًا في نفس اللحظة. لم يتبقى منهم سوى واحد مذعور بشكل كبير وقال نور: _سيبتك تعيش عشان تحكيلهم على اللي انت شوفته... وتحكي إن معايا اللي أقوى من الجن والإنس وكل كائنات كوكب الأرض. وفي ثوانٍ عاد نور إلى غرفة الشاب وشعر بدوار شديد فهو بالمعنى الحرفي انتقل بين عالم وعالم اخر فقط من خلال المرآة، أمسك نور برأسه وأسند على الجدار، فيبدو أنه استخدم كمية كبيرة من طاقته وقوته. ذهب لجثة الطفلة وعاد ليشرب كمية أكبر من الدماء، بعدها حملها هي ورأسها وأدخلها إلى حمام غرفة الشاب وعاد ونادى عليهم. دخل الرجل والخدم ولاحظوا الدماء التي على الأرض. قال الرجل: _هاد... دم بنيتي؟ أجابه نور: _مش مهم دلوقتي، أنا خليتكم تحضروا عشان تشهدوا عودة ابنك للحياة ولشكله الطبيعي... وتصدقوا في قدرتي. بس شرط بعد ما تشوفوا بعينكم... تركعولي كلكم، ماشي؟ رد الرجل بسرعة: _أي طبعًا طبعًا... ظهر على الخدام ملامح الاستنكار والغضب وكأنهم لا يريدون فعل هذا طبعا. قال نور: _ياريت تمسكوه لأنه ممكن يتحرك كتير، وده هيعيق علاجي. ذهب بعض الخدم وأمسكوه من أطرافه. لمس نور الشاب بيده وبدأ الشاب في الصراخ والانتفاض وظل على هذا الحال لدقائق، وكلهم شهدوا بأعينهم امتلاء جسده وعودته للحجم الطبيعي، وعادت عضلاته، عاد شعره الأسود الكثيف، وعادت عيناه، وعاد يبصر مجددًا، وعادت أحباله الصوتية سليمة، وكذلك كل الأمراض التي كانت في معدته تم علاجها في دقائق. أبعد نور يده وجلس الشاب وهو مصدوم وينظر ليديه ولنفسه، بكى الرجل بشدة واحتضن ابنه حضنًا قويًا، والخدم يحدقون في الشاب بصدمة لا توصف. قال نور: _هتركعوا ولا أرجعه زي ما كان؟ بسرعة ركع الرجل لنور وركع الخدم خوفًا منه، وابتسم نور ابتسامة عريضة بكبرياد وغرور، أما الشاب فكان ينظر إليه نظرة صدمة وحيرة شديدة واستنكار ايضا، وقال هنا متجاهلًا كل ما يحدث: _وين أختي؟ شنو سويت بيها؟ نظر نور إليه وتجاهله وقال للرجل: _أنا همشي بقى. خرج من الغرفة، وخرج الرجل معه ليُوصله إلى باب القصر. مر نور من غرفة تلك الفتاة الصغيرة فتوقف ونظر بداخلها. لمعت عيناه بإعجاب شديد ودخل الغرفة وهو ينظر إلى الألعاب وقال بسعادة طفولية: _ه... هو أنا ينفع أخد الألعاب دي؟ استغرب الرجل قليلاً لكنه قال: _أي طبعًا، وإذا تبي القصر كله، والله أعطيك إياه. أمسك نور لعبة تشخلل وظل يشخلل بها ويضحك متحمسًا، وأخذ ألعابًا ودمى كثيرة وضعها في حقيبته بكل حماس وكأنه رأى كنزًا، كان الرجل ينظر إليه بإستغراب شديد أما نور فلا يبالي وكان يأخذ كل دمية ولعبة تقع عيناه عليها. أخذ ما يكفيه من الألعاب والدمى وخرج من القصر بكل سعادة وحماس لا يطيق ان يعود لمصر لكي يلعب بهم، وفي تلك اللحظة سمع صراخ من قوته وكأن الارض اهتزت، كان صراخ الشاب وعلم هنا أنه رأى أخته في الحمام.
ROMISAA