غُربة تحت العيون ٢

غُربة تحت العيون ٢

26 0

(تم تنزيب الفصل ١٠٨ "لقاء يعصف بالمجهول" وتنزيل فصل ١٠٩ "غُربة تحت العيون ١"واعتذر بشدة عن عدم نزولهم قبل كدة اتمنى تقرأوهم قبل الفصل دا للحفاظ على سير الاحداث واتمنى يكون دا مأفسدش متعتكم بالرواية واعتذر كمان مرة) ١١٠ بعد مضيّ ثلاث ساعاتٍ على الحادثة الأخيرة، تلك التي أضرم فيها مصطفى ناره فأحرقت الفتى الذي تطاول على عرض ابنته، كان الليل قد أرخى سدوله، وارتدى الأفق سوادًا مكلَّلًا بنجومٍ متناثرة كجمراتٍ في قبةٍ بعيدة. سار مصطفى وحده في صحراء العلمين القريبة من الساحل، بعد أن أمر نجلاء وعلا أن تصطحبا مريم عائدتين إلى المنزل، فيما آثر هو أن ينأى بنفسه… إلى أين؟ لم يكن يدري. مضى في سيره ساعاتٍ ثلاث، حتى انتهى إلى بيداء موحشة لا يؤنسها سوى هياكل مبانٍ لم يكتمل بناؤها، وهضابٍ متفرقة ناتئة كجزرٍ صخرية في بحرٍ من الرمال. يمشي كأنما يسعى إلى مجهولٍ لا حد له؛ أهو يهرب من مضايقات الناس؟، أم يفرّ من الذنوب؟، أم يلوذ من نفسه وغضبه؟ أيبتعد ليهدأ روعه؟ أم ليستبين مع ذاته المصير الذي آل إليه؟ وكيف غدا في عيون القوم مجرمًا، بعدما كان على شفا أن يقدم روحه فداء لهم عشرات المرّات؟ غاصت قدماه في الرمل الرخو، والريح الباردة تعبث بخصلات شعره المبتل بالعرق والهم، حتى بلغ هضبةً عالية. هنالك توقف، وقد أحس أن الأرض تضيق عليه أنفاسه شيئًا فشيئًا، فقرر أن يصعد القمة، كأن الارتفاع وحده قد يمنحه بعض السعة. وصعد مصطفى إلى قمة الهضبة، ولم يكد يتوغل في أعماقها حتى أبصر على سطحها جسدًا صغيرًا ساكنًا؛ فإذا به صقر ميت، ممدد وحده فوق العلوّ، كأنما اختار هذا الموضع ليكون مثواه الأخير. تقدم مصطفى بخطًى متئدة، وجثا على ركبتيه أمامه، يمعن النظر في سكونه العجيب... راح يتأمل وحدته، ويتساءل عن سبب فنائه، ثم يحدق في وجه الجامد، فإذا هو مطمئن راضٍ؛ صقر اعتزل صخب الأفق، واحتضن عزلةً مسالمةً، ثم أسلم روحه في هدوءٍ مهيب. خُيِّل إلى مصطفى هنا أن الصقر يرسل إليه إشارة خفية.. أن السلام الحق يكون في مفارقة العالم، والرحيل بصمتٍ عن ضجيجه، والموت في سلام قد يكون أكرم من حياةٍ تُهدر كرامتها على ألسنة الناس. وقف مصطفى فوق القمة، والريح تنسج حوله خيوطها الباردة، يحدق من علوٍ شاهق إلى الأفق البعيد حيث تلوح المدينة الصاخبة ككائنٍ هائج، يزدحم بالأنوار والضوضاء والوجوه المزيفة. هنالك، انسكبت على صدره غصّة غامرة، مزيج من الحسرة والصبر، كأن قلبه معلق بين جرحٍ نازف وعزيمةٍ صابرة. تذكر كيف خاض المستحيل مرارًا ليرضى الله وليغرس الدين الحق بين الناس، ويزرع السلام في أرضٍ جرداء من الرحمة. كم مرةً وضع روحه على فواهة البنادق، وواجه الموت وجهًا لوجه في المعتقلات، وهو يحسب أن دماءه لو سالت لكانت مهرًا للعدل المنشود! ولكن أي عاقبةٍ نال؟ لقد صار في أعينهم مجرمًا، يُرمى بالسباب، ويُبصق في وجهه، وتُقابل تضحياته بالسخرية والخذلان. هو الذي خطب، وصرخ، وناشد، وقاد، وكفّن بيديه جنودًا كان يحثهم على الثبات... ماذا سيقول لأرواحهم؟ كيف سيبرر لهم أن الراية التي ماتوا لأجلها أُسقطت، ورفع مكانها علم عليه صورة دجال يدّعي النبوة، بينما الجماهير تهتف باسمه كأنه منقذ لا يُمَس؟ ارتجف قلبه كوترٍ مشدود. والغيظ يحاصره من كل صوب، لكن لم تكن تلك نوبة غضب، بل كانت نوبة حزنٍ رهيب، قهر ينهش الأحشاء في صمتٍ لا يصرخ ولا يهدأ. أحس أنه كالأب الذي فقد ابنه ولم يجد له قبرًا، أو كالمحارب الذي عاد من المعركة ليكتشف أن الأرض التي سقاها بدمه قد بِيعت بثمنٍ بخس في سوق النخاسة. وطبيعة مصطفى أنه لا يبتغي شكرًا من أحد، إذ لم تكن غايته يومًا إلا ابتغاء وجه الله ونصرة الحق وحده. غير أن شعوره بأنه لم يعد ذا قيمة، وأن صوته خبا حتى كأنه لم يكن، وأن وجوده في الأصل لم يحمل وزنًا يُذكر، كان يسوقه إلى الجنون شيئًا فشيئًا.. كمن يُدرك متأخرًا أنه ربما أوهم نفسه بقدرته على نشر الحق، وأنه لم يكن سوى دون ذلك بكثير؛ كمن استيقظ على حقيقةٍ مُرّة مفادها أنّ صوته لم يكن هاديًا كما ظن، بل صدى ضائعًا في وادٍ لا يسمع فيه أحد. الآن لم يعد يرى نفسه رجل قانونٍ ولا قائدًا، ولا حتى إنسانًا؛ بل جنديًا مهملًا في ساحة حربٍ هُزم فيها دون أن يُهزم. هنا تقدم مصطفى بخطواتٍ بطيئةٍ نحو الحافة، خطوةً إثر أخرى، كأنه يقترب من هدف ما ينتظره على شفير العالم. ظل يتقدم… ويتقدم… حتى بلغ حافتها، وفي اللحظة التي تقدمت فيها قدمه نحو الفراغ... ~انت بتعمل إيه؟ ارتد مصطفى بخطوته إلى الوراء، وتوقف عند الحافة، ينظر إليها بتبلد ساكن، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لا يحمل ارتباكًا: _مش بعمل حاجة.. قال السيوم في شكٍ مشوبٍ بالاستفهام: ~أنا شايف إنك كنت بتحاول تنتحر.. قال مصطفى ببرودٍ لم يتعجب حتى من ظن السيوم: _لا مستحيل أعمل كدة. ~اومال كنت مفكر نفسك هتمشي عالهوا؟ ساد الصمت برهةً، ثم قال السيوم بعد ذلك: ~مع إنك تقدر تمشي عالهوا فعلا بحكم قوتك.. بس برضو كنت عايز تعمل إيه؟ ظل مصطفى صامتًا يحدق في الأفق الممتد، في الأرض البعيدة، ثم قال بصوتٍ متأملٍ متقطع: _كان دايمًا بيبقا عندي فضول ناحية الشخص المنتحر، هل هو بينتحر عشان يهرب؟ ولا بينتحر عشان شايف إن دي بوابة لعالم آخر يقدر يدخل فيه؟ ولا هو مفكر إن كدة كل حاجة بتنتهي.. رغم إن عنده يقين إن دي بداية لحاجات افظع. سكت السيوم قليلًا ثم قال: ~معنديش فكرة..، انت كنت عايز تنتحر ليه؟ قال مصطفى ممتعضًا، كمن ينفض عن صدره تهمةً ثقيلة: _قولتلك أنا مكنتش هنتحر! ~اومال بتسأل الأسئلة دي ليه؟ _عشان انت اللي جيبت سيرة الانتحار! ~جيبت سيرته عشان تصرفك الغريب دا، اللي لو مكنتش وقفتك عليه الله اعلم كنت هتبقا فين دلوقتي! زفر مصطفى في ضيقٍ، وصوته كريح مكتوم يتردد في صدره، ثم عاد خطوتين إلى الخلف، يمشي ذهابًا وإيابًا على حافة الهضبة كذئبٍ حبيس، حتى سمع السيوم يقول له: ~غريبة يعني مبصيتش للسما مرة.. رغم إنها مش من عوايدك، أرفع راسك يا مصطفى.. السما جميلة. توقف مصطفى برهةً، وتذكر بالفعل أنه لم يرفع رأسه منذ الثلاث ساعات، ثم رفع رأسه إلى السماء ببطء. فإذا القمر أمامه بدر كامل منير وضخم، مشرق كوجه الحق، ساكن كطمأنينة الأبد، يتدلى من العلو كعين الله تراقب قلبه، فيستشعر للحظةٍ أن النور العلوي يبتلع عتمته، فتهادى إلى قلبه الحديث الشريف في قول رسول الله ﷺ: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته." ارتجف قلبه ارتجافة المهيب الذي هُزّ من أعماقه، وسرت في دمه قشعريرة كأنها نذير حضورٍ مهيب، حضورٍ لا تدركه الأبصار وهو يُدرك الأبصار. تزلزل داخله وهو يستشعر فجأة أن عينه التي وقعت على القمر ليست إلا تمرينًا ضعيفًا على ما وُعد به الصادق الأمين، وأنه في لحظةٍ ما سيقف حقًا بين يدي من يرى خفاياه كلها الآن؛ يرى ضعفه، قهره، يأسه، دموعه المكتومة، وذنوبه المستترة. أيقن أن الخطوة التي كاد أن يخطوها في الهواء لم تكن إلا انزلاقًا في غفلة، كاد أن يفرَّ من ضيق الدنيا إلى هاويةٍ أعمق، لكنه الآن وقد تذكر وعد النظر إلى وجه ربه، ارتد إلى نفسه وكأن روحًا أيقظته من سباتها. أحس بهيبةٍ تغمر كيانه كله، هيبة لم يذق مثلها قط؛ هيبة العبد الذي استشعر في لحظة خذلانه أن عين الله لا تغفل عنه، وأنه مهما توارى تحت سواد يأسه فإن نور السماء يكشفه، وأنه مهما ضاع بين قسوة الناس وخيانة الأيام، فإن الله حاضر، ناظر، محيط. يا الله، لقد زرعتُ البذور، وسقيتها بدمٍ لم يكن هينًا، فكيف ينبت الزرع شوكًا ويُقتلع الحق من جذوره؟ أأنا الذي فشلت، أم أن الناس هم الذين خانوا العهد؟ وأيّ معنى يبقى للجهاد إن كانت الذاكرة تُمحى، والشهداء يُباع دمهم بكلمات إعجابٍ أحمق على ألسنة الحمقى؟ كلمات في عقل مصطفى كان عاجز عن نطقها رغمًا عنه كان يشعر بها تنهش عقله. هنالك، انفتحت له صفحة الليل ككتابٍ أزلي، مرصع بآيات الله المتلألئة في نجومه، فشعر أن كل نجمةٍ تنطق بتسبيحٍ خفي، وأن الصمت الفسيح حوله أبلغ من ضجيج المدن. بدأ يتمتم في سره بآياتٍ تتردد في وجدانه، يستشعرها كبلسمٍ يسكب السكينة على قلبٍ مكدود. تدفقت آيات على لسانه لم يحفظها فحسب بل عاشها، آيات عن الصبر، عن مواساة الله لعباده، عن معاناة الرسل والصالحين، عن العدل الذي لا يضيع عند الله وإن طمسته الدنيا. هناك، في العلوّ، استشعر أن القمر وكل نجمةٍ تشهد له لا عليهم، وأن كل ريحٍ عابرة تحمل سره إلى مالك الملك. وفي تلك اللحظة، لم يعد يرى نفسه محاربًا مهزومًا ولا مجرمًا منبوذًا، بل عبدًا ضعيفًا بين يدي خالقه، يعلم أن الأجر عند الله لا يضيع، حتى وإن كفر به الناس كلهم. جثا مصطفى على ركبتيه متضرعًا، منكسرًا بين يدي مولاه، وقد انسكبت دموعه انسكاب السيل لا تنقطع، وجرت على وجنتيه أنهار خضوعٍ وذلّة، فيما شفتاه لا تفتران عن الذكر والدعاء. وهناك، على قمة الهضبة الشاهقة، في حضرة القمر المضيء والسماء الفسيحة الممتدة بلا حدود، تجرّد من كل صخبٍ وضوضاء، ومن كل صلة بالعالم أدناه، فلم يبقَ إلا هو وربه. غاب عن حسّه إدراك الزمان، فلا يدري كم مرّ عليه من الساعات أو اللحظات، وهو على تلك الحال من الانكسار والأنين والرجاء المتصل، حتى أخذت أذناه تلتقط فجأة وقع أقدامٍ تقترب...                           *********** قبل ثلاث ساعات وقبل وصول مصطفى للهضبة... وصل نوح وغادة إلى مطعم فخم يعلو رفعةً وأناقةً، تغشاه مهابة الرقي ويغمره عبير الفخامة. كان نوح بسترته السوداء التي تزيده وقارًا، فيما غادة مرتدية فستانًا أسود ينثال على جسدها كظلٍ مترف، يزين عنقها عقد من الزمرد الأخضر، ذلك العقد الذي كان هدية من نوح، يزداد بريقه تحت أضواء المكان فيبدو كأنه نجمة هوت من علياء الليل لتستقر على جيدها. حين وطئا أرض المطعم، انفتحت أمامهما فسحة من الجمال الباذخ وقد برقت عينا غادة دهشة وانبهارًا بجمال المكان ورونقه، وقالت بصوتٍ تغلب عليه الدهشة والرهبة: _نوح.. حبيبي المكان دا شكله غالي أوي. ابتسم نوح وهو يجيبها بنبرته الهادئة الحانية: _دي مرة في العمر، خلينا نتبسط. ثم تابعا سيرهما نحو موظفة الاستقبال، وكان نوح يتقدّم بخطًى هادئة واثقة، فيما غادة تتأمله بنظراتها المتألقة بين ضياء الثريات وأصداء الموسيقى الناعمة. وما إن بلغا المنضدة الأمامية حتى اكتشفت غادة أن نوحًا قد أعدّ لهذا الموعد ببالغ العناية، إذ أخبر الموظفة أنه قد حجز طاولة في هذا المكان منذ أيام، فور وصولهما الساحل، وكأن اللقاء الليلة ثمرة نيةٍ خفية ظلّ يخبئها منذ زمن. بينما كانت الموظفة تتفحص بيانات الحجز على الحاسوب، وبابتسامة صافية قالت: _تريند الديت بتاع الأب مع بنته دا لطيف جدًا، بيخلي الواحد فرحان أوي.. وانتوا أجمل اتنين جيتوا لحد دلوقتي. اختفت ابتسامة نوح على الفور، وتحولت ملامحه إلى جدية ممزوجة بالحيرة، ونظر إلى غادة التي كانت تكبح نفسها عن الانفجار بالضحك. عندها قال بنبرةٍ متسائلة: _تريند إيه؟ وأب وبنت مين؟ رفعت الموظفة عينيها عن الحاسوب وأجابته بخفة: _تريند الأب اللي بيعزم بنته على ديت، بقاله يومين دلوقتي شغال. أومأ نوح برأسه ببطء، وقد اعتلت ملامحه أمارات امتعاضٍ رقيقٍ كظمه ثم قال: _دي مراتي... تلاشت ابتسامة الموظفة لبرهة، ثم عادت بسرعة متجلية باعتذارٍ واعتسافٍ قالت معه: _سوري، معلش، اعذرني.. شكلكم كابل تحفة عمومًا، طرابيزة رقم ١٢، رووف. تركها نوح في صمتٍ يليق بوقاره، فيما غادة لا تستطيع كتمان ضحكها الخافت، فالتفت إليها وقال: _بتضحكي على إيه إنتِ كمان؟ ضحكت غادة وهي تضع يدها على كتفه: _متزعلش نفسك، والله شكلك صغير. _قولتلك أصبغ شعري ودقني أحسن. _لا يا نوح، شكلك حلو كده والله. _طب خلاص، طيب. صعدا إلى سطح المطعم، فإذا به عالم آخر يعلو المدينة، حيث يتماوج السقف بأضوائه الناعمة المعلقة كحبات من الياقوت المضيء، تتدلى من أعمدة داكنة، تعكس أنوارها على الطاولات الموشحة بالمفارش الداكنة والكؤوس البلورية التي تلتمع كقطع من الثلج المصفّى. والهواء العليل يهب من البحر فيعانق الوجوه برفقٍ ندِيّ، حاملاً معه رائحة الملح ممزوجة بعبق زهورٍ متناثرة في أصصٍ أنيقة على أطراف السور، فيما تمتد أمامهما بانوراما للمدينة وقد غفت تحت عباءة الليل، تتلألأ أضواؤها كأنها نجوم هوت إلى الأرض. وقفت غادة مبهورة، اتسعت عيناها وجالت نظراتها في الأرجاء بين وميض الأضواء وانعكاس القمر على صفحة الماء البعيد، حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة دهشة نقية، امتزجت بفرحٍ غامرٍ يتدفق من قلبها. كانت تتنفس المكان كأنه حلم خرج من الخيال ليستقر بين يديها، وكل ذرة في كيانها تشهد أن نوح قد أهدى لها لحظة لن تتكرر. أما نوح، فكان يرقبها في صمتٍ مطمئن، كأن سعادتها مرآة يطل منها على نفسه. أحس براحةٍ عميقة تتسلل إلى صدره، راحة رجلٍ رأى ثمرة محاولاته في بريق عيني زوجته، وطمأنينة من بذل فأبهج، ومن أعطى فأنبت فرحًا. ابتسامتها كانت له جزاءً أرقى من أي كلمة، ونظرتها المندهشة كانت كوسامٍ عُلّق على قلبه. سحب نوح الكرسي برفق لتجلس غادة، ثم قال متهكمًا وهو يحاول التخفيف من أثر الموقف السابق: _الحمدلله إني مجيتش بالعكاز، لحسن تقول عليا جدك ولا حاجة. ضحكت غادة بخفة وهي تقول: _خلاص بقى يا حبيبي، متفكرش كتير. جلس نوح أمامها، يحدق فيها بصمتٍ مفعمٍ بابتسامةٍ هادئة، يطيل النظر إليها وكأنما يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته. وحين لاحظت غادة طول سكوته وتأمله، قطعت الصمت قائلة: _انت جايب الكمان بقى ليه؟.. هتعزفلي؟ استفاق نوح من شروده في جمالها، وألقى نظرة على الحقيبة بجواره، ثم قال بصوتٍ رقيقٍ يوشك أن يبوح بسرٍّ دفين: _آه.. انتِ عارفة إني نوعًا ما معرفش إيه هي لغة الحب بتاعتي، وفكرت إن العزف ممكن يكون واحد منها. ابتسمت غادة ابتسامة دافئة وقالت: _أي وسيلة بتفكر فيها عشان تسعدني، هي دي بتبقى لغة حبك. ابتسم نوح في صمتٍ مطمئن، وقد شعر أن كلماتها اختصرت كل ما يثقل قلبه. ثم عادت غادة تسأل وقد تملكتها لهفة خفيفة: _هتعزفلي معزوفة خالك؟ هز رأسه نافيًا وقال: _لا.. هعزفلك أغنية. كنت سمعتها في فترة الخمس شهور، وبفضل اتخيلك وأغنيها بيني وبين نفسي، وكنت بحلم إني أعزفهالك. الأغنية دي معلقة معايا أوي، ومرتبطة بيكي يعني.. بس مش هعزفهالك دلوقتي، لسه شوية. قالت غادة في لهفة رزينة هادئة: _طب غنيهالي دلوقتي على الأقل.. عايزة أعرف بتقول إيه. ابتسم نوح، وسكت برهة وهو يرتب الكلمات في ذهنه قبل أن تخرج، ثم بدأ يدندن بصوتٍ خفيض لا يسمعه سواها، صوتٍ بدا كأنه يُخاطب روحها مباشرة: _♪ سُرِرتُ في العُمرِ مَرَّة، وكُنتِ أنتِ المَسَرَّة. ♪ ♪ كَانَت حَيَاتِي رَوضًا، وكُنتِ في الرَّوضِ نَضرَه. ♪ ♪ وكَانَ غُصنًا شَبَابِي، وكُنتِ في الْغُصنِ زَهرَة. ♪ ♪ وكَانَ فِكرِي سَمَاءً، وَكَانَ حُبُّكِ فَجرَه. ♪ كانت غادة تنصت بعينيها قبل أذنيها، واعينها البنية اللامعة تفيض بالدهشة والانجذاب، حتى أن نوح كاد ينسحر تحت وقع تلك النظرة. وحين توقف قليلًا ليستجمع نفسه، أردف وهو يبتسم في عمق: _♪ وكَانَ طِيبُكِ يُهدِي، إِلى ثَنَائِيَ عِطرَه. ♪ ♪ وَكُنتِ لِلرُّوحِ رُوحًا، وكُنتِ لِلْعَينِ قُرَّة. ♪ ثم قرر أن يكتفي بهذا الحد، وقد شعر أن اللحظة اكتملت. وما إن انتهى، حتى قالت غادة بصوتٍ مشوب بالانبهار: _جميلة أوي.. متوقعتش إنها بالجمال دا.. وبتفكرك بيا كمان. أجابها نوح، ونظره ثابت عليها: _مش بتفكرني بيكي قد ما.. كل كلمة فيها بتوصفك بالمللي. أحس نوح أن وجهها قد ازداد احمرارًا من شدة استحيائها، فخفضت نظرها قليلًا ثم قالت وهي تحاول إخفاء ارتباكها: _بس طلع صوتك حلو.. متوقعتش كده. ضحك بخفة مجيبًا: _دي دندنة عبيطة.. صوتي هيبقى حلو إزاي؟ ابتسمت غادة وقالت في صدقٍ مرح: _والله حلو.. فكر تغير كاريرك وتبقى مغني. ضحك نوح، فضحكت غادة هي الأخرى، وقد صار الهواء من حولهما أخف وأرق بعدها ناولها نوح قائمة الطعام وهو يبتسم قائلاً برقةٍ محببة: _اختاري أي حاجة إنتِ عايزاها يا حبيبتي، يلا. أمسكت غادة بالقائمة، تقرأ أسماء الأطباق الموشّاة بأوصاف فاخرة، وعيناها تتابع الأرقام بجانبها وقد بدت لها الأسعار باهظة على نحوٍ مبالغ فيه. فقالت وهي تحدق في الأسعار بنبرة تفيض بعدم ارتياح: _مش عارفة يا نوح إيه المكان دا بس.. ارتبك نوح قليلًا، ومال صوته نحو قلقٍ صادقٍ وهو يسألها: _إيه؟ معجبكيش؟ امسكت بيده لتطمئنه، وضغطت عليها بحنوٍ وهي تقول بنبرةٍ حانية صادقة: _لا لا يا حبيبي.. حلو وعجبني جدًا وأنا فرحانة بجد.. بس حاجتهم غالية أوي. ابتسم نوح ابتسامةً وادعة، وصوته يغمره حزم محبب: _اطلبي يا غادة.. متشيليش هم غالي ولا مش غالي. سكتت غادة لحظةً، مترددةً بين الرغبة والخجل، ثم رفعت عينيها نحوه وقالت في لطفٍ متردد: _طب بص.. اللي هتطلبه أنا هجيب زيه. _أنا هطلب ستيك. _ماشي.. جيبلي زيك. في تلك الأثناء، أتى النادل واقترب بانحناءةٍ أنيقة، فأخبره نوح بالطلب، ثم انصرف في صمتٍ مدروس. بعدها خيّم سكون لطيف على الطاولة، لحظةً قصيرة كأنها فاصل بين موجتين، قبل أن تقطع غادة الصمت وهي تقول: _لما جيبت سيرة الخمس شهور فكرتني.. انتبه نوح فورًا، واعتدل في جلسته، مظهرًا اهتمامًا صادقًا بما قد تبوح به، ثم قالت بهدوءٍ مترقب: _عايزاك تحكيلي.. حياتك كانت عاملة إزاي بالظبط الفترة دي؟ اختفت ابتسامته تدريجيًا، وساد صمت قصير قبل أن يقطعه بسخريةٍ هادئة ممزوجة بمرارة: _زريبة.. _أيوة.. كنت بتعمل إيه يعني؟ ظل نوح يحدق فيها مبتسمًا، لكن بعينين تشعّان بشكٍ لطيف، ثم قال: _إنتِ في حاجة عايزة تقوليها. ترددت غادة لحظةً ثم قالت: _من زمان بصراحة.. أظن دا الوقت المناسب. حتى كنت عايزة أقولهالك من مدة لما كنا قاعدين في البلكونة. _مش فاكر بصراحة.. بس قولي، أنا سامعك أهو. اعتدلت في جلستها، حتى أصبحا متقاربين أكثر، يستندان على الطاولة، ثم مدت يديها تمسك بكفيه بإحكام، وكأنها تريد أن تطمئنه وتثبت انفعاله لما ستقوله. وبعد لحظةٍ صمتٍ ثقيل نطقت: _بالنسبة لحوار الراجل البنفسجي اللي قتل عشرتلاف مجرم... اختفت ابتسامة نوح فجأة، وتصلبت ملامحه، وكاد أن يسحب يديه من بين قبضتها في صدمةٍ مباغتة، غير أنها أمسكت بهما بقوة، ثم وضعت كفها الأخرى على وجنته في حنوٍ مطمئن، وقالت بهدوءٍ مهيب: _نوح.. اهدى. أنا عارفة الموضوع دا.. ومش هعمل حاجة، اهدى. ظل نوح يحدق بها، وعيناه تتقلبان بين الامتعاض والصدمة المكبوحة، وقال: _عرفتي إزاي؟ ماكانش المفروض تعرفي. ابتسمت غادة ابتسامةً صغيرة يكسوها ثبات وقالت: _كلنا نوعًا ما كنا عارفين إنه إنت يا نوح.. بس إحنا مش بنتكلم عن الحوار، لأنه خلاص.. يعتبر انتهى، مش كده؟ _آه.. انتهى. _خلاص.. عدّل البصة على وشك دي، مفيش حاجة. ظل يحدق فيها ثم قال بنبرةٍ ممتزجة بالحيرة: _طب.. بتجيبي سيرته ليه طيب؟ _عشان عندي فضول، وعندي أفكار في مخي، وعندي كلام طبيعي جدًا وحوار عادي مفيهوش حاجة عايزة اقوله. عقد نوح حاجبيه ونظر إليها بتمعن قبل أن يقول: _يعني إنتِ.. مش متضايقة إني قتلت عشرتلاف واحد؟ ابتسمت غادة ابتسامةً مستقيمة ثابتة وقالت ببساطةٍ آسرة: _ما أكيد كانوا يستحقوا دا.. مش مهتمة بصراحة. أومأ نوح برأسه، وقد عادت الابتسامة رويدًا إلى محيّاه، وكأن الطمأنينة قد عادت تترسخ في قلبه. تبادل معها نظرةً صافية، ثم ارتسمت على شفتي غادة ابتسامةٌ مطمئنة بدورها، قبل أن تسند ظهرها إلى المقعد في ارتياحٍ. _أنا عارفة اللي عملته دا عايد على رغبة معينة عندك.. الرغبة دي لسة عندك؟ اعتدل نوح بدوره، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم أجاب بصوت هادئ عميق: _لسة عندي... بس مبقتش تتحكم فيا.. زي ما حكيتلك بعد ما روحت لعلا وشوفت ادهم وعمل فيا اللي عمله وكدة.. بقيت اهدى شوية. _بس لو حطينا الموضوع النفسي على جنب اظن.. لو رجعت قدرتك بشكل كامل وبقيت قوي لدرجة انها متأثرش في صحتك ممكن ترجع للي كنت بتعمله صح؟ ابتسم نوح ابتسامة مترددة، ثم قال: _هيبقا نفسي... لا مش هرجع، عايزاني أرجع ولا إيه؟ _لا مش فكرة عايزاك ترجع بس... طول الخمس شهور الموضوع دا كان شاغلني شوية وحاسة إنها حاجة جميلة، يعني لو رجعت تعملها تعملها بس من غير قتل فاهم، دا هيساعد المجتمع والحياة وحتى هيساعد ياسر في فترة رئاسته. تخيل يكون الرئيس اللي أول ما مسك معدل الجرايم ينقص بالشكل الكبير دا؟ ظل نوح محتفظ بابتسامته وهو يتأملها وهو يقول بإعجاب واضح: _بيعجبني إن عندك طموح لأي حاجة..، بس كلامك دا بيغريني على فكرة، هبقا سعيد لو رجعت أنشر منظور العدل بتاعي تاني. قالت وهي تبتسم ابتسامة رقيقة وقد انعكس ضوء المصابيح على عينيها: _بس من غير قتل المرة دي.. مع إني مش ممانعة القتل. بس دا عشان صحتك يا حبيبي.. أهم حاجة صحتك. ساد صمت قصير، ونوح ينظر إليها متأملًا ملامحها بتمعن، وكأنما يعيد قراءة روحها من جديد. بدا على وجهه أثر الدهشة العميقة من هذا التطابق المذهل بين تفكيرها وتفكيره؛ منظور العدل الصارم، والقبول بالقتل كأداة لحماية المجتمع، حتى وإن كان ذلك مشوبًا بالعوج والخطر. ومع ذلك، ما أبهجه حقًا لم يكن الفكرة نفسها بقدر ما كان روحها الحرة التي لم تتزيف بتلك الصورة البريئة الملائكية الشائعة التي طالما كرهها في النساء. زوجها قاتل لعشرة آلاف نفس، ومع ذلك تجلس أمامه راضية، بل وسعيدة، لا تنكر ولا ترتجف. كانت تلك في نظر نوح علامة لا تُشترى.. دليلًا على أنها زوجة مثالية في عالمه الملتبس، وإشارة خفية على أنها ستحمل عنه أثقال أسراره وأسرار عائلته السوداء، وستبقى صامدة أمام أبشع ما قد ينكشف من ماضي تلك العائلة. بعد قليل أقبل النادل، فوضع الطعام والمشروبات أمامهما في هدوء، ثم انصرف تاركًا الساحة لهما وحدهما. بدأت الأمسية تتوهج بينهما، حديثهما يتدفق بسلاسة وطمأنينة، لا شبح لسوء فهم، ولا ظل لحكمٍ جارح. كل منهما يُدرك عقل الآخر كما لو كان امتدادًا لذاته، يراعيه، يفسره، يواسيه، ويمنحه المساحة ليكون كما هو بلا مواربة. كل منهما يصون أحلام الآخر ويشدّ من أزره، فيصبح الطموح بينهما عهدًا متبادلًا لا يُنكث. أما نوح، فما يميزه عن غادة، وما يسكب في حبهما عمقًا مضاعفًا، هو تلك الرغبة المترسخة في أعماقه.. رغبة حارقة في إسعادها بلا قيد، في تعويضها عن غيابه، في محو أثر أذاه القديم. رغبة كنداء داخلي لا يهدأ، تضيء قلبه كلما التقت عيناه بعينيها، وتذكّره أنها ليست شريكته فحسب، بل جوهر قدره، وحقيقة وجوده التي لا خلاص منها. لذلك، وأثناء حديثهما المتواصل، قرر نوح أن يكشف لغادة عن مفاجأته الحقيقية التي ظل يخطط لها بصمت. أخرج من الجيب الداخلي لسترته صندوقًا لهاتف حديث بالغ الثمن، ووضعه أمامها في هدوء، ثم عاد بطمأنينة إلى طعامه كأن الأمر لا يعنيه. توقفت غادة عن المضغ في لحظة حيرة حين رأت الهاتف أمامها، وقالت: _موبايل مين دا؟ رفع نوح عينيه نحوها ونظر إليها بملامح جامدة ونبرة ساخرة: _لا مفيش دا موبايل أدهم لقيناه بعد ما اتقبض عليه. أمسكت غادة الصندوق، وعلت ملامحها الدهشة حتى بدت مصدقة لحديثه: _إيه دا بجد؟ شكله جديد يعني.. ضحك نوح ثم قال: _يا غبية دا موبايلك، موبايلك الجديد. حدقت فيه مذهولة وقالت: _إيه دا في إيه؟ ضحك نوح وأردف: _يلا افتحيه واكتشفيه، خلينا نسكت شوية عشان صدعت من الكلام. _لا أنا هصدعك أكتر، دا جيبته إزاي يا نوح؟ دا غالي أوي! وبعدين إنت لسه جايبلي لابتوب من شهر! _أيوة يا غادة إنتِ دلوقتي شخص مهم وهيبقا ليكي أعمال وشغل وكارير، لازم يبقا معاكي لابتوب وموبايل للشغل وموبايل شخصي، خلي الموبايل الجديد دا موبايلك الشخصي والتاني القديم للشغل. ظلت غادة صامتة تحدق فيه بذهول وهو يأكل بكل تلقائية، ثم نظرت إلى الهاتف وقالت بلهجة قلقة متحيرة: _أنا بس عايزة أفهم بتجيب الفلوس دي منين؟ ابتسم نوح وقال: _متستقليش بفلوس الدروس، أنا اه مبقتش بدي دلوقتي بس لسه فيه حبة حلوين.. مع إنهم قربوا يخلصوا بس أنا هرجع تاني كده كده. عادت غادة تحدق في الهاتف ثم قالت: _يعني أفرح عادي؟ _ياريت أرجوكي. ابتسمت غادة أخيرًا وبدأت تفتح صندوق الهاتف الذي كان حلمًا من أحلامها القديمة، هاتفًا فخمًا حديث الإصدار، وكانت تتمنى امتلاكه منذ زمن. كان نوح يراقب ردة فعلها بينما يواصل طعامه في هدوء. قامت بتشغيل الخاتف وظلت تتفحصهوحين رأت جودة الكاميرا التي بدت كالكاميرا الاحترافية شديدة الدقة قالت بإنبهار حبور: _الله الكاميرا حلوة أوي.. والزوم بتاعها بعيد أوي أنا حاسة إني هلقط كوكب المشتري منها. ضحك نوح، فابتسمت هي الأخرى وقالت له: _عايزة أول صورة في الموبايل تكون أنت. اعتدل نوح في جلسته ليلتقط صورة، وبعدما التقطتها قالت في ابتهاج صادق: _الله حلوة أوي يا نوح، إحنا لازم نتصور سوا. كانت غادة في غاية الابتهاج بهدية نوح، في حالة طاقة لا يكبحها أحد. وحين لمحت النادل نادته وطلبت منه أن يصورهما معًا، فاستسلم نوح تمامًا. نهضت غادة وجاءت لتجلس على حجره، وأحاطته بذراعيها في وضعية حميمية رقيقة، بينما النادل يلتقط لهما الصور من زوايا متعددة حتى انتهى، فشكرته وأعطاها الهاتف وانصرف. بدأت غادة تتصفح الصور وتتأملها وهي ما تزال جالسة فوقه، تُريه الصور وتقول: _الله يا نوح بص الصور حلوة إزاي شكلنا قمرات بجد. نظر نوح إليها وقال بهدوئه المغلف بعبوسه المعتاد رغم ابتسامته: _شكلي عجوز أوي.. ضربت فخذه وهي تقول: _بس بقا! إنت مش عجوز ولا حاجة. _ماشي اللي تشوفيه. نهضت وجلست على كرسيها وهو يتأملها ثم قال: _فرحانة؟ _جدا بجد دا أحلى يوم في حياتي تقريبًا من بعد يوم رجوع إبراهيم، أنا عمري ما فرحت في حياتي كده. ظل نوح مبتسمًا ابتسامة واهنة قليلًا ثم قال: _دي حاجة بسيطة مقارنة باللي عملته فيكي واللي خليتك تستحمليه... نظرت غادة له وقالت: _يعني إنت بتعمل كده عشان شايفني أستحق كده ولا عايز ترضي ضميرك؟ _لا عشان إنتِ تستحقي كده. سكتت غادة قليلًا وقد هدأ ابتهاجها، ثم قالت والابتسامة ما زالت على محياها: _طب.. حاول تشيل من دماغك فكرة إني طفلة مينفعش أواجه صعوبات وإني لازم اعيش في دلع وسعادة ودلال وبس... عادي أواجه صعوبات عادي نواجه مشاكل مع بعض عادي أزعل وأتقهر وأنا معاك في العلاقة، لأني أنا اخترتك وأنا عارفة إن الحياة مش هتبقا سهلة ومتحملة مسؤولية دا..، إنت مش المتسبب الوحيد في مصايب حياتي بالعكس إنت أرحم من اللي كانوا في حياتي زمان بكتير.. ماشي يا حبيبي؟ ظل نوح يحدق فيها وهو يستمع لها ثم قال: _أرحم منهم من ناحية إيه؟ _من ناحية إن.. هما في وعيهم الكامل بيختاروا يأذوني.. إنما إنت لما بتبقا في وعيك الكامل بتختار تحميني وتسعدني، ببساطة. ابتسم نوح وأومأ برأسه في صامت، ثم استنشق نفسًا عميقًا كمن يتهيأ لخطوة كبيرة، وأخرج الكمان من حقيبته برفق وهو يقول بنبرةٍ هادئة: _جه وقت الفقرة الأخيرة. اعتدلت غادة في جلستها، يتقد في عينيها بريق الترقب والحماس، كأنها تنتظر سحرًا تعرف أنه لن يخيب. نهض نوح واقفًا، شامخ القامة، يفيض سكونه بالهيبة، وأمسك بالكمان والقوس بثقةٍ مهيبة. وضعت غادة هاتفها الجديد مستندًا على كوبٍ زجاجي لتصوير المقطع دون أن تمسكه، فهي لا تريد أن تنشغل عنه بأي شيء؛ كل ما تريده هو أن تكرس انتباهها الكامل لذاك الرجل الذي يقف أمامها، ينظر إليها بتلك النظرات النادرة المميزة التي لا تراها إلا على عينيه هو. بدأ نوح يعزف معزوفة الأغنية، فانجذبت إليه الأبصار، وارتفعت إليه الأرواح كما لو أن الأوتار تُناديها من وراء الغيب. كان يعزف بسلاسةٍ تنساب كالماء، وبمهارةٍ تشبه السحر، وبمشاعرٍ لا يُمكن ترجمتها إلاّ بالنغم. كان يعزف لمحبوبته الوحيدة، وغادة تتأمله بعينين لا تطرفان، كأنها خُطفت من العالم إليه. لا تدري أهي مسحورة بهيئته أم بعزفه أم بتلك النظرات، أم بجهده العجيب في أن يُرضيها بأي وسيلة. كان صوت مشاعره المترجمة على الأوتار نسيمًا من نورٍ وصوتٍ يخترق قلبها مباشرة، يُذيبها ببطء، ويُغرقها في حالةٍ من الهيام التام. دام العزف دقائق معدودة، لكنها بدت دهورًا من النشوة. وحين توقف نوح أخيرًا عن العزف، ساد صمت قصير، أعقبه تصفيق غادة الحار الذي انطلق من قلبها لا من يديها، ثم تتابعت التصفيقات من حولهما حتى غمر السطح ضجيج الإعجاب، والتقطت له الصور من الجالسين المبهورين. ابتسم نوح لهم ابتسامةً متواضعة، وهو ينظر لهم. وحين وقعت عيناه على غادة، كانت قد نهضت فجأة، لا تقوى على كبح اندفاعها، أتت إليه بخطواتٍ ملهوفة، واعطته قبلة عميقة، ثم عانقته بقوةٍ كأنها تتشبث بمعجزتها الخاصة في هذا العالم. في تلك اللحظة دوى رنين هاتف نوح، وكان على الطاولة بجانبهما، فأسرعت غادة بحكم قربها والتقطته، فإذا باسم علا يضيء الشاشة. ناولته الهاتف دون تردد، فتناوله نوح وهو يقول بصوتٍ هادئ: _أيوه يا علا، إزيك يا حبيبتي... لكن ما إن مرت ثوانٍ حتى تبدلت ملامحه على نحوٍ أربك غادة؛ انطفأت ابتسامته، وارتسمت على وجهه علاماتُ قلقٍ عميق، ثم قال بصوتٍ متوترٍ متماسك: _طب متقلقيش..... قولتي لعصام برضو؟..... طب خلاص، أنا جاي حالًا..... وهنروحله أنا وهو.... يلا، سلام.                            *********** في الوقت ذاته، ومع اقتراب ختام العرس وضجيجه الذي أخذ يخفت شيئًا فشيئًا في الأسفل، كانت ياسمين تجلس على سطح الفيلا وحدها، منزوية في ركنٍ من المجلس المخصص للسطح، فوق أريكةٍ وُضعت على مقربة من السور المطلّ على البحر. كانت قد نزعت حجابها، وتركت الرياح تعبث بخصلات شعرها، تنساب بينها كما تنساب الذكريات في عقلٍ مرهقٍ لا يهدأ. عيناها شاخصتان نحو الأفق، تائهتان بين زرقة البحر وسواد السماء، وتحتسي سيجارتها ببطء، وكأن كل نفسٍ منها محاولة لاستعادة اتزانٍ فقدته. الوحدة تلفها من كل صوب، صمت عميق لا يقطعه سوى صوت الرياح وأنفاسها المتقطعة. وبينما كانت غارقةً في شرودها، سمعت وقع خطواتٍ تتقدم نحوها. فانتفضت قليلًا، وأسرعت تمسك حجابها لتغطي به رأسها، ثم التفتت بتوجسٍ لتجد عصام يقترب منها، وقال بصوته الذي اخترق سكون الليل برفق: _دا أنا يا حبيبتي... خدي راحتك. تركت ياسمين الحجاب ينزلق من بين أصابعها، فعاد يستقر على كتفها بإهمالٍ غير مقصود، بينما كان عصام يتقدم نحوها حتى جلس إلى جوارها. ظل الصمت بينهما برهةً، لا يُسمع فيها سوى هدير البحر البعيد. ثم قال عصام بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالقلق: _انتِ مش كويسة. من الصبح وأنا ملاحظ إنك في عالم تاني لوحدك.. أومأت برأسها في صمت، ونظراتها معلقة بالأفق. تأملها عصام لحظةً ثم قال وهو يحاول كسر الصمت: _مش حابة تتكلمي معايا؟ التفتت نحوه ببطء، وقالت بعد ترددٍ قصير: _أنا مينفعش أتكلم إلا معاك. اقترب عصام منها أكثر، ومد يده يمسك بيدها في حنوٍ صادق، يتحسس عليها برفقٍ كي يهدئ قلبها يرتجف، وقال: _طب قوليلي يا حبيبتي مالك.. أنا سامعك أهو. عادت ياسمين إلى صمتها العميق، وبدت كأنها تحاول لملمة الكلمات من بين أنقاضٍ داخلها، ثم قالت بصوتٍ متكسرٍ يحمل وجعًا خفيًا: _الموضوع مش عني يا عصام.. بس إنت المفروض تعرف لوحدك برضو يعني... إنت متعود كل يوم تشوف طفل بيتم التحرش بيه؟ ساد سكون ثقيل وادرك عصام ما جلعها في غمّ، ثم قال: _مش متعود.. بس إنتِ اللي شوفتي المشهد وأنا مشوفتش.. فأكيد الصدمة عندك هتبقا مختلفة. حركت ياسمين رأسها في اضطراب، كأنها تحاول طرد فكرةٍ تثقل عقلها، ثم قالت بصوتٍ مترددٍ يختنق بين الكلمات: _الفكرة مش في كده بس... الفكرة إن... إني حاسة بنجاسة أوي وخنقة شديدة.. كأني المجرمة زي اللي اتحرش بيه.. وعندي قناعة إني ساعدت بشكل أو بآخر إن حاجة زي دي تحصل. ظلّ عصام صامتًا، يحمل نظراتٍ مثقلةً بالفهم والوجع ذاته، كأنه يسمع صدى نفسه في كلماتها، فتابعت بصوتٍ أكثر اضطرابًا، وعيناها تبرقان بمرارةٍ دفينة: _اللي هو... الهوس الجنسي غير المبرر دا اللي بقا في الشعب... إحنا كمان شاركنا فيه يا عصام.. إحنا كمان مجرمين زي الراجل دا، إزاي إحنا مكملين حياتنا عادي كده؟ هز عصام رأسه قليلًا وقال بنبرةٍ جادةٍ تحمل ألمًا وحرصًا في آن: _متحطيش اللي كنتي بتعمليه جنب تحرش بالأطفال... التحرش والاغتصاب بالأطفال حاجة ملهاش علاقة بالشهوة، دا خلل وإجرام بشع. قالت ياسمين بانفعالٍ مكتوم، وقد بدا أنها لم تعد قادرة على احتمال ثقل الفكرة في صدرها: _ماشي يا عصام بس برضو دي حاجات متفرعة، اللي أنا عملته في حياتي مالوش علاقة بس بيفكرني بيه برضو وبيحسسني بشكل لا إرادي إني السبب في حاجة زي دي.. وضعت يديها على رأسها بقوة، كأنها تحاول منع رأسها من الانفجار من فرط التفكير، بينما كان عصام يجلس في بصمتٍ حزينٍ، يحمل الهم ذاته في قلبه، يشعر بما تعانيه بل وربما بعمقٍ أشد. وفجأة رفعت نظرها إليه، وخرج صوتها متقطعًا بين الذهول والمرارة: _عصام هو إحنا بنعمل إيه هنا؟ نظر إليها، فتابعت، وصوتها يرتجف بصدقٍ موجع: _إحنا بجد مع الناس دي دلوقتي ليه؟ إحنا قاعدين وسطهم إزاي؟ إحنا إزاي مش في السجن دلوقتي؟ إحنا بنعمل إيه بجد؟ تنهد عصام بعمقٍ كأن أنفاسه تثقلها الحجارة، ثم قال بهدوءٍ خافتٍ يشوبه الأسى: _وانتِ عايزة تروحي السجن ليه؟ انتِ مأذيتيش حد يعني. رفعت رأسها نحوه بحدةٍ غاضبةٍ يملؤها وقالت: _مأذيتش حد؟ الدعارة مش أذية بالنسبالك؟ أطرق عصام للحظةٍ ثم قال بصوتٍ متعبٍ يحمل محاولاتٍ للتماسك: _ياسمين، انتِ اشتغلتيها كام شهر وسبتيها، متخليهاش حاجة تقلب حياتك. صرخت بعينين دامعتين وصوتٍ مشروخٍ بالوجع: _لأنها فعلًا قلبت حياتي يا عصام! ومستحيل أرجع إنسانة طبيعية من بعدها!! وأكيد أنا سببت في إني أقلب حياة ناس تانية بسببها، زي عم رجب.. الراجل اللي هنتحاسب على اللي عملناه فيه زمان! ثم عم الصمت من جديد، صمت ثقيل ينوء به السطح والبحر والليل، كأن الهواء نفسه يضيق من ثقل اعترافٍ لم يكن يُراد له أن يُقال مجددًا. دمعت عينا عصام قليلًا، وارتجفت أنفاسه وهو يبتلع ريقه محاولًا أن يبتلع معه مرارة الأمر وغصّته التي تأبى أن تنزل. ظل صامتًا لحظةً، غارقًا في تفكيره، كأنما يغوص داخل أعماقه حيث تختبئ الذكريات والأثقال القديمة، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ يخرج من صدرٍ مثقل: _انتِ شايفة اللي أستحقه يساوي اللي انتِ تستحقيه؟وشايفة اللي عملته هو هو اللي إنتِ عملتيه؟ عشان تتكلمي بصيغة الجمع بالشكل دا؟ نظرت ياسمين إليه طويلاً، بعينٍ تدرك ما وراء كلماته، كأنها رأت في ملامحه ما لم يقله بعد. شعرت أنه يريد أن يتحدث، أن يفرغ ما في صدره هو أيضًا، لكنها تعلم أن عصام لا يفعل ذلك لا معها ولا حتى مع يمنى. الكتمان يقتله ببطء، ينهش صمته كما ينهش المرض الجسد. تذكرت كم كانت جافة معه منذ زواجهما، كم تجاهلت محاولاته الصامتة للحديث أو التقرب. اقتربت منه بهدوءٍ ونامت على كتفه، كأنها تستسلم لدفءٍ افتقدته طويلًا، ثم احتضنت ذراعه بين يديها وأمسكت بكفيه برفقٍ وهمست بصوتٍ مفعمٍ بالعطف: _قول اللي عايز تقوله.. أنا سامعاك. حين فعلت ذلك، شعر عصام برجفةٍ تسري في صدره، رجفةٍ غريبة كأنها أعادت الحياة إلى شيءٍ خامدٍ بداخله. لم يفعل أحد معه هذا من قبل، لم يقترب منه أحد بهذا الصدق، ولا أحد قرر أن يسمعه فعلًا. ارتبك للحظة، ظل صامتًا يفكر، يبحث عن الكلمات التي لم يُعِدّ لها، ثم قال بعد صمتٍ ثقيل: _أنا بس.. مش حابب صيغة الجمع دي، لأنك معملتيش ربع اللي أنا عملته. قالت ياسمين بهدوءٍ موجعٍ وهي تحدق في الفراغ أمامها: _على الأقل انت أخدت عقابك.. _انتِ كمان أخدتي عقابك بس بشكل يناسب اللي عملتيه... بس أنا... سكت عصام، وانخفض رأسه قليلًا، واغرورقت عيناه بالدموع التي حاول كتمانها عبثًا، بينما ظل صوته العالق في صدره يرتجف دون أن يجد طريقه إلى الكلام. _أنا عمري ما اتكلمت على الموضوع دا بلساني.. الموضوع دا بيقتلني قلبي ومخي تدريجيا كل يوم كل يوم لمدة خمس شهور، بس حتى فكرة إني اتكلم في كدة حاسسها وقاحة أوي، أنا استحق دا.. وأنا جيبت دا لنفسي... زعلان ليه بقا؟ فهمت ياسمين مقصده، كان يتحدث عن إصابته، تلك التي محت تمامًا أثر أن يكون ذكرًا، وسلبت منه ما كان يومًا جزءًا من هويته، من كيانه. بقيت صامتة تستمع إليه، تمنحه المساحة التي حُرم منها طويلًا، حتى قال بعد برهةٍ من السكون: _بس غصب عني بزعل.. غصب عني كل يوم أصحى وأبص على جسمي وأعيط.. غصب عني أحس بقلة قيمة فظيعة تخليها تتحكم في تفكيري وتصرفاتي وأُسلوبي وفي أحلامي وكوابيسي... أنا حتى لما بقف وسط إخواتي ووسط الرجالة ببقا.. مكسوف ومقهور وأنا مقتنع إني مبقتش منتمي ليهم خلاص، كابوس مرعب أوي يا ياسمين إن يتاخد منك جزء منك.. من هويتك.. واللي زمان كنت بشوفها سلاح قوة وهيمنة وسيطرة. أخذ عصام نفسًا عميقًا، وكان صوته يتهدج وهو يحاول استعادة أنفاسه، فيما كانت ياسمين تنظر إليه وقد رأت دمعةً تنساب بهدوءٍ على وجنته، فمدت أناملها ومسحتها في حنوٍ خافت، كأنها تحاول أن تُخفف عنه دون أن تُقاطع تدفق ما يفيض من داخله. تابع بصوتٍ متكسرٍ فيه مزيج من الحزن والتسليم: _الأصعب من إني أخسر جزء من جسمي بالشكل دا.. وإنه مش مجرد خسارة قد ما هو تحول وجودي.. كأن اتشال منّي معنى من معاني الحياة، هي الأفكار... أفكار بتتخانق في دماغي ومبترحمنيش بخصوص الموضوع دا.. مرة أحس إني مستحقش كده.. وإني خسرت حياتي وإثبات وجودي وكينونتي وخسرت كل حاجة، ومرة أحس إني أستحق كده وأبشع كمان... كل ما أفتكر صوت سلمى وهي بتصوت.. وهي بتترجاني... أرجع أقول.. صح، أنا أستاهل، وده مش كفاية، لازم أتعذب كمان. توقف لحظةً كأنه يحاول تنظيم فوضى أنفاسه، ثم اردف: _في تفكير تالت خالص بقى، ده اللي بيحاول يبرر ويخليني أبص للجانب الإيجابي، اللي هو.. بص.. انت مبقاش عندك نقطة ضعف.. بقيت إنسان طاهر من الشهوات والقذارة.. بقيت إنسان حر.. بقيت صافي من أي تفكير وسخ... مش عارف أوصفلك إزاي شعور إنك تحسي بتلات مشاعر بيقتلوك كل يوم.. إزاي تحسي بالقهر والتوهان والتبرير وجلد الذات في نفس الوقت. ثم سكت عصام، وقد بدا كأنه أفرغ قليل من حمل ثقيل ظل يختنق في صدره طيلة خمسة أشهر كاملة. ساد صمت عميق بعد كلماته، صمت يحمل رهبة البوح الأول، ووقع الخلاص المؤلم من عبءٍ لم يجرؤ يومًا أن ينطقه. ولكنه مهما قال فلن يستطيع وصف هول الأمر حقًا. بأن الفقدان ليس في الجسد وحده، بل في الروح ذاتها، في موضعٍ خفيّ من الكينونة لم يكن الإنسان يدرك وجوده حتى بُتر منه. عصام لا يشعر بالعجز بقدر ما يشعر بأن الحياة قد تراجعت عنه، وانهارها جفت في داخله. يمرّ على الأشياء إما ببرودٍ غريب أو قهر عظيم أو جلد للذات قاتل، فمع تلك الاصابة فقد عصام لغة ورغبة واثبات على أنه على قيد الحياة. في كل لحظة حين يسأل نفسه "هل ما زلت رجلاً؟".. لا يكون الجواب ممكنًا؛ فالكلمة ذاتها تنكسر على لسانه، وتتحول إلى رمادٍ بلا معنى. يعرف أن الرجولة ليست في الجسد، بل في وعيٍ يُضاء، لكنه يعرف أيضًا أن الوعي وحده ليس كافٍ، وأن النور دون حرارةٍ لا يُحيي شيئًا. يعيش بين قطبين من الألم: عار الفقد من جهة، وخداع التسامي وجلد الذات من جهةٍ أخرى. برغم أن القهر قد سكن في عظامه واستقر في دمائه كقدرٍ دائمٍ لا يزول، لكن في كل مرة يرى جسده يوقن أن العدالة قد نُفذت، وأن الجرح الذي تركه في جسده ليس سوى صدى للجرح الذي تركه هو في روح فتاةٍ بريئة، ذاك الجرح الذي لم يندمل في العالم فانعكس عليه كقصاصٍ إلهي لا يمكن رده. يعيش كل يومٍ يُحاكم نفسه دون توقف، يعيد المشهد ألف مرة في رأسه، يجلد ذاته بلا رحمة، حتى صار الإحساس بالذنب هو الشيء الوحيد الذي يمنحه معنى البقاء. ومع الوقت انطفأت فيه النيران، لا رغبة، لا شهوة، لا دفء. كل ما تبقى هو برود كثيف، صمت داخلي يشبه الثلج، يجري في عروقه بدل الدم..لا يحاول المقاومة، بل يتقبل البرودة ويتجرع العدالة الإلهية. يوقن أنه يستحقها، بل يراها شكلًا من أشكال التطهير. يحاول ان يجد في تلك العقوبة خلاصًا من النزاع القديم بين الجسد والروح. يحاول أن يرى فيه تحرر من شهواته، من ضعفه الإنساني، من ثقل الرغبة، من عقلة الإجرامي الذى قتل الابرياء. غير أن تلك السكينة ليست سوى قشرةٍ فوق فراغٍ عميق؛ فالهدوء الذي يعيشه ليس سلامًا، بل موت بطيء للنبض الذي كان يمنحه الإحساس بأنه حيّ. ولم يعد يرى نفسه رجلاً، بل بقايا إنسانٍ أدرك متأخرًا معنى أن يُسلب ما سلبه من غيره. وهكذا، حين يضع رأسه على وسادته، لا يطلب الغفران، بل مزيدًا من الألم، لأنه يظن أن الألم وحده كفيل بأن يعيده إلى نقطةٍ يكون فيها صالحًا للندم. صمتا كلاهما صمتًا طويلًا امتد لدقائق كأن الزمن تجمّد حولهما، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهما المتقطعة ووشوشة الريح التي تمر بخفة فوق السطح. تبادلا خلاله احتساء سيجارة واحدة، يتناوبانها في هدوءٍ كأنها وسيلة للتنفس بعد الاختناق، حتى هدأ كل منهما من الإرهاق النفسي الذي أثقل صدره، ودخلا في لحظة استجمامٍ نادرةٍ تشبه الهدنة مع النفس. وبعد برهةٍ من السكون، قالت ياسمين بصوتٍ خافتٍ يملؤه التساؤل والضياع: _نعمل إيه؟ نعمل إيه عشان نبقى كويسين ونليق بالعيلة اللي معاشرينها عالأقل دا؟ لو كل واحد فينا أخد عقابه.. نعمل إيه بعد كده؟ سحب عصام نفسًا عميقًا من السيجارة، ثم زفر دخانًا كثيفًا خرج معه تنهيدة طويلة، ومدها نحوها وهو يقول بصوتٍ هادئٍ: _أنا لست قديسًا.. انتِ لستِ قديسة.. ليس فينا قديس. نظرت إليه بدهشةٍ طفيفة، ثم أطلقت ضحكة قصيرة وقالت: _أفندم؟ ابتسم عصام وقال: _دي أغنية.. _يعني بذمتك أنا بقولك إيه وانت ترد عليا بأغنية؟ ضحك عصام من سخريتها، ثم قال: _حاسسها مناسبة... أصل هنعمل إيه يعني يا حبيبتي.. محدش فينا قديس.. ومش طبيعي إننا نسعى نبقى قديسين برضو فـ... ادينا عايشين أهو. بس انتِ برا عني عشان متساويش اللي عملتيه باللي عملته. قالت ياسمين بتهكم: _ماشي يا أكتر واحد شرير في الكون، تحب تاخد جايزة لده عشان ترتاح؟ ضحك عصام، وضحكت ياسمين معه، ضحكة خففت ثقل الجو فجأة. ثم أمسك بهاتفه، بحث فيه قليلًا حتى قام بتشغيل الأغنية، ونهض مبتسمًا وهو يقول: _تعالي يا بت نرقص، انتِ مرقصتيش معايا في الفرح. _يلا يا خويا، مش عايزة أرقص مع عامود زيك، مش هعرف. أمسك بيدها وقال وهو يجرّها برفقٍ ناحيته: _تعالي يا بت، خلينا نبسط نفسنا شوية، يلا. ضحكت ياسمين ونهضت أخيرًا، ومع بدء الأغنية، بدأا يرقصان على إيقاعها وكلماتها التي بدت كأنها كُتبت عنهما تحديدًا. تحركا بخفةٍ تعبّر عن استسلامٍ للحظة، عن تصالحٍ مؤقتٍ مع الحياة، وعن غفرانٍ صامتٍ لأنفسهما ولو للحظاتٍ قليلة تحت سماءٍ ساكنةٍ تغسل ما تبقى من وجعهما. ♪ بما كنت تسرح شارد بسواد الثقوب، أمشي أترنح شارب شجرة القنب، نحن تائهون نحن تائهون. ♪ ♪ فأنا حليف لنبني في ليلة على مزارع نجيل، إن كنتِ تجسدي معنى الحرية لوهلة فأنا سجين، خلعت عنها رداء التوجس كونه طال الحديث، فظهر ضميري لينصح وقال لي أنت لست قديس. ♪ بدأا يرقصان تحت القمر المكتمل، يسكب فضته على ملامحهما فتتداخل الظلال بالنور في رقصةٍ موازية. والبحر خلفهما يتنفس بإيقاعٍ هادئ، تلمع أمواجه، والريح تدور حولهما بنشوةٍ خفية، تعبث بطرف ثوبها وشعرها القصير المجعد، وتتهادى أنفاسهما على وقع النغم، حتى بدا المشهد كلوحةٍ من سكونٍ حي، تتجاور فيها الرغبة بالعزلة، والسكينة بالعاصفة. ♪ انتِ لست قديسة أنا لست قديس ليس فينا قديس لا ليس فينا قديس. ♪ ♪ للشمس قاع والبرد حاد، والغيم بين شفتاكِ في الظلمة نور. فاقُلها نغرق في كتلة موج من كتانٍ، فنحن تائهون لن نكون ولا نكون، لا تسألي عن الرسوخ لا. ♪ يدها في يده، تقترب منه بخطوة، فيهتز العالم بينهما. وهي تتمايل بثقلٍ من الخيبة وخفةٍ من الحلم، تتبع اللحن لتنفض عنها الرماد العالق في قلبها.. وعيناه عليها، تلتهمها كما يلتهم الضوء الغيم، يراقب خطواتها والتفاقها حين يمر المقطع الذي يصف التيه، فيبتسم كأنه وجد نفسه بين حروفها. ♪ بما كنت تسرح شارد بسواد الثقوب، أمشي أترنح شارب شجرة القنب.. نحن تائهون نحن تائهون. ♪ ♪ نحلق بين السارية من السحاب، نواقص كما الهلال في رحله عن استكشاف الفطرة تناغما مع صدى الحبال. نختبئ في جيوب جاذبية المجرات والكون مداد، ترتوي أرواح مجدبة بالمسرات. ♪ ♪ والليل سناد، في الليل فساد. فالشعلة تأج والغيم يسود، ضميري يحث إني لست يسوع. شغف وبؤس والطيف وقود، ردائك حاجب فكيف يزول. ♪ ♪ ليقول.. انتِ لست قديسة أنا لست قديس ليس فينا قديس لا ليس فينا قديس. ♪ وحين عاد المقطع الأخير، توقفا دون أن يقولا شيئًا، كأنهما أدركا أن الرقص لم يكن هروبًا من التيه، بل تجسيدًا للاعتراف به.. أنهم فقط جسدان يترنحان على حافة المجهول، يغفران لبعضهما دون وعود، ويواصلان الدوران في ليلٍ لا يريد أن ينتهي. توقفا عن الرقص، وبقي الصمت المعلق بينهما كأثر لحنٍ لم يكتمل. كانت أنفاسهما متقاربة، تتشابك فيها بقايا الدخان مع نسمات البحر الباردة. نظرت ياسمين إليه طويلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة إعجابٍ خافتة وقالت بنبرةٍ تجمع بين السخرية والصدق: _أنا بكرهك بجد.. وبكره فكرة إننا متشاركين في حاجة زي دي. ابتسم عصام ابتسامة قصيرة وهو يقول بهدوءٍ أقرب إلى الإقرار: _أنا كمان بكرهك. ثم انحنى نحوها في بطء، يقترب ليمنحها قبلةً كادت تُخرس العالم حولهما، ولكن رنين الهاتف قطع الإيقاع فجأة كصفعةٍ على وجه السكون. تنفس عصام بامتعاض، التفت نحو الهاتف، نظر إلى الشاشة فرأى يمنى، فتناول الجهاز وأجاب بصوتٍ متماسك: _ايوة يا يمنى خير يا حبيبتي. جاءه صوتها القلق من الطرف الآخر: _إنت فين يا عصام؟ _أنا علي السطح مع ياسمين في حاجة؟ _أصل علا رجعت وبتقول مصطفى سابهم ومشي وفياض راح يشوفه وكلمت نوح... شكله موضوع كبير، انزل وشوف في إيه. انعقد حاجباه في قلقٍ واضح، وارتسم على وجهه ظل توترٍ خافت، ثم قال بصوتٍ حاسمٍ وهو يتجه نحو السلم: _طيب حاضر جايلكم أهو.                            *********** بعد الثلاث ساعات ذاتها وأثناء وصول مصطفي لفوق الهضبة... كان لقاء مباشر يُبث لنور الديب على إحدى القنوات المصرية الشهيرة، وموريس جالس أمام الشاشة يتابعه بتركيزٍ غامضٍ لا يدري له سببًا. لم يكن يعنيه الأمر في جوهره، ولكنه أصبح شديد الترقب والحذر. لقد غدا شديد الانتباه في كل ما يفعل، صار يحسب أنفاسه، ويُعيد ترتيب عاداته، ويتفقد زوايا بيته يتلمّس وجودًا خفيًا يترصده. فهو موقن أنه مُراقب، وأن زمن الجواسيس والعمل في الظل قد انقضى، وأن الضوء بكل ما يحمله من افتضاحٍ صار قدره الجديد. ولعلّ مشاهدته لذلك اللقاء كانت ضربًا من التمويه، محاولةً يائسة لأن يبدو عاديًا، كأي رجلٍ من النورية يقضي مساءه أمام التلفاز، لعلّهم حينها يكفون عن مراقبته... ولو إلى حين. «طب يا مولانا، إيه تفسير حضرتك بإن لسه فيه ناس مدخلوش دينك رغم كل الإثباتات الواضحة والمعجزات الصريحة اللي فيه واللي تثبت إنه دين حقيقي؟» سألته المذيعة هذا السؤال، فاعتدل في جلسته ورد بنبرته الهادئة الخادعة، المفعمة بثقةٍ محسوبة: «فيه نوعية من الناس.. وهما كتار مش قليلين، بيعشقوا الغموض وبيعشقوا المعاناة اللي بتبقى في الغموض دا، وهو دا مضمون الصبر في الأديان التانية، مجرد أداة تشويقية مزيفة عشان تخلي الشخص متمسك بدينه، وفي ناس بتحب التشويق دا. الموضوع عامل زي القصة اللي الكاتب يفضل يرمي فيها حاجات غامضة كتير كتير، والقارئ بيبقى مجبور يقرأها للآخر عشان يعرف نتيجة الغموض دا إيه، ودا بالظبط زيه زي حوار الصبر في الأديان التانية، واللي أصلًا في كتير بيموتوا قبل ما ينولوا اللي محتاجينه واللي صبروا عشانه، فكل دا مش منطقي خالص بالنسبالي.» كان موريس يتابع اللقاء بملامحٍ يائسةٍ توحي بالضجر، يحدق في الشاشة دون اكتراثٍ حقيقي. وفجأة دوى جرس الباب، فالتفت إليه بارتباكٍ مباغت، محاولًا استيعاب احتمال سبب أن يقف أحدهم هناك. ظلّ ساكنًا، يُرهف السمع، وذهنه يغوص في احتمالاتٍ شتى، يراجع سيناريوهاتٍ كاملة لما قد ينتظره خلف الباب، وكيف سيتعامل مع كل احتمال منها. ولكن الجرس دوى مجددًا، فاضطر أن ينهض، متثاقلاً، يجر خطواته نحو الباب. اقترب بحذرٍ ونظر من خلال العين الصغيرة، فرأى اصبع الشخص يحجب الرؤية تمامًا. ارتفع الحذر في صدره ومع ذلك، وبشيءٍ من الجرأة المجبولة على القلق، قرر أن يفتح الباب. وما إن فعل، حتى جمد في مكانه. كانت منار أمامه. نظرت إليه ببساطةٍ مريبة وقالت: _إزيك يا موريس. ظل يحدق بها لحظاتٍ طويلة بعينيه الواحدة، لا يفهم كيف وصلت إلى هنا، ولا ما الذي تريده، ثم تمتم في حيرةٍ: _ايوة؟ ابتسمت ببرودٍ خفيف وقالت: _مش هتدخلني؟ ابتسم موريس بدوره، ولكنها كانت ابتسامة متكسّرة من القلق أكثر منها ترحيبًا: _يعني إيه أدخلك؟ ليه؟ حضرتك محتاجة حاجة؟ مولانا طلبني مثلًا؟ _هو أنا مش قولتلك هجيلك بعد ما تفكر وتقولهم على اللي أنا قولتهولك؟ _أيوة.. قولتي إنك هتسيبيني يومين وهتقابليني.. وإنتِ قولتي دا امبارح بالليل.. ومتوقعتش برضو تجيلي البيت. _عادي يعني مقدرتش أستنى يومين أعمل إيه؟ وبعدين هقابلك فين غير في البيت؟ هتدخلني ولا لا؟ رمق موريس الممر بنظرةٍ حذرة، ثم ألقى نظرة نحو باب الجار، كأنه يخشى أن تلتقطهم عين خفية. ارتبك تمامًا ولكنه متماسك، فلو علم نور بالأمر لكانت العواقب وخيمة. ثم همس محتدًا: _مولانا عارف إنك هنا صح؟ _لا.. متقلقش، محدش بيراقبك دلوقتي. _أنا مش قلقان، هقلق من إيه؟ _خلاص دخلني.. مش إنت الوحيد اللي زورته في البيت يعني.. أنا بزور أتباع في بيوتهم كتير، متقلقش. تنفّس موريس بعمقٍ محاولًا كبح انزعاجه، ثم أفسح لها الطريق على مضض، ودخلت منار بخطواتٍ واثقةٍ وهدوءٍ مريب، بينما أغلق الباب خلفها ببطء، وعينه الواحدة تلاحقانها كما لو كان يترقب خطرًا يتسلّل في ثوبٍ مألوف. دخلت منار إلى الصالة بخطواتٍ واثقة تحمل شيئًا من التوتر الخفي، وما إن وقعت عيناها على شاشة التلفاز حتى ارتسمت على وجهها نظرة اشمئزاز حادّة، وقالت بنبرةٍ تنضح بالامتعاض: _انت ليه بتتفرج على ال*** دا؟ تجمد موريس في مكانه، وقد صُعق من تلك الكلمة التي خرجت منها فجأة، ثم قال: _بتفرج على مولانا عادي... قاطعته بسرعةٍ حاسمة وهي تلوح بيدها في ضيق: _موريس، بطل تمثيل بقى أبوس إيدك، أنا جايالك البيت عشان تبقى متطمن.. خلاص بقى، خليني أعيش بعيد عن الأجواء دي ساعة واحدة بس. ساد الصمت برهة، وكان موريس يشعر أن كل إجابةٍ قد تتحول إلى فخٍ له، فآثر الصمت، وأطلق سؤالًا مقتضبًا لكسر حدة الموقف: _أجيبلك إيه تشربيه؟ _قهوة سادة في أكبر مج عندك لو سمحت. أومأ موريس برأسه بصمت، واتجه إلى المطبخ بخطواتٍ متثاقلة. وبينما كان يُعد القهوة، كان يسمع صوتها من الصالة وهي تواصل التذمر والسباب بحق نور، بصوتٍ متقطعٍ متوترٍ وهي تخاطب نفسها أكثر. ارتسم على وجهه امتعاض صامت، لكنه لم يُعلق، فقط أتمّ إعداد القهوة وعاد بها إليها قائلًا: _تقدري تغيري القناة لو حابة. _آه ياريت، شكرًا، أنا جاية عشان أخلص من وشه. ناولها جهاز التحكم، فأمسكته وبدلت القناة بلا تردد، بينما جلس هو على المقعد بجانبها، لا يدري إلى أين سيمضي هذا اللقاء، ولا بأي نبرةٍ يجب أن يتحدث. _ينفع أفرد رجلي؟ التفت إليها متعجبًا، لكنها أسرعت توضح بنبرةٍ تحمل شيئًا من الحرج: _معلش.. نادرًا ما برتاح معاه.. دايمًا واقفة ودايمًا بمشي... لو مش حابب براحتك، هو سؤال غريب أنا عارفة. _اتفضلي خدي راحتك. رفعت ساقيها إلى جانبها ببطءٍ، وأطلقت تنهيدة طويلة كأنها تُفرغ فيها تعب الأيام، ثم ساد بينهما صمت ثقيل آخر، لا يقطعه سوى صوت التلفاز المنخفض. وبعد لحظاتٍ من التأمل قالت فجأة: _كلمت حد عن اللي قولتهولك؟ نظر إليها موريس بملامحٍ متصلبة يغلفها الحذر، وقال ببرودٍ محسوب: _معنديش حد أكلمه على حاجة زي دي.. ظنونك عليا كلها غلط. زفرت منار بنفادِ صبرٍ ظاهر، وأمسكت بالكوب لترتشف القهوة في هدوءٍ، بينما عم الصمت لحظةً قصيرة، لم يقطعها إلا رنين هاتف موريس. التفتت منار إلى مصدر الصوت بحدة، في حين مد موريس يده إلى الهاتف ونظر إلى الشاشة، فرأى اسم المتصل.. هيثم. قالت منار بنبرةٍ آمرةٍ هادئة: _رد.. رد عليه وانت هنا. تردد موريس لحظة، ثم أمسك الهاتف وفتح الخط ببطءٍ حذر، وقال: _ألو... جاءه صوت هيثم مضطربًا على الطرف الآخر: _أيوة يا موريس.. في حاجة غريبة أوي حصلتلي. _خير؟ _منار... مرات نور الديب، جاتلي من نص ساعة كده وادتني ميموري كارد، قالتلي إن فيها أسرار لتعاملات نور مع اليهود، وفيه بينهم اتفاقات سياسية وحاجات كتير. قالتلي إن فيه أسرار أكتر هتطلع لما أهكر الميموري ويبقى فيه نوافذ أكتر ليها تفتح. ساد صمت كثيف.. نظر موريس إلى منار، فوجدها تحدق فيه بثباتٍ مقلق، بعينيها تلك النظرة التي تُفصح عن يقينها التام بما يسمعه. بقيت ساكنة، وكأنها تتلذذ برد فعله المكبوت. فقال موريس بنبرةٍ متماسكةٍ رغم اضطراب أنفاسه: _انت عملت فيها حاجة؟ _لا.. أنا شاكك فيها بصراحة، حاسس إنه فخ، فأنا سايبها لحد ما أفهم منك أعمل فيها حاجة ولا لا. _لا لا، سيبها دلوقتي... وأنا هستشيرهم وهقولك بعدين، تمام؟ _تمام. أنهى المكالمة، وأسدل الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه نحو منار بنظرةٍ يختلط فيها الضيق بالاستفهام، بينما ارتسمت على وجهها نظرة مشوبة بالتهكم، وقالت: _ينفع تبطل تمثيل بقى؟ متقلقش، أنا أقدر أحميك. وضع موريس الهاتف على المنضدة بحركةٍ حادةٍ تنضح بالنفاد، وقال بصوتٍ متهدجٍ من الغضب المكبوت: _كنتي حميتي نفسك. قالت بهدوءٍ باردٍ وهي ترد دون أن تزيح عينيها عنه: _لأ، صعب أحمي نفسي لأنه محتاجني.. بس هو مش محتاجك في حاجة، فهيبقى سهل أحميك. ظل موريس غارقًا في صمته، يحدق في الفراغ بعين زجاجية لا تعكس سوى حيرته العميقة، عاجزًا عن اتخاذ قرارٍ واحدٍ في تلك اللحظة. كانت منار تراقب نظرته المتجمدة حتى شعرت بيأسٍ يتسرب إلى صدرها، ثم أطلقت كلماتها الثقيلة بنبرةٍ تنضح بالمرارة: _يعني مفيش فايدة؟ هفضل كده طول حياتي؟ يعني هو أنا مكتوب عليا إني أبقى عبدة *****؟ إذا كان مع طليقي اللي كان بيجبرني عالدعارة، أو مع نور اللي بيجبرني أبقى أم وزوجة في نفس الوقت، ولا حتى مع أم مصطفى اللي كنت بخدمها دايمًا! أنا هفضل كده أخد أوامر أخد أوامر؟ دي خلاص حياتي اللي مكتوبالي؟ ظل موريس على صمته، لكن نظرته نحوها انكسرت بشيءٍ من الاهتمام، فالتقت عيناهما للحظةٍ ووجد في عينيها بحرًا من القهر المغرورق بالدموع، قبل أن تواصل هي كلامها بصوتٍ مرتجفٍ متقطع: _مع إن الفترة اللي كنت بخدم ريهام فيها كانت.. يعتبر أجمل فترة في حياتي تقريبًا.. على الأقل مكنتش بتهان ولا كان فيه حد بيغتصبني. انفجرت دموعها على وجنتيها بغزارة وهي تهمس: _هو أنا اتخلقت عشان ميبقاش ليا قيمة كده؟ مدّ موريس يده بهدوءٍ نحو جيبه، وأخرج منديلاً ناوله لها وهو يقول بنبرةٍ منخفضةٍ حازمة: _مفيش حد اتخلق عشان ميبقاش ليه قيمة، بس الموضوع بيبقى مختلف بين الشخص والتاني... فيه بيتولد وهو عنده قيمة جاهزة متعبش عشان يوصلها، وفيه اللي بيقعد حياته كلها يتعب عشان يوصلها، الحرية كذلك.. أخذت منار المنديل من يده، فاستطرد وهو ينظر إليها بعين متفكرة: _الواحد لما يبقى عنده قيمة، هيبقى عنده استقلال، بالتالي هيبقى حر. كل خطوة من دي صعبة وتطلع الروح.. بس طعم الحرية في الآخر يستحق بصراحة. مسحت منار دموعها بصمتٍ ثقيل، وبقي موريس يراقبها للحظةٍ قبل أن يضيف بنبرةٍ بطيئةٍ مترددة: _نوعًا ما حاسس بيكي، أنا برضو اتولدت على الأوامر.. والإجبار عالقتل والسرقة والزنا، والعيشة في بيئة من الصحاب عنيفة وغريبة. أنا واختي كنا مهونين على بعض العيشة مع العصابة دي، إحنا اتربينا بين عصابة رفعت لحد ما بدأنا نقتنع إن هي دي حياتنا وهي دي عيلتنا... بس إحنا مخدوعين. واختي ارتاحت وسابتني أنا أدور في الحياة دي على... حياة، أدور على حياة طبيعية أعوض فيها عمري كله اللي راح، على حياة آخد فيها حريتي اللي عمري ما حسيت بيها. حل صمت عميق بينهما كأن الهواء نفسه يترقب ما سيُقال، ثم جاءت كلمات منار مرتجفةً متهالكة: _طب وانت بتساعد نفسك، افتكرني وساعدني معاك... أرجوك. سكت موريس للحظةٍ طويلة، ثم قال أخيرًا بنبرةٍ متفحصةٍ: _طب إنتِ لو مش قادرة تستحمليه كده... ليه مسيبتيش مصطفى يواجهه في الحرب؟ ليه روحتيله وخليتيه ياخدك؟ ليه ما أنقذتيش نفسك؟ _معرفش يا موريس، معرفش. إنتوا كلكوا كنتوا ميتين وأنا كنت خايفة على مصطفى لأني كنت بحبه وقتها، بس دلوقتي أنا مبقتش بحب حد، ومبقتش عايزة أحب حد، أنا عايزة أنقذ نفسي وأنهي الزريبة اللي عايشة فيها دي. وإحنا دلوقتي غير وقت الحرب، إحنا هنخطط ومش هنعمل حرب، يعني الموضوع هيبقى أهدى وأذكى شوية. ظل موريس صامتًا يغوص في بحر أفكاره العميقة، حتى قال أخيرًا بنبرةٍ مترددة: _طب أنا هقوم أعمل كام مكالمة كده وهشوف.. لأن أنا يوم الارتقاء عندي هيبقى بعد بكرا، وإحنا مخططين لحاجة معينة اليوم ده... هقوم أكلمهم وأشوف. _تمام، خد وقتك. نهض موريس ودخل غرفته، وأغلق الباب خلفه ليشرع في الاتصال بجمال، يخططان معًا بتأنٍ ودهاءٍ لما قد يجري يوم الارتقاء. استغرق حديثهما ما يقارب الربع ساعة، تبادلا فيها الاحتمالات والسيناريوهات، واتفقا على اللقاء في الخانقاه، حيث ستكون منار العون الخفي الذي يُحدث تشتتًا في أنظمة المراقبة، لتغدو تحركاتهم بعيدةً عن عين التجسس. وحين انتهى موريس من مكالمته وخرج إلى الصالة، فوجئ بمنار مسندةً رأسها إلى ذراع الأريكة، وقد غفت في هدوءٍ عجيب، والنوم باغتها بدون مقاومة منها. كانت ملامحها ما تزال تحمل أثر دموعٍ غزيرةٍ سالت بحرقة، لكن بين طياتها ظل من ارتياحٍ غامض، كأنها أفرغت ما في صدرها حين غادر. توقف موريس في مكانه، مأخوذًا بمشهدها؛ ارتياحها بدا نقيًا حد الغرابة، واستسلامها للإرهاق كان يشي بصدق ارتياحها في مكان تدخله للمرة الأولى. اقترب منها بخطوات خفيفة، وصوته يخرج هامسًا: _م.. منار.. منار، انتِ نمتي؟ أجابته بصوتٍ واهنٍ متعب: _معلش خليني أريح عيني بس شوية لأني مبنامش حرفيًا، لما اللقاء بتاع نور يخلص صحيني. سكت موريس، وقد انعقد في صدره مزيج من الحنو والعجز.. لم يملك إلا أن يتركها، فكل ما فيه يأبى أن يثقل عليها. ظل واقفًا يتأملها بصمت، وعينه تنسابان لا إراديًا على تفاصيلها الأنثوية الجذابة في جسدها، ثم انتبه فجأة، فغضّ بصره بخجلٍ حاد، وبشكل لا إرادي أدار وجهه نحو الصورة المعلّقة على الجدار، تلك التي المرسومة للشكل التخيلي للمسيح. تلبسه شعور غريب بأنه يحدق فيه، يراقبه بنظرةٍ رصينةٍ عاتبة، فارتبك، ثم أسرع بالدخول إلى الغرفة، وعاد بعد لحظاتٍ بلحافٍ خفيف، وستر به منار في رفق، ثم التفت إلى الصورة وهمس مخاطبًا إياها: _مكنتش هعمل حاجة... تجمد لحظة، ثم شعر كأن شيئًا في داخله يُفتح من جديد. أدرك أنه، رغم انشقاقه عن كل عقيدة، ما زال يحمل جذورًا للعقيدة المسيحية لم تمت، وها هو رأى في هذه اللحظة أن المسيح يراقبه مثلما اعتاد في عقيدته، برغم أن قلبه في صراعٍ محتدمٍ بين ما كان يؤمن به وما صار يميل إليه وهو الاسلام. لم يعد يدري، أهو مسيحي بعد أم مسلم؟ رفع رأسه ثانية إلى صورة المسيح وقال بنبرةٍ يختلط فيها الصدق بالارتباك: _حتى لو انت نبي عادي، مكنتش هتحب أبصلها كده برضو صح؟ أنا بحترمك برضو حتى لو مكنتش ربنا.. ازداد اضطرابه، وأشاح ببصره، ثم عاد إليها وقال بصوتٍ منخفضٍ مبحوح: _أنا مبقتش عارفك عمومًا.. بس في الحالتين، أنا بحبك وبحترم حضورك، أنا بس مش عارف اتعامل معاك إزاي... أظن دي أول مرة ابصلك فيها بشكل مباشر من شهور.. لأني كل مرة ببقا مش عارف لو بصيتلك هكون ببص لمين بالظبط....أ.. أنا هسكت.. أنا هسكت أحسن. جلس موريس بعدها على الكرسي القريب من الأريكة التي تنام عليها منار، متكئًا إلى الصمت كأنه يلوذ به. وعاد لمتابعة لقاء نور، واكتفى بأن يبقى حارسًا لصمتها حتى ينتهي اللقاء ويوقظها.                           *********** في الوقت نفسه... غاب عن حس مصطفى إدراك الزمان، فلا يدري كم مر عليه من الساعات أو الدقائق، وهو على تلك الحال من الانكسار والأنين والرجاء المتصل بالله عز وجل، حتى أخذت أذناه تلتقط فجأة وقع أقدامٍ تقترب... التفت مصطفى ببطء، بلا دهشةٍ ولا انفعال، ليجد نوح وعصام يقتربان نحوه. وما إن وقعت عيناه عليهما حتى شعر بحرارةٍ لطيفةٍ تسري في صدره، وبحبور يلين ظلمه قلبه. مسح دموعه بيده، وابتسم، ثم نهض في هدوء.. وحين رأياه على تلك الحال، قال نوح على الفور: _إيه يالا، إنت بتعيط؟ ابتسم مصطفى، وهز رأسه نافيًا وهو يتمتم: _لا دا بس... تلعثم، فلم يجد للكلمة مخرجًا، فبادر عصام ليخفف عنه الموقف وقال بنبرةٍ ودودة: _من الخشوع، مش كده؟ أومأ مصطفى برأسه مبتسمًا وقال: _آه، الخشوع. نظر عصام من حوله بانبهارٍ بارد وقال وهو يدور ببصره في الأرجاء: _حقك بصراحة.. المكان جامد أوي، جبته منين دا؟ _معرفش بصراحة... أنا قعدت أمشي أمشي لحد ما وصلت. ثم لمح ستراتهم الأنيقة، فتبسم وقال بلطفٍ حانٍ: _شكلكم زي القمر. ابتسما معًا، ورد نوح وهو يربت على كتف مصطفى ضاحكًا: _مفيش قمر هنا غيرك. ابتسم مصطفى في صمت، فقال عصام بعد لحظةٍ من السكوت: _إيه؟ ترجع معانا ولا مش حابب ترجع دلوقتي؟ تلاشت ابتسامته قليلًا، وارتسم على ملامحه سكون عميق، ثم قال بصوتٍ متزنٍ: _أحب أقعد شوية... وهحب تقعدوا معايا برضو. وافقا على الفور، بدون ترددٍ ولا سؤال، كأنهم كانوا يترقبون تلك اللحظة منذ أمدٍ بعيد. وجلسوا إلى جواره في حضن الليل، وقد التحمت ظلالهم ببعضها حتى بدا أنهم كتلة واحدة من سكونٍ وسكينةٍ ومحبةٍ خالصة. انطلقت أحاديثهم في بساطةٍ وصدقٍ نادر، يختلط فيها المزاح الصافي بذكرياتهم العبثية. كان في صوت نوح نغمة الأخ الأكبر حين يخفف العبء عن كاهل شقيقه، وفي نظرات عصام عمق الوفاء الذي نمت بفضل توبته النصوحة، أما مصطفى فكان القلب الذي يجمعهم، يبتسم أكثر مما يتكلم، وقد لاحظا أن مصطفى يتجنب الحديث عمّا واجهه في ذلك اليوم، مؤمنًا أن في الصمت شفاءً أصدق من البوح. كانا يعلمان من مريم وعلا ما حدث معه، بكل ما فيه من مرارةٍ ووجعٍ دفين، ومع ذلك لم يذكراه أمامه، احترامًا لذلك الجدار الصامت الذي شيده حول نفسه. بدا مصطفى لهما كمن قرر أن يحمل ألمه وحده، لا يشكو ولا يتنفس إلا بالدعاء؛ فهو يخشى أن يكون التنفيس ضرب من التخلي عن الصبر الذي نحت ملامحه عبر السنين. لكن لم يرق لنوح صمت مصطفى الطويل، ولم يرَ فيه وقارًا كما قد يرآه البعض، بل كبتًا يتكدس في الصدر حتى يوشك أن ينفجر، فقال بنبرة هادئة تخفي قلقًا صادقًا: _مصطفى.. لو في قلبك حاجة محتاج تحكيها احكيها. ظل مصطفى ساكنًا لحظة، تتقاطع في عينيه ظلال حيرةٍ وشرود، ثم وجّه بصره إلى حافة الهضبة، وقال بهدوءٍ مائلٍ إلى التأمل: _إنتوا حاولتوا تنتحروا قبل كدة صح؟ تبادلا نوح وعصام النظرات للحظة، ثم أجابا في صوتٍ واحدٍ: _آه. التفت نوح إلى عصام بملامح الدهشة الباردة خاصته، وقال بلهجةٍ هادئة يغلفها التعجب: _إيه دا؟ عملتها قبل كدة؟ _آه عملتها مرتين.. أومأ نوح برأسه ثم قال ساخرًا: _طبيعي تحاول تنتحر بعد كل القرف اللي إنت عملته. نظر عصام إليه بإمتعاض مكبوح، ثم سأل مصطفى في حيرة بصوتٍ يتفحص الأعماق: _طب.. وإنتوا بتعملوا خطوة شنيعة زي دي.. كانت إيه كانت نيتكم أو كنتوا بتفكروا في ايه؟ ساد الصمت بين نوح وعصام، كأن السؤال اخترق صدورهم ووصل إلى ما تحت الندوب القديمة. تاهت نظرات نوح وعصام في الفراغ، قبل أن يقول نوح أخيرًا بصوتٍ يشبه الاعتراف: _هو الفكرة الشائعة للشخص المنتحر هي فكرة الهروب... بس الشعور اللي أنا كنت بحسه دايمًا كل ما أعمل الخطوة دي.. هو إني أبعد عن بيئة مش حاسس إنها بتاعتي... قاطعه عصام وهو ما زال ممتعضًا من سخرية نوح السابقة له، ثم قال بنبرةٍ متهكمة خففت من وطأة الجو: _ما دا إسمه هروب يا حمار. نظر نوح إليه بحدةٍ وضرب فخذ عصام بقوةٍ جعلته يتأوه وهو يقول: _ما تسيبني أكمل يا متخلف إنت، عشان تفهم. سكت عصام، فأكمل نوح بعد لحظةٍ من الزفير الطويل: _الوحدة اللي كنت فيها كانت محسساني إني مبنتميش لعالم الأحياء... الوحدة وقتها وصلتني لإحساس إن فكرة إني عايش دي غلط، وإن الصح أبقا ميت مع عيلتي اللي كنت مقتنع وقتها إنهم كلهم ميتين... كنت حاسس بألفة لعالم الأموات، وبخنقة شديدة في عالم الأحياء... بس كل دا كان زمان، قبل ما غادة تظهر، وإنتوا كمان، وأحس إن الحمد لله، ربنا مقدرلي أعيش، وإن هو اللي يحدد أنا المفروض أعيش ولا أموت. أومأ مصطفى برأسه متفهمًا، وقد خيّم صمت مشوب بالسكينة بينهم، حتى بدأ عصام بالكلام، لكن نوح فجأةً سمع في رأسه صوت مايا في رأسه: ~يمكن كنت بتحس بألفة لعالم الأموات لأنك المفروض تموت بالفعل! ولا نسيت؟ تمتم نوح لنفسه هامسًا بحدةٍ مكبوتة: _اخرس. التفت عصام إليه ظانًا أنه يخاطبه، فاعتدل في جلسته لينهض وقال بنفاد صبر: _واضح إن وجودي غير مرغوب فيه، أنا ماشي. تحرك مصطفى سريعًا وأمسك بذراعه، ولحقه نوح قائلاً على عجل: _يا عم اقعد، أنا مبكلمكش... أنا بكلم الجحش اللي بيتكلم في مخي دا، اقعد. تبسم مصطفى ضاحكًا، ضحكةً هادئةً صافية، فابتسم الاثنان دون إرادة، ومصطفى يقول: _اقعد يا عصام وكمل كلامك معلش... أنا حاسس بنوح، صدقه. قال عصام متصنعًا التذمر، وقد اعتدل في جلسته من جديد: _ماشي يا عم الملبوس انت وهو. تنهد عصام طويلًا، ثم قال بصوتٍ واهنٍ متردد النبرات: _أنا ممكن أختلف عن نظرة نوح، وأنا سببي وفكري اغرب بكتير طبعًا، بس الشعور اللي كان بيدفعني للانتحار هو والاختفاء من العالم دا اتقاءً لشرّي.. بقيت خايف عاللي حواليا بسبب وجودي.. وبقيت متعطش للعقاب أكتر لأني استحق دا.. وأنا كنت عارف إني لو انتحرت هروح جهنم، واعتقد دا كان السبب الأساسي في إني أعوز أنتحر، هو إني أروح جهنم عشان أتعذب وأحس إني باخد العقاب اللي يناسبني فعلًا بعد كل حاجة عملتها. ارتسم على وجه مصطفى مزيج من الصدمة والحيرة، وقد انعقد حاجباه في استغرابٍ شديد من غرابة الدافع وثقله. لاحظ عصام ذلك، فلحق قوله مسرعًا وكأنه يبرر اعترافه: _عارف إن الموضوع غريب وغلط، وكمان إحنا جايينلك عشان نسمعك مش عشان تسمعنا. قال نوح متفقًا مع عصام: _صحيح.. قولنا إنت سبب سؤالك دا، إنت حاولت تنتحر لقدر الله؟ سكت مصطفى، وقد غمره خزي عميق أخذ ينهش في قلبه ببطءٍ موجع، قبل أن يقول بصوتٍ خافتٍ: _تقريبًا... معرفش. عقد نوح حاجبيه في دهشةٍ واستغرابٍ من رده، وقال مستوضحًا بنبرةٍ حادةٍ فيها شيء من القلق: _يعني إيه متعرفش؟ تنهد مصطفى، وقد بدت عليه أثقال الكلام، ثم قال: _مظنش إني حسيت بالقهر دا في حياتي... وأنا مش الشخص اللي يحس بكده بسهولة... اكيد علا حكتلكم على اللي حصل، وأنا مش مقهور عشان نظرة الناس ليا ولا عشاني أنا شخصيًا... أنا بس مقهور على الناس نفسهم، هما إزاي يبقوا... بالجحود والعمى دا عن الحق والبديهيات... ثم رفع يده إلى وجهه، وحكّ عينيه بإنهاكٍ ظاهر، كأن الإرهاق قد تسلل إلى عظامه، وقال بنبرةٍ تائهةٍ متقطعة: _معرفش أنا كنت حاسس بإيه... بس الشيطان لبسني... شل دماغي، لقيتني بروح لآخر الهضبة عشان أنط... لولا السيوم مكنتش عارف هبقى فين دلوقتي. ولما استوعبت، أنا مفهمتش أنا كنت هعمل كده ليه، وإزاي، وأنا متأكد إن دي كبيرة من الكبائر... وقتها نسيت قهرتي على الناس، وخوفت على نفسي، وعلى إيماني اللي اتهز بسببهم. مبقتش عارف المفروض أعمل إيه... أكمل؟ أحاول أبين الحق؟ ولا دا كله مش هيفيد؟ ساد الصمت لحظةً، ثقيلًا كالغبار في صدر الليل، قبل أن يواصل مصطفى بصوتٍ متهدجٍ من الإرهاق والضياع: _معرفش... أنا حتى وجودي بقى ليه قيمة؟ أنا أصلًا بدأت الطريق الصح ولا الغلط؟ هل أنا قد اللي عملته واللي بدأته في طريقي ولا لأ؟ معرفش... حقيقي معرفش... وما إن انتهى مصطفى من حديثه، حتى انعكست على وجهي نوح وعصام ملامح اهتمامٍ عميقٍ، ثم قطع عصام الصمت وقال: _أكيد ليك قيمة يا مصطفى... يعني... اللي حصلك دا حصل لأنبياء وصالحـ... فقاطعه مصطفى بانفعالٍ مفاجئ، كمن وخزته الكلمة في موضعٍ لم يندمل بعد: _أنا مش نبي يا عصام!، ولا راجل صالح!، أنا إنسان عادي... مفرقش عن أي حد... الفرق بس إني قلبي متحملش نشر الباطل، وإني عايز أبقى مسلم حقيقي مش أكتر. ساد سكون قصير، خيّم فيه الصدق على المكان، ثم قال نوح بصوتٍ عميقٍ يمزج الحدة بالحنان: _إنت شايف نفسك مش راجل صالح؟ وإنت لو زي أي حد ليه مفيش ملايين زيك كده يا مصطفى؟ إنت لو زي أي حد كنا ارتحنا دلوقتي. إنت مش زي أي حد... وربنا أكيد حاططك في مكانة معينة، إنت بس مش قادر تستوعبها من كتر الوساخة اللي حوالينا. ظل مصطفى صامتًا، عيناه غائرتان في المجهول، والكلمات تتصارع داخله دون أن تجد طريقها للخروج. عندها أضاف عصام: _لو مش حابب أجيب سيرة الأنبياء والصالحين من كتر تواضعك، فأكيد مش هتنكر إنك مقاوم.. وكل المقاومين على مر العصور كانوا في نظر العوام مجرمين، مجانين، وغلطانين دايمًا.. بس بعد ما بينتصروا بيتحولوا لأبطال في عيونهم فجأة. وزي ما قال نوح، إنت مش زي أي حد... لو المقاومين والأبطال كانوا زي أي حد، واتصرفوا زي ما العوام بيتصرفوا، مكانتش فيه أراضي اتحررت، ولا كان فيه حقوق بترجع، ولا كان فيه دين حقيقي بينتشر. الأبطال والمحررون قليلين... واللي بينتقدوهم وبيتهموهم أكتر بكتير جدًا جدًا. ‏قال مصطفى عندئذٍ بنبرةٍ هادئةٍ خالصةٍ تشي بالاستسلام أكثر مما تشي بالقناعة: _أنا مش بطل. قال نوح بحزم الأخ الأكبر الهادئ: _إنت كده بتتصرف زي العوام. مش هيبقى لا تكبر ولا غطرسة لما تعترف إنك بطل. ربنا حطلك مسؤوليات وامتحانات عليها... واعتقد أول حاجة لازم تعترف بيها وتجاوبها صح، هي إنك بالفعل بطل يا مصطفى... ولازم تكمل على النهج دا. إنت أعلم مني في المواضيع دي، بس أنا متأكد إنك كنت عايز تسمعها من حد بيقولهالك. في تلك اللحظة، سمعوا وقع خطواتٍ يقترب منهم على عجل، تتخللها أنفاس لاهثة متقطعة. فالتفتوا جميعًا نحو مصدر الصوت، فإذا بهم يرون فياض يصعد إليهم متكئًا على ركبتيه، وقد بدت عليه علامات الإعياء وألم المفاصل، حتى هرع الثلاثة نحوه ليساعدوه، بينما قال مصطفى بدهشةٍ وقلقٍ واضح: _ليه يا عمي جيت وتعبت نفسك كده؟ قال فياض وهو يلتقط أنفاسه بعد أن أجلسوه إلى جوارهم، وجلسوا معه متحلقين حوله: _أنا أصلًا بقالي ساعة في الطريق، أنا طلعت قبل ما هما يجولك. نظر مصطفى نحو نوح متسائلًا بعينيه، فأجابه نوح بابتسامةٍ خفيفةٍ وهو يقول: _أصل أنا وعصام جينا بقوتي... هما دقيقة ولقينا نفسنا عندك. ابتسم عصام وهو يحاول كتم ضحكته التي لم يتمالكها حين رأى حال فياض، ثم قال ممازحًا: _وانت عرفت تطلع إزاي بقى؟ أجابه فياض وهو ما يزال يلهث: _كان فيه سلالم عاملينها العمال من الناحية التانية، واضح إن الهضبة دي هيستخدموها لحاجة معينة... أو هيهدوها، معرفش. ثم التفت فياض نحو مصطفى بعينٍ يملؤها القلق، وقال بصوتٍ حنونٍ متعب: _إيه يا بني، إنت كويس؟ قلقتنا عليك. ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة، وقال بلطفٍ محاولًا طمأنته: _أنا بخير الحمد لله يا عمي، مكانش ليها لازمة تيجي وتتعب نفسك، يعني... حضرتك عارف إحنا أماكننا غريبة شوية. _أنا مكنتش أعرف إن الاتنين دول هيجولك أصلًا، دا أول ما عرفوا اللوكيشن بتاعك من موبايلك، قمت وجيتلك بالعربية على طول، وأنا في الطريق عرفت إنهم عندك. ثم رفع نظره إلى الأفق، يتأمل السماء الصافية وما فيها من سكونٍ مهيبٍ ونورٍ قمريٍ يغسل صمت الليل، وقال متأملًا: _لا بس المكان حلو... شكلهم فعلاً هيستغلوه، ويعملوا كافيه ولا أي حاجة من اللي بيعملوها هنا... المنظر من هنا رائع. جلسوا أربعتهم تحت السماء، وقد بدا الليل أكثر سكونًا مما كان، غير أنها تحولت في لحظاتٍ إلى بوحٍ عميقٍ، إذ شرع نوح وعصام في سرد ما يعتمل في صدر مصطفى من مشاعر مكتومةٍ، وهو صامت، لا يرغب في الخوض مجددًا في الأمر. وحين انتهيا، قال فياض بنبرته الرزينة المعتادة، تلك التي تجمع بين الحكمة والدفء: _والله يا بني، التحقير من نفسك مش تواضع، وظلم نفسك دا مش تواضع، الحزن طبيعي، واليأس طبيعي، وإحساس القهر طبيعي... بس اللي مش طبيعي إنك تنكر مكانتك في الدنيا دي اللي ربنا حطك فيها. قال مصطفى بهدوءٍ متحفظ: _انتوا بتعظموا فيا زيادة عن اللزوم، وأنا مبحبش كده. _ياض، هو احنا لما نصحح فكرك لنفسك، احنا كده بنعظم فيك؟ إنت هتنكر إن ربنا خالق الناس بطبقاتٍ متفاوته في الأهمية؟ وكل ما أهمية الشخص تزيد، بتزيد ابتلاءاته، وتزيد تكليفاته، وتزيد مهامه وامتحاناته. إنت عايز تساوي نفسك بأي شاب من الشباب اللي بتشوفهم في الشارع دول؟ قال مصطفى بخفوتٍ صادقٍ: _ربنا يهدينا جميعًا، أنا مش هشوف نفسي أحسن من أي حد، حرام. _أنا فاهمك، وإنت صح، بس النظرة اللي جواك دي... احنا عمالين نقول كده عشان النظرة دي لو فضلت هتخلي الشيطان يتحكم فيك ويتملكك أكتر وأكتر، هيحقر من نفسك، وهيحقر من مهمتك في الحياة، وهيحقر من مكانتك. وقتها مفيش حد هيعمل اللي انت بتعمله، ولا فيه حد هيدافع عن الدين زيك. ساد صمت قصير، ثم رفع مصطفى رأسه وقال بنبرةٍ هادئةٍ فيها من الثقة بقدر ما فيها من الوجع المكبوت: _أنا مستحيل أوقف دفاعي عن الدين... مستحيل أبطل، متقلقش. ابتسم فياض ابتسامةً راضيةً وهو يربت على خد مصطفى بحنانٍ أبويٍ وقال: _أيوه كده يا بني، وإنت مش هتستمر في مهمتك دي إلا وإنت عارف مكانتك في الأمة دي... دا إنت اسم على مسمى! ابتسم مصطفى في تواضعٍ صادقٍ دون أن يجيب، واكتفى بالنظر إلى الأرض ليعود لهدوءه المعتاد. وهنا رفع فياض رأسه أكثر نحو القمر وتأمله بعمقٍ طويلٍ وابتسامةٍ شاردة، فرفعوا رؤوسهم معه، وشاركونه تلك اللحظة الصامتة من التأمل، حتى قال فياض بصوتٍ مفعمٍ بالدهشة والعذوبة: _كل ما ألمح القمر بدر كده، أفضل أسبّح من جماله... وافتكر قصيدة لأمل دنقل اسمها مقتل القمر... بيشبه فيها شخص بالقمر واتقتل... بس لما بفكر فيها شوية بحس إن القمر مستحيل يتقتل، لأنه مستحيل يتنسى، وإحنا كل يوم بننام على صورته. ساد بينهم صمت قصير كأنهم غاصوا في صدى كلماته، حتى قال نوح بلهفةٍ صادقةٍ كطفلٍ يطلب حكاية: _اسردهالنا كده. ابتسم فياض وهز رأسه نافيًا برفقٍ وهو يقول ممازحًا: _لا لا، بعدين بقى، لأنها قصيدة نكدية، وإحنا مش ناقصين. المهم يا مصطفى، إنت هتفضل قاعد هنا ولا هتسيب مراتك وبنتك قلقانين عليك؟ ابتسم مصطفى بخفةٍ أراد بها أن يجبر خاطره، وقال مشيرًا إليه بمودة: _هقوم بعد ما تقول القصيدة، أهو نقعد شوية ترتاح فيهم، ما إنت مطلعتش كل دا عالفاضي. ضحك فياض وهو يلوح بيده رافضًا: _يا بني مش وقته، هو أنا جاي عشان أعملكوا جلسة شعر؟ يلا إنت وهو، قوموا بقى. لكن عصام قال بإصرارٍ يحمل روح الدعابة: _يا عمي، احنا مش عايزين نقوم دلوقتي، عايزين نقعد سوا، والقاعدة حلوة أهي... قول القصيدة، نكدية نكدية مش مشكلة، ما حياتنا كلها نكد، يلا قولها. تنهد فياض مستسلمًا، وسكت لحظةً كأنما يستجمع ما تبقى من أنفاس القصيدة في صدره، ثم قال: _القصيدة بتبدأ بتقول: وتناقلوا النبأ الأليم على بريد الشمس.. في كل مدينة، قُتِل القمر. شهدوه مصلوباً تتدلى رأسه فوق الشجر، نهب اللصوص قلادة الماس الثمينة من صدره، تركوه في الأعواد، كالأسطورة السوداء في عيني ضرير. ويقول جاري: "كان قديساً، لماذا يقتلونه؟" وتقول جارتنا الصبية: "كان يعجبه غنائي في المساء، وكان يهديني قوارير العطور، فبأي ذنب يقتلونه؟" سكت فياض برهةً، وقد خيّم على المكان سكون عميق، حتى كأن الريح توقفت عن المسير لتصغي، ثم أردف بصوتٍ متهدّج: _وتدلت الدمعات من كل العيون، كأنها الأيتام.. أطفال القمر، وترحموا... وتفرقوا..... فكما يموت الناس... مات. وجلست أسأله عن الأيدي التي غدرت به.. لكنه لم يستمع لي، كان مات. تبدلت ملامحهم جميعًا، إذ لم يتوقع أحد أن تكون القصيدة بهذا الحزن الطاغي، ومع ذلك ظلوا منصتين بتركيزٍ واهتمامٍ بالغين، فأكمل فياض وهو يحدق في البعيد كأنما يرى المشهد أمامه: _دثرته بعباءته، وسحبت جفنيه على عينيه... حتى لا يرى من فارقوه! وخرجت من باب المدينة إلى الريف: "يا أبناء قريتنا، أبوكم مات، قد قتلته أبناء المدينة، ذرفوا عليه دموع أخوة يوسف.. وتفرَّقوا. تركوه فوق شوارع الإسفلت والدم والضغينة. يا إخوتي: هذا أبوكم مات!" "ماذا؟ لا....... أبونا لا يموت!" "بالأمس، طول الليل، كان هنا يقص لنا حكايته الحزينة!" "يا إخوتي، بيديّ هاتين احتضنته، أسبلت جفنيه على عينيه حتى تدفنوه!" قالوا: "كفاك، اصمت.. فإنك لست تدري ما تقول!" قلت: "الحقيقة ما أقول." قالوا: "انتظر، لم تبقَ إلا بضع ساعات... ويأتي!" في تلك اللحظة، انتقل نظر نوح إلى مصطفى لسببٍ غامضٍ لا يدركه، وظل يناظره بصمتٍ به شيءٍ من الرعب الخفي، وهو يشعر بإحساسًا مباغتًا يتسلل إلى أعماقه. شعر بأن كلمات فياض لا تُقال عبثًا، بل تمسّ شيئًا دفينًا فيه، شيئًا يجعله أكثر يقظة، أكثر حذرًا... تجاه مصطفى. ظل ينظر إليه دون أن يرمش، فيما واصل فياض: _حط المساء، وأطلّ من فوقي القمر متألق البسمات، ماسيّ النظر. "يا إخوتي، هذا أبوكم ما يزال هنا، فمن هو ذلك الملقى على أرض المدينة؟" قالوا: "غريب، ظنه الناس القمر..." قتلوه، ثم بكوا عليه، ورددوا: قُتِل القمر. لكن أبونا لا يموت... أبداً أبونا لا يموت! وانتهت الجلسة على الهضبة وقد غلفها الصمت المهيب، ومع مرور الوقت نزلوا جميعًا في طريق العودة، يسيرون بخطواتٍ متثاقلةٍ كأنهم يهبطون من عالمٍ آخر. وبينما هم يقطعون المسافة نحو السيارة، لمح نوح فجأةً أن مصطفى لم يعد بينهم. التفت مذعورًا يبحث عنه بعينيه، ليجده على بعد خطوات، جالسًا على ركبتيه وبجانبه الصقر الميت الذي حمله من فوق الهضبة، ويحفر بيديه حفرةً صغيرة ليدفنه فيها. وقف نوح ثابتًا يحدق فيه، بعينيه الهادئتان.. ثابتتين لا تطرفان، يخشى أن يزيح بنظره عنه فيختفي. نادى نوح على فياض وعصام ليتوقفا، ثم اتجه نحو مصطفى ببطء، واقترب منه حتى صار بجانبه يراقب الحفر والدفن في صمتٍ تام. وحين انتهى مصطفى من دفن الصقر، وقف ينفض التراب عن كفيه وقال بهدوءٍ تام: _وقفتوا ليه؟ كنتوا تروحوا للعربية وأنا هحصلكم. _ل.. لا لا، أنا .. أنا حبيت نمشي سوا. _تمام، يلا. سار الاثنان جنبًا إلى جنب، وهنا وضع نوح يده على كتف مصطفى وشدّ عليها بقوةٍ ملؤها المودة والقلق. التفت إليه مصطفى متسائلًا: _نوح، إنت كويس؟ _أنا تمام يا حبيبي، مفيش حاجة.                             *********** وصل الأربعة إلى الفيلا، ومع دخولهم إلى غرفة المعيشة واستقبال علا وسليم ومريم لمصطفى بترحابٍ وقلقٍ ظاهر، راح يطمئنهم بابتسامةٍ هادئةٍ تخفي خلفها إرهاقًا عميقًا. كان الجمع في أمسيةٍ دافئةٍ بعد العرس، يجلسون متقاربين: علا وسليم ومريم وديميت وملك وريان ويمنى ورجب وهاجر وإبراهيم وغادة، كانوا جالسين سويًا يتشاركون القلق الطفيف وكانوا ويحتسون المشروبات ويتناولون الحلوى، بينما التلفاز أمامهم يبث لقاءً مباشرًا لنور الديب. وما إن وقعت عينا مصطفى على الشاشة حتى توقف في موضعه تمامًا... وارتسم على وجهه صمت ثقيل، قبل أن يتقدم بخطواتٍ بطيئة نحو التلفاز، فيما عيناه لا تفارقان الصورة ولا أذناه تفلتان من الصوت. هنا ارتبكت يمنى، وأمسكت بجهاز التحكم وهي تقول على عجل: _احنا مكناش بنتفرج عليه عموماً أنا كنت لسه هحوّل اهو. رفع يده نحوها وبنبرةٍ هادئةٍ منهكة قال دون أن يزيح عينيه عن الشاشة: _سيبيه لو سمحتي.. سيبيه. كان نور الديب يتحدث أمام المذيع بثقةٍ متعجرفةٍ، وبأسلوبه المنمق الخادع بعد أن تم سؤاله عن تفاصيل حياته: «اه أنا في الأصل بدوي من سينا، وكنت براعي الغنم من صغري، وزي ما حضرتك عارفة سينا أرض مقدسة جدا في جميع الأديان، ودا إثبات تاني لنبوتي، زي ما كل الأنبياء بدويين ورعاة أغنام.» عندها، التفت مصطفى بسرعةٍ خاطفة، وخرج من غرفة المعيشة دون كلمة، صاعدًا الدرج بخطواتٍ عاجلة، بينما ساد القلق والتوجس وجوه الجالسين الذين تبادلوا نظراتٍ حائرة. دخل مصطفى غرفته ليجد نجلاء جالسةً أمام حاسوبه، تعمل على بعض شؤون المؤسسة، فالتفتت فور دخوله وقالت بقلقٍ واضح: _مصطفى، حبيبي، إنت كويس؟ قال بنبرةٍ جافةٍ هادئة وهو يقترب: _محتاج اللاب لو سمحتي بسرعة. نهضت نجلاء على الفور وابتعدت، فيما وقف أمام الحاسوب بعجلةٍ محمومة، يشغل البث المباشر للقاء من أحد المواقع، ثم التقط الرقم المعروض على الشاشة وامسك بهاتفه وبدأ بالاتصال، بينما كانت نجلاء تهمس بالأذكار بصوتٍ مضطرب، والقلق يعتصر قلبها. وفي غرفة المعيشة، وقف نوح وغادة وسليم معًا على مقربةٍ من الجالسين، وقد بدت على وجوههم ملامح الجد والتفكير العميق، بينما سألهم نوح بصوتٍ خافتٍ حادٍّ في نبرته: _إنتوا لسه لحد دلوقتي مخدتوش مادة النخاع دي بتاعت مصطفى ونجلاء؟ قالت غادة بنبرةٍ امتزج فيها الاستياء بالحيرة: _أنا حاولت كتير مع نجلاء من غير ما أقولها السبب، وكانت رافضة، معرفش ليه.. معرفش دا عدم ثقة ولا إيه. تحولت أنظار نوح إلى سليم، ينتظر جوابه، فقال الأخير بنبرةٍ واقعيةٍ هادئة: _إنت عارف أنا مقعدتش مع مصطفى بشكل خاص عشان أكلمه واطلب منه.. فلا، معندناش مصطفى ونجلاء... بس أخدنا بتاع مريم الحمدلله. تنهد نوح بقلقٍ وامتعاض، فربتت غادة على كتفه بيدٍ حنونةٍ مطمئنة وقالت: _متقلقش يا حبيبي، لسه قدامنا كام يوم هنقدر نقنعهم فيهم. في تلك اللحظة، انبعث صوت رجب بنفاد صبرٍ وامتعاضٍ واضح، وهو يوجه حديثه ليمنى التي ما زالت تتابع البث على التلفاز: _ما تحولي يا بنتي العيل العبيط دا. دا برنامج مقالب دا ولا إيه؟ ضحكت يمنى بخفةٍ وهي تمسك بجهاز التحكم قائلةً: _اه يا جدو، حاجة زي كدة. كادت يمنى أن تغير القناة، إلا أنها توقفت فجأةً متجمدةً في مكانها، وبدت الدهشة على ملامحها، وقد التفت الجميع نحو التلفاز في ذهول حين دوى صوت المذيعة تقول: «معانا مصطفى عبدالباقي على الخط..» هنا، كان مصطفى في غرفته، واقفًا أمام حاسوبه، يحدق في وجه نور الديب الذي ملأت ملامحه ابتسامة ساخرة مستفزة حين نطقت المذيعة باسمه، كأنها إعلان تحدٍّ مقصودٍ. وحين أُذِن له بالحديث، بدأ مصطفى بصوتٍ ثابتٍ جافّ: _السلام عل... ولا بلاش دي، المهم إني اتفاجئت حالًا باللقاء دا، واخدت بالي إن نور بيقول إن الأنبياء بدو، فدا دليل على إنه بدوي وكده... فمحتاج أسأله..  المعلومة دي أخدتها يا نور من الأديان اللي فاتت صح؟ قال نور بهدوءٍ مستفزٍّ: «طبعًا.. أنا زي ما قولت، ديانتي إبراهيمية رابعة ومكملة للإسلام زي المسيحية واليهودية.» قال مصطفى بنبرةٍ حازمةٍ هادئة، وهو يُحكم السيطرة على انفعاله: _آه، يعني انت بتبين إن ديانتك مكملة للإسلام، وإنت مش عارف تفرق بين البادية وأهل القرى؟ ومتعرفش إن ربنا مابعثش نبي بدوي أبدًا؟ كل الأنبياء كانوا من أهل القرى، لأن بيئتهم وأسلوبهم وشخصيتهم ألطف وألين وأعقل من بيئة البادية. فإنت منين جبت إن الأنبياء بدويين؟ ولا إنت قليل العلم لدرجة إنك مش عارف تفرق بين أهل القرى وأهل البدو، وأي حد بيرعى الغنم بالنسبالك بدوي؟ قال نور مستفزًّا وهو يبتسم ابتسامة استهزاءٍ واضحة: «طب اهدى طيب، اهدى.» ردّ مصطفى بثباتٍ باردٍ قائلاً: _كل اللي سامعني دلوقتي عارف إني هادي. تدخلت المذيعة قائلةً: «طب إيه دلايلك على كلامك دا يا أستاذ مصطفى؟ لأننا أول مرة نعرف إن الأنبياء مش بدويين، كلنا عارفين إن دي معلومة صحيحة وإنهم كلهم بدو.» قال مصطفى بهدوءٍ عميقٍ كمن يشرح بديهيًّا: _حضرتك، فكرة إنهم يعيشوا في بيئة صحراوية ويرعوا غنم دا مش معناه إنهم بدو، ومش شرط البادية تكون كده. وقال رسول الله ﷺ: "مَن سَكنَ الباديةَ جفا، ومَنِ اتَّبعَ الصيدَ غفلَ، ومَن أتى السلطانَ افتتن". ابتسم نور ساخرًا وهو يقول باستخفافٍ ظاهر: «انت بتجبلي حديث من كتب البخاري ومسلم؟ انتوا لسه بتصدقوا في الحاجات دي؟» قال مصطفى بنبرةٍ حادةٍ ثابتة: _ليه؟ هو مش دا من الدين اللي انت بتكمله ولا إيه؟ ردّ نور متبجّحًا: «لا، الأحاديث مش من الدين. الدين الإسلامي هو القرآن بس. والأحاديث المنسوبة للنبي مجرد خرافات سلفية وهابية. أنا "قرآني"، وكل "قرآني" ما صدقش أحاديث النبي قبلي، وقبل ما أُبعث هما الصح.» مسح مصطفى على وجهه بيده، كأنه يحاول أن يمسح العبث الذي يتقيّحه فم نور بلا حياء، ثم قال بنبرةٍ امتزج فيها الألم بالثبات: _ماشي... عايزني ألزمك بالقرآن؟ ربنا عز وجل قال في سورة يوسف، في الآية ١٠٩: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ}. ممكن تقولي بقى يا نور، يا صاحب العلم الخارق، إزاي ربنا بيقول إن الأنبياء من أهل القرى، وإنت بتقول إنهم بدويين زيك؟ تدخلت المذيعة بلهجةٍ حازمةٍ غير مبرَّرة: «لو سمحت يا أستاذ مصطفى، أنا مسمحلكش تكلم مولانا كده.» أبدى مصطفى انزعاجه من تدخلها وقال بنبرةٍ متماسكةٍ حادّة: _لو سمحتي، متحاوليش تشتتيه. خليه يتكلم، خليه يجاوب، ويفهمنا إزاي شخص زيه نبي كبير، صاحب علم، مش عارف يفرّق بين البدو وأهل القرى. قالت المذيعة بإصرارٍ جاف: «مولانا مش هيرد عليك وانت بتكلمه بالأسلوب دا.» اقترب مصطفى من الشاشة أكثر، استند على المكتب، وقال بنبرةٍ عميقةٍ كأنها صرخة عقلٍ في وجه الجنون: _مولاكي مش هيرد عليا عشان هو ما عندوش رد. واللي بقوله دا حاجة بسيطة وسط مليون حاجة غلط  بيقولها، وانتم مصدقينه! ارجعوا للقرآن وشوفوا ربنا قال إيه عنه وعن أمثاله. القرآن اللي ربنا قال فيه بالنص إننا نتبع كلام الرسول ﷺ وأحاديثه، واللي فيهم الرسول قال: "لا نبي بعدي"، و... فجأة، انقطع الصوت، ودوى جرس من الجهة الأخرى. _ألو... ألو...؟ ثم جاء صوت المذيعة على الهواء، بعدما أُغلق الخط في وجهه: «إحنا بنعتذر ليك يا مولانا، مكانش المفروض نقبل بيه كمتصل.» ابتسم نور وقال بنبرةٍ زائفة الهدوء: «لا لا، خالص، بالعكس. أنا سعيد إنكم قبلتوه وسمعتونا صوته المشتت، عشان كل اللي بيتفرج يشوف قد إيه بقى مثير للشفقة ومرعوب من الحق. بيقف ضدي زي كفار قريش بالظبط، من غير أي فرق. ودا الطبيعي، إني أُهاجم لأني جاي بدين حق، يغير التحريف اللي حرفوه في القرآن وبقية الكتب السماوية. فدي حاجة تعصبهم أوي، صعب تشيلي البهيمة من الزريبة... بس اطمنوا، احنا في طريقنا للانتشار، وإخفاء كل المغيبين اللي زي مصطفى. فيه ملايين بيخشوا الدين بتاعي، وملايين قدهم بقوا عارفين إجرام مصطفى وهشاشة دينه. يعني زمان البث بتاعه كان بيوصل لفوق العشرين ألف مشاهدة، إنما دلوقتي ما بيعديش الألفين، ودي علامة كويسة جدًا إن الناس أخيرًا فاقت من الغيبوبة اللي كانت فيها.» كان مصطفى يحدق في الشاشة بعينين تتقدان غضبًا، والدم يغلي في عروقه كبركانٍ حُبس طويلًا. نظر نور إلى الكاميرا بثقةٍ متغطرسةٍ وقال بصوته المقيت: «كلها فترة بسيطة، ودين "النورية" هيبقى هو الدين الأساسي في الشرق الأوسط والعالم، وهيبقى مصدر توحيد العالم لأول مرة في التاريخ.» ظل مصطفى يحدق في الشاشة بعينين متقدتين كأنما انسكب فيهما جمر حيّ، وشفتيه تتحركان ببطءٍ مرتجفٍ وهو يهمس من بين أسنانه المرتجفة: _الله يلعنك.. الله يلعنك.. الله يلعنك. اقتربت نجلاء بخطواتٍ حذرة، وصوتها يتهدج بخوفٍ خفيٍ وهي تحاول تهدئته، لكن مصطفى لم يسمعها، بل انتفض فجأة كمن انفجر في داخله بركان دفين، وصرخ بأعلى صوته وقد احمرّ وجهه الأبيض حتى صار كالجمر: _الله يلعنك!! الله يلعنك!! وفي تلك اللحظة العاصفة، تحطمت السكينة التي لازمته عمره كله، وانهار السد الذي كان يحبس وراءه طوفان الصبر وكظم الغيظ والجلد. فقد مصطفى نفسه، وفقد كل خيطٍ يربطه بالعقل، واندفع في جنونٍ ساخطٍ لم يُعرَف عنه من قبل. بقبضتيه كلتيهما رفعهما، ثم هوى بهما بكل ما أوتي من قوةٍ على الحاسوب حتى تهشم وتحطم وتناثرت أجزاؤه على الأرض، واستمر بقبضتبه في ضرب المكتب بعنفٍ محتدمٍ مزلزلٍ حتى انكسر إلى قطعٍ متناثرة، وهو يصيح ويلعن ويزمجر كوحشٍ أُطلق من قفصٍ صدئٍ احتجز فيه عمرًا بأكمله. كانت نجلاء تصرخ وتنادي عليه، ودموعها تهطل وهي تذكر الله وتستعيذ به، تحاول أن ترده إلى وعيه، أن تمسك بذراعه، أن توقفه بأي سبيل، لكنه كان كالثور الهائج، لا يسمع صوتًا، ولا يرى أحدًا. لقد كان انفجاره هذا مشهدًا لم تعرفه منه قط؛ ذلك الرجل الهادئ الصبور، الذي كان يحتمل الألم بصمتٍ، ويبتسم في وجه الجرح، صار الآن كتلةً من نارٍ وسخطٍ وسنينٍ مكبوتةٍ تفجرت دفعةً واحدة، لتكشف عن إنسانٍ نزف من الداخل طويلًا، حتى لم يعد في داخله موضع لمزيدٍ من الاحتمال. كان صوته يخرج ممزوجًا بارتجافةٍ لم تعرفها من قبل ويهدم كل ما حوله كأنما يريد دكّ العالم، كأن كل جرحٍ قديم وجد طريقه إلى لسانه ويديه دفعةً واحدة... كل ما كظمه من خيباتٍ وصراخٍ مكبوتٍ ومرارةٍ صامتةٍ سال أمامها عاريًا بلا قناع، لا يدافع ولا يبرّر، فقط ينفجر. حين سمعت نجلاء وقع خطواتٍ تقترب، أسرعت تُنزل نقابها، وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب بعنف، وإذا بجميع إخوته قد أقبلوا، والصدمة يكسو وجوههم أمام ما آل إليه حال أخيهم، أهدأهم طبعًا وأكثرهم اتزانًا. كان نوح أول الواصلين، اندفع نحوه بخطواتٍ سريعة، يُمسكه محاولًا تهدئته، غير أن مصطفى كان قد فقد صوابه تمامًا. تتابع عصام وسليم وعلا وهاجر في محاولاتهم اليائسة لتهدئته، لكن دون جدوى. وفي خضم الفوضى، سمع نوح صوت مايا يقول من خلفه: ~طلعهم كلهم واقفل وأنا هعرف اهديه بطريقتي بسرعة بس قبل ما يستخدم قدرته ويولع الدنيا. فأمرهم نوح بالخروج على الفور، مؤكدًا أنه سيتمكن من تهدئته بقدرته، فانسحبوا بسرعة جميعًا مثقلين بالقلق، يترقبون ما قد يحدث خلف الباب المغلق. ~امسك فيه جامد وامسك ايده تحديدًا واصبر شوية وركز. حاول نوح كبحه بين ذراعيه، قابضًا على كفه بقوة، بينما كانت نجلاء تراقب المشهد من بعيد، تمسك بقلبها من شدة الفزع، والدموع تتلألأ في عينيها خوفًا على زوجها الذي لم تعرفه على هذه الهيئة من قبل. ولكن الفزع الذي اعتراها تحول فجأة إلى ذهولٍ مهيبٍ، حين رأت بأم عينيها التحول الذي أصاب كليهما؛ إذ اكتسى بريق ذهبي غريب أعينهما، وتجمدا في سكونٍ تام كأنما خرجا من مدار الواقع إلى عالمٍ آخر لا تراه سواهما. وفي تلك اللحظة، كان مايا قد ظهر في نقطة اللقاء الخاصة بالسيوم، في ذلك المكان الداكن الساكن الذي يطفو خارج الزمان والمكان، حيث جلس السيوم متأملًا في صمتٍ ثقيلٍ لا يسمع فيه إلا صدى أنفاسه. وفجأة، تناهى إلى سمعه صوت مألوف هز كيانه: ~السيوم... التفت بسرعة، واتسعت عيناه ذهولًا حين رأى مايا واقفًا أمامه، فنهض بخفةٍ متوترة وهو يقول: ~جلالتك! قال مايا بصوتٍ عميقٍ حازمٍ يقطر غضبًا مكبوتًا: ~حاول توقف مصطفى... ولا عايز تخليه يقتل حد زي ما خلته يعملها زمان؟ ساد الصمت لحظة، ثم قال السيوم: ~مصطفى محتاج يفرِّغ غضبه... قال مايا بنظرةٍ قاطعةٍ صارمة: ~يعني هتعصي أمري.. مش كده؟ هزّ السيوم رأسه نافيًا، ثم قال: ~بس خلاص... فات الأوان. اللي حصله دا انهيار نفسي... وزي ما أنت عارف، احنا منقدرش نتحكم في تقلباتهم واضطراباتهم النفسية. اقترب مايا بخطواتٍ بطيئةٍ ثابتة، حتى وقف أمامه وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل في طياته قرارًا لا رجعة فيه: ~خلاص... لو كده، فانا هضطر أني أنيمك، وبكده هو هينام. ثم مد يده برفقٍ ووضعها على رأس السيوم، الذي أغمض عينيه مستسلمًا دون مقاومة، وفي لحظةٍ سقط ساكنًا في حضن مايا. وفي ذات الثانية، هوى جسد مصطفى بين ذراعي نوح، غائبًا عن الوعي، وعادت أعينهما كما كانت... ساكنة، بشرية، خالية من البريق الذهبي الذي مر كوميضٍ عابرٍ بين عالمين. جلس نوح ومصطفى على الأرض، ومصطفى يلهث في حضن أخيه، فيما كان نوح يتحسس شعره برفقٍ كأنما يواسي طفلاً فزعًا. اقتربت نجلاء وجلست إلى جواره، وضعت يده على صدره وبدأت تتلو آيات القرآن والمعوذات بصوتٍ خافتٍ مطمئن، تمسح عرقه بيدٍ مرتجفة يغمرها الحنان. كانت عينا مصطفى نصف مغمضتين، يلهث بهدوءٍ، يسمع صوت حبيبته يتردد في أذنيه كنسيمٍ يخفف عن صدره المشتعل، ويشم في الوقت ذاته رائحة أخيه التي ألفها، فيما الرؤية أمامه ضبابية تتراقص بين الوعي والغيبوبة. أمسكت نجلاء بيده بقوةٍ فتحركت عينيه إليها، لتضع يده على وجنته وتقول بصوتٍ متهدج: _حبيبي، إنت كويس... مفيش حاجة، احنا جنبك اهو. بدأ وعي مصطفى يعود شيئًا فشيئًا، والرؤية أمامه تتضح رويدًا، حتى أدرك أنه في حضن نوح حقًا. رأى المكتب المحطّم، والحاسوب الممزّق، وزجاج النافذة المبعثر في كل مكان، فتساءل بصوتٍ واهنٍ تتقطعه الدهشة والخوف: _مين اللي عمل كدة؟ أنا؟ أنا اللي عملت كدة؟ قال نوح بصوته الهادئ المطمئن، كمن يسكب الطمأنينة في صدرٍ مزلزل: _متشغلش بالك.. المهم انت محتاج ترتاح دلوقتي.. تعالى يلا. أمسك نوح بيد مصطفى وأسنده برفقٍ، وسار معه نحو السرير بخطواتٍ حذرةٍ. أجلسه ببطءٍ، فيما كان مصطفى يلهث محاولًا استيعاب ما حدث، وعيناه تتنقلان بين الجدار والفراغ كمن يبحث عن معنى لما لا يُفهم. ثم قال نوح بصوتٍ خافتٍ مفعمٍ بالعطف: _تحب نقعد معاك..؟ هما قلقانين عليك ومستنيينك. حرك مصطفى رأسه نافيًا، ثم تمتم بصوتٍ متعبٍ يخالطه رجاء موجع: _متخليش مريم بالذات تخش.. أرجوك. ساد الصمت لحظةً، ثم أومأ نوح برأسه احترامًا لرغبته، وخرج من الغرفة بخطواتٍ بطيئةٍ ليجدهم واقفين في الممر بوجوهٍ متوترةٍ وقلوبٍ معلقةٍ بما لا يُقال. اقتربوا منه يسألونه، وهو يحاول أن يطمئنهم بصوتٍ متماسكٍ رغم اضطراب داخله. وفجأة ركضت مريم بخطواتٍ صغيرةٍ متلهفةٍ نحو الباب، لكن نوح اعترض طريقها ومد ذراعه يمنعها برفقٍ قائلًا: _لا يا حبيبتي متدخليش دلوقتي. قالت بعينين مغرورقتين وشفاهٍ مرتجفة: _عايزة أشوف بابا.. عايزة أتطمن عليه. فرد نوح بصوتٍ حنونٍ مطمئنٍ وهو ينحني نحوها: _هو كويس، صدقيني، بس هو محتاج يقعد مع ماما شوية.. مش هيطول، شوية وهتشوفيه، تمام؟ خليكي معايا أنا.. مش هسيبك يا حبيبتي.                           *********** بعد نحو ساعة، كان مصطفى قد أتم عدد الركعات الأكبر الممكنة من قيام الليل، علّه يهدأ ويستعيد شيئًا من سكينته بعد اضطرابٍ طويل. وفي الطابق الثاني، كانت نجلاء في مطبخٍ صغيرٍ مغلقٍ يختلف عن المطبخ المفتوح في الطابق الأرضي، تُعد طعامًا بسيطًا لمصطفى قبل نومه. كانت غارقة في الانشغال حين سمعت وقع خطواتٍ تقترب من الباب، فالتفتت لتجد نوح واقفًا امام الباب، وقد بدا على ملامحه الإنهاك الشديد. _بتعملي ايه؟ _بعمل حاجة ياكلها مصطفى بعدها ينام ويرتاح. _طب انا هتكلم معاكي شوية. _على حسب الموضوع... مينفعش نقف سوا ندردش كدة، لو حاجة مهمة ماشي. دخل نوح المطبخ وأغلق الباب بإحكام، فتجمدت نجلاء في مكانها مستغربة من تصرفه، بينما قال بنبرةٍ هادئةٍ تخفي وراءها شيئًا من التهديد: _لا، انتِ معندكيش اختيار، إنتِ هتتكلمي معايا غصب عنك. اعترضت بحدةٍ وقد بدأ صوتها يرتفع: _نوح إنت بتعمل ايه؟ افتح الباب! اقترب منها خطوةً بخطوة وهو يقول: _إنتِ مديتيش لغادة مادة نخاع العضم بتاعك ليه؟ _أنا اللي المفروض اسألكم، إنتوا عايزينه ليه! _إنتِ مش واثقة فينا يعني؟ _لا يا نوح، بس أنا مبحبش الجو دا، احنا مش عايزين نكرر غلطات عمتو تاني، وغادة وسليم يبقوا زي عمتو ليلى وسردار. فهي لو عايزة تساعدنا في حاجة علمية، تقولنا إيه هي، متاخدش جزء من جسمنا من غير سبب. أنا لحد دلوقتي متضايقة إنها أخدت المادة دي من بنتي من ورايا! اشتد انفعال نوح، وارتسم على وجهه الغضب وهو يردّ بصوتٍ حاد: _مش لازم نقولك كل حاجة، خصوصا في الظروف دي! ما دام حاجة سر وهتساعدنا، خليكي ذكية واحتفظي بالسر وساعديهم عشان يساعدوكي! احنا محتاجين المادة بتاعتك وبتاعة مصطفى، اتصرفي واقنعيه! _نوح أنا مش هشارك في الحاجات الملعونة دي! الحاجات دي اللي دمرتنا ودمرت عيلتنا! ليه نرجعلها؟ _نرجعلها عشان نستخدمها في صفنا بدل ما هي بتبقا ضدنا دايما! _نوح اطلع برا خلاص، أنا قولت لا، ياريت متطولش في الموضوع. _أنا مش هطلع برا إلا لما أخد منك موافقة. _خلاص، لو مش هتطلع، هطلع أنا. مرت بجانبه محاولةً مغادرة المطبخ، لكن نوح أمسك بذراعها فجأة، فاستوقفها بعنفٍ جعل عينيها تتسعان من شدة الصدمة، وقال بصوتٍ غاضبٍ مكتوم: _نجلاء، بطلي غباء بقا! إنتِ عايزة تقتلي ابنك؟! _نوح سيب إيدي! انت اتجننت!! شد قبضته عليها أكثر، واقترب حتى كاد صوته يلامس أنفاسها: _غادة وسليم عندهم مشروع معين عشان لما تتحطوا في أي خطر شديد، تقدروا تطلعوا منه!! صرخت في وجهه محاولةً الإفلات: _نوح، بقولك سيبني وإلا هصوت والله وأعملك مشكلة!! لكنه لم يبالِ بتحذيرها، واستمر بقوله: _لو إنتِ عايزة تموتي نفسك وتسيبيها عريانة من غير أي حماية، فابنك مالوش ذنب في قرارك دا! كان من الواضح أن نوح لن يتركها بسهولة، وأنها لن تجد سوى طريقةٍ واحدة لتنهي الأمر. فرفعت يدها وصفعته بكل قوتها، صفعةً دوت في جدار المطبخ الصامت، جعلته يترك ذراعها متراجعًا نصف خطوة. هرعت نحو الباب بخطواتٍ سريعةٍ مرتجفة، لكن صوته أوقفها بغتة: _غادة قدرت تستنسخ الناس. توقفت نجلاء، ثم التفتت نحوه بعينين متسعتين في ذهولٍ عميق، فأردف بصوتٍ خفيضٍ يختلط فيه الإصرار بالرهبة: _وسليم وقتها بدأ يخترع جهاز يساعد على دا.. يخلينا نعيش النسخة بتاعتنا، وهيستخدموا النسخ دي كدروع لينا... بحيث لو وقعنا في موقف صعب، نكون عاملين حسابنا، واللي يموت وقتها هي النسخة البديلة، مش الجسم الحقيقي. ظلت نجلاء تحدق فيه مأخوذة بما سمعت، لا تصدق أن تلك الكلمات تخرج من فمه. ثم قال وهو يقترب من الباب بنبرةٍ مثقلةٍ بما يشبه الألم: _أنا النهاردة حسيت إن مصطفى هيروح مننا... كنت ببصله كأني ببصله للمرة الأخيرة... مستحملتش الفكرة، ومش هستحمل أي حاجة تحصلكوا. اختاري بقا، يا إما تدولنا المادة بمزاجك، يا هناخدها منكم غصب عنكم. بعدها فتح الباب وخرج، تاركًا إياها في مزيجٍ متنافرٍ من الصدمة والتوجس والحيرة.. وفي الوقت ذاته، كان مصطفى في غرفته، جالسًا على سريره، إلى جواره مريم نائمة، وأمامه فياض الذي لبّى طلب مصطفى وجلس معه. كان مصطفى يتحسس خصلات شعر ابنته بأنامله، وصوته يخرج واهيًا هادئًا: _أنا مش عارف عملت كده إزاي... حاسس بندم شديد، خصوصًا إني دمرت حاجات تخص نجلاء كمان، متخصنيش أنا بس... قال فياض بهدوءٍ مطمئن: _متقلقش يا بني.. سليم فحص اجزاء اللاب كويس وقال إن الهارد محصلوش حاجة قوي، فهو هيقدر ينقل كل اللي كان في اللاب للاب تاني. سكت مصطفى قليلًا، ثم رفع بصره نحوه بعينين مطفأتين وقال: _إنتوا شايفين الموضوع عادي كده؟ إني أكسر الدنيا وأتعصب زي المجنون؟ متشوفوش إن دا عادي لو سمحتم... _يا مصطفى، بالراحة على نفسك.. راعي نفسك وراعي قدرتك وراعي نفسيتك ومكانتك... صمت فياض برهة، ثم قال وقد بدت في عينيه لمعة ذكرى بعيدة: _إنت عارف اللي عملته دا فكرني بمين؟ _بمين؟ ساد الصمت لحظة، كأن فياض ينتقي كلماته من مكانٍ مقدّس، ثم تلا بصوتٍ مهيب رخيم: _بسم الله الرحمن الرحيم: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ} نظر مصطفى إلى فياض وقد انتبه تمامًا، فتابع فياض بنبرةٍ عميقة: _افتكرت صح؟ افتكرت لحظة ما موسى عليه السلام غضب لدرجة إنه كسر الألواح وشدّ شعر أخوه بعد ما شاف قومه بيعبدوا العجل... وأكيد طبعًا عارف الألواح دي كان فيها إيه. _كلام ربنا... _تخيل بقى موسى عليه السلام، من شدة غضبه وغيرته على دينه وعلى الحق، كسر كل حاجة قدامه، حتى الألواح نفسها. أنا هنا مش بشبهك بنبي، أنا بس بوضحلك إن غضبك على دينك مش زي أي غضب تتكسف منه وتحس إنه مذموم. لا، إنت معذور.. والمسلمين كلهم لو غضبوا على دينهم زيك كده، مكانش حصل اللي حصل. سكت مصطفى برهة، يتأمل الأمر وهو ينظر لوجه ابنته وكأنه يغوص في كلماتٍ تمسّ عمق صدره، ثم قال بصوتٍ خافت: _قصص القرآن لا يُؤخذ منها أحكام شرعية... مينفعش نغضب دايمًا... دا كان موقف واحد من موسى عليه الصلاة والسلام، مينفعش ناخده حكم ونعمل بيه. _مقولتلكش اعمل بيه... بس أنا بحاول أهون عليك نفسك عشان تعذرها... لأن أي مسلم تقي وأمين هيتعصب من اللي بيحصل دا يا مصطفى، زي ما اتعصب موسى عليه السلام. اغرورقت عينا مصطفى بالدموع، فمد فياض يده يربت على شعره بحنانٍ خافت، وقال بصوتٍ يتهدج بالثقة: _إنت قدها يا مصطفى... استعن بالله، متقلقش. ظل مصطفى يرمق فياض بعينٍ يملؤها ألم دفين، ومشاعر لم يعرف دفأها منذ أكثر من عشرين عامًا، كأنه يرى جلال والده أمامه، يواسيه ويشدّ أزره كما لم يفعل أحد من بعده. مصطفى، ذاك الذي اعتاد أن يواسي الجميع ويقوّي عزائمهم، وجد نفسه اليوم بحاجةٍ لأن يُواسى، لأن يُطمأن على كتفٍ غير كتفه. وبجوار نوح وعصام ونجلاء، شعر أن شيئًا غائبًا فيه قد نهض من رُقادٍ طويل، وأن المشاعر التي فقدها يومًا عادت إليه من خلال فياض خصيصًا. اقترب مصطفى من فياض واحتضنه بشدة، والدموع تنساب على وجنتيه، فيما ضمه فياض بذراعين ثابتتين كأبٍ يحتضن ابنه ليقيه وجع العالم، يربت على شعره بحنوٍ صامت. الى أن اتت نجلاء ودخلت الغرفة، ليقرر فياض أن ينهض تاركًا مصطفى ليستريح. دخلت نجلاء تحمل صينية صغيرة عليها صحن غويط وملعقة، فهبّ مصطفى واقفًا ليأخذها منها وهو يقول: _اقعدي يا نجلاء، ارتاحي. جلست نجلاء وخلعت جلبابها ونقابها متنهدة، بينما وضع مصطفى الصينية على المنضدة بجوار السرير وقال: _تعبتي نفسك ليه بس؟ نظر إلى ما في الصحن، ثم ابتسم شيئًا فشيئًا وهو يرفع عينيه نحوها قائلًا: _دي التلبينة النبوية؟ ابتسمت نجلاء وأومأت برأسها تقول برقة: _كُل الطبق كله.. عشان حزنك يروح زي ما الرسول ﷺ وصانا. اتسعت ابتسامة مصطفى ومسح على شعرها وقبّل رأسها في امتنانٍ ودفءٍ غامر. لكن ابتسامته ما لبثت أن تلاشت حين لمح على ذراعها العاري علامات أصابع مطبوعة بوضوح، فحدق فيها مذهولًا وقال: _إيه دا؟ مين عمل فيكي كده؟ دا أنا؟ نظرت نجلاء إلى ذراعها في ارتباك وقالت بتلعثم: _ل.. لا، مش إنت. _أومال؟ صمتت نجلاء قليلًا، ثم قالت في خفوتٍ متردد: _دا نوح... اعتدل مصطفى في جلسته، وبريق مستشيط من الحيرة والغضب يتقد في عينيه، وقال بنبرةٍ هادئة تخفي اضطرابه: _يعني إيه؟ نوح إزاي يعني؟ أدركت نجلاء أنها على وشك أن تصب الزيت على النار، فسارعت تقول مطمئنة: _متقلقش... ه.. هو بس مسكني عشان يبعدني عنك وقت ما كنت... بتكسر الدنيا يعني وكده... فشكله من الخضة مسكني جامد، وبعدين راح يمسكك إنت كمان. هنا هدأ مصطفى، ولانت ملامحه شيئًا فشيئًا، ثم قال بصوتٍ تملؤه الندامة: _أنا آسف يا حبيبتي... أنا كنت أعمى أوي. إنتِ كويسة، صح؟ ابتسمت نجلاء وهي تومئ بلطف: _أنا تمام يا حبيبي، متشغلش بالك إنت، وكل يلا. ابتسم مصطفى وهو ينظر إليها بعينين تفيض بالحنان، وقال: _عايزك تاكلي معايا. _لا يا حبيبي، مش مشكلة، كل إنت. _لا، الطبق كبير، مش هقدر آكل كل دا... هناكل أنا وإنتِ سوا. ابتسمت نجلاء في دفءٍ حانٍ، وبدأ مصطفى يتناول لقمة من الصحن، ثم يغرف من ذات الملعقة ليطعمها برفق، فتاكل بابتسامةٍ يملؤها الامتنان. وشيئًا فشيئًا، صارا يتشاركان الوجبة من صحنٍ واحدٍ وملعقةٍ واحدة، في مشهدٍ تتجلى فيه أرقى صور الأُلفة والمودة، كأن بينهما عهدًا صامتًا على أن يقتسما كل ما تبقى من الحياة كما اقتسما تلك اللقمة، بهدوءٍ، وبقلبين امتلآ بالسكينة بعد طول اضطراب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة