١٨ عمر الآن جالس في مكتبه وهو يقرأ كتابات مريم التي أرسلها له مصطفى ويشعر انه سيواجه حالة ليست هيّنة. طُرِق باب العيادة فخرج وفتح لهم وسلم عليهم، ثم دخلوا. قال مصطفى بإبتسامته: _حضرتك الدكتور عمر؟ _أيوة يا فندم، أنا. هنا قالت مريم بتلقائية: _دا جميل اوي يا بابا. أوقفتها نجلاء ليضحك عمر وينظر إليها. _تحبي تخشي تقعدي معايا نتكلم شوية؟ _ماشي. قالت نجلاء: _هنخش معاها؟ _الحقيقة مينفعش... لازم أكون أنا وهي لوحدنا، بس لو عندكم مشكلة في أننا نكون لوحدنا ممكن الباب يكون مفتوح بشكل بسيط عشان تطمنوا. نظرت نجلاء لمصطفى فأومأ برأسه موافقًا. دخل عمر ومريم وأشار لها على الكرسي التي ستجلس إليه، وهو جلس أمامها. كانت تنظر إليه مندهشة من ملامحه اللطيفة، بدأ يسألها عن اسمها وسنها وبعض الاسئلة الخفيفة لتجعلها مطمئنة اكثر ومنها يأخذ بيانات اكثر بعدها قال لها بإبتسامته التي زادت من لطافته: _إنتِ عارفة جاية هنا ليه؟ _آه... عشان أتعالج عندك. _بصي... ماما وبابا ماحكوليش عنك بصراحة، فأنا عايزك تحكيلي ماشي؟ _ماشي.... صمتت مريم وهي لا تعرف ماذا تقول، ثم قال لها لكي يسهل عليها الأمر: _فاكرة أول مرة شوفتي فيها حاجة غريبة؟ _آه... كان كابوس. وعادت لصمتها وكأنها تجد صعوبة في السرد، فعاد عمر قائلاً: _فاكراه؟ تقدري تحكيهولي؟ _أنا مش فاكرة فيه حاجة بصراحة غير... أن كان في صوت عيل صغير بيعيط... وكان صوته وحش اوي... وأول ما صحيت منه لقيت واحدة واقفة في أوضتي... كانت جميلة بصراحة وشكلها عادي وبعدها بشوية اختفت. _وكان ده من إمتى؟ _من سنتين تقريباً. _والبنت دي... بتشوفيها دايماً؟ _آه... كل لما أحلم بكابوس أصحى ألاقيها واقفة بتبصلي اكنها بتتأكد اني شوفت الكابوس دا... وبعديها بتمشي. _الكوابيس لسه مستمرة لحد دلوقتي؟ _يعني... شوية... بس الموضوع اتطور وبقيت اللي بشوفه وبسمعه في الكوابيس بيطلع في الحقيقة. _والحاجات اللي بتشوفيها في الكوابيس والحقيقة فيهم حاجات مشتركة؟ _يوة... البنت أو صوتها... والطفل الرضيع وصوته. كان عمر يكتب في دفتره بعض الملاحظات ثم قال لها: _ممكن تحكيلي عن بابا وماما؟ بيتعاملوا معاكي إزاي؟ هنا نرى نجلاء ومصطفى جالسان خارج الغرفة، ونجلاء تتحدث: ظمعرفوش لسه مين قتل البنت دي؟ _لا... ليه أصلاً حد يقتل طفلة؟ مفيش أي علامات للاغتصاب ولا للضرب ولا لأي حاجة... ولا حتى سرقة... الموضوع غريب اوي. _أنا خايفة أودي مريم يا مصطفى. _مش لوحدك... أكيد كلهم هيخافوا يودوا عيالهم للمدرسة دي...رغم ان لسة ميعرفوش الجريمة اتعملت فيه. لاحظا هنا أن باب الغرفة يتحرك بهدوء ويتم غلقه... ورأوا المقبض يتحرك وهو يغلق فقام مصطفى لتقول له نجلاء: _خلاص يا مصطفى سيبهم، تلاقي مريم مرتاحتش والباب مفتوح. _وأسيبها معاه كده يا نجلاء؟ _وفيها إيه يا مصطفى؟ هو كان في دكتورة ست وقولنا لا؟ اقعد يا مصطفى، إحنا ما صدقنا وشكلها ارتاحت معاه. جلس مصطفى وهو قلق يحدق في الباب. _إنت مش واثق في الدكتور اللي إنت جايبه ولا إيه؟ _لا يا حبيبتي، مش عشان حاجة والله، بس... أنا حاسس إن في حاجة غريبة مش مريحاني. حين تم غلق الباب، سمع عمر صوت غلقه فالتفت ونظر إليه بشكل تلقائي لتقول له: _أنا بس قفلته عشان مش مرتاحة، وهو مفتوح كده. عاد عمر ونظر وهو مستغرب ولكن بالطبع هو لا يظهر هذا في تعابير وجهه، فيجب ألا يظهر أي ردود فعل أمام المريض. وقالت مريم هنا: _هي اللي قفلته. قال عمر بإبتسامته الخفيفة اللطيفة: _البنت اللي بتشوفيها؟ _أيوة. _وهي موجودة معانا دلوقتي؟ _أيوة، هي موجودة دايماً تقريباً... عمري ما روحت مكان إلا وهي معايا فيه. _هي راضية عن إنك قاعدة معايا وبتتكلمي معايا؟ _آه... هي حابة كده. "طب كويس..." _بابا وماما وتيتا كلهم بيحبوني... عمرهم ما زعلوني، آه بابا ساعات بيجبرني أعمل حاجات كتير... بس أنا بحبه وهو بيعمل كده عشان عايزني أروح الجنة معاه. صمتت مريم قليلاً وشعرت أنها تريد أن تقول شيئاً ومترددة، ليقول عمر هنا: _تحبي أجيبلك عصير أو أي حاجة تاكليها؟ _ماشي. قام عمر وذهب للمطبخ الصغير الذي كان في الغرفة ذاتها، وعاد منه وهو يعطيها كعكة وعصير وبدأا في التحدث بشكل طبيعي وسطحي لكي يزيل التوتر عنها، وكان يمزح معها بين الحين والآخر. مر الوقت وانتهت الجلسة وخرجت مريم لهم وهي مبتسمة وملامح الاطمئنان على وجهها. فنهض مصطفى وذهب لعمر لكي يتحدث معه على انفراد: _إيه يا دكتور؟ طمني. _بص... أول جلسة دايماً بتبقى سطحية وبحتاج كذا جلسة عشان أشخصها وأقولك مشكلتها إيه، بس هي احتمال بتعاني من هلاوس... نوعاً ما شديدة. لسه معرفش السبب، ولكن مش دايماً السبب يكون نفسي، احتمال يكون عضوي ويكون في مشكلة في المخ تحتاج جراحة أو علاج أو حاجة زي كده. جلساته هتستمر وهحتاج برضو أتكلم معاكم لأن جزء من مرض الطفل وعلاجه بيكون عيلته. _تمام، إحنا فاضيين دلوقتي لو حبيت تتكلم معانا. _تمام، هحتاج أتكلم معاك الأول، بعدين المدام. _لو هتكلم مع نجلاء فهكون معاها... مش مستاهلة تكونوا لوحدكوا. _بس دا مينفعش حضرتك. _إيه اللي مش هينفعه؟ _وجود طرف ثالث في الجلسة بيشتت العميل وممكن مايقولش معلومات كاملة. _نجلاء مبتخبيش حاجة عني... بس ماشي، روح كده قولها هتقعد معاها في جلسة وشوف هتوافق ولا لا. صمت عمر ثم ابتسم وقال: ظلو هي كمان هترفض... فملهاش لازمة أقعد معاك في جلسة لوحدك... هتكلم معاكم سوا عن مريم. _كده أحسن. ******* نوح وغادة الآن واقفان في التراس... في الحقيقة كانت غرفة مغلقة بها شرفات كبيرة وليست مفتوحة كأي تراس. وقفا أمام إحدى الشرفات وكان نسيم الهواء يحرك شعر غادة برفق كأنه يواسيها، غادة التي مطأطئة رأسها تحدق بالأرض والدموع متحجرة في اعينها منتظرة إنهيارها لكي تخرج لا تريد أن تنظر لنوح. _غادة... هما عملوا فيكي إيه قبل ما أجي؟ إيه اللي حصل... غادة بصيلي لو سمحتي. _أنا مكسوفة أقف قدامك يا نوح... أنا شكلي معفن اوي... وشهد مخلتنيش ألبس فستاني... حتى ماقالوليش إنك جيت عشان أظبط نفسي... والله فاجئوني كده... مكانش ينفع أطلعلك بالمنظر ده... أنا مكسوفة من نفسي اوي يا نوح. لم تتحمل غادة واشفقت على نفسها وإنهالت بالبكاء ليقول نوح وهو مستغرب وغاضب: _شكلك معفن إيه يا غادة؟ هو في زي جمالك؟ تظبطي نفسك إيه بس ده ربنا خالقك متظبطة خلقه. كانت تبكي بهدوء وحرقة في الوقت ذاته ولا تنصت إليه، فأمسك بذقنها لكي يرفع رأسها له ليراها، ولكنها أبعدت وجهها وهي تمسح دموعها. _أنا آسفة هبطل عياط والله... أنا بس مكانش قصدي أعيط... أنا صعب عليا نفسي مش أكتر، أنا آسفة... متتعصبش، ارجوك... متطفش مني يا نوح ارجوك... خليك معايا. ظل نوح يحدق فيها ويبدو أنها لم تعد تشعر بالعالم حولها، كلما تحاول تمسح دموعها وتتوقف عن البكاء تعود للبكاء أكثر وكان جسدها يرتجف بشدة. لم يعلم ماذا يفعل معها سوى أنه أمسكها ووضعها في حضنه واحتضنها وهو يحسس على شعرها على أمل ان تهدأ ولو قليلًا. ظلت تبكي في حضنه حتى استوعبت أنه يحتضنها. وكان تصرف ناجح من نوح ففور استيعابه بذلك بدأ الهدود يتسلل لجسدها ونفسيتها وتوقفت عن البكاء، ولكنها تمسكت بحضنه أكثر وهي تسمع دقات قلبه الهادئة التي زادت من هدوئها ويد نوح على رأسها كانت أعظم مسكن شعرت به في حياتها. حين سكنت غادة تمامًا، ابتعدت عنه وهي تنظر إليه بإستغراب من تصرفه ولكنها لم تكن منزعجة، فابتسم لها وقال: _إنتِ كويسة دلوقتي؟ _أ...أه أعطاها منديلًا وبدأت تمسح دموعها وأنفها، ولاحظت أن قميصه ابتل من دموعها، فقالت: _قميصك اتبل، أنا آسفة. _ولا يهمك...تحبي نتفق على كله بسرعة قبل ما ينطوا علينا؟ ضحكت وقالت: _ماشي. بدأا يتحدثان ويتناقشان في هذه الأمور ويبدو على غادة انها كانت مستسلمة لكل ما يقوله...وهو بدوره كان يريد ان يدللها بالمهر الكافٍ وما الى ذلك لم يبخل عليها بأي شيء، وحين اتفقا وانتهى حديثهم، قال نوح: _مش هتبصيلي بقى؟ _يا نوح... مكسوفة والله... أنت جاي متظبط وشكلك زي القمر وأنا عاملة زي عيال الشوارع. _يا بت ماتقوليش على نفسك كده ارحمي نفسك شوية... لو مابصيتيش ليا، أنا همشي. _لا خلاص، اهو. رفعت رأسها إليه لترتسم ابتسامه عريضة على وجهه من جمالها، ولكن سرعان ما اختفت ابتسامته حين لاحظ وجود علامات أصابع على وجهها، فقال وهو يلمس على خدها: _إيه دا؟ _إيه؟ _هو في حد ضربك قلم؟ _إيه دا، هو وشي عَلِّم؟ باين إنني مضروبة؟ _أيوة... باين جدًا... إيه دا، مين البغل اللي عمل كده؟ _دي شهد... هي بتحب تضربني دايمًا كده. كان نوح غاضبًا بشدة وفي تلك اللحظة لمح شهد وهي تراقبهم، ويبدو أنها تراقبهم منذ البداية. _نوح، أنت مش هتضربني بعد ما نتجوز، صح؟ نظر إليها وغضبه مسيطر عليه ولكنه تمالك نفسه وقال: _متخيلة هرد أقولك ايه مثلا؟ _معرفش... ممكن تقول لا وترجع تضربني... في رجالة كتير بيضربوا مراتاتهم، يعني أنت عارف. ظل نوح صامت وهو يحدق فيها وفي شفتَيها وبدأ يحسس على خدها: _بتوجعك؟ _أه... شوية. اقترب وأعطاها قبلة على خدها، وقبل أن يعود وينظر لها، أعطاها قبلة أخرى عميقة وطويلة على فمها، وهو ينظر بطرف عينيه لشهد التي كانت تراقب. شهقت شهد مصدومة والغيرة تأكل في قلبها وعقلها وذهبت لأمها مسرعة وهي تقول: _شوفتي بنت أخوكِ، العريس بيبوسها في البلكونة وإنتِ سايباهم كده؟ _بقولك إيه يا بت، سيبيه يعمل اللي يعمله، أنا مش هقوله أي حاجة لحسن يزعق في وشنا. _طب ما يزعق... إنتِ خايفة منه؟ _والله العظيم لو مسكتيش لجراكي من شعرك وحبساكي في أوضتك... متوجعيش دماغي وعدي الليلة دي على خير بقى. بعد قبلة نوح، ظلت غادة واقفة صامتة تمامًا ليقول: _هقولهم الفرح الأسبوع الجاي... وهبقى أتواصل مع أبوكي. كاد أن يسير تاركًا إياها فأمسكت بيده وهي تقول: _هتمشي؟ متسبنيش لوحدي يا نوح. _معلش يا حبيبتي... اصبري... كلها كام يوم وهتعيشي معايا ومتشوفيش وشهم تاني... معلش. أمسك يدها وخرج، وحين أتى لهم قال: _الفرح الخميس الجاي... واتفقت معاها على كل حاجة، وعايز منكم طلب لو سمحتوا. قالت العمة: _ق... قول يا خويا. قال نوح بإبتسامة لطيفة لا تليق بما سيقوله: _لو حد لمسها الأسبوع ده فيكوا أنا هعرف... وأقسم بالله هاجي وأفرج عليكوا الشارع وههين كرامة أهلكوا... فأتمنى محدش يقرب منها. نظر لغادة وقبل رأسها وسلم عليها، ثم خرج. ******* في صباح اليوم التالي كان أحمد ابن عصام جالسًا وحيدًا في مدرسته الثانوية، وحيدًا بسبب حديث الناس عنه وعن أبيه، خصوصًا بعد آخر مقطع له الذي وصل لثلاثة مليون حتى الآن. دائمًا ما كان يسمع جملًا إباحية مهينة من طلاب مدرسته له. كلما يسمعهم، كلما يأكل العار قلبه وعقله وجسده كنيران جهنم. إنه يتمنى الموت يوميًا بسبب أبيه، لا أحد يستطيع أن يتخيل كيف أن أبيه يدمر كل شيء في حياته بسبب شهواته التي لا يتحكم بها. حين كان واقفًا وحيدًا ويشرب سيجارة خلف إحدى المباني في الاستراحة، أتى إليه أحد الفتيان الذين يضايقونه: "إيه يا عم، قاعد لوحدك ليه؟" لم يرد أحمد عليه ولم ينظر إليه. "متكبر علينا يعني عشان أبوك مشهور وكده؟" وقف بجانب أحمد وهو يقول: "إلا قولي صحيح يا عم... انا عندي فضول اعرف امك...كانت ست عادية ولا كانت منهم برضو؟" نظر أحمد لهذا الفتى وشعر أن العالم يحترق من حوله بسبب سخونة جسده وغضبه الذي بلغ عنان السماء. أمسك أحمد قبضة يده وكأنه ينقل مشاعره وغصبه كلها فيها وبقوة شديدة لكمه لكمه أسقطته أرضًا، بالطبع لم يكتفِ بذلك فحسب، بل جلس فوقه وهو ينهال عليه بالضرب المبرح وهو يصرخ غاضبًا. تخيل أمامه أبيه، وهذا ما زاد من غضبه وظل يضرب ويضرب ويضرب، والفتى سكن جسده تمامًا كالأموات وملأت الدماء وجهه بالطبع، صراخ احمد الغاضب من يسمعه يشعر وكأن العالم يهتز من قوته، أتى الطلاب والمدرسون ورأوا هذا المشهد القاسي. كانت إصابات الطالب خطيرة للغاية، فتم الاتصال بالإسعاف فورًا ليتم معالجته في المستشفى. علم أهل الفتى، وكانوا سيسجنون أحمد لولا تدخل عصام بدفع تعويض لهم، وكان المبلغ كبيرًا حقًا. هو وأبيه الآن في السيارة وكان عصام غاضبًا بشدة ويثرثر: _أنا أدفع الثمن دا عشانك ليه؟ كنت سيبتهم يسجنوك أقسم بالله... بهدلت وشه كده لمجرد إنه جاب سيرة أمك؟ زعلان أوي إنه قال على أمك شمال؟ طب ما هي شمال فعلا، أجبرتني أتجوزها بعد ما حملت مني... حتى بعد ما ماتت سابتلي شوكة في زوري تفضل تخنقني كل شوية اسمها أحمد. كان احمد يسمع ثرثرة والده وهو صامت الى ان هنا درج السيارة الذي امامه ووجد به مسدسًا فأخرجه ووجهه لرأس أبيه. نظر له عصام ببرود وقال: _إيه؟ نفسك تقتلني؟ اتفضل. ظل أحمد يحدق فيه بغضب والدموع متحجره على جفونه وأعينه تلمع غضبًا. _ولا أقولك... استنى لما أقف بالعربية عشان لما نموت ما نعملش حادثة... أصل العربية دي غالية عليا أوي. توقف عصام بالسيارة بالقرب من الرصيف ونظر إلى عيني ابنه وهو يقول ببرود شديد: _اتفضل يا حبيبي... اضرب. ازدادت انفاس احمد..وازداد ارتعاش يده..ولكنه تذكر رأس امه المفتتة ذلك اليوم...واراد ان يفتت رأس ابيه مثلها، تشجع أحمد وأطلق الزناد ولكن لم يخرج شيء، لا يوجد رصاص في المسدس للأسف، ليبتسم عصام بسخرية شديدة وهو يقول: _عجبني إنك مترددتش... من هنا ورايح بقى متبقاش متردد إنك تقتلني بعد كده... بما إنك هتشوف وشي كل يوم... حاول كذا مرة ومتيأسش. _أنت مش هتشوف وشي كل يوم ولا حاجة... خلاص... أنا تعبت... أنا ماشي... وانسى إن ليك ابن... اتبسط بحياتك وأنا آسف إني كنت عايش فيها. خرج أحمد من السيارة وسار مبتعدًا عن أبيه، كان يسير بسرعة وكأنه تحرر من قبضة الشيطان. لا يعلم أين يذهب، ولكن كل الأماكن سليمة وآمنة في نظره ان لم يكن يوجد فيها هذا الرجل الملعون. أما عصام، فكان يحدق في ابنه ببرود وهو يبتعد عنه، مقتنعًا أنه سيعود للبيت في كل الأحوال، ولكنه لا يعلم أن هذه المرة هي الأخيرة التي سيرى فيها ابنه ****** في إحدى المختبرات في ألمانيا، نرى كبسولة آلية عملاقة، وبداخل تلك الكبسولة شاب غارق في نومه وسباته، ويوجد الكثير من الأسلاك والأنابيب الصغيرة المتصلة بجسده كله. دخل ثلاثة من العلماء، وكان أحدهم هو الأكثر خبرة وأعلى رتبة. قال هذا العالم بلغة أجنبية: _القوة انتقلت بنجاح... فرد عليه عالم أجنبي آخر بنبرة اندهاش: _أخذ الأمر سنتان وكان الانتقال من جنين فقط... قال العالم الثالث: _إن كان النقل من شاب إلى شاب، هل كان سيأخذ مدة أطول؟ قال العالم الأكثر خبرة بينهم: _لا، بالعكس، ولكن استغرق الأمر سنتان لصعوبة نقل القوة. لو كان الشخص بنفس سنه، لكان الأمر أسهل. اقترب هذا العالم من الكبسولة وهو يحدق في الشاب: _ولكن ليست قوة الجنين فقط هي من ستنتقل إلى هذا الشاب، بل روح القوة نفسها، روح القوة التي ستكون في سن الجنين نفسه ستكون في هذا الشاب. يبدو أني أعطيت للجنين فرصة أخرى للعيش في جسد شاب بالغ وقوي. يجب أن يكون ممتنًا لي. ذهب العالم إلى لوحة التحكم وحين ضغط على بعض الأزرار، فتحت الكبسولة وبدأ العالمان في نزع كل الأسلاك والأنابيب من على هذا الشاب. نادوا على مساعدينهم ليحملوه ويدخلوه إلى غرفة جانبية كانت بها حمام غريب الشكل. وضعوه في حوض استحمام نحاسي به ماء دافئ، ودخل العالم الأكثر خبرة وقال لهم: _اتركوني معه. خرجوا جميعًا، وأخذ هذا العالم كرسيًا وجلس، وبيده ساعة ينظر إليها لكي يراقب الوقت. مرت ما يقارب نصف ساعة. بدأ الشاب بتحريك أنامله، ثم تحركت جفونه وفتح عينيه ببطء شديد. _اصحى عشان تلحق الفرح. نظر الشاب إليه. _مش قادر تتحرك؟ أومأ الشاب برأسه بشكل بسيط وضعيف، فقام العالم وضغط على أحد الأزرار لتأتي صعقة كهربائية قوية في جسد الشاب وهو في الماء. في تلك اللحظة خرج بسرعة من الحوض وهو يشهق، وتنهد ليبتسم العالم وهو يقول: _جسمك قاوم الكهرباء، القوة بدأت مفعولها يشتغل. ضحك الشاب وهو يلهث وهو يقول: _أوفيت بوعدك يعني. _أيوة، لكن خد بالك أن عنذك طاقة محدودة في الأسبوع، وعشان تجددها، هتحتاج تنام يومين كاملين...او تشرب دم بني ادم...انصحك بدم الاطفال والاناث وقف الشاب والعالم يقول له: _حمد لله على السلامة يا نور. ارجع لمصر بقا وجيب نجلاء بأي طريقة.
ROMISAA