١١٣
عند منتصف الليل، كان منزل سهام يشهد اكتمال الجمع؛ نجلاء وغادة، ومعهما حبيبة وديميت وملك وبرفقة ريان، وكذلك إبراهيم ورجب ويُمنى وياسمين. استقبلتهم هدير، مساعدة سهام، بحفاوةٍ دافئة، فأحسنت ضيافتهم وقدمت لهم الطعام والمشروبات، وحرصت على بث الطمأنينة في نفوسهم. ومع انقضاء بضع ساعات، آثروا الصعود إلى الغرف، طلبًا لقسطٍ من الراحة.
كانت نجلاء ويمنى وياسمين في غرفة واحدة، فيما انشغلت يمنى وياسمين بترتيب أغراضهما وحقائبهما، وبينما يعلو المكان هدوء حميم.. قالت ياسمين ليمنى وهي تغلق أحد الحقائب بعناية:
_خليكي يا يمنى وأنا هروح مع رجب، عشان تعرفي تطمني على عصام بس..
رفعت يمنى رأسها، وردت بنبرة مطمئنة:
_لأ يا ياسمين متتعبيش نفسك، هو عايزني أنا وأنا هاخد بالي منه كويس، متقلقيش.
ابتسمت ياسمين ابتسامة خفيفة، وقالت وقد غمر صوتها دفء صادق:
_عموما هو دايما بيفتكر إسمك إنتِ بالذات وبيحبك أوي، لو دا هيريحه فماشي خليكي معاه.
ابتسمت يمنى وبينما كانت تعدل شيئًا في حقائبها، انزلق دفتر الرسم الخاص بها وسقط على الأرض، فانفرجت صفحاته كاشفًا عن رسمة لفتت انتباه ياسمين على الفور. انحنت يمنى سريعًا والتقطت الدفتر وهي تبتسم بخجل، فيما قالت ياسمين، وقد ارتسمت على وجهها دهشة إعجاب صادقة:
_إيه الرسمة الحلوة دي؟ رسمة جديدة؟
أجابت يمنى بابتسامة هادئة، تحمل مزيجًا من الفخر والتحفظ:
_أه، إيه رأيك؟
كانت رسمة رصاصية لاثنين يرقصان على السطح تحت ضوء القمر، فتسلل إلى ياسمين شعور مألوف أقلقها وأزعج سكونها، لكنها أخفت اضطرابها وقالت:
_جميلة طبعا، إنتِ بتطلبي رأيي؟ رسمك دايمًا جميل دا شيء مفروغ منه.
ردّت يمنى بنبرة عفوية صادقة:
_كان شكلكم حلو أوي بصراحة، فقولت اصوركم صوره عشان أعرف أرسمكم.
تلاشت ابتسامة ياسمين فجأة، وحدقت في يمنى بتوترٍ خفيٍّ لا تخطئه العين:
_تصوري مين وترسمي مين؟
_إنتِ وعصام.. لما كنتوا بترقصوا سوا
اتسعت عينا ياسمين بعبوسٍ وارتباك، وقالت بنيرة مضطربة:
_إنتِ شوفتينا؟
بدت الدهشة على ملامح يمنى من السؤال، فأجابت ببساطة وتلقائية:
_أه.
امتعضت ياسمين وابتلعت ريقها، وقالت بنبرةٍ متوترة:
_أنا آسفة... إحنا بس كنا مع بعض، وهو قرر يعمل كدة.
في تلك اللحظة، انتبهت نجلاء إلى الحوار، فرفعت بصرها نحوهما، بينما ازدادت حيرة يمنى من ردة فعل ياسمين الغريبة:
_مش فاهمة، إنتِ بتعتذري على إيه؟ وبتبرري إيه؟
ارتسم الضيق والارتباك على ملامح ياسمين، واجابتها بقلقٍ واضح:
_أصل هو جوزك ف... أكيد زعلتي، وأنا مش قصدي، أنا أصلًا مبحبهوش.
عقدت يمنى حاجبيها بدهشة ممزوجة باستنكار:
_ما هو جوزك إنتِ برضو.. مالك يا ياسمين إنتِ بتتكلمي كدة ليه؟
سكتت ياسمين، وقد خانتها الكلمات؛ فلم تجد تفسيرًا مقنعًا لسلوكها المفاجئ ولا لاندفاعها في التبرير على هذا النحو، ثم قالت بتلعثم:
_ماشي بس.. هو مش جوزي زي ما هو جوزك فأكيد... حسيتي بخيانة أو كدة فاهمة.
ظلت يمنى تحدق في ياسمين بحيرةٍ شديدة، قبل أن تضع يدها على كتفها برفق، وتقول بنبرةٍ حاسمة دافئة:
_ياسمين... إنتِ صاحبتي وأختي قبل ما تبقي ضرتي، أنا مبفكرش بالشكل دا، أنا أه بشوفه بيحبك أكتر مني بس دا.. مش هيخليني اتضايق زي الاطفال لما الاقيكم سوا، وبعدين أنا يهمني حالتك أكتر ما تهمني حالته، متتكلميش بالشكل دا تاني ارجوكي لان إحنا مش ضراير، إنتِ بتبرري إيه وبتعتذري على إيه إنتِ اتجننتي؟
في تلك اللحظة، طرق إبراهيم الباب، وأخبر من خلفه أنه ورجب قد تجهزا لإيصالهم إلى المنزل، وقد تجهزت ملك ايضًا ليوصلها إلى والدتها. عندها جمعت يمنى أغراضها، وارتدت حقيبتها، وهي تقول:
_هبقا أتابع معاكي اللي بيحصل، يلا مع السلامة.
سلمت على ياسمين وعلى نجلاء، وما إن خرجت حتى ظلت ياسمين واقفةً تحدق في الفراغ، تشد على قبضتها تحاول احتواء اضطرابٍ يتفجر في صدرها، بينما جلست نجلاء صامتة لا تُبدي أي رد فعل، ممسكةً بالمصحف، تغوص في تلاوته بهدوءٍ مهيب.
التفتت ياسمين إلى نجلاء، وحين لاحظت نجلاء نظراتها، رفعت عينيها، فتبادلا نظرات مشحونة بما لم يُقَل.. وقد بدا على ياسمين رغبتها للكلام، فسبقتها نجلاء قائلةً:
_مش عايزاكي تقلقي.
قالت ياسمين بصوتٍ مرتجف:
_على إيه؟
_على الإحساس اللي إنتِ حاسة بيه دلوقتي.
سكتت ياسمين لحظة، ثم اقتربت من نجلاء وجلست أمامها على السرير، وقالت بصوتٍ خافتٍ مثقل:
_صعب مقلقش منه.. لأنه رجعني سنين من أسود أيام حياتي.
وضعت نجلاء المصحف جانبًا، وقالت بنبرةٍ مطمئنة:
_إزاي؟
ظلت ياسمين صامتة، وعيناها تلمعان بدموعٍ متحجرة على مقلتيها، دموع تأبى السقوط رغم ثقلها من شدة العار، ثم انفرج صمتها أخيرًا وقالت:
_أنا دمرت حياة ستات كتير كانوا بيتعبوا عشان يكملوا في جوازه عدلة... لما رجالتهم كانوا بيخونوهم معايا، أنا فاكرة لما واحدة منهم عرفتني وكانت منهارة وبتطلع قهرها كلها قدامي.. وأنا مكانش في حاجة في بقي غير إني أقولها أنا آسفة أنا آسفة..، كنت عبيطة أوي.. وغبية.. خسرت نفسي وخسرت حياة ناس كتير..
كانت الكلمات تخرج منها متقطعة، محملة بندمٍ قاهر، فيما ظلت نجلاء تستمع إليها في صمتٍ كامل، لا تقاطعها ولا تُبدي رد فعل، وتمنحها المساحة لتفرغ ما تراكم في صدرها منذ سنين. تابعت ياسمين، وقد ازدادت نبرتها اختناقًا:
_أنا كنت بحسب إني تخطيت شخصيتي القديمة وتخطيت صدماتي اللي عملتها في نفسي وفي الناس... بس طلعت متخطتش أي حاجة وكنت كل دا، واقفة عند نقطة الصفر وبوهم نفسي إني تعديتها...، فضلت أعتذر ليمنى أكني لسة الشمال اللي بتخلي الرجالة تخون ستاتهم معايا... أنا نسيت إني متجوزاه، ونسيت إن مفيش خيانة في الموضوع، بس أنا مخي اتسستم كدة، ومكنتش عايزة اشوف يمنى في الحالة اللي شوفت ستات كتير بتخشها بسببي.
زفرت ياسمين بضيقٍ حاد، ومسحت وجهها بكفها في حركةٍ مرتبكة، كأنها تحاول محو ثقل الذكريات، وقالت بصوتٍ متهدّج تختلط فيه الحيرة بالخجل:
_أنا مش عارفة بحكيلك حاجة زي دي إزاي، انا اصلا مكسوفة أكلمك... ومكسوفة حتى أكلم ربنا ادعيله يغفرلي، أصل ... اللي عملته دا صعب تبقا حاجة مغفورة صعب..
جاء صوت نجلاء هادئًا، ثابتًا، وهي تلقي حقيقة لا تقبل الجدل:
_مفيش ذنب ربنا مبيغفرهوش.
رفعت ياسمين عينيها قليلًا، وقالت بنبرةٍ يغلفها العناد واليأس معًا:
_عارفة... وقرأت الآيات اللي بتتكلم عن كدة وقرأت تفسيراتها، بس انا مش مقتنعة، أكيد الآيات دي على ذنوب بسيطة مش زي ذنوبي..
سكتت نجلاء لحظة، وهي ترتب كلماتها بعناية، ثم قالت:
_ممكن أحكيلك قصة تخليكي تقتنعي؟
نظرت ياسمين إلى نجلاء بعينين مثقلتين بالانتظار، كأنها تتشبث بخيط أمل أخير، فالتقطت نجلاء النظرة، واستقامت في جلستها، ثم بدأت حديثها بصوتٍ هادئٍ عميق:
_في كتاب "مكاشفة القلوب" للغزالي، كان فيه قصة كانت في زمن موسى عليه السلام، كان فيه راجل لا يستقيم على التوبة، كل ما يتوب بيرجع يذنب تاني ويبقا أفسد وأفسد، وفضل على الحال دا لمدة عشرين سنة بحالهم، فأوحى الله تعالى لموسى وقال له: "ياموسى، قل لعبدي فلان إني قد غضبت عليه" فبلغ موسى عليه السلام الرسالة للراجل وقاله دا، فالراجل اتصدم وحزن حزن شديد، وقرر يسرح في الصحراء وهو رافع راسه بيقول: "إلهي أنفدَت رحمتُك، أم ضرَّتك معصيتي؟ أم نفدَت خزائنُ عفوِك، أم بخِلتَ على عبادِك؟ فأيُّ ذنبٍ أعظمُ من عفوك؟، والكرمُ من صفاتك القديمة، واللؤمُ من صفاتي الحادثة، أفتغلُبُ صفتي صفتَك؟، ويغلب ذنبي عفوَك؟ وإذا حجبت عبادَك من رحمتك فمن يَرجُون؟ وإن طردتهم فإلى مَن يقصدون؟ إلهي، إن كانت رحمتُك قد نفدَت، وكان لا بدَّ من عذابي، فاحمل عليَّ جميعَ عذابِ عبادِك، فإني قد فديتُهم بنفسي"، فقال الله تعالى لموسى: "يا موسى، اذهب إليه، وقل له لو كانت ذنوبُك ملءَ الأرضِ لغفرتُها لك بعدَ ما عرفَتَني بكامل القدرة والعفو والرحمة."
كانت ياسمين تستمع إلى الحديث كمن يتلقى ماءً باردًا على جرحها المفتوح، ودموعها تنهمر في صمتٍ ثابت، لا شهقة فيه ولا انقطاع، فقط سيل هادئ يعبر عمّا عجزت الكلمات عن حمله. وحين انتهت نجلاء، اقتربت منها ومسحت دموعها بيدها في حنوٍ واضح، ثم قالت بصوتٍ ممتلئ يقينًا:
_لازم تطمعي في رحمة وكرم ربنا، ولازم تطلبي إن ربنا يغفرلك مهما عملتي من ذنوب، وعشان ربنا يغفرلك.. تبقي مستوعبة رحمته الواسعة وتصدقيها زي الراجل دا بالظبط، لازم تؤمني إن ربنا هيغفرلك وتؤمني إن رحمته وسعت كل شيء، متيأسيش.. لأن حرام تيأسي من روح الله.
عندها انهارت ياسمين تمامًا، وبدأت بالبكاء وهي تستغفر الله بصدقٍ موجِع، وتخرج ما علق بروحها من ثقل السنين، بينما ظلت نجلاء إلى جوارها، تواسيها بصمتٍ حنون.
************
في الوقت ذاته، وفي منزل رشا الذي أصبحت تقيم فيه ميسم والدة ريان، استقبلت منى والدة رشا، كلًّا من جمال وموريس وأحمد ووليد وإسماعيل ومنار، بقلبٍ عامر بالرحمة واحتواءٍ صادق لا يعرف التكلف. لم تتردد لحظة؛ سارعت تجمع ما في البيت من مراهم وضمادات، وأعدت لهم طعامًا يرد شيئًا من عافيتهم، ثم شرعت تداوي جراحهم بيدٍ حانية وخبرةٍ اكتسبتها من كثرة ما عركتها الأيام.
كان منار وإسماعيل فاقدي الوعي، فحملت منار إلى غرفة رشا، فيما نُقل إسماعيل إلى غرفة الأم، ليكون تحت نظرها القريب. وحين انتهى جمال من مداواة معظم جراحه، نهض وقد بدا عليه استعجال حذر، والتفت إلى رشا قائلًا:
_أنا هنزل دلوقتي أجيب ادوية ومراهم ودم لإسماعيل.
_هتجيب الدم منين؟ عارف فصيلة دمه؟
_أه، وكل حاجة عند مهاب جاهزة، هو عامل حسابه لكل دا.
التفت جمال نحو وليد وأحمد، وكانا ما يزالان يأكلان، وقال بحزم:
_إنتوا الاتنين، تعالوا معايا.
توقفا عن المضغ، ورفعا أبصارهما إليه، وفماهما ممتلئان، لتتدخل منى، أم رشا، بنبرة أمومية قلقة:
_ما تستني يابني وكلك لقمة، إنت مأكلتش حاجة.
حرك جمال رأسه معتذرًا، وقال بإصرار لا يقبل المساومة:
_معلش يا حجة، مينفعش نستنى اكتر من كدة، جزاك الله خيرًا.
ابتلع وليد وأحمد ما في أفواههما على عجل، ونهضا مسرعين خلف جمال، ثم غادروا الشقة بخطوات متلاحقة، بينما ظل موريس جالسًا في الصالة إلى جوار رشا ووالدتها، في صمتٍ ثقيل، وبينما كانت ميسم داخل الغرفة برفقة منار، نهضت منى لتتجه إلى غرفتها حيث إسماعيل لتطمئن عليه.
وفي لحظة سكون مشبعة بالإنهاك، قال موريس، بعينين شاردتين ونبرة يائسة مثقلة بالخذلان:
_مش قادر استوعب إننا فشلنا.
نظرت رشا إليه في صمتٍ مثقل، ليكمل حديثه وقد انسدل الأسى على ملامحه وانكسر صوته بثقل الخيبة:
_كنا متهورين ومخططناش كويس..، واضح إن منار كانت غلطانة.. اللي كان لازم يموت الأول هو سردار مش نور، نور مستحيل يموت وسردار عايش، بسبب الغلطة دي نور هيرجع اقوى وهيقتل في كل حد دلوقتي، فوق إن مصطفى واخواته اتقبضوا عليهم... خلاص معندوش حد يقدر يوقفه.
ساد صمت خانق أعقب كلماته، قبل أن تتنهد رشا بضيقٍ وهمٍّ متراكم، فقد ضاق صدرها بكل ما قيل، ثم ردت بنبرة مشدودة تحاول أن تتشبث بيقين طفيف بين هذا الخراب:
_مصطفى واخواته مستحيل يفضلوا مسجونين ومستحيل يتعدموا. ياسر موجود وهينقذهم أكيد الخطوة دي خدعة منه أو حاجة لصالحهم في الآخر بس لسة مش عارفين إزاي.
وهنا، داخل غرفة منى، كان إسماعيل ممددًا فوق السرير، حرارته مرتفعة على نحوٍ مقلق، في تناقضٍ قاسٍ مع برودة جسده الناتجة عن النزيف الحاد ونقص الدماء. كان العرق يتفصّد منه بغزارة، يبلل ملامحه الشاحبة، فيما وعيه غائب تمامًا.
اقتربت منى منه بقلبٍ مثقل وهي تحمل صحن به ماء وقطعة قماش ووضعته، وبدأت تمسح العرق المتكاثف عن جبينه بحنانٍ مرتعش، ثم وضعت القماشة الرطبة فوق رأسه محاولةً تهدئة حرارته، قبل أن تنهض على عجل لتخرج من الغرفة، ثم تعود إليه مرةً أخرى.
وفي تلك اللحظة تحديدًا، انفتحت عينا إسماعيل ببطءٍ شديد، وجفونه تستيقظ من عمق كابوسٍ طويل.. أخذ يحدق حوله بارتباك، لا يفهم أين هو ولا كيف وصل إلى هنا.. رفع يده ببطءٍ بالغ، محاولًا الإمساك بالقماشة الرطبة الموضوعة على جبهته، لكن حركته توقفت فجأة... تجمدت أنفاسه وهو ينظر إلى يده... لم يجد الخيط الاحمر الخاص بهالة.
تلك الربطة التي لم ينزعها يومًا طوال أشهرٍ كاملة، التي كانت جزءًا منه، رمزًا حيًا لتعلّقه وبقائه، لم تكن هناك، اختفت.. ربما سقطت أثناء المعركة... أو ربما احترقت رمادًا وسط النيران.
خرج اسمه من شفتيه كأنينٍ خافت، محملٍ بالذعر والإنكار:
_هالة...؟
توقفت منى في مكانها، والتفتت إليه بقلقٍ، فرأته يحدق في يده بعينين زائغتين، قبل أن يقول بصوتٍ واهنٍ مكسور، كطفلٍ فقد ملاذه الأخير:
_هالة.. إنتِ روحتي خلاص؟
انقبض قلب منى، وسرى القلق في عروقها.. فقد بدا واضحًا أنه يهذي، وأن الكلمات تنفلت منه تحت وطأة الصدمة والحمّى. بدأ يتحسس يده بجنونٍ مرتجف، وأخذ يلهث، وتحولت ملامحه في لحظات من الإنهاك إلى صدمةٍ خالصة، ثم إلى قهرٍ عارم لا يُحتمل.
_هالة.. إنتِ سيبتيني زي ما هما سابوني.. كلهم سابونا.. كلهم.. معادش ليا حد، معادش ليا حد.
انفجر إسماعيل بالبكاء انفجارًا عنيفًا، برجفة قاسية اجتاحت جسده المنهك وهو يقبض على رأسه وشعره كمن يحاول أن يمنع نفسه من التفتت. خرج صوته مبحوحًا متكسرًا، تتناوب فيه الشهقات مع الكلمات، كأن روحه تُنتزع انتزاعًا:
_كلهم سابوني معادش ليا حد... كلهم سابوني.. أبويا وعيلتي كلهم سابوني. سيبتيني إنتِ كمان ليه أنا مكانش ليا غيرك.
سقط تمامًا في نوبة بكاء قوية وبدأ يصرخ باكيًا بوجعٍ طفولي عارٍ، لتهرع منى إليه في فزع، وتمسك بيده بكل ما تملك من قوة وحنان ورجاء. بدأت تردد وهي تحاول أن تثبت روحه التي تتداعى:
_بس يا حبيبي بس اهدى، بسم الله الرحمن الرحيم بس يابني متعملش في نفسك كدة!!
لكن إسماعيل انفصل عن العالم من حوله؛ لا يسمع، لا يرى، لا يشعر إلا بذلك الألم الخام الذي يغرقه، يبكي بحرقةٍ موجعة، بكاء طفلٍ ضائعٍ في ليلٍ بلا نهاية. وفي تلك اللحظة، دخل موريس ورشا الغرفة، فشاهدا منى تحتضن إسماعيل بقوة، تضم رأسه إلى صدرها، وتقرأ عليه القرآن بصوتٍ مرتعش، تردد الأذكار قرب أذنه محاولةً أن تنتشله من دوامة الهلع.
ومع تردد صوت منى في أذنه وهي تثرأ القرآن، بدأ جسد إسماعيل يلين تدريجيًا، وخفّت شهقاته شيئًا فشيئًا، قبل أن يخرج صوته ضعيفًا منكسرًا، كهمسةٍ مستغيثة:
_ماما...
كان واضحًا أنه يهذي من شدة مرضه وما نال جسده من إصاباتٍ أرهقته حتى الهذيان.. أدركت منى ذلك فورًا، فقررت أن تسير معه في عالمه المكسور وتمنحه الأمان بأي ثمن، وقالت بصوت دافئ حنون:
_أه يا حبيبي، أنا معاك أهو، نام يابني متخافش أنا معاك.
نظر إليها إسماعيل بعينين دامعتين، نظرات طفلٍ مذعور، وقال بصوتٍ خافتٍ يرتجف:
_سيبتيني ليه..؟ ليه؟
_مش هسيبك تاني يا حبيبي، مش هسيبك، نام ومتخافش.
بدأت منى تربت على ظهره بيدٍ حانية، تُغدق عليه الطمأنينة قطرةً قطرة، حتى هدأ اضطرابه رويدًا رويدًا، وعاد يستسلم للفراش. نام ووجهه غارق تحت غطاءٍ مشبعٍ بالدموع المالحة، وجسده لا يزال يرتجف من حزنٍ أعمق وأقسى من البرد.
كل ذلك جرى أمام عيني رشا وموريس، اللذين وقفا صامتين، يتابعان المشهد بتعاطفٍ موجع وحزنٍ كثيف، حزن لا يجد له مخرجًا سوى النظرات الثقيلة والأنفاس المكبوتة. وما إن اطمأنت منى إلى هدوء إسماعيل، حتى التفتت إليهما وأشارت بنظرةٍ صامتة أنها ستبقى إلى جواره. فهم الاثنان الإشارة دون كلمات، فتراجعا بهدوء وخرجا من الغرفة، تاركينه ليستريح.
توقف موريس في الخارج، ونظر إلى رشا بملامحه المستاءة ذاتها، وقال بصوتٍ خافتٍ مشوبٍ بالعجز:
_أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل دا.
أجابت رشا، وقد أثقل صدرها ذلك المشهد، ونبرة صوتها ممتلئة بالأسى والتفهم:
_محدش يقدر يلومه.. هو حرفيا خسر كل حاجة.
***********
قبيل الفجر، وفي أحد مباني الدولة، جرى احتجاز نوح، وعصام، وعلا، ومصطفى، وهاجر، وسليم، وفياض لساعاتٍ طويلة دون تحقيق، وبدون أي تواصلٍ مع الخارج.
تم تقسيمهم على زنازين ضيقة، اثنان في كل زنزانة؛ نوح وهاجر خلف بابٍ واحد، حيث تتكدس الأسئلة غير المنطوقة في العيون قبل الكلمات، ومصطفى وسليم في زنزانةٍ أخرى، يتقاسمان صمتًا مثقلًا بالصبر والترقب والقلق، أما علا وعصام فكانا معًا في زنزانةٍ ثالثة، يجمعهما حبس واحد، ويُفرقهما ما يختلج في الصدور من هواجسٍ وصراعات لا تجد سبيلًا للخروج.. أما فياض، فوضِع في زنزانة وحده في دور أخر.
مرت الساعات بطيئةً خانقة، لا صوت فيها سوى وقع الأنفاس، ولا زمن يُقاس إلا بثقل الانتظار، فيما ظل التحقيق غائبًا، والليل شاهدًا صامتًا على احتجازٍ بلا إجابة.
_مش بتنام ليه؟ إنت اكتر واحد عايزينه ينام.
قالت هاجر ذلك وهي ممددة على الأرض، موجهة حديثها إلى نوح الجالس في صمتٍ ثقيل. لم يلتفت إليها، واكتفى بأن يجيبها بنبرةٍ هادئةٍ مشوبة بالاستياء:
_لو استخدمت قوتي بشكل بسيط هتحصلي انتكاسه في العلاج بتاع مخي...
سكتت هاجر، مستسلمة للأمر بتقبلٍ صامت، وعادا إلى صمتهما القاتل. وبعد برهة من التفكير، قطع نوح السكون بصوتٍ خافت:
_هاجر.
_اممم..
_ينفع تقتليني دلوقتي؟
رفعت هاجر عينيها إليه في دهشةٍ باردة، ثم اعتدلت من مكانها وجلست متكئةً على يدها، وهي تقول:
_عايزني اقتلك؟
_أيوة.. وقتها هقدر استخدم قوتي بحرية.
سكتت هاجر، وهي تفكر بعمق، قبل أن تومئ برأسها وتجيب بتلقائية مدهشة:
_معنديش مانع، هيبقا ليا الشرف طبعا إني اقتل أخويا.
ظل نوح يحدق فيها طويلًا، وهو يحاول قراءة ملامحها، ثم قال:
_أنا مش قادر أحدد إنتِ بتتكلمي بجد ولا بتهزري.
_لا مش بهزر.. بس إنت أول ما تموت هتتحول في ساعتها؟
سكت نوح، وأشاح ببصره بعيدًا، وقد شعر بنكبةٍ أخرى تُضاف إلى صدره، ثم قال بصوتٍ مثقل:
_لا... هنحتاج نستنى من تلات لخمس سنين.
ظلت هاجر تحدق فيه بنظرتها المتبرمة الساخرة، ثم قالت بنبرةٍ جافة:
_أنا من رأيي تستخدم قوتك وإنت نايم ويجيلك انتكاسة وتتجنن أسهل من إننا نقعد خمس سنين هنا.
أومأ نوح برأسه ببطء، ثم قال:
_عندك حق.
عادت هاجر فتمددت على الأرض من جديد، وحدقت في السقف بجمودٍ كامل، وصمت ثقيل تمدد معها، ونطقت فجأة وكأن السؤال أفلت منها دون تحكم:
_أنا إيه اللي عملته دا؟
نظر نوح إليها، مستغربًا من حدة الندم في صوتها، وقال:
_عملتي إيه؟
_خليتكم ظاهرين للعالم، أنا لو مكنتش هربت ودورت عليكم مكانش كل دا حصل..
_وهو إيه اللي حصل؟ كلها يومين تلاتة وتلاقي ياسر أو يوسف جم ياخدونا، إنتِ بجد خايفة ليعدمونا زي ما بيقولوا؟
نظرت هاجر إليه نظرةً مباشرة، ممتلئة بالشك، ثم قالت:
_وإنت واثق فيهم اوي كدة؟
_لا واثق في أهميتنا عندهم... إحنا مهمين ليهم وميقدروش يخسرونا بسهولة، فهيعملوا أي حاجة عشان ينقذونا.
سكتت هاجر دون رد. وبعد لحظاتٍ اقترب نوح منها، واضطجع إلى جوارها، ثم قال وهو يحدق في السقف أيضًا بعينين مثقلتين بالفكر:
_أحسن قرار عملتيه في حياتك كلها.. إنك خليتينا نتجمع، لازم تعرفي دا كويس.
نظرت إليه ثم نظر إليها، فالتقت عيناهما، ثم واصل حديثه مبتسمًا ابتسامةً خفيفة كسرت حدة الأجواء:
_على الأقل لو هنموت نموت وإحنا متونسين ببعض، نموت وإحنا عارفين إننا بنتشارك اللعنة سوا.
ابتسمت هاجر وقالت:
_إنت لسة بتخاف من الوحدة؟
_لا، بس الوحدة اوهمتلي إن أنا الوحيد الملعون في العالم دا... بس طلع إن معايا خمسة ملاعين زيي برضو، ودا شعور أحسن من شعور الوحدة بكتير.
ابتسم نوح لها، فبادلته الابتسامة، ثم اقتربت منه أكثر، وأسندت رأسها على كتفه، بينما عاد الصمت يخيم عليهما، هذه المرة أقل قسوة، وأكثر احتمالًا.
وفي زنزانة مصطفى وسليم، كان سليم يحاول النوم عبثًا، لكنه يعجز عنه تحت وطأة عوامل متراكمة؛ كضيق الزنزانة الخانق، والأرض الأسفلتية القاسية، وقلقه المتشعب على نفسه، وعلى إخوته، وعلى أمه وريان. وفوق ذلك كله، كان صوت همس مصطفى المتواصل، الذي لم ينقطع منذ أكثر من ست ساعات، ينساب في المكان كنبضٍ لا يهدأ.
كان مصطفى يردد الأذكار، ولسانه لا يتوقف منذ لحظة دخولهما الزنزانة، ذكر يتلو ذكرًا بلا انقطاع، حتى بدأ الضيق يتسرب إلى سليم من ذلك الهمس المستمر. ومع ذلك، لم يجرؤ على إسكاته؛ فقد أدرك في قرارة نفسه أن هذا الهمس هو درع مصطفى الوحيد للصمود في هذا القيد.
وأثناء ذلك، نهض مصطفى فجأة، وقال بصوتٍ خافت ثابت:
_يلا يا سليم نصلي.
حدق فيه سليم في استغراب، واعتدل في جلسته وهو يقول:
_نصلي ايه؟
_الفجر.
سكت سليم قليلًا، تائهًا في حيرته، ثم قال:
_مصطفى.. إحنا مش عارفين إحنا فين وامتى والساعة كام، حتى مفيش شباك نعرف منه حاجة.
_الله أعلم يا سليم، بس أنا قعدت اعد الدقايق بالأذكار من ساعة ما دخلنا ووصلت للساعة اللي بتقام فيها صلاة الفجر.
عقد سليم حاجبيه بدهشةٍ واضحة، وقال:
_قعدت تعد الدقايق بالأذكار؟ يعني... إنت عديت أكتر من تمن ساعات.. بالكلمات؟
_آه.. يلا بقا.
_طب مفيش حاجة نتوضى بيها.
سكت مصطفى قليلًا وهو يفكر، ثم قتل:
_تراب الزنزانة إحتمال يكون نجس من تبول المعتقلين فيه ودم تعذيبهم..
لم يلبث بعدها أن اقترب من إحدى الشقوق الضيقة في الحائط، وذكر الله حتى اندفعت نافورة ماءٍ صافية من بين الشقوق ليسرع كلاهما ويتوضآن بها، بينما كان سليم يشرب منها بنهمٍ ظاهر، يروي ظمأً طال أمده حتى كاد يحرق حلقه. وحين انتهيا، توقفت النافورة كما بدأت، على نحوٍ مفاجئ.
وقف مصطفى بثبات، واصطفّ سليم خلفه، وفي قلب الزنزانة الضيقة، بين جدرانٍ صماء وقيودٍ خفية، أقاما الصلاة، بخشوعٍ صامتٍ، ولحظة جعلت فوق المكان سقفًا من السكينة المؤقتة.
وحين انتهيا، كاد سليم أن يحدث مصطفى، لكنه وجده قد عاد فورًا إلى الأذكار، لسانه لا يهدأ، وجسده ما يزال جالسًا جلسة الصلاة. تراجع سليم عن الكلام، واتجه نحو الحائط، أسند ظهره إليه في مللٍ ممزوجٍ بترقبٍ ثقيل، وعيناه معلقتان على المجهول.
مرت دقائق قليلة، ثم سكت مصطفى أخيرًا، والتفت إلى سليم، وقال بابتسامةٍ طفيفة، تحمل في طياتها تأكيدًا على أنه كان واعيًا برغبه سليم في التحدث:
_قول يا سليم.
_أقول ايه؟
_اللي كنت عايز تقولهولي.
سكت سليم قليلًا، والكلمات تتردد داخله قبل أن تخرج، ثم قال:
_لا بس... مستغرب ليه مش عايزين تستخدموا قوتكم عشان نخلص من اللي إحنا فيه دا؟
اقترب مصطفى منه وجلس إلى جواره، وقال بصوتٍ منخفض متزن:
_وبعد ما نستخدم قوتنا ونهرب؟ هيحصل ايه؟ هنعيش طول حياتنا بنهرب؟
تنهد سليم بضيق، وقال متبرّمًا:
_أنا بس مش فاهم إزاي ياسر حبيبك وحبيب عصام يعمل فينا كدة؟
سكت مصطفى قليلًا وهو شاردًا في التفكير، ثم قال:
_نحاول نحسن الظن... إحتمال هو اللي يطلعنا ويفهمنا في الآخر إزاي دا حصلنا.
ظل سليم يحدق في وجه مصطفى، في ملامحه الساكنة التي لا تفشي شيئًا عمّا يعتمل في داخله، ثم قال بنبرةٍ تحمل قهرًا خفيًا:
_إنت متستحقش كدة.
نظر إليه مصطفى مستفهمًا، وقال بهدوء:
_مستحقش إيه؟
_إنت مش شايف بنفسك؟ إنت قاعد عادي أكنك قاعد في صالة بيتكم.. إنت.. إنت اتعودت على المكان دا يا مصطفى واللي شبهة، أنا مخنوق ومش طايق نفسي وأنا قعدت كام ساعة بس وحاسس إن كرامتي اتهانت وكرهت نفسي لما مسكوني وحطوني في العربية دي. إنما إنت.. إنت حصلك أسوء من كدة بمليون مرة وبترجع لينا بتتعامل معانا بحب وبشكل عادي وطبيعي جدًا... انت إزاي بتعمل كدة؟ إزاي بيجيلك نفس تبتسم حتى؟!
ظل مصطفى ينظر إليه صامتًا، حتى أردف سليم، وقد انكسر صوته قليلًا:
_إنت متستحقش اسلوب الحياة دا لأنك .. أحسن مننا كلنا..
_أنا مش أحسن من حد.
سكت سليم، مطأطئًا رأسه، يحدق في الأرض، فيما كان عقله مشحونًا بإدراكٍ قاسٍ ينهش داخله، قبل أن يقول:
_في كل مرة بواجه فيها حاجة بسيطة من اللي كنت بتواجهوها طول حياتكم... بتصدم، بفضل إزاي كنتوا عايشين كدة إزاي أنا.... إزاي أنا كنت متدلع كدة عنكم، وأنا بغبائي بعمل فيها أكتر واحد فيكم اللي فاهم واذكى واحد فيكم وأنا حرفيا عيل عبيط.
مدرمصطفى يده ووضعها على ظهر أخيه، وقال بنبرةٍ هادئة دافئة:
_متقولش على نفسك كدة، كل واحد وربنا بيبتليه على قدر تحمله، متقولش على نفسك عبيط لمجرد إنك معانتش المعاناة بتاعتنا.
رفع سليم عينيه إليه، فتبسم مصطفى له ابتسامةً مطمئنة، ووضع يده على وجنته بحنوٍ اخوي، وقال:
_وأنا في سنك كنت ضايع.. فاشل.. وبعمل أسوء وابشع الحاجات اللي ممكن تتخيلها، إنت لازم تفتخر بنفسك، إنت عالم وبتعمل دكتوراه وإنت في السن دا.. احمد ربنا وقوي إيمانك بيه، لإن مش كل الابتلاءات بتبقا بحاجة وحشة.. لا بتبقا بحاجة حلوة كمان، فربنا بيبتليك بنعيم الدنيا عشان يختبرك هل هتحمده وتقرب منه وسط النعيم دي ولا لا.
ساد بينهما سكون عميق، سكون ممتلئ بكلماتٍ استقرت في قلب سليم، وأعادت ترتيب شيءٍ مكسور في داخله. سكت سليم قليلًا، وهو يحدق في مصطفى، يتأمل بشاشة وجهه النقي وطمأنينته الصامتة، ثم قال بصوتٍ خافت:
_أنا آسف يا مصطفى..
_على إيه يا حبيبي؟
_قبل ما نسافر... مكنتش عايزك تيجي وقولت عليك نكدي، أنا اسف، أنا كنت... أنا كنت تعبان في دماغي وما زلت تعبان في دماغي.
ابتسم مصطفى ابتسامة نقية، ومال نحوه، وجذب رأس سليم إليه، ووضعها بين صدره ونحره، يحتضنه في صمتٍ دافئ، ويربت عليها بحنانٍ أبوي، يزرع الطمأنينة والتسامح فيه، دون حاجةٍ إلى كلمات.
وفي الزنزانة الأخرى، حيث عصام وعلا، كانت علا جالسة تحدق في الفراغ، عقلها يعمل بلا توقف، أفكارها تتناسل في صمتٍ مرهق. أما عصام فكان نائمًا نومًا غافلًا لدقائق معدودة، قبل أن يستيقظ فجأة منتفضًا، وقد أُفزع من كابوسٍ داهم.
أخذ ينظر حوله بعينين مذعورتين، ثم قال بصوتٍ متوتر:
_إحنا لسة هنا؟
نظرت إليه علا دون أن تجيب، فنهض عصام على الفور واتجه نحو الباب، وبدأ يطرقه بقوةٍ غاضبة:
_أنا عارف إنكم سامعني! أنا مش جديد على شغلكم الوسخ دا أنا اقدم منكم كلكم! عيب تعلموا كدة أنا اللي قبضت على أدهم، أنا عملت حاجة جيشكم مقدرش يعملها!
ركل الباب بقدمه في غضبٍ أعمى، ثم عاد إلى علا وجلس قبالتها، متهيجًا مستاءً، وقال:
_مستحيل يكون ياسر أمرهم بكدة.. ولو أمرهم يبقا أكيد في خطه في دماغه أكيد.
ظلت علا صامتة دون اي رد فعل. وبعدما هدأ نظر إليها عصام، وقلبه يرتجف من رهبة اللحظة التي هما فيها، تلك اللحظة التي تمناها لأشهرٍ طويلة، فتنفس بعمق وقال:
_على الأقل قعدونا سوا لوحدنا، عملوا المستحيل.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه علا، فبادلها عصام ابتسامةً أوسع، وقال:
_فاكرة أول ما عرفنا بعض؟ كنا بنقعد دايما سوا.. ونتكلم في قضايا أدهم، ونتناقش، وننزل سوا نحقق، كانت أحلى أيام حياتي، جربت فيهم شعور عمري ما حسيته من أول ما اتولدت..
نظرت إليه علا وسألته بهدوء:
_شعور إيه؟
سكت عصام برهة، كأنه ينقب داخل نفسه عن إجابة، ثم قال:
_مش عارف.. من كتر ما هو جديد عليا مش موجود له كلمة في قاموسي، ب.. بس هو شعور حلو.. حلو أوي، شعور شبه نقاء الماية.. أو ملمس السحاب.
ابتسمت علا في صمت، ابتسامةً طفيفة بالكاد تُرى، بينما ظل عصام ينظر إليها، يراقب تفاصيل ملامحها بعينٍ لا تشبع، قبل أن يقول بصوتٍ خافتٍ مثقل:
_بس للأسف، أنا خسرت الشعور دا ومعرفش هيرجع ليا تاني ولا لا.
نظرت علا إليه وهي تقول بابتسامتها الطفيفة، ابتسامة خالية من الوهم:
_لا مش هيرجع، اتأكد من كدة.
اختفت ابتسامته في الحال، وتضخمت الغصّة في حلقه حتى كادت تخنقه.. أومأ برأسه في استسلامٍ صامت، ثم أسند ظهره إلى الحائط، منكفئًا على نفسه، غارقًا في صمتٍ ثقيل. ولم تتركه علا طويلًا على تلك الحال، بل عادت تقول، بصوتٍ هادئ في نبرته، قاسٍ في معناه:
_لما اتقابلنا في سانكتوريا حاولت، وكنت عايزة، كنت عايزة ارجعلك زي زمان.. بس صعب يا عصام، كل مرة بقعد فيها مع نفسي وأقول أنا هسامحه وهتعامل معاه بشكل طبيعي لإن هو خلاص اتعاقب... أرجع وأشوف وش سلمى قدامي.. ارجع وافتكر نظرتها وهي بتطلع من اوضتك اليوم دا وهي بتجري عليا..، وبتخيل إنت كنت بتعمل فيها إيه من دقايق.
كانت كلمات علا كالأسيـاخ المنصهرة، تُغرس واحدةً تلو الأخرى في عقل عصام، فأمسك رأسه بكلتا يديه، وشد على شعره بعنف، كأنما يحاول اقتلاع الذكرى من جذورها، صامتًا، منهكًا، يستمع ولا يملك مهربًا. انهمرت الدموع من عيني علا، وانكسر صوتها وهي تواصل:
_أظن إني مسألتكش السؤال دا قبل كدة.. وأظن إن دا الوقت المناسب اللي اسألهولك.
سكتت لحظة.. فقد أثقلها وقع السؤال قبل أن يُقال، ثم نطقت به أخيرًا:
_إنت عملت كدة ليه؟
حرّك عصام رأسه ببطء، وصوته يرتجف بالخزي والقهر وهو يجيب:
_مفيش مبرر للي عملته... مفيش ليه..
_أنا عارفة إن مفيش مبرر، أنا عايزة أعرف تفكيرك وقتها كان عامل إزاي... أرجوك جاوبني بصراحة أنا فعلا عايزة أعرف.
_مش هيفيد بحاجة يا علا.
قالت علا بنبرةٍ صارمة، قاطعة، لا تقبل مراوغة ولا هروب:
_أنا عايزة أعرف!
صمت عصام طويلًا، صمتًا ممتدًا كهاوية، وأغمض عينيه بقوة، يحاول أن يجبر نفسه على الغوص في تلك الذكريات، يتقدم داخلها بتوجع عنيف، كما لو كان يسبح عاريًا في حممٍ بركانية. وحين عاد للكلام، خرج صوته مثقلًا محترقًا:
_كان الغضب عاميني، لما رحمة الله يرحمها رفضتني بعد ما حاولت عشانها... ووقتها نيتي الوسخة ظهرت، حسيت إن كرامتي اتجرحت، حسيت إني مبقيتش مسيطر على حد زي ما ببقا متعود، أحمد سابني، ورحمة سابتني.. حسيت إن محدش بقا بيعملي قيمة... ووقتها هي جت في بالي وبدأت استغلها عشان أحس بإحساس القيمة والسيطرة المزيفين، ابتزيتها لحد ما جت لعندي.. وعملت اللي عملته معاها عشان أثبت لنفسي إن لسة عندي قوة، إني لسة مسيطر وقيمتي عالية وإن محدش يقدر يقف قدامي، وإن لسة عندي كرامة، كل دا كنت عايز أحس بيه من خلال إني أعمل الجريمة دي لطفلة ضعيفة عندها ١٥ سنة... ١٥ سنة...
انهارت دموع عصام، وانحنى يمسك برأسه من جديد، فثقل ما فعله كان أكثر سحقًا للعقل، وكلما ازداد وعيه بحجم الجريمة، ازداد اختناقه وجنونه. كانت علا تحدق فيه بعينين ثابتتين دامعتين حين قالت:
_مكانتش شهوة يعني..
هزّ عصام رأسه بعنف، وقال بصوتٍ مبحوح متكسّر:
_الاغتصاب عمرة ما بيبقا من شهوة... أي مجرم مغتصب يقولك إنه عمل كدة عشان هو شهوته زادت منها فدا كدا ابن ******، الاغتصاب دايما بيستخدموه عشان يفرضوا نفسهم.. ويحسوا إنهم اقويا.. بيستخدموا عضو في جسمهم على إنه سلاح، وهما بيشوفوه كدة بالفعل، بيهددوا الضعيف بيه وبيتفاخروا بيه، الرجالة مش شهوانيين.. دي حجة عبيطة عشان يعملوا الجرايم دي.
أنهى عصام حديثه وساد الصمت من جديد. ظل عصام يحدق في الأرض، ودموعه لا تتوقف، ثم رفع يده وأزاح خصلات شعره الذهبي عن جبينه، وقال بصوتٍ مُنهك، خالٍ من الدفاع، مثقل بالانكسار:
_أديني جاوبت.. ريحت فضولك كدة؟ استفدتي حاجة؟
ظلت علا صامتة، تحدق في الحائط بعينين منهكتين مستاءتين... وبعد لحظةٍ ثقيلة، تكلمت بصوتٍ منخفض، متعب، لا يحمل غضبًا بقدر ما يحمل فراغًا موجعًا:
_لا بس.. كنت عايز أعرف لو فيه رد جديد... بس ردك هو نفسه اللي تخيلته، بس على الأقل المجرم لازم يرجع ويفكر كانت إيه دوافعه عشان يعمل الجريمة دي...
رد عصام بسرعة:
_دي مش دوافع.. دا شر وغباء..
ساد صمت آخر، صمت أعمق، قبل أن تتكلم علا من جديد، ببطءٍ محسوب:
_يعني إنت لو سألتني قتلتي ابنك ليه؟ هقولك دوافع.. وإنه مكانش ينفع يعيش، والأحسن ليه إنه يموت، وإن ولادته مش هتفيدني ولا هتفيده بحاجة.
رفع عصام بصره إليها، ونظر لها بتعجبٍ طفيف، وقال:
_بس انتِ مقتلتيش ابنك.
نظرت علا إليه نظرةً ثابتة، هادئة حد القسوة، وقالت:
_مقتلتوش؟
_لا...
_اه... عندك حق... أنا مقتلتوش فعلا، أو يمكن قتلته يعني... توقع أي حاجة معرفش... بس أكيد انا مش هقتل ابني يعني اه... مقتلتوش.
وترددت كلماتها بين الجدران، غير مكتملة، متكسرة، تحمل في طياتها حقيقة لا تُقال كاملة، ولا تُحتمل إن قيلت، فيما ظل الصمت يبتلع ما تبقى من المعنى، ويترك خلفه ثقلًا خانقًا لا إسم له.
في تلك اللحظة، التقطا معًا وقع أقدامٍ يقترب، صوت ثقيل منتظم يزداد وضوحًا مع كل ثانية. شدت علا حجابها سريعًا فوق رأسها، ونهض عصام في الحال، متقدمًا خطوةً أمامها، جسده متحفز، واقفًا كحاجزٍ غريزي يحاول أن يحميها من أي اندفاعٍ قادم.
لم تمض لحظات حتى فُتح الباب بعنف، واندفع إلى الداخل عدد من العساكر، اقتحموا الزنزانة كعاصفةٍ مفاجئة وأمسكوا بهما دون كلمة، بقبضات قاسية وأيدٍ لا تعرف التفسير. حاول عصام أن يسأل، أن يفهم، لكنهم ظلوا صامتين.
فنظرت علا إليه، وفي عينيها رسالة صامتة ألا يقاوم، أن يلتزم بما أوصاهم به نوح، وأن يتركوا الأحداث تمضي حتى تنكشف نهايتها، أيًّا كانت، ليستجي عصام ويكبح اندفاعه، وسلّم جسده للقيود دون صراع.
وُضعت قماشة سوداء على أعينهم، فابتلع الظلام الرؤية، وسُحبوا الستة مجددًا خارج الزنزانة، وخطواتهما تتعثر في الممرات الباردة. وأُدخلا السيارة ذاتها، وانطلقت بهما بسرعة، تشق طريقًا مجهولًا، لا يُعرف له اتجاه ولا مصير، سوى ذلك الإحساس الثقيل بأن ما هو قادم سيكون أثقل من كل ما مضى.
**********
بالتزامن مع ذلك، كانت نجلاء ما زالت في الغرفة.. جالسة على السرير، تحدق في الفراغ بعينين غارقتين في شرودٍ ثقيل، تتحسس بيدها بطنها المستديرة في حركةٍ لا واعية، كأنها تطمئن قلبها قبل أن تطمئن جنينها. وكانت تتمنى بصدقٍ موجِع، لو ظل ابنها حبيس رحمها إلى الأبد؛ أن تحميه داخلها من قسوة هذا العالم، وأن تؤجل خروجه حتى ينقضي أمر نور وسردار، فيأتي إلى الحياة آمنًا، غير مهدد، وهو لا يزال بملامح لم تكتمل، وجفونٍ لم تعرف بعد معنى الخوف.
جلست شاردة وشعور الاعتياد يخنقها أكثر مما يخنقها الخوف ذاته؛ ذلك الاعتياد المرعب الذي تسلل إليها طيلة الوقت، فباتت لا تُصدم بما يحدث، ولا تنتفض له كما ينبغي. لم تكن تتمنى هذا أبدًا؛ لم تكن تتمنى أن تعتاد الأهوال، ولا أن يصبح فقدان زوجها أمرًا مألوفًا، ولا أن يمر تعذيبه وحبسه في روحها مرور العاديّات.
هنا دخلت غادة الغرفة وهي تحمل بين يديها أكياسًا صغيرة تضم بعض المكسرات والفواكه المجففة الصحية. اقتربت منها بهدوء، وجلست إلى جوارها، وقالت بنبرةٍ حانية:
_مريم قاعدة مع ديميت وريان ومتطمنة، خدي بقا كلي دول وإنت قاعدة.. متقعديش من غير أكل.
ارتسمت ابتسامة واهنة على شفتي نجلاء، وأمسكت بالأكياس وهي تقول بصوتٍ خفيض:
_خايفة اكل دلوقتي... مظنش إن دي فكرة كويسة.
ظلت غادة تنظر إليها باهتمامٍ مشوب بالقلق، ثم قالت محاولة الفهم:
_خايفة ليه؟ إنتِ مأكلتيش كويس.. وما دام صاحية كليلك أي حاجة.. إنتِ أعلم مني في الموضوع دا.
حدقت نجلاء في الفراغ بصمتٍ تام، تحاول تجميع شتات أفكارٍ ثقيلة، قبل أن تقول أخيرًا:
_علاقتي بالأكل مش بالبساطة دي.
اقتربت غادة أكثر، وجلست بمحاذاتها تمامًا، في حركةٍ تعبر عن رغبتها الصريحة في البقاء والاستماع، فاسترسلت نجلاء تقول، وقد انكشف شيء من وجعها الدفين:
_دايما شعور الذنب بيلاحقني في كل مرة باكل فيها ومصطفى بعيد عني.. أو لو هو مهموم من حاجة... أو لو في حد قريب مني بيعاني وأنا قاعدة باكل كدة من غير ما اساعده...، فمبقيتش بشوف الأكل غير وسيلة تنفيس.. آكل كتير وأنا زعلان أو وأنا فرحانة... بعدها أحس بالذنب واقرر ارجّع كل اللي أكلته، وأنا مش عايزة أعمل كدة دلوقتي..
أنهكتها الكلمات فتنفست بعمق، ثم قالت بصوتٍ مثقل:
_خسرت تلاتة من عيالي بسبب الموضوع دا.. بس الحمدلله إن إنتوا وعلا كنتوا معايا في حملي ليحيى.. من غيركم كان هو هيروح برضو.
بدت الكلمات أثقل من أن يُرد عليها سريعًا، فسكتت غادة برهة، ثم قالت بهدوءٍ متروٍّ:
_لما نوح كان بعيد عنك طول السنين دي... كنتي بتفكري فيه وبتحسي بالذنب ناحيته بعد ما تاكلي؟
نظرت نجلاء إلى غادة نظرةً طويلة، منكسرة، يختلط فيها الذهول بشيءٍ من الاعتراف المؤلم، ثم قالت:
_أيوة.. وبصراحة متعجبة إنك قولتي كدة لإن.. أنا ذات نفسي مكنتش عايزة اصارح نفسي بدا، أعتقد كل اللي بيحصلي دا عقاب في إني قررت اسيبه لوحده وابدأ حياة جديدة.. اكدب فيها على نفسي إنها جديدة.
عقدت غادة حاجبيها، واعتدلت في جلستها، وقالت بنبرةٍ جادّة:
_عقاب ليه؟ نوح مش طفل عشان تهتمي بيه، ولا هو ابنك عشان تشيلي مسؤوليته.
أجابت نجلاء على الفور، وهي تتشبث بآخر مبرر:
_بس عمتو وصتني عليه.
قالت غادة بهدوءٍ حاسم:
_بس مكنتيش تعرفي كدة.. الوصية دي شوفتيها من كام شهر.
ظلت نجلاء صامتة، وهي تحدق في الفراغ بعينين غارقتين في أفكارها، ثم عادت تنظر إلى غادة، وقالت لها بابتسامة خفيفة:
_حاسة إنك متماسكة المرة دي.
ابتسمت غادة وقالت:
_خلاص بقا، اتعودنا.
هنا ضحكت غادة ضحكة قصيرة وهي تعقد حاجبيها من شدة الإحراج، ثم قالت وقد هزت رأسها مسترجعة ذكرى موجعة بسخريةٍ مريرة:
_فاكرة لما روحت لنور عشان يرجعلي نوح من روسيا؟ إيه العبط اللي كنت فيه دا؟
ضحكت نجلاء، فضحكت غادة معها، وتبادلا ضحكاتٍ ممزوجة بالمأساة، وقد أصبح الضحك وسيلتهما الوحيدة لمقاومة ثقل الحياة. وبعد أن هدأت ضحكاتهم، قالت غادة بصوتٍ أقل خفة وأكثر صدقًا:
_أنا مش عارفة حتى أعِد كام مرة نوح غاب عني فيها، أنا اتعودت إنه يبقا بعيد عني لدرجة إني بقيت بستغرب وجوده جنبي على السرير.
أومأت نجلاء برأسها ببطء، وقالت بنبرةٍ مشاطرة:
_حاسة بيكي.
ساد بينهما صمت شبه طويل، قبل أن تقطعه غادة فجأة، وقد بدا عليها التردد:
_نجلاء، أنا مش عايزاكي تزعلي مني.
رفعت نجلاء عينيها إليها، فاسترسلت غادة على الفور:
_عشان أخدت مادة النخاع من مريم من غير ما اقولك.. بس صدقيني أنا عملت كدة حبًا فيكوا.
اعتدلت نجلاء في جلستها ببطء، حتى صارتا متقابلتين، ثم حدثتها بنبرةٍ صادقة حانية، تخلو من الاتهام:
_غادة.. أنا بس محتاجاكي تجاوبي على سؤالي بكل صراحة، ليه عملتي اختراع زي كدة؟ عشان تحمينا بس؟
أجابت غادة دون تردد، وقد بدا الإصرار في عينيها:
_والله يا نجلاء هو دا السبب، صدقيني دي نيتي من الابتكار دا، الاختراع دا أنا بشوفه مجرد درع ليكم، والنسخة اللي هي منكم مجرد طعم تتحكموا بيه بنفسكم، حتى نوح حذرني إن بعد ما كلنا ننجوا ونقتل نور وسردار وأدهم ادمر الاختراع دا وأحرق كل ملفاته.
ظلت نجلاء تتأمل غادة بعينين ممتلئتين بالحنية والقلق والحزن في آنٍ واحد، ثم تبسمت، ومدت يدها لتضعها على وجنة غادة في لمسةٍ دافئة، وقالت بصوتٍ خافت:
_قد إيه يا غادة انتِ إنسانة شغوفة وعبقرية.. وقد إيه دي حاجة ترعبني.
سألت غادة باهتمامٍ صادق:
_ترعبك ليه؟
طال صمت نجلاء، وتتأمل ملامح غادة الشابة اليافعة، تمرر يدها على شعرها في لفتةٍ حنونة، بعينين تلمعان بقلقٍ مكتوم، تظهر مدى خشيتها على هذا الوجه الصغير من قسوة ما ينتظره، ثم بدأت حديثها بسؤالٍ خرج هادئًا، محملًا بما وراءه:
_قوليلي يا غادة.. إنتِ دخلتي المجال عشان تفيدي الناس؟ ولا عشان يبقا عندك مكانة في المجتمع؟
سكتت غادة برهة، وهي تزن الإجابة داخلها، ثم قالت بتلقائية:
_مينفعش يبقا عشان الاتنين؟
ابتسمت نجلاء ابتسامةً خفيفة، وقالت بنبرةٍ عارفة:
_ينفع.. بس في واحدة منهم لو صدقتيها أوي ممكن تستائي... لأنك مستحيل توصليلها، عشان مفيش واحدة في العالم دا وصلتلها.
سألت غادة، وقد انعقد فضولها:
_قصدك على المكانة؟
أومأت نجلاء برأسها، فامتعضت غادة وقالت باستغرابٍ واضح:
_ليه يعني؟ مش فاهمة قصدك.
عادت نجلاء إلى صمتها، وأشاحت ببصرها نحو الفراغ، وقد ترددت في ذهنها كلمات محددة من زمن بعيد، كصدى قديم لم يخفت يومًا. ثم أعادت نظرها إلى غادة، وقالت بصوتٍ هادئٍ قاطع، كمن يقرّر أن يقول الحقيقة كاملة:
_الست في ايدولوجيات كل العصور من بداية الخليقة كان بيتم النظر ليها بنظره ناقصة، نظرة مزيفة، مهما اثبتي ليهم إنك ذكية هيشوفوا الراجل اللي عنده ذهان أذكى منك، مهما اثبتي ليهم إنك نقية هيشوفوا الراجل الزاني أنقى منك، مهما اثبتي ليهم إنك إنسانة هيشوفوا الكلب أوفى منك، مهما اثبتي إن عندك عقل بيفكر بشكل سليم هيشوفوا إنك مجرد جسم فيه احاسيس مزيفة بيتم استعماله واستهلاكه لصالحهم، مهما حاولتي يا غادة.. مش هيشوفوكي بالنظرة الطبيعية.. مهما عملتي.
ظلت غادة تحدق في نجلاء بدهشةٍ صامتة، فلم تكن تتوقع هذا العمق ولا هذه القسوة في الرؤية تخرج من فم نجلاء تحديدًا، ثم قالت:
_متوقعتش ابدًا كلام زي دا يطلع منك بالذات... يعني الكلام دا في الغالب بيقولوه....
قاطعتها نجلاء بهدوء:
_النسويات؟
أومأت غادة برأسها، فتابعت نجلاء بصوتٍ ثابت لا يحمل دفاعًا بل تقريرًا:
_الموضوع مالوش علاقة بالنسويات، دا تاريخ مسجل.. وآلاف السنين من الظلم والتلاعب والاستغلال في كل البلدان والقارات، وديننا بيعترف بدا وبيدي حلول لدا.. بس في العالم دا، اللي بيتحكم فيه جنس معظمة عاشق للكبرياء والعنف وللابادات.. طبيعي يتلاعب في الدين بل دي أسهل حاجة يعملها كمان.
قالت غادة، وقد امتلأ صوتها بالحيرة الصادقة:
_طب.. ليه؟ ليه العالم ماشي على النظام دا من آلاف السنين مش فاهمة؟ يعني كل حاجة بتطور إلا تفكير الرجالة عن الستات؟
سكتت نجلاء مدة أطول، كأن كلماتها تحتاج إلى تهيئة النفس قبل أن تُنطق، ثم قالت بصوتٍ هادئٍ ممتلئ باليقين العميق:
_في حديث صحيح عن الرسول ﷺ دعى دعائه "اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ"، الحديث اتشرح بوجهات مختلفة عن ربط الرسول ﷺ المرأة باليتيم، ومنها تشبيه معاناة النساء بمعاناة الأيتام، لأن الأيتام.. مهما عاشوا محدش أبدًا هيساويهم باللي عندهم أب وأهل ودا شيء مؤسف ولكنه مستحيل أبدًا يتغير مهما انتشرت الشعارات عن معاملة اليتيم بالمساواة..، مستحيل أبدًا يعاملوه بمساواة..، دايمًا هيتم تفرقتهم، دايمًا هيتم النظر على إنهم ناقصين حاجة، وهيعيشوا بمعاناة نظرة المجتمع ليهم طول حياتهم. ودا بالظبط اللي النساء بتعيشه، فالضعف هنا هو ضعف إجتماعي، ضعف المجتمع بيلزقه بالإجبار في الشخص لإنسان إنه يتيم أو لمجرد أنه امرأة، ومهما عملت الست في المجتمع مستحيل يشوفها إنسانة طبيعية كاملة... ودا الضعف اللي المجتمعات أجبرتنا نعيشه، ودا الأسلوب اللي الدين والقرآن والسنة والشرع أوصوا بتغييره.. بس مفيش حاجة هتتغير لحد يوم الدين.
ظلت غادة تحدق في نجلاء بنظرة مختلطة من الاستياء والدهشة المكسورة، وعيونها لامعة بدموع الخذل، ثم قالت بصوتٍ مرتجف:
_وانتِ بتقوليلي الكلام دا ليه؟ أكيد مش عايزاني اقعد في البيت وميبقاش ليا مستقبل صح؟
اقتربت نجلاء من غادة برفق، ووضعت يدها على يدها، محاولةً أن تُخفف من ثقل الكلمات وتواسي قلبها، وقالت بنبرةٍ حنونة:
_أنا بقولك الكلام دا عشان دا نفس الكلام اللي قالتهولي عمتو.
ارتسمت على وجه غادة علامات الدهشة، وقالت مستغربة:
_بروفيسور ليلى؟
أومأت نجلاء برأسها، ثم تابعت بنبرةٍ صادقة ومليئة بالحزم:
_وغرض كلامها دا هو إني استوعب نظام العالم اللي إحنا عايشين فيه، عشان يكون هدفي الأول في مجالي إني افيد الناس.. خصوصًا البنات، فتوصية الرسول ﷺ بالنساء لو الرجالة فشلوا في تنفيذها احنا كنساء نقدر ننفذها بنفسنا، وبرغم إن عمتو قالتلي كل دا... إلا انها وقعت ضحية للنظام دا.. ورغم عبقريتها ومكانتها العلمية الكبيرة... إلا انهم بصولها من نفس النظرة، إنها مجرد جسم.. مجرد أداة.. وهي مكانش عندها حل غير إنها تستسلم، واستسلامها دا ضيعها هي.. وبابا.. ونور، وضيع نوح بشكل أو بأخر.
اقتربت نجلاء أكثر من غادة، ونظرتها اشتدت حزمًا وإصرارًا، وقالت بصوتٍ خفيض لكنه قوي ومفعم بالتحدي:
_بس إنتِ مش هتغلطي غلطتها، وهتكملي في مسيرتها من غير ما تئذي نفسك ولا تئذي حد! وتركزي مجالك على مساعدة النساء، لان لحد دلوقتي النساء بيتم اهمالهم طبيًا وعلاجيًا حول العالم بسبب نقص الكشف الدقيق على أمراضهم وأجسادهم الخاصة.. ليلى شاركت في مساعدتهم بس ملحقتش.. إنتِ تقدري تكملي طريقها!
تحولت نظرات غادة من كسرة يائسة إلى حزمٍ متقدّ، وقلقٍ يختلط بعزمٍ يحاول أن يزرع الثقة والمسؤولية في قلبها. ارتسم على ملامحها مزيج من القوة والخوف، ثم قالت بنبرة صادقة تحمل وزر العزم:
_دا شرف ليا إنك تثقي فيا إني امسك مسؤولية زي دي، واوعدك مش هخذلك، بس بشرط... تبقي جنبي دايما في مشواري لإنك إنتِ كمان هتكملي مسيرة ليلى وكلنا هنحقق اللي هي عجزت تحققه.
ابتسمت نجلاء في صمتٍ، ثم قالت بهدوءٍ وثقة:
_لو فيه حقنة هنا.. تقدري تجيبيها.. وتاخدي مني مادة النخاع.
اتسعت عينا غادة بفرحةٍ عارمة، وكأن العالم بأسره اتسع أمامها، وقالت ببهجةٍ طفولية:
_يعني وافقتي؟
أومأت نجلاء برأسها وهي تضحك بخفة، فانطلقت غادة فجأةً، وقفزت من مكانها وركضت خارج الغرفة، تبحث بحيوية عن أي حقنة موجودة في البيت، وعيناها تتلألأان بمزيج من الترقب والفرح، وكأن كل خطوة تخطوها تقربها من تحقيق هدفٍ أكبر من نفسها.
**********
حين أُخرج الإخوة من زنازينهم، كان فياض جالسًا وحيدًا في زنزانةٍ أخرى، معزولًا عن كل ما يجري في الخارج، لا يستشعر أي علامة تدل على اضطراب العالم خلف الجدران السميكة. ومع ذلك، ظل متماسكًا، صبورًا، يحصي الساعات بصمتٍ ثقيل، يراقب أنفاسه، ويشدّ على أعصابه انتظارًا لما لا يعرفه.
لكن فجأة شق السكون صوت ضجة عنيفة في الخارج.. طلقات نارٍ متلاحقة، صراخ رجال، ارتطام أقدام، وبلبلة مكتملة الأركان. نهض فياض بحذرٍ مشوبٍ بحيرةٍ خانقة، يقترب من باب زنزانته قدر ما يسمح به القيد، يتابع ما يحدث دون أن يراه، فيما كانت ملايين السيناريوهات تتصارع داخل رأسه، وكلّها تنتهي نهايةً واحدة لا لبس فيها.. أنها ليست جيدة بالنسبة له.
ثم، كما بدأت، خمدت الأصوات تدريجيًا.. وسكن المكان على نحوٍ مريب، حتى دوى صوت المفاتيح، واقتربت خطوات ثقيلة، ثم فُتح باب الزنزانة بعنفٍ مفاجئ جعل فياض ينتفض في مكانه، وحين رأى من دخل كان أخر شخص قد يتوقعه ابدًا.
كانت كاجويا..
شعرها مبعثر، ملامحها مشدودة، وسيفها مغمور بالدماء حتى قبضته، تلهث بقوة كأنها تنفث نارًا من صدرها. وقفت لحظة عند الباب، حادة كحدّ السيف الذي بيدها، ثم ما إن وقعت عيناها على فياض حتى لانت ملامحها، وتخلّت عن صلابتها، وألقت بالسيف أرضًا، واندفعت نحوه لتحتضنه بقوة.
_فياض، إنت كويس يا حبيبي؟ عملولك حاجة؟
أحاطها فياض بذراعيه بذهولٍ كامل، مصدومًا إلى حد فقدان القدرة على النطق. وحين ابتعد قليلًا ونظر إلى وجهها، وخرج صوته أخيرًا، مشوبًا بالصدمة والإنكار:
_انتِ قتلتي الظباط والعساكر؟!
أجابت دون تردد:
_أه، تعالى يلا معايا.
ازدادت حيرته، وقال وهو يمتنع:
_أجي معاكي فين؟ فين العيال؟
_ملحقتش انقذهم عشان أخدوهم.. بس متقلقيش هنلحقهم تعالى بس وهطمنك بعدين متخافش أنا مش لوحدي.
شدت على يده بقوة، واندفعت راكضة، فانطلق خلفها دون مقاومة، يجر خطاه معها، مستسلمًا تمامًا لإيقاعها، لأنه ببساطة.. لم يكن يملك خيارًا آخر ذلك.
**********
عند انبلاج الفجر، وفي منزل رشا، كان جمال قد عاد محملًا بكل المستلزمات اللازمة، ثم غادر سريعًا إلى منزل مهاب مرةً أخرى، لسببٍ غامضٍ أصر على عدم الإفصاح عنه.
مرت ساعات طويلة منذ منتصف الليل حتى تلك اللحظة، ساعات ثقيلة مشبعة بالقلق والترقب. كان إسماعيل قد تلقى كمية الدماء الكافية، وساعد موريس في ذلك بخبرته الطبية التي اكتسبها خلال سنواته في العصابة. والآن، كان إسماعيل غارقًا في نومٍ عميق، بينما بدأ وعيه يعود إليه تدريجيًا، كمن يصعد ببطء من قاعٍ مظلم إلى سطحٍ ضبابي.
تسربت إلى سمعه نغمة صوتٍ جميلٍ يرتل القرآن بخشوع، وشعر بيدٍ دافئة تستقر على جبهته في حنانٍ بالغ. فتح عينيه على مهل، متثاقل النظرات، ليجد نفسه في غرفةٍ لا يعرفها، حرّك بصره إلى جواره، فرأى امرأةً مسنة تمسك برأسه، ملامحها وادعة، وصوتها يفيض بالطمأنينة وهي تتلو آيات القرآن.
تحرك إسماعيل محاولًا النهوض، فالتفتت إليه منى على الفور، وارتسمت على شفتيها ابتسامة حانية، تحمل دفء الأمومة الخالصة، وقالت:
_إسماعيل.. إنت كويس يابني؟
ظل إسماعيل يحدق فيها ثم في أرجاء الغرفة، بعينين مثقلتين بالحيرة والإنهاك، وقال بصوتٍ خافت متسائل:
_أنا فين؟
_إنت في بيت رشا، جيتوا على هنا يابني بعد اللي حصلكم، وموريس ورشا برا لو حابب اندهلك عليهم تكلمهم.
سكت إسماعيل لحظات، والكلمات تحتاج وقتًا لتستقر في رأسه من شدة ارهاقه، ثم قال بترددٍ واضح وهو يحاول الاتكاء للنهوض:
_ل.. لا.. أنا.. هقوم أنا.
هنا، كانت ميسم ورشا ومنار في غرفةٍ واحدة، والهدوء الثقيل يخيم على المكان، لا يقطعه سوى أنفاس منار الواهنة وهي ما تزال فاقدة الوعي. جلست ميسم قرب السرير، ملامحها مشدودة بالقلق، وعيناها لا تفارقان وجه منار الشاحب، ثم التفتت إلى رشا وسألتها بصوتٍ خفيض متوتر:
_ردت عليكي؟
أجابت رشا وهي تحدق في شاشة هاتفها:
_لا لسة.. بس هي طمنتني عليه مش عايزاكي تقلقي، ديميت مش من النوع اللي بتكدب.. ما دام هو كويس يبقا كويس.
سكتت ميسم قليلًا، وغاصت في أفكارها القلقة، ثم قالت بعد ترددٍ واضح:
_يعني ما فيني روح لعندو؟
رفعت رشا نظرها إليها، ونبرتها تحمل حزمًا مشوبًا بالحرص:
_أكيد مش دلوقتي، الصبح إن شاء الله هكلم سهام واستأذن منها لو ينفع نيجي.
تنفّست ميسم بعمق، ثم تمتمت بدعاءٍ خرج من قلبٍ مثقل بالخوف على الاخوات الستة:
_الله يرجّعن سالمين يا رب.
في تلك اللحظة، دوى طرق خفيف على باب الغرفة، تبعه صوت إسماعيل من خلفه، متعبًا لكنه واعٍ:
_رشا.
نهضت رشا سريعًا، وتقدمت نحو الباب، ثم خاطبته من خلفه بصوتٍ حريص:
_أيوة يا إسماعيل.. حاسس بإيه؟ احسن؟
جاءها صوته أكثر ثباتًا مما توقعت:
_الحمدلله، إنتِ كويسة؟ ومنار؟
أجابت رشا وهي تلقي نظرة سريعة على منار النائمة:
_اه الحمدلله، منار لسة نايمة.
أومأ إسماعيل برأسه خلف الباب، ثم تحرك مبتعدًا. وسمعت رشا وقع خطواته وهو يسير في الممر، لكنه توقف فجأة، وقد تذكر شيء جعله ينجذب للخلف عائدًا من جديد، ووقف أمام الباب وقال بصوتٍ متردد يحمل شيئًا من الاستفهام:
_بقولك يا رشا.. إنتِ ليه عملتي كدة؟
_عملت ايه؟
_رميتي نفسك في النار وقعدتي تدوري على حاجة... ضيعتي إيه غالي عشان تعملي كدة؟
ساد صمت قصير، شعرت فيه رشا بتوترٍ مفاجئ، وبحرارة الإحراج تصعد إلى وجهها. ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوتٍ خافت يحمل اعتذارًا صادقًا:
_أنا آسف.. دا كان عبط مني معلش.. أنا بس كنت مقهورة أوي لدرجة إني نسيت نفسي.
سكت إسماعيل، وبدا واضحًا أنها لا ترغب في الإجابة عن سؤاله، فاحترم صمتها، وقرر أن يتركها وشأنها، فاستدار ليغادر. وحين كاد يبتعد، جاء صوتها من خلفه، هادئًا لكنه مثقل بشيءٍ خفي:
_كانت علبة سدادات الودان اللي ادتهالي.
توقف إسماعيل في مكانه، وعقد حاجبيه في حيرةٍ واستغرابٍ شديدين. وقبل أن ينطق، أردفت رشا، وكأنها قرأت دهشته في صمته:
_أنا عارفة إن الموضوع عبيط ومش منطقي أعمل كل دا عشان سدادات ودان بس... أنا لما خسرتها حسيت بنفس الإحساس اللي خسرت بيها حاجة غالية أوي عندي.
جاءه صوتها صادقًا، عاريًا من أي تبرير.. فرد عليها بنبرةٍ تلقائية، خالية من الحكم:
_أقدر اجيبلك غيرها، بس مكنتيش تعملي كدة.
ابتسمت رشا ابتسامة خفيفة من رده العفوي، ثم قالت وقد انكشف ما كان تخفيه كلماتها:
_مش دا قصدي، الموضوع مرتبط برحمة صاحبتي اللي ماتت.. كانت زمان ادتني واحدة زيهم من غير ما أطلب لانها لاحظت إني محتاجاهم، ادتهملي لأنها اهتمت بيا وفكرت فيا، كانوا غاليين عليا أوي لكني ضيعتهم.. بس وقتها رحمة كانت عايشة فمهتمتش كتير، ودلوقتي.. لما ادتهملي خلتني أحس إن رحمة معايا تاني.. خلتني أحس إن في حد أهتم بيا وقرر يديني حاجة شايفها هتنفعني.. دي حاجة مهمة وغالية عليا أوي، ولما راحت مني.. حسيت إني خسرت تاني، مستحملتش الشعور دا.. فاتصرفت بشكل جنوني.
ظل إسماعيل واقفًا يستمع إليها في صمتٍ كامل، بينما كانت عيناه تهبطان ببطء إلى يده، ويتحسس إصبعه الخالي، حيث كانت ربطة الصوف الخاصة بهالة، تلك التي لم تعد موجودة. عبرت الذكرى داخله كطعنةٍ صامتة، ثم قال بصوتٍ ثابت:
_بس أنا لسة موجود.
ارتبكت رشا قليلًا من كلماته، وتساءلت بارتباكٍ صادق:
_يعني إيه؟
أجابها بهدوءٍ بصوته العميق:
_يعني.. أقدر اجيبلك غيرها وتسترجعي الشعور اللي حسيتيه من رحمة تاني، ولا وقتها هيكون قيمتها راحت؟
ارتسمت على شفتي رشا ابتسامة خجولة، تحمل امتنانًا غير معلن، ثم قالت:
_لا.. مش هتكون قيمتها راحت.
أومأ إسماعيل برأسه في صمت، وكأنه وجد إجابة تخصّه هو أيضًا، ثم استدار وسار مبتعدًا. سمعت رشا وقع خطواته وهو يبتعد في الممر، فالتفتت تلقائيًا، لتجد ميسم تنظر إليها بابتسامةٍ عريضة، دافئة، تحمل أكثر مما تفصح. ارتبكت رشا وقالت بسرعة:
_إيه؟ بتبصيلي كدة ليه؟
أجابتها ميسم ببساطةٍ هادئة، وابتسامتها لا تزال معلقة:
_لا ولا شي..
في تلك اللحظة، وبينما كان موريس جالسًا عند الشرفة، مسندًا جسده المتعب إلى حافتها الباردة، يحاول أن يترك لنسمات الهواء مهمة إخماد حرارة خيبته واستيائه، انشق السكون فجأة بصوتٍ مألوفٍ حمل رهبة خاصة:
«الله أكبر، الله أكبر»
انتفض موريس انتفاضة طفيفة، والتفت لا إراديًا إلى مصدر الأذان المنبعث من مسجدٍ قريب:
«الله أكبر.. الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح»
ظل موريس يستمع إلى الأذان في ارتباكٍ وتردد، وكأنه يسمعه للمرة الأولى. أحس بتوتر وحيرة شديدين، بشعورٍ غريب يتسلل إلى داخله دون استئذان يجعله يتساءل.. أهذا هو الوقت فعلًا؟ هل يناديني الله ليقف بين يديه حقًا؟ وهل امتلك الشجاعة ليعقد العزم على ذلك؟
_موريس؟
التفت موريس فجأة، فوجد إسماعيل يدخل إليه الشرفة. نهض موريس على الفور، وملامحه تجمع بين القلق والحرص، وقال وهو يطمئن عليه:
_إسماعيل، إنت كويس دلوقتي؟ كنت ارتاحت شوية.
ابتسم إسماعيل ابتسامة واهنة صادقة، وقال بنبرة هادئة مطمئنة:
_لا الحمدلله أنا بقيت تمام.. إنت طمني عليك.
سكت موريس وأومأ برأسه في صمتٍ ثقيل، ثم تنهذ بعمق وقال بصوتٍ خافتٍ مشوب بالقلق:
_أنا كويس بس.. معرفش هنفضل كويسين لحد امتى، زمان نور وسردار دلوقتي بيحضروا جيش عشان يبيدونا، وطبعًا.. هما فرحانين جدًا إن مصطفى مسجون دلوقتي.
لم يُنكر إسماعيل ما قاله موريس؛ كان يعذره تمامًا على هذا التفكير، بل شعر بالقلق ذاته يضغط على صدره. لكنه استنشق نفسًا طويلًا، واستمع لصوت أذان الفجر المتردد في الأفق، فانسابت دعواته خاشعة صامتة، دعوات خرجت من قلبٍ مثقل بالرجاء يسأل الله أن يفرّج كربهم، وأن ينجي مصطفى وإخوته من بطش الظالمين، وأن يحفظهم من مكر الكافرين.
ما إن هدأ داخله قليلًا، حتى رفع إسماعيل بصره إلى موريس، ونظر إليه نظرة عميقة تبحث في أعماقه، ثم قال بهدوءٍ مشوب باليقين:
_هو دا كان إنت؟
_كان أنا في ايه؟
_اللي نطقت الشهادة وقت ما طعنت نور من ضهره..
ساد صمت طويل بينهما، إلا أن تكلم موريس أخيرًا بصوتٍ ثابت لكنه يحمل ارتجافة خفية:
_أيوة أنا.
تمدد ابتسامة إسماعيل، ابتسامة عريضة مفعمة بالسرور والدهشة والحبور معًا. عندها أردف موريس، بنبرةٍ يختلط فيها التساؤل بالارتباك:
_أنا كدة بقيت مسلم؟
نظر إليه إسماعيل باهتمامٍ صادق وسأله:
_إنت مكنتش قاصد تقولها؟
حرك موريس رأسه في حيرة، وهو يقول بصوتٍ متردد:
_مش عارف.. هي طلعت مني كدة، مش ندمان على دا، بس أنا..
توقف صوته، وقد خانته الكلمات من شدة حيرته، فتدخل إسماعيل بنبرةٍ متفهمة دافئة، تحمل احتواءً أكثر مما تحمل سؤالًا:
_حاسس بتردد؟ ولا خايف من التغيير؟
ظل موريس صامتًا، عاجزًا عن إيجاد جوابٍ لما يعتمل في صدره؛ إذ لم يكن يدري في حقيقة الأمر، لماذا يتملّكه هذا الشعور الغريب على غير سابق إنذار. لاحظ إسماعيل ارتباكه، فابتسم ابتسامة هادئة، وقال بنبرة تحمل طمأنينة خفية:
_إنت فكرتني بحمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، هو برضو مكانش عامل حسابه يسلم وطلعت منه فجأة كدة من غضبه الشديد.
اتسعت عينا موريس دهشة، وتسلل إلى قلبه إحساس غامض بالألفة حين علم أن صحابيًا جليلًا قد مر بتجربة شبيهة بما يمر به الآن، فقال بفضولٍ صادق:
_بجد؟ إزاي؟
تنفس إسماعيل بعمق، واسترسل في الحديث:
_حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه كان عم النبي ﷺ، وفي مرة كان حمزة رضي الله عنه راجع من الصيد وكان في ايده قوسه اللي بيصطاد بيه، هنا جاتله ست بتقوله أن أبو جهل قعد يشتم في أبن أخوك الرسول ﷺ، فغضب حمزة رضي الله عنه وراح على طول على أبو جهل وضربه بالقوس على راسه وفتح دماغه فالرجالة انتفضوا عشان يدافعو على أبو جهل وقالوله: " ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت" فيرد حمزة ويقولهم: "ومن يمنعني وقد استبان لي منه ، وأنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزع، فامنعوني إن كنتم صادقين"، وهنا حمزة نطق الشهادة بشكل تلقائي وهو غاضب عشان يدافع عن الرسول ﷺ.
ظل موريس ينصت بانتباهٍ بالغ، فسأل باهتمام:
_وبكدة أسلم خلاص؟
_حمزة رضي الله عنه مر بنفس اللي إنت بتمر بيه حاليا بالظبط، فلما رجع لبيته بدأ الشيطان يوسوس له وتجيله أفكار ويقوله: "أنت سيد قريش، اتبعت هذا الصابئ، وتركت دين آبائك، الموت خير لك مما صنعت." حمزة بقا مهموم ومحتار ومتضايق ومبقاش عارف ياخد قرار.. لحد ما بدأ يدعي ويقول: "اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا." بدأ يدعي ربنا إن لو دخوله للاسلام في اللحظة دي كان كويس فربنا يثبته عليه.. ولو مش كويس.. فيديله علامة عشان يتخلص منه، وبعدها راح لإبن أخوه الرسول ﷺ وحكاله وبدأ الرسول يكلمه عن الدين بالراحة وواحدة واحدة ويطمنه.. عشان تنتهي الجلسة دي بإسلام حمزة بن عبدالمطلب بكل ارادته وبكل رضا منه.
كان موريس يستمع إلى القصة وقلبه يقل اضطرابه على مهل؛ لم يتوقع هذا القدر من التطابق بين ما يسمعه وما يشعر به، وكأن الكلمات صيغت لوصف حالته هو تحديدًا. انزاحت عن صدره غمامة ثقيلة، وشعر براحةٍ وألفةٍ لم يعهدها من قبل، فالتفت إليه إسماعيل، وقد لمح هذا التحول، وقال بصوتٍ هادئ عميق:
_عندك إستعداد تنطق الشهادة كاملة دلوقتي.. وتسلم لرب العالمين؟
ظل موريس صامتًا، والرياح تعبث بشعريهما وتلامس جلديهما في فضولٍ مُلحّ، تدور حولهما وكأنها تترقب القرار. كان السكون مهيمنًا على المكان، سكون ثقيل يوحي بأن العمارات من حولهما تراقب رده، وتحبس أنفاسها انتظارًا. ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بعزمٍ مرتجف يحمل في عمقه يقينًا وليد اللحظة:
_أيوة..
اتسعت ابتسامة إسماعيل، وقد انعكس في عينيه نور فرحٍ هادئ، ثم قال بصوتٍ مطمئن:
_طيب.. قول ورايا، أشهد أن لا اله الا الله.
_أشهد أن لا اله الا الله.
_وأشهد أن محمدًا.
_وأشهد أن محمدًا.
_عبده ورسوله.
توقف موريس فجأة، كأن الكلمات علقت في صدره، وحدق في الفراغ بعينين شاردتين، واجتاحه شعور مبهم، لا يعرف له اسمًا ولا سببًا، فصمت ولم يُكمل الشهادة، ثم قال بنبرةٍ مترددة:
_إسماعيل، في حاجة مهمة نسيت أقولهالك.
انعقدت الدهشة على ملامح إسماعيل من هذا التوقّف المفاجئ، فقال مستفسرًا:
_بخصوص إيه؟
_بخصوص هيثم ويامن..
**********
في ظلامٍ كثيفٍ يعانق الفجر، كانت شاحنة نقل المساجين تتقدم على الطريق، وهي تصدر أنينًا معدنيًا خافتًا يشبه شهقةً مكبوتة. من الخارج، بدت العربة ككتلةٍ صماء تبتلع الضوء والصوتَ معًا؛ لا يعلو إلا حفيف الإطارات على الحصى، وأحيانًا صرخةُ ريحٍ عابرةٍ تخترق النوافذ المغلقة.
أما داخلها.. فيجلس مصطفى محاطًا بإخوته، وهم يُساقون جميعًا إلى المجهول. كان قلبه منقبضًا على نحوٍ لم يختبره من قبل؛ فرغم اعتياده الجلوس في هذه العربة، ورغم ألفته لبرود الحديد وضيق المكان، إلا أن هذه المرة كانت مختلفة تمامًا.. فحوله إخوته من دمه، أولئك الذين لم يتمنَّ يومًا، ولا خطر له في أسوأ كوابيسه، أن يراهم يذوقون هذا المصير.
كان يعدّ الدقائق بالذِكر، يلوذ بالكلمات كمن يتشبث بحافة النجاة، ولم تمضِ ساعة حتى توقفت السيارة فجأة. فُتح الباب بعنف، وامتدت أيدي الجنود إليهم، انتزعوهم من العربة ودفعوهم إلى الخارج، وكانت أقدامهم حافية، وما إن خطوا حتى تسلل الإحساس القاسي إلى جلودهم؛ رمال باردة خادعة، تخفي تحت سكونها نذيرًا مظلمًا.
ساروا برهة قصيرة، ثم أُمروا بالتوقف، وأُجبروا على الجلوس على رُكبهم. في تلك اللحظة بدأ المشهد يكتمل داخل عقل مصطفى، وازداد قلبه انقباضًا حتى كاد يختنق بين أضلعه.. إنهم في الصحراء.. حيث الإعدام الميداني.. الصورة كانت تتشكل بوضوحٍ مرعب، وكأنها حقيقة معلّقة تنتظر فقط لحظة التنفيذ.
وهنا نُزعت العصبة عن عينيه، وفتح مصطفى عينيه ليجد المشهد أمامه مطابقًا تمامًا لما تخيله، دون زيادة أو نقصان.. إخوته الخمسة جالسون على الأرض أمامه، مكسوّو الأعين، وخلف كل واحدٍ منهم جندي يوجه بندقيته مباشرة إلى رأسه. وسط صحراء حالكة تمتد بلا نهاية، لا يبدد ظلمتها سوى أضواء كشافات سيارات الضباط المتوقفة على مقربة، تضرب الرمال ببياضٍ قاسٍ يزيد المشهد قسوةً ووحشة.
كان مشهدًا فادحًا، قابضًا على الروح.. شعر مصطفى بتحسّرٍ ينهش صدره، وبقهرٍ جارح يتفجر داخله، وهو يرى هذا الإذلال المستمر يُمارس عليهم بلا رحمة. لم يكن قهره على نفسه؛ فقد ألف الألم وتوقع المصير، بل كان قهره كله على إخوته، أولئك الذين زُجّ بهم في هذه التجربة الشنيعة دون ذنبٍ.
طالما توقع أن يقف يومًا في هذا الموضع، أن يواجه هذا المصير بعينين مفتوحتين وقلبٍ ثابت، لكنه لم يتوقع أبدًا أن يكون محاطًا بإخوته، لم يتخيل أن يراهم هكذا، عُزّلًا، منكسرين، على حافة الموت. تمنى لو كان وحده، تمنى لو أن العقاب انصبّ عليه وحده، لو أنهم اكتفوا به وتركوا إخوته خارج هذا الجحيم، تمنى ذلك من أعماق روحه، وهو يشعر أن القهر هذه المرة أثقل من أن يُحتمل.
_شايف يا مصطفى؟ شايف تهوركم وصل لإيه؟
اخترق الصوت سمع مصطفى من الخلف، حادًّا قاطعًا، قبل أن يتقدم صاحبه ويقف أمامه بثباتٍ متعمد، كان باسم عبد التواب.. رئيس الأركان. الرجل ذاته الذي تولى التحقيق معه عقب حرب ذود والمليشيات، وهو نفسه من اعتلى المنصة يومها وألقى خطاب إنهاء الحرب، مُعلنًا تبرئة مصطفى من مجازر سانكتوريا أمام العالم.
رفع مصطفى رأسه ببطء، واستقرت عيناه على وجه رئيس الأركان، يرمقه بنظرات صارمة ثابتة، لا ارتباك فيها ولا انكسار، كأنما يستجمع ما تبقّى من صلابته ليواجه به هذا المشهد.
_أنا عمري ما توقعت إنكم توصلوا للخبث دا، إنتوا خدعتوا العالم كله، إيه دا؟ ولاد أدهم داغر مرة واحدة؟ أدهم داغر يا مفتريين؟
تدفقت الكلمات من فم باسم محملة بسخطٍ مكبوت، ومع ذلك، لم يبدُ على مصطفى أي اضطراب.. أجابه بصوتٍ ثابت، واثق، خرج من أعماق صدرٍ أثقلته التجارب ولم تكسره:
_مفيش أي ادلة تثبت إننا شاركنا في جرايمه، مفيش أي جناية ارتكبناها عشان تعدمونا من غير تحقيق!
قال باسم ساخرًا، غاضبًا، وهو يرى في هذا الثبات استفزازًا مباشرًا له:
_مفيش أي ادلة؟ وهو إنت مفكرني غبي؟ مفكر إن جرايم ادهم جرايم قتل واغتصاب وبس؟ إنتوا شاركتوا في جرايمه بس مش الجرايم الصريحة اللي أي عيل هيعرفها... لأ! دا في الجرايم المستخبية، في تضليل الناس عن الحقيقة، في نشر الأكاذيب عن البلد، في استغلال الدين عشان أعمال إرهابية، في نشر الإباحيات وجعل المراهقين يفتخروا براجل مصري نام مع ٣٠٠ واحدة وتشويه سمعة المصريين، في تعليم الكيميا والفيزيا عشان تصنعوا في الآخر سلاح بيلوجي يدمر مصر، في قتل ١٥٠ راجل وشباب زي الورد تحت مسمى انهم مغتصبين، كل دا إنتوا عملتوه! كل دا مش شايفة مشاركة في جرايم ادهم؟!
كانت كلماته تتساقط كالرصاص، اتهامات متلاحقة، ممتدة، تُصورهم كشبكة خفية تنخر في جسد الوطن من الداخل، ومع تصاعد حدة الاتهام، ضاق ذرع هاجر، ولم تعد قادرة على كبح ما في داخلها من سخطٍ واستهجان.. فخرج صوتها حادًّا، مشبعًا بالازدراء.
_والله العظيم أنا ما شوفت في غباءك.
هوى أحد الجنود ببندقيته على رأسها، بضربة غاشمة مصحوبة بسبابٍ فظ، عندها انفجر عصام مزمجرًا، بصوت محتقن بالغضب المكبوت:
_اللي بتعملوه دا هتندموا عليه! إحنا لحد دلوقتي سايبينكم تعملوا فينا كدة بمزاجنا بس إحنا أقسم بالله نقدر نهرسكم كلكم في دقيقة! إنتوا فعلا أغبيا ومش مستوعبين إنتوا بتلعبوا مع مين!
ضحك باسم ضحكة قصيرة باردة، ثم اقترب من عصام بخطوات واثقة، يرمقه من أعلى لأسفل:
_بقيت مصدق نفسك وعاملي فيها البطل عشان قبضت على أدهم، وكل دا في الأخر طلعت تمثيليه على العالم كله، والله احييك بجد.. بعترف إنك خدعتنا كلنا فعلا.
لم يتراجع عصام، بل قال بنبرة واثقة:
_أنا متأكد إن ياسر ميعرفش باللي بتعملوه دا... لأنه لو عرف مش هيرحمكم.
تبدلت ملامح باسم للحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة أعرض، أكثر خبثًا، وكأنه كان ينتظر ذكر هذا الاسم تحديدًا وقال:
_ياسر؟ إنتوا لسة معتمدين على ياسر؟ كلها شهرين وياسر يتشال من على الكرسي، الشعب كله قلب عليه خلاص وشافوا إنه متعاون مع أدهم لا وكمان بدأوا يعرفوا إنه شارك في ذود مع مصطفى... يعني خلاص راحت عليه.. وعليكم.
هبطت كلماته كحكمٍ نهائي ليغلق كل أبواب الأمل دفعة واحدة، بعدها التفت باسم ببطء نحو مصطفى، وتعمد أن يطيل اللحظة، ثم قال بصوتٍ هادئ، أشد قسوة من الصراخ:
_أنا حبيت أشيل اللي على عينك دي عشان تشوف اخواتك وهما بيموتوا واحد واحد، عشان قبل ما تموت تبقا ندمان على إنك لعبت مع الحكومة من الأول.
ظل مصطفى يحدق فيه بسخطٍ مكبوت، ونظراته مشتعلة بصمتٍ قاتل، لا توسل فيها ولا خوف، فقط غضب محبوس ينتظر لحظة الانفجار.. وبعد صمتٍ ثقيل، أكمل باسم بنبرة متلذذة:
_بس هنسيبك تختار نبدأ بمين، يلا... عايزنا نبدأ بمين؟
شعر مصطفى بغصةٍ حادة تعصر عنقه، كيدًا خفية تطبق على حنجرته.. وفي تلك اللحظة، أدرك أن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة؛ لحظة المقاومة، الهجوم، الهروب... أو الموت. وهنا اتى صوت إلسيوم يتسلل إليه:
~اختار نوح.. اختار نوح يا مصطفى.
ارتجف قلب مصطفى والتفت بعينيه نحو نوح، الذي كان جالسًا في صمتٍ كامل، مستسلمًا. عاد صوت إلسيوم يخترق رأسه، أكثر إلحاحًا:
~عارف إنك مش مقتنع.. بس صدقني هيرجع.. اختاره ومش هتندم وهيرجعلك تاني متخافش.
كان الأمر ثقيلاً على لسان مصطفى، لم يطيق أن يقول نوح، وأن يعطي قرار قتله هكذا.. لكنه لم ينتبه إلى أن عينيه خانتاه.. التقط رئيس الأركان اتجاه نظره، فابتسم ابتسامة باردة، وقال بحسمٍ لا يقبل النقاش:
_تمام.. نبدأ بالكبير، وننزل لأصغر واحد.
اجتاح الرعب قلوبهم دفعةً واحدة كطوفانٍ داهم لا مهرب منه، فانفلت صوت مصطفى سريعًا، مشحونًا بالارتباك، وهو يصيح من أعماقه:
_باسم، إحنا ممكن نوصل لحل تخليكم تعاقبوني أنا بدالهم ارجوك اسمعني!
لم يتزحزح باسم خطوة، واكتفى بأن رفع ذراعه ببطءٍ متعمد، وملامحه جامدة كالصخر، ثم قال ببرودٍ قاتل:
_راحت عليكم خلاص.
أنزل ذراعه في إشارة حاسمة، ثم دوّى صوت الرصاص، ودخلت الطلقة رأس نوح، ليسقط جسده أرضًا مرتطمًا بالرمال كجثةٍ هامدة، بلا مقاومة، بلا صوت، فصرخوا كلهم عدا مصطفى صرخةً شقت الفضاء، واندفع سليم يصرخ بجنون وصوته متكسر، مبحوح:
_قتلتوه؟!! قتلتووه؟؟ نوحح!!! نووح رد بالله عليك!!
تعالت صرخات هاجر الساخطة المستنكرة، واشتدت البلبلة بينهم، أصوات مختنقة، بكاء، هستيريا، وانهيار. أما مصطفى، فظل ثابتًا يحدق في جسد أخيه الملقى أمامه، والدم ينسدل بهدوءٍ مفزع من رأسه... اتسعت عينا مصطفى، واستشاطت باحتدامٍ مرعب، ولم يعد قادرًا على السيطرة على ما انفجر داخله فور رؤيته هذا المشهد.
ازدادت الرياح من حولهم على نحوٍ مخيف، هبّت بعنفٍ غير مألوف، والسماء نفسها تثور على ثوران ما بداخل مصطفى. وفي تلك اللحظة الحاسمة، كسرت هاجر أصفادها، وعادت إليها روح المجرمة القوية التي عرفتها العصابات والدماء، وبحركةٍ خاطفة نزعت العصبة عن عينيها، التفتت في آنٍ واحد، وأمسكت ببندقية الجندي الواقف خلفها، سحبتها بقوة وأطلقت النار عليه دون تردد، ثم بدأت تطلق الرصاص على كل الجنود من حولها بجنونٍ محسوب.
اشتدت قوة الرياح أكثر، فارتبك باسم، وانتشرت الرمال في الهواء لتصنع غبابة كثيفة أعمت عينيه هو وبقية الجنود، فراحوا يتخبطون ويحاولون الاحتماء. في خضم الفوضى، انفك الإخوة من قيودهم واحدًا تلو الآخر، نهضوا وهم يلتقطون البنادق وتركض علا على جثة أخيها، والبقية يستعدون لحربٍ شرسة، فاصلة، بينهم وبين أفراد الجيش.
لكن في تلك اللحظة، اخترقت المشهد أصوات سيارات تقترب بسرعة، هدير محركات، وأبواق حادة تمزق ضجيج الرياح. التفت الجميع دفعةً واحدة، مشدوهين، حتى سمعوا صوت أحدهم ينادي بأعلى صوته، واضحًا، قاطعًا.
_مصطفى!!!
هدأت الرياح تدريجيًا، والتفت مصطفى نحو مصدر الصوت.. توقفت السيارات، وترجل منها أحدهم بخطواتٍ ثابتة، حضوره طاغٍ، ثقيل، يحمل معه تحول اللحظة بأكملها.
كان يوسف إمام..
سكنت الرياح تمامًا، والتفتوا جميعًا نحوه في آنٍ واحد. كان حضوره وحده كافيًا ليُوقف حرب أهلية قسوى.
اقترب يوسف على مشهدٍ مأساوي مكتمل الأركان؛ علا ملقاة على الأرض، تجثو بجوار جثة نوح، تبكي بحرقةٍ تفتك بالقلب، تتحسس شعره ولحيته بأنامل مرتعشة، كأنها تحاول استعادته من الموت بلمسةٍ أخيرة، في قهرٍ موجع لا يُحتمل.
وعلى مقربةٍ منها، وقف الإخوة مشدودين، أيديهم قابضة على الأسلحة بترقبٍ قاتل، وفي الجهة المقابلة الجنود في وضعٍ مماثل، عيون متحفزة وأصابع قريبة من الزناد. وفي قلب هذا التوازن الهش، ارتفع صوت باسم موجهًا حديثه إلى يوسف.
_محتاج أفهم إنت موجود هنا ليه؟!
وقعت عينا يوسف على جسد نوح المسجّى، فارتسم في عينيه غضب داكن ممتزج بأسى عميق، نظرة رجلٍ يرى جريمة لا لبس فيها. التفت بعدها إلى باسم، وتقدم نحوه بخطواتٍ ثابتة، كل حركةٍ فيها تُثبت سخطه وتُعلن رفضه القاطع.
_هو أنا مش قولت محدش يقرب من ولاد أدهم! كلكم عارفين من الأول إنهم عياله وكلكم عارفين إنهم ابرياء! وللمرة التانية نوح يقع ضحية لأهدافكم الوسخة!
ظل باسم يحدق في يوسف صامتًا للحظات، نظراته متحفظة متصلبة، قبل أن يتكلم أخيرًا بنبرةٍ حاول أن يُلبسها ثوب المنطق:
_كان عندنا ظن إنهم ابرياء ومطلعوش ابرياء.. فقررنا نعاقبهم.. ممكن تقولي فين الغلط في دا؟
لم يتراجع يوسف، بل اشتدت حدة صوته:
_وهو ياسر بقا يعرف اللي بتعملوه دا؟
أجاب باسم ببرودٍ فظ، كأن الأمر لا يستحق التبرير:
_ياسر عيّل، ميفهمش في الحاجات دي ومش محتاج يعرف.
اقترب يوسف أكثر، حتى باتت المسافة بينهما خانقة، ورمقه بنظرةٍ ثاقبة ثابتة، نظرة جعلت التوتر يتسلل إلى ملامح باسم رغم محاولته التماسك:
_أتمنى دي تكون آخر مرة احذركم فيها يا باسم.. ولاد أدهم محدش يقرب منهم ولا يلمس شعره منهم! ولو حصل.. إنتوا عارفين كويس أنا أقدر أعمل إيه في البلد دي، إنتوا جربتوا أدهم... بس مجربتوش اللي اوسخ منه بمليون مرة!
سقطت كلماته كإنذارٍ أخير، لا يحمل تهديدًا فارغًا، بل وعدًا مظلمًا، جعل الصمت الذي أعقبه أشد فتكًا من أي عاصفة.
أصبح باسم صامت تمامًا، لا ينبس بحرف، ولا يسمع في الفراغ سوى نحيب علا الخافت المكبوت، بكاء بلا صوت تقريبًا. التفت يوسف، فوقع بصره على المشهد الذي مزّق القلب.. علا تحتضن رأس أخيها، تضمه إلى صدرها كأنها تحاول حمايته من الرحيل، بينما جلس سليم بالقرب منهما، منحنٍ، واضعًا يده على رأسه، كتفاه يرتجفان من شدة الحسرة والعجز، أما هاجر، فكانت تحدّق في جسد نوح بصدمةٍ مستنكرة، عيناها متسعتان، الدموع واقفة على مقلتيها لا تنحدر، وكأنها عالقة بين الإنكار والانهيار. وبجوارها وقف كل من عصام ومصطفى، ساكنين على نحوٍ مؤلم، ومصطفى لا يفعل شيئًا سوى أن يردد بصوتٍ مبحوح منكسر "إنا لله وإنا إليه راجعون".
اقترب يوسف ببطء، ثم جثا على ركبتيه عند رأس نوح، أمسك به برفقٍ بالغ، وبدأ يتفحص موضع الإصابة، ويتحسس بالجمجمة بعناية، ثم انحنى أكثر ليتحسّس نبضه.. فجأة تغيرت ملامحه، وارتفع صوته قاطعًا السكون:
_لسة عايش، الرصاصة مدخلتش مخه.
تجمّد الجميع في أماكنهم، كأن الصاعقة أصابتهم دفعةً واحدة. شهقت هاجر وعلا في آنٍ واحد، كأن الروح التي فارقت صدريهما قبل لحظات قد عادت إليهما من جديد، ونهض سليم واقفًا بسرعة، وقد عاد الأمل ليشعل عينيه وهو يقول بلهفةٍ عاجلة وهو يقول:
_طب نوديه عندك بسرعة عشان نلحقه.
ردّ يوسف بحسمٍ لا يحتمل التأجيل:
_أه يلا تعالوا كلكم معايا.
تقدم عصام دون تردد، انحنى وحمل نوح على ظهره بعنايةٍ باغة، وتحركوا جميعًا نحو سيارات يوسف بخطواتٍ سريعة، متشابكة، يحدوهم رجاء متوحش في النجاة، تاركين خلفهم باسم وجيشه واقفين في مكانهم، بلا حيلة، بلا سلطة، وبلا كلمةٍ واحدة تُقال.
************
في الساعة ذاتها، كانت نجلاء ما تزال جالسة في غرفتها، تؤدي صلاة الفجر، فيما كانت غادة تبحث عن حقنة.. ورغم سكون الفجر العميق وهدوء الغرف، كانت نجلاء تشعر بوضوحٍ جارح أنها ليست وحدها؛ ذلك الإحساس المألوف تسلل إليها مجددًا، الإحساس ذاته الذي لازمها قبل سبعة أشهر، منذ اللحظة التي بدأ فيها ذلك الرجل يظهر لها، بلا موعد، بلا استئذان.
حاولت أن تتجاهل الشعور، ولكن كان الأمر عويصًا حيث كان الإحساس أشبه بدبابيس دقيقة تشكّ مسام جلدها واحدةً تلو الأخرى، يجعل الجسد كله في حالة إنذار. واصلت صلاتها رغم ذلك، تتمسك بالقرآن كطوق نجاة، حتى انتهت وسكت صوتها أخيرًا، لكن عندها لم يسكت كل شيء.
ما إن خفت صوتها، حتى بدأ صوت آخر يتسلل إلى الغرفة، خافتًا في البداية، ثم أوضح، أوضح مما ينبغي.. صوت يشبه تنفس إنسان يقف قريبًا جدًا.. شهيق وزفير منتظمان، ودافئان على نحوٍ مريب.. ما اربكها أنه نفس تعرفه جيدًا، لا تخطئه ذاكرتها.. وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة التي كانت تفرّ منها... لقد عاد.
ارتجف قلبها بعنف، وضربت النبضات أضلاعها حتى آلمتها. نهضت دفعةً واحدة، أنفاسها متقطعة، وركضت نحو عباءتها بارتباكٍ محموم، ارتدتها على عجل، ثم نقابها، واناملها ترتجف وهي تحاول إحكامه، وهنا قررت أن تغادر الغرفة فورًا، واستدارت بخطوةٍ سريعة نحو الباب... لكنها لم تجده.
ظلت نجلاء تحدق في ذلك الحائط الأملس الذي ابتلع الباب، وبدأت تضربه بكفيها، تتحسسه بجنون، تمرر أصابعها عليه علّها تعثر على فجوة، على وهم باب، على أي شيء يدلّ أن الواقع لم ينكسر. كانت أنفاسها تتصاعد متلاحقة، حادة، مختنقة، والهلع يطبق على صدرها بثقلٍ خانق.
وفجأة.. انسل إلى سمعها صوت خافت، بالكاد يُسمع،
صوت احتكاك بطيء، وجرّ خفيف، وكان هذا صوت باب خزانة الملابس الجرار.
تحجرت نجلاء في مكانها وتصلبت أطرافها، والتفتت ببطءٍ قاتل، وقلبها يكاد يمزق صدرها.. كان باب الخزانة مفتوحًا شِبرًا واحدًا فقط، ومن ذلك الشق الضيق.. أطلت عين، عين واحدة، ثابتة، لا تطرف.
كان يوجد احد بداخل الخزانة يحدق بعينه ببرودٍ مروّع، لا تحمل دهشة، ولا فضولًا، بل معرفة كاملة.. معرفة قديمة.. نظرة تنفذ إلى داخل روحها، تتفحصها، تزن خوفها، وبدا صاحبها ينتظر فقط إشارة واحدة.. لينقض.
بالطبع كان هو.. الرجل ذاته، ذلك الذي كان يظهر لها قبل سبعة أشهر، يعود الآن كما يعود الكابوس بعد انقطاع، ولكن أقسى وأكثر حضورًا.. تذكرت كيف تعلمت نقطة ضعفه، كيف أدركت أن اقترابها من أحدٍ من أولاد أدهم كان كافيًا ليبتعد ويختفي. وها هي الآن وحيدة، بلا درع، بلا حماية.. ولهذا عاد أخيرًا.
اغرورقت عينا نجلاء بالدموع، وبدأ لسانها يرتجف بذكر الله، تهمس به همسًا مكسورًا، تتشبث بالكلمات لتبقى واقفة على حافة الجنون، وأخذت تسير ببطءٍ شديد نحو زاوية الغرفة، بخطى مترددة، وجسدها يرتعش، لكنها لا تجرؤ على الركض.
وكانت عينه تتحرك معها، تتبّعها بحركة بطيئة، محسوبة، مفزعة، دون أن يفتح الباب أكثر، دون أن يظهر جسده، فقط تلك العين التي لا ترمش، لا تغفل من عليها.. حتى التصقت نجلاء بزاوية الغرفة، وانزلقت إلى الأرض، كأنها تحاول أن تختفي داخله.
انسدلت دموعها بصمتٍ كامل بلا نحيب ولا صراخ..
فقط دموع ثقيلة تسقط واحدة تلو الأخرى من شدة الفزع، من هول المشهد الذي يتربص بها، والمفزع حقًا لم يكن ما تراه الآن، بل ما سيحدث حين يخرج هذا الرجل من الخزانة.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت سردار داخل ذهنها، لا يأتي من جهةٍ محددة، بل ينبثق من عمق رأسها مباشرة. صوت بارد، منخفض، مشبع بوعيد لا يحتمل التأويل:
_أنا معادتش هتهاون معاكم تاني. كانت غلطة لما قررت أخد راحتي معاكم واتسلى بيكم بالراحة..، بس بعد اللي عملتوه دا.. وقت التسلية إنتهى.
ما إن انتهت الجملة الأخيرة، حتى اندفع باب الخزانة فجأة بعنفٍ خاطف، وصوت اصطدامه كالصاعقة، بحركة واحدة سريعة لينقض عليها. شُلَّ جسد نجلاء بالكامل، وانعقد صوتها في حنجرتها، وعجزت عن الصراخ، كأن الخوف أغلق فمها بيدٍ قاسية.
وفي الثانية ذاتها.. انقطع التيار الكهربائي، وغاص المنزل في ظلامٍ معسعس، ظلام كثيف خانق، ابتلع كل شيء دفعة واحدة.
في اللحظة ذاتها، كانت سهام وكمال وعمر قد وصلوا. توقفت السيارة أمام المنزل، وما إن ترجلوا منها حتى لفت انتباههم انقطاع التيار الكهربائي، فبادلوا نظرات استغرابٍ مشوبة بالقلق؛ فالبيت غارق في عتمةٍ غير مألوفة. لكن الظلام لم يدم طويلًا، إذ عادت الكهرباء فجأة، وانبثّ الضوء من جديد في النوافذ، فتنفسوا الصعداء واطمأنوا نسبيًا، قبل أن يتقدموا نحو بوابة المنزل.
وقبل أن يخطوا خطواتهم التالية، رن هاتف عمر،
تعجب قليلًا حين رأى أن إسماعيل المتصل؛ فكان توقيت الاتصال غريبًا على نحوٍ مقلق. أجاب على الفور، وصوته يحمل استعجالًا واضحًا:
_الو... خير يا إسماعيل........ إنت متأكد؟...... لا لا هجيلك هجيلك... استناني وهنروح سوا نشوفه... سلام.
أغلق الهاتف، ولم يكد يستدير حتى التفتت إليه سهام، وقد تغلغل القلق إلى نبرتها:
_خير يا عمر؟
_أنا محتاج عربية.. إسماعيل محتاجني في موضوع ضروري.
لم يتردد كمال لحظة، فأخرج مفاتيح السيارة ذاتها ومدها إليه قائلًا بثقةٍ هادئة:
_خد العربية دي ومتشيلش هم، عندنا واحدة تانية.
وهنا قالت سهام:
_مش هتشوف حبيبة؟
نظر عمر إليها، وفي عينيه مزيج من الشوق والكبح، ثم قال بنبرةٍ سالمة:
_هي في امانتك.. لما ييجي الوقت المناسب هشوفها.
استدار عمر متجهًا نحو السيارة، بخطواتٍ سريعة حاسمة، وهنا تفاجأ كب من سهام وكمال بوجود مريم في الحديقة، برفقة إبراهيم، في تلك الساعة المتأخرة. وقبل أن يستوعبوا وجودهما، اندفعت مريم فجأة تركض بكل ما أوتيت من سرعة نحو عمر.
كان عمر يفتح باب السيارة وكاد أن يستقلّها، لكن ظهور مريم أمامه فجأة أوقفه في مكانه.. رفع عينيه إليها، فالتقت عيناه بعينيها.. وكانت نظراتها عميقة، مشحونة باشتياقٍ دفين وترقبٍ صامت، وبتلك النظرات أدرك عمر أن هذه ليست مريم.. با نور.
قال عمر بتلقائية هنا:
_إزيك، من زمان مشوفناش بعض.
قالت هنا بصوتٍ هادئ، وبنظرات مشبعة بالوعد:
_عايزاك تستناني... عشان هبقا موجودة دايمًا بعد كدة.
لم يفهم عمر مقصدها، ولا التقط المعنى الكامن خلف كلماتها، فاكتفى بالصمت، وفضّل ألا يفتح بابًا لا يملك وقتًا لعبوره. استدار، واستقلّ السيارة، ثم انطلق بها مسرعًا، هنا التفت كمال إلى إبراهيم، وقد انعقد حاجباه بشيءٍ من الريبة، وقال بنبرةٍ هادئة لا تخلو من تساؤل:
_إنتوا ليه برا البيت في الساعة دي؟
أجابه إبراهيم بتلقائية صادقة، دون تردد أو حذر:
_لا أنا وهي كنا بنصلي الفجر بس، وحبينا نشم شوية هوا، مش كدة يا مريومة؟
_أيوة يا عمو.
نمى في صدر كمال شك طفيف، وإحساس خافت لا دليل عليه، لكنه قرر تجاهله. تبادل نظرة سريعة مع سهام، ثم قرروا العودة إلى داخل المنزل، وما إن دخلوا، حتى استقبلتهم أصوات متوترة، فسمعوا غادة تنادي بقلقٍ واضح:
_شوفتيها يا هدير؟
جاءهم صوت هدير سريعًا، يحاول بث الطمأنينة رغم ارتباكه:
_هنشوفها يا مدام، ولا تقلقي، البيت واسع وشكلها تاهت.
دخلت سهام، وما إن رأت هدير أمامها حتى بادرت بالسلام، لترد هدير بعجلة، ثم قالت سهام بقلقٍ مباشر:
_خير يا هدير في إيه؟
نظرت هدير إلى مريم نظرة خاطفة، ثم أعادت بصرها إلى سهام، وتلعثمت وهي تجيب:
_ل.. لا مفيش حاجة.
تملك مريم شعور غامض بالريبة والحيرة، حدست أن شيئًا غير طبيعي يدور من حولها، فقالت بصوتٍ قلق:
_ماما فين؟
أسرعت هدير بالرد، تحاول أن تبدو مطمئنة، وإن خانها التوتر:
_ماما موجودة يا حبيبتي، هي تعبانة شوية، ارجعي اوضتك مع ديميت دلوقتي ولما تتحسن هنخليكي تشوفيها.
اصطحبها إبراهيم إلى غرفة ديميت، وما إن أدخلها وأغلق الباب حتى استدار مسرعًا، وبدأ يضرب الأرض بخطواتٍ متوترة، واندفع يبحث عن أخته. وحين وجدها، صُدم بما رآه.. كانت ملامح النكبة والصدمة مرتسمة بوضوح على وجهها، جسدها مشدود، وعيناها تائهتان كمن تلقى ضربةً مباغتة. أمسك بكتفيها برفقٍ وهو يحاول تهدئتها ويقول:
_غادة في إيه؟ كلام هدير عن نجلاء مش مظبوط... نجلاء مالها؟!
رفعت غادة رأسها بصعوبة، وفمها يرتجف، وكأن الكلمات تأبى الخروج:
_نجلاء مش موجودة...
تسمّر إبراهيم في مكانه، وحدق فيها غير مصدق:
_يعني إيه مش موجودة؟!
ابتلعت غادة ريقها، وصوتها مكسور، متقطع:
_أنا طلعت نص ساعة عشان أدور على حقنة، رجعت ملقيتها في الاوضة، ومش موجودة في الدور دا كله.
سقط الصمت بينهما ثقيلاً، ككيان ملموس جثم على صدريهما، محمّلًا بإحساس فاجعةٍ يرفضها الوعي قبل اللسان، وينكرها القلب خوفًا من الاعتراف. عندها قال إبراهيم، بصوت بدا ثابتًا على غير الحقيقة، وبملامح اشتد فيها الحزم:
_هنلاقيها.. هندور عليها كلنا وهنلاقيها، متقلقيش.
وحين دخلت مريم غرفة ديميت التي كانت هي وريان نائمان على أحد السريرين، أنفاسهما المنتظمة توحي بطمأنينة لا تشبه ما يعتمل في صدرها. أما السرير الآخر، فكان خاليًا، ينتظرها بصمتٍ بارد لتلقي عليه جسدها المنهك.. ومع ذلك، لم تجد في هذا الهدوء ملاذًا، فمريم لم تكن بتلك السذاجة التي تسمح لها بابتلاع حديث هدير كما هو، دون أن تترك له أثرًا من الريبة ينهشها.
~مريم.. خشي الحمام عايزة أكلمك في حاجة.
سمعت صوت نور تطلب منها هذا الطلب فتحركت ببطء، ودخلت حمام الغرفة، ثم رفعت عينيها إلى المرآة.. لتجد نور تنظر إليها من الزجاج، بعينين تعرفهما أكثر مما تعرف نفسها.
~أظن جه الوقت.
قالت مريم بقلق:
_وقت إيه؟
ساد صمت قصير، ثقيل، بدت فيه نور مترددة، تقف على حافة قرار لا رجعة فيه.. ثم بدا العزم في ملامحها، قاسيًا، نهائيًا وهي تقول:
~دا أنسب وقت اللي احررك فيه.. واتحرر أنا كمان.
ارتبكت مريم، وتسارعت أنفاسها، وقالت بصوتٍ مرتجف وقد استبدّ بها الخوف:
_مش عايزة... أنا خايفة.
~صدقيني خطتي هتنجح..، أنا مش هقتلك.. أنا بس هحسسك بألم نور لما قطعت بطنها وسببت في موت نفسها.. الشعور بالألم دا هيبقا كافي إني استشعر الشعور تاني وأطلع من جسمك من غير ما أموت أنا كمان.. ووقتها هروح للجسم اللي عايزاه.
شحب وجه مريم، وتقهقرت خطوة ثم قالت برجاءٍ يائس، وقد خانها صوتها:
_لا يا نور! هموت بجد مش هستحمل... عشان خاطري بلاش.
~أنا آسفة إني هخليكي تمري بالتجربة دي، بس إنتِ عارفة كويس إن مصيرك مش هيبقا زي مصير نور، كلهم بيحموكي.. ونور محدش حماها، هتوحشيني يا نور.. وأنا بعتذرلك على العذاب اللي خليتك تمري بيه، أكيد هو فادك بحاجة في الأخر.
كانت الكلمات ثقيلة تهوي على قلب مريم المسكينة كالسكاكين، لا تترك موضعًا إلا وتنغرس فيه... كانت تقف أمام من عذبتها لعامين كاملين، من سلبتها نومها وأمانها وإحساسها بذاتها، لترى تلك المعذِّبة تقرر الرحيل أخيرًا.. لا انسحابًا هادئًا، ولا فكاكًا رحيمًا، بل خروجًا دمويًا، قاسيًا، هو الأفجع والأشد إيلامًا، كأنها تصرّ على أن تترك خلفها أثرًا لا يُمحى، وجُرحًا لا يُشفى.
أهذا هو إذن الوداع؟.. كانت مريم تحدق في صورة نور المنعكسة في المرآة بعينين غارقتين في دموعٍ غزيرة لا تعرف التوقف؛ بدموع لم تكن خوفًا خالصًا ولا استياءً محضًا ولا إرهاقًا وحده، بل مزيجًا خانقًا من الثلاثة معًا، وكانت الدموع تنهمر بلا مقاومة، وكأنها آخر ما تملكه لتدافع به عن نفسها في مواجهة ما هو آتٍ.
عجزت مريم عن النطق، انغلقت الكلمات في صدرها، وتكسرت محاولات الكلام قبل أن تبلغ شفتيها.. لم تجد في نفسها القدرة على قول شيء، سوى أن خرج صوتها أخيرًا واهنًا، منحبًا، محملًا برجاءٍ مكسور واستسلامٍ موجع:
_ربنا يسامحك على اللي عملتيه واللي هتعمليه فيا..
اهتز كيان نور عند سماع نبرة تلك الطفلة المسكينة، وتسللت الكلمات إلى أعماقها كضربةٍ غير متوقعة، أصابت موضعًا حاولت طويلًا أن تُبقيه ميتًا.. ولوهلةٍ قصيرة، بدت كأنها تترنح داخليًا، وبدا الاعتذار الضمني، والغفران الذي لم يُطلب، قد زلزلا ما تبقى من صلابتها.
لكن ذلك الاهتزاز، على قسوته، لم يكن كافيًا.. لم يكن قادرًا على إيقافها، ولا على ثنيها عن المضيّ قدمًا نحو هدفٍ عقدت عليه نيتها منذ زمن.. فمهما اضطرب داخلها، كان القرار قد اتُّخذ، والطريق قد رُسم، ولن تغيرهه دموع، ولا دعاء، ولا ذنب يُستعاد متأخرًا... للأسف.
وفي تلك الأثناء، بينما كان إبراهيم وغادة وكمال وسهام وهدير وياسمين ينتشرون في أرجاء المنزل بحثًا عن نجلاء، كانت الأجواء المشحونة بينهم قد بلغت ذروة التوتر، وقد لامس القلق عنان السماء، حتى بدأت سهام تستخدم كلابها لتلتقط أثر رائحة نجلاء في المكان، وكل ثانية تمر كانت تزيد ثِقل الخوف في الصدور.
وفجأة دوّى في أرجاء البيت صوت مزق السكون ومزق معه القلوب... صراخ مريم، صراخ مدوٍّ، متواصل، معذَّب، لا يشبه أي صراخٍ سمعوه من قبل. كان صراخًا يعلن وقوع فاجعة، لا يطلب النجدة بقدر ما يشهد على الهلاك.
توقف الجميع عن كل ما كانوا يفعلونه، واندفعوا راكضين نحو مصدر الصوت، ومع اقترابهم بدأ صوت آخر ينضم إلى المشهد، صوت ديميت، مفزوعًا، يصرخ كمن رأى ما لا يُحتمل.. دخلت غادة أولًا، يتبعها إبراهيم، ليصطدما بمشهدٍ سُحقت له الأرواح.
كانت ديميت جاثية على ركبتيها داخل الحمام، جسدها يرتجف، وعيناها معلقتان أمامها بلا رمش… وأمامها كانت..
جثة مريم..
كانت مريم ميتة.. بطنها ممزقة، وأحشاؤها تتدلى في مشهدٍ بالغ القسوة، يفوق قدرة العقل على الاستيعاب.
تحرك إبراهيم بغريزته قبل وعيه، وأمسك بريان سريعًا واحتواه، ووضع رأسه في حضنه ليحجب عنه رؤية تلك الفاجعة، وجعل من جسده درعًا يحمي عيني الطفل من هذا الجحيم.. أما غادة، فكانت تقف جامدة، تحدق في جثة مريم بعينين جاحظتين، ثابتتين على نحوٍ مفزع، والصدمة قد شلّت ملامحها وسرقت منها القدرة على أي رد فعل.
انهارت ياسمين، وتهاوت هدير باكية، فيما تجمدت سهام وكمال في مكانهما، تتقاسمهما صدمة صامتة ثقيلة، لا تجد طريقًا للكلمات.. تحاملت سهام على نفسها، واستعادت شيئًا من رباطة جأشها، فأمرت هدير أن تذهب إلى أطفالها لتطمئنهم، ثم أخرجت هاتفها لتطلب الإسعاف، لكن يدًا أمسكت بيدها فجأة، وأوقفتها.. كانت غادة.
قبضت على يد سهام بقوة غير متوقعة، وقالت بصوتٍ حاسم:
_إياكِ!
التفت الجميع نحو غادة في صدمة مشوبة بالذهول، فقد بدا على أسلوبها هدوء غريب، غير منطقي، هدوء لا يتناسب أبدًا مع هول المشهد الفاجع الممدد أمامهم.. ولا مع الجريمة التي ما زال صداها ينزف في المكان.
وفي تلك الأثناء، اخترق مسمع إبراهيم صوت ريان الهشّ، وهو يقول ببراءة موجوعة:
_إبراهيم.. طَلّع بهالفراشة..
كان ريان، المسكين، يلجأ دائمًا إلى أسلوب الإلهاء كلما واجه موقفًا مفجعًا، كأن عقله الصغير لا يملك وسيلة أخرى ليحمي نفسه من الانكسار.. ذلك الأسلوب ذاته كان يستخدمه قديمًا في سجن دارين؛ يلتقط تفصيلة صغيرة، هامشية، ويتشبث بها ليصمد.
تبع إبراهيم نظرة ريان محاولًا أن يسايره، وأن يلهيه هو الآخر، لكن ما رآه أدهشه للحظة.
كانت هناك فعلًا فراشة.. جميلة على نحوٍ غير متوقع، ألوانها ممزوجة بين الأزرق العميق والأرجواني، تقف عند نافذة الغرفة في هدوء غريب، كأنها لا تنتمي إلى هذا المشهد الدموي، ولا إلى هذا العالم المكسور.
قال ريان هنا:
_فتحّلها الشباك لتطلع.
تقدم إبراهيم ببطء، وفتح النافذة، فانطلقت الفراشة مندفعة، وحلّقت عاليًا بخفة وهي متحررة، فيما ظل ريان يراقبها بعينين متعلقتين بها، ثم سأل بصوتٍ هاديء:
_هاي روح مريم؟ يعني مريم هيك خلص ماتت؟
نظر إبراهيم إلى ريان، ثم رفع بصره نحو الفراشة التي ابتعدت، تتلاشى في الفضاء، ومعها تسربت فكرة ثقيلة إلى عقله.. لم يحتج إلى تفكيرٍ طويل؛ شيء ما في داخله انقبض، واستدار فجأة، متجهًا إلى كمال بخطوات سريعة ونبرة حاسمة:
_أنا هطلع، خليك مع ريان.
تجمد كمال، وقال بنبرة غاضبة:
_هتروح فين في اللي إحنا فيه دا؟!
رد إبراهيم بسرعة، والوقت ينهار من بين أصابعه:
_الموضوع ميقلش اهمية! هنفهمكم كل حاجة بعدين!
خرج إبراهيم إلى الجراچ، وركب السيارة ذاتها الذي اوصله بها يمنى وملك وانطلق بها فورًا، يقود بسرعة متهورة كما في سابق عهده، قلبه يسبقه، وعقله معلق بتلك الفراشة الغريبة.
وبدأ يتبع مسارها كدليل صامت، كما لو أنها تقوده إلى تفسيرٍ ما.. إلى خيطٍ يفسر اختفاء نجلاء، وموت ابنتها مريم، وبدا أن الحقيقة، بكل رعبها، تحلّق أمامه الآن، ولا تنتظر سوى من يجرؤ على اللحاق بها.
**********
وفي منزل يوسف..
تُرك نوح وحيدًا داخل غرفة العمليات في مختبر القبو، بعد أن نجح يوسف في انتزاع الرصاصة من رأسه. وبناءً على قرار فياض، فجلس إلى جواره، مترقبًا لحظة استيقاظه، مستعدًا لخدمته إن احتاج شيئًا.
وفي الوقت ذاته، كان عصام جالسًا منفردًا في حديقة المنزل، يختلي بنفسه تحت ثقل أفكاره، بينما جلس مصطفى وهاجر وسليم في صالة المنزل، تجمعهم حالة انتظارٍ مشحونة بالصمت والقلق، وحدها علا لم تكن بينهم.
صعد يوسف إليهم، وما إن رآه سليم حتى نهض على الفور وسأله بلهفة:
_إيه يا بروفيسور؟ طمننا.
ابتسم يوسف ابتسامته الهادئة المعتادة، وبنبرة مطمئنة بدت كبلسمٍ على القلوب المتعبة قال:
_مش عايزكم تخافوا.. إنتوا جسمكم قوي ومبيتأثرش بالرصاص العادي، عشان كدة عضم نوح قاوم الرصاصة ووقفها.
تنهد مصطفى وهو يلهج بالحمد، فيما تابع يوسف حديثه بنبرة عملية جازمة:
_إنتوا الليلتين دول بالكتير لازم تفضلوا قاعدين عندي، لحد ما الرأي العام يهدى ناحيتكم بعدين اطلعوا للنور.
هزّ سليم رأسه رافضًا، وقال بانفعالٍ مكبوت:
_لا أنا مش هسيب امي وابني، أنا شوية كدة وهقوم اروحلهم.
تغيرت نبرة يوسف، واكتسبت مسحة أبوية حازمة، وهو يخاطبه بعينٍ حانية وأخرى حريصة:
_سليم، ياريت تسمع كلامي، لو إنت مستجعل استنى لحد الضهر على الأقل.
تدخلت هاجر، وهي تحدق في شاشة هاتفها بقلقٍ متزايد:
_بس هو عنده حق يا يوسف، إحنا عمالين نتصل بيهم ومحدش بيرد علينا!
أجابها يوسف بهدوءٍ محسوب:
_مهو فياض قالك إنه كلمهم قبل ما تيجوا واتطمن عليهم كلهم.
ساد الصمت بينهم من جديد، صمتٌ ثقيل مشوب بالتوتر. بدا سليم ممزقًا بين رغبته في الطاعة وحتمية المهام والخطط التي تشتعل في رأسه وتطالبه بالتحرّك فورًا.
قطع الصمت بسؤالٍ جاء على لسان يوسف فجأة:
_هي فين علا صحيح؟
أجابت هاجر بلا اكتراث ظاهري:
_طلعت فوق معرفش بتعمل إيه. مش البيت بيتنا برضو؟
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة، تحمل مزيجًا من الطمأنينة والاهتمام، وقال:
_طبعًا بيتكم... بس عايز اتطمت عليها مش أكتر.
التفت يوسف وصعد إلى الطابق العلوي ليراها، وفي تلك اللحظة كان سليم قد تجاوز حد الصبر؛ فقد أتصل بغادة أكثر من مئة وخمسين اتصالًا متتابعًا، حتى عاد الهاتف أخيرًا ليهتز بين يديه. وثب واقفًا على الفور، وأجاب بعجلة، والغضب يتفجر من ملامحه وصوته:
_أيوة يا غادة! إنتوا فين كل دا؟!
لكن ما إن انسابت إجابتها إلى أذنيه، حتى تبدلت ملامحه دفعة واحدة، كأن وجهه انقلب إلى قناعٍ آخر. انفرجت عقدة حاجبيه ببطء، واتسعت عيناه على نحوٍ غير مألوف، ثم تجمد في مكانه، ساكنًا على نحوٍ أربك من حوله.. لاحظ مصطفى وهاجر هذا التحول المفاجئ، ذلك الصمت الذي هبط عليه كصخرة ثقيلة.
استمع سليم إلى حديثها كاملًا دون أن يقاطعها، وحين انتهى الصوت في الطرف الآخر، أغلق الهاتف بهدوءٍ غريب، بلا كلمةٍ واحدة.. رفع بصره ونظر إلى مصطفى نظرةً عصيّة على الفهم، نظرة لا تحمل حزنًا ولا صدمة ولا حتى غضبًا صريحًا، بل فراغًا مقلقًا.
قالت هاجر بقلقٍ متزايد، وقد اقتربت منه خطوة:
_في إيه يا سليم؟! قالتلك إيه؟
لم يجب.. ظل محدقًا في الأرض، بالنظرة الغامضة ذاتها، نظرةٍ بلا ملامح واضحة، وهذا تحديدًا ما بث الرعب في قلبها.. لم يكن الصمت نفسه مخيفًا بقدر ما كان ذلك الفراغ الذي يسكن عينيه، الفراغ الذي لا يعرف كيف يترجمه إلى كلمات، ولا كيف يجيب به على سؤال هاجر.
وفي تلك الأثناء، كان عصام جالسًا في الحديقة الخلفية، وبصره شاخص إلى الفراغ، وعينيه معلقتان دليلًا على ازدحام أفكاره الحانقة وتصادمها في رأسه بلا رحمة.. وسكون المكان لم يخفف عنه شيئًا، بل زاده ثقلًا.
هنا سمع وقع خطواتٍ تقترب منه على مهل، فالتفت عصام ناحية مصدر الصوت، ليجد كاجويا واقفة هناك.
نظر إليها نظرةً طويلة، صامتة، أما هي فكانت تبتسم ابتسامةً مبالغًا فيها، كأنها لا تشبه توتر اللحظة ولا ما سبقها من دماء وفوضى.. تقدمت وجلست بجانبه، تراقبه وتتفحص ملامحه في هدوءٍ غريب.
قال لها عصام مبتسمًا ابتسامةً خفيفة، يشوبها قدر من التحفظ:
_شكرًا على إنك انقذتي عمي، واضح إنك أعقل واحد من اجنحة أدهم وقررتي تبقي في صفنا..
أومأت كاجويا برأسها في امتنان، ثم قالت ببساطةٍ صادقة:
_كله عشان فياض حبيبي.
اختفت ابتسامة عصام في الحال، وهو يقول مستغربًا:
_إنتوا طلعتوا بالعلاقة دي إزاي؟
ضحكت كاجويا بخفة، وأشاحت ببصرها للحظة، ثم عادت تنظر إليه من جديد، بنظرةٍ تحمل شيئًا من العبث، وقالت:
_إنت السبب.
_انا؟
أومأت برأسها، ثم بدأت تتحدث بنبرةٍ مفعمة بالمشاعر، وعيناها تلمعان بحدة الإعجاب، وهي تعود بذاكرتها إلى زمنٍ بعيد:
_إنت مش متخيل أنا كنت بحبك قد إيه، كنت بحلم بيك ليل نهار، كنت مدمنة على فيديوهاتك، كنت مهووسة بيك لحد الجنون..
عقد عصام حاجبيه في استغرابٍ صريح، وقال وهو يحاول استيعاب ما يسمعه:
_ودا دخله إيه بعمي؟
_هو النسخة الأحسن منك.. والأعقل، وحبي ليه كان دليل على تطور شخصيتي ودليل في إن عندي دافع اتحسن.
أومأ عصام برأسه في تفهمٍ صامت، فتابعت كاجويا حديثها، وقد تغيرت نبرتها، لم تعد تلك الخفة السابقة، بل حل محلها ثقل العزم وإصرار واضح:
_بس خد بالك.. إحنا مش هنقد نغير حياتنا للاحسن لمحرد اننا نبقا ناس احسن بس. في غلطات لازم نصلحها، هننقذ كل اللي شاركنا في اذيتهم، أول ما فياض يتجوزني أقدر اساعدكم تدمروا ملايين من سلاسل الدعارة اللي تحت إسمي واسم أدهم واللي بيروح ضحيتها بنات غلابة.
اعتدل عصام في جلسته على الفور، كأن كلماتها انتشلته من شروده، وبدت على ملامحه ملامح اهتمامٍ بالغ لم يستطع إخفاءه، وقال بنبرةٍ يقظة:
_هما طلعوا ملايين؟ وهيتدمروا إزاي دول؟
قالت كاجويا بثباتٍ محسوب، وكأنها رتبت هذه الإجابة في ذهنها منذ زمن:
_حد عنده سلطة يشارك في فضحهم وتدميرهم.. مش إنتوا عارفين ياسر؟ هو كرئيس جمهورية يقدر يعمل كدة.
في تلك اللحظة، تسلل إلى عقل عصام قرار قديم، ظل يطارده طيلة تلك الأيام ويحيره إلى حدٍ بالغ، قرار يخص طلب ياسر له بأن يعمل معه، وأن يجعله يده اليمنى.. كان قرارًا ظل مؤجلًا، مترددًا بين الخوف والمسؤولية، بين الرغبة في الابتعاد وثقل الواجب.. لكن كلمات كاجويا سقطت في داخله كالحسم الأخير.
هنا، وبدون ضجيج، وبدون إعلان، اتخذ عصام قراره، قرر أن يلازم ياسر كظلّه، أن يكون حاضرًا حيث يكون، لا طلبًا للسلطة، بل بحثًا عن أثرٍ حقيقي يتركه في هذا العالم، كما أراده ياسر، وكما احتاجه هو نفسه، كما أراد أن يكون هذا طريقه للتكفير عن ذنوبه المهلكة.
في تلك الأثناء، تسير علا في طرقات المنزل بغريزتها الصحفية المتأهبة التي لا تهدأ، فقد أدركت علا أن وجودها داخل هذا المنزل ليس أمرًا عابرًا، بل استثناء نادر لا يجوز التفريط فيه. وسرعان ما تغلّب فضولها المهني على أي اعتبار آخر؛ فهي لا تعترف كثيرًا بحدود الآداب ولا بحرمة الملكية الخاصة إذا ما تعلق الأمر بفضولها المهني.. وعند شخص كيوسف، يتحول كل قيد إلى تفصيلة ثانوية، وكل محظور إلى باب محتمل للحقيقة.. لذا، كان لا بد أن تفتش وأن تبحث.
تنقلت بين الغرف لدقائق بدت أطول مما هي عليه، تفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر، وتلقي نظرات فاحصة لا تشبعها السطوح، غير أنها لم تعثر على ما يستوقف حدسها أو يثير شكّها، حتى بلغت غرفة بعينها.. وما إن وطأتها حتى شعرت دون دليل قاطع أنها الغرفة الشخصية ليوسف.. كل شيء فيها كان مرتبًا بصرامة مبالغ فيها؛ ترتيب يكاد يكون قاسيًا، محسوبًا بدقة، وهذا بالذات ما جعل عينيها تنجذبان فورًا إلى تفصيلة شاذة، نشاز صغير لا ينسجم مع ذلك النظام الصارم.
كانت هناك خزانة ذات أدراج فقط.. لفت انتباهها أن أحد الأدراج لم يُغلق تمامًا، وأن طرفًا من قطعة ملابس ينساب منه، كخطأ لم يُنتبه إليه. اقتربت علا ببطء، وفتحت الدرج الأول؛ كان مخصصًا للجوارب، مكدسة بعناية شبه عسكرية، مصطفة بلا أدنى عبث. انتقلت إلى الدرج التالي ذلك الذي تخرج منه قطعة القماش، فإذا بها تجد سترة أنيقة، موضوعة بإهمال واضح، على نحو لا يليق لا بالسترة ولا بصاحب الغرفة.
توقفت عند هذا التناقض.. أليس مكان السترات في الخزانة الكبيرة؟ ما الذي يدفع يوسف إلى إخفاء قطعة كهذه داخل درج ضيق مخصص للجوارب والملابس الداخلية؟ مدت يدها، وأمسكت بالسترة، وما إن أخرجتها حتى سقط منها شيء كان مخبوءًا في طياتها، ارتطم بالأرض ارتطامًا خافتًا، لكن صداه في داخلها كان مدويًا.
وحين وقع بصرها عليه، تجمدت في مكانها تمامًا..
كان شيء لم تره من قبل.. ومع ذلك، عرفته في اللحظة نفسها، عرفت ماهيته على الفور، فالوصف الذي سبق أن وصفه إبراهيم لها عنه استعاد شكله فجأة أمام عينيها، كاملًا، واضحًا، لا يترك مجالًا للشك.
_علا..
انتفضت علا بعنف، واستدارت بسرعة حادة، لتجده خلفها مباشرة؛ ظهور مفاجئ أربك أنفاسها قبل أفكارها، إذ لم تشعر بوجوده لحظة واحدة، كأن الأرض ابتلعته ثم قذفته فجأة إلى ظهرها.
انسحب بصر يوسف أولًا إلى الشيء الملقى على الأرض، تأمله في صمت خاطف، ثم رفع عينيه إليها من جديد، وقال بابتسامة خفيفة ونبرة تلقائية بدت للوهلة الأولى عادية أكثر مما ينبغي:
_كانوا دايمًا بيذكروا فضولك المبالغ فيه، بس مكنتش اتوقع إني هكون ضحية ليه.
ظلت علا صامتة، تحدق فيه بنظرة جافة متحفزة، أشبه بسور دفاعي ارتفع غريزيًا، قبل أن يضيف وهو يراقب ملامحها دون استعجال:
_دايمًا بؤمن إن اللي عنده فضول عالي كدة بتبقا نسبة الذكاء عنده عالية.. بالتالي يقدر يتلاعب بالناس بسهولة.
قالت علا بنبرة ثابتة، هادئة إلى حد مريب، كأنها تتعمد ضبط كل اهتزاز في صوتها:
_إنت شايفني بتلاعب بحد؟
مال يوسف برأسه قليلًا، وكأن الفكرة تروق له، ثم أجاب بلا تردد:
_أه، بس احتمال كبير متكونيش قاصدة دا، المخ برضو يا علا.. شيء غامض وخبيث جدًا جدِا، دايمِا في نظري بشوفه كائن حي خاص ومنفرد بنفسه وإحنا اللي تحت أمره وطوعه.
ساد صمت ثقيل، حدقت خلاله علا في يوسف مطولًا.. كان هناك شعور خانق يتسلل من حضوره، ثقل غير مريح يضغط على صدرها بلا سبب واضح، قبل أن تسأله أخيرًا بنفاد صبر مكبوت:
_إنت عايز تقول ايه؟
لم يرد فورًا.. ظل واقفًا بثباته الواثق، وصمته المتعمد يربكها أكثر من أي إجابة. ثم قال أخيرًا، بصوت هادئ:
_قصدي هو.. اعتقد إن دي الفرصة المناسبة اللي تتقبلي فيها الموضوع.
تصلبت ملامحها، وسألته بحدة مشوبة بالحذر:
_موضوع إيه؟
توجهت عينيه إليها مباشرة، وقال دون التفاف:
_إنك قتلتي ابنك بالفعل...
اتسعت عينا علا اتساعًا طفيفًا، لكنه كان كافيًا ليفضح الصدمة، وتجمد شيء عميق داخلها، كأن روحها توقفت عن الحركة تمامًا، بينما واصل يوسف حديثه بلا تراجع:
_أنا كنت مخطط اكلمك في الموضوع دا لما الأمور تهدى بس.. شكلك مكنتيش هتسيبيلي فرصة، في العموم.. الواحد لازم يتقبل تصرف هو عمله قبل كدة عشان.. ميتلاعبش بنفسه ويتلاعب بالناس.
أشاحت علا ببصرها بعيدًا، بإرتباك بالغ يعصف بداخلها، كأن الكلمات تنبش طبقات دفنتها عمدًا منذ زمن. لم يمنحها يوسف مهلة، بل أردف من جديد بصوت لا يخلو من يقين قاسٍ:
_متيقن إنك لما عرفتي إن جواكي روح قوة دا طمنك وخلاكي تحمليها هي مسؤولية قتله بس.. دا مش صحيح، وإنتِ عارفة دا كويس..
عادت تنظر إليه، والدهشة المختلطة بالغضب تشعل ملامحها:
_وإنت ليه اللي تعرف دا كويس؟
لم يتغير شيء في تعبيره، وقال بثقة مطلقة:
_لأن مفيش حاجة معرفهاش.
لمعت عينا علا بدموع حارقة، دموع حسرة كثيفة تضغط على جفونها دون أن تسقط، ثم قالت بصوت مرتجف رغم محاولتها السيطرة عليه:
_بس.. بس أنا بصدق ساعات إن مش أنا اللي قتلته..
اقترب يوسف خطوة، وقال بنبرة هادئة لكنها قاسية في عمقها:
_بس إنتِ فاكرة وقت ما قتلتيه.. وفاكرة دوافعك من دا كويس..، الإنسان ممكن لما يبالغ في كدبة بيقولها يصدقها دا شيء طبيعي، وأنا متفهم إنك مكنتيش عايزة تثبتي لحماتك انها صح فكدبتي الكدبة كوسيلة دفاع بس وسيلة الدفاع دي انتهت بإنك وصدقتيها وعيشتيها، زي ما قولت قبل كدة... العقل كائن حي منفرد بنفسه، ولو عايزك تصدقي كدبة تمسكتي بيها هتصدقيها ويحولهالك لواقع، إنتِ من كتر الكدب اتشتتي ومبقيتيش عارفة تفرقي بين اللي حصل واللي محصلش.
ظلت علا تستمع إلى حديثه، وعيناها تحبسان الدموع بعنادٍ مؤلم، ترفضان الانكسار والسقوط؛فكلماته كانت كالمِعول، تنقب في أعماقها، عن مشاعر طالما أنكرتها، وأفكار اعتادت مطاردتها ثم طردها بعنف، ومواجهة ظلت تؤجلها خوفًا لا جهلًا.
لم تتوقع يومًا أن تجد نفسها في مثل هذا الموضع؛ لم تتوقع أن تُعرّى على هذا النحو، لا أمام إنسان، بل أمام ذاتها.. لم يخطر ببالها أن يأتي شخص يكتشفها فيجبرها على أن تكتشف نفسها. وما استوعبته أخيرًا بوضوح موجع أن عقلها، من فرط الإنكار، بعثر ذاكرتها، وتركها معلّقة بين ما حدث فعلًا، وما أقنعت نفسها بأنه حدث.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وكأن حلقها قد ضاق فجأة، ثم قالت بصوت مرتجف، بكلمات لم تجرؤ على النطق بها في أي وقت سابق من حياتها:
_أنا معرفش قتلته ليه، هو ميستحقش كدة بس... حسيت إنه يستحق دا، مكانش ينفع يعيش ويحبسني في العيلة دي.. مكانش ينفع.. وقتله كان أحسن قرار مش كدة؟ أنا كلامي مش نابع من شر أنا كلامي نابع عن نجاة، مكانش ينفع يعيش كان هيضيع وأنا كمان هضيع.
أومأ يوسف برأسه في تفهم هادئ، لا يحمل حكمًا ولا تعاطفًا ظاهرًا، لتسترسل هي، وكأن الاعتراف فتح بوابة لم تعد قادرة على إغلاقها:
_بس برضو... حتى وأنا فاكرة دوافعي وشايفاها منطقية.. مكنتش أقدر اقتل طفل كدة.. أنا إزاي عملت ايه؟
أجابها بصوت رزين:
_كان عندك اكتئاب ما بعد الولادة.. ودا من أبشع أنواع الاكتئاب، أكيد هو البنزين اللي خلاكي تمشي على الفكرة دي، وكمان مخك وروحك تلقائيًا رفضوا الإبن دا بما إنه مكانش إبن ماجد.
انتبهت علا فجأة، وشعرت بأن صاعقًا كهربائيًا ضرب وعيها. حدقت فيه بشدة، وعيناها تتسعان بصدمة فادحة، وقالت بصوت مخنوق بالذهول:
_انت قولت إيه؟! يعني إيه مش مكانش إبن ماجد؟!
لم يتراجع يوسف، ولم يخفف وقع الحقيقة، بل قالها كما هي، عارية وقاسية:
_إنتِ لسة متعرفيش دا؟ دا كان ابنك من أبوه.. حماكي خدرك واغتصبك مرة.. وخلفتي من بعدها، لأن ماجد أصلًا عنده ضعف ف... كان صعب يخلف.
تجمدت علا في مكانها، وهي تحملق فيه كأنها لا تراه حقًا، وبدت الكلمات تحتاج وقتًا أطول لتصل إلى عقلها. أنفاسها تثاقلت، وصدرها انقبض تحت وطأة فاجعة مزدوجة؛ صدمة الحقيقة، وثقل العار الذي أُلقي فوقها دفعة واحدة. تمتمت بصوت واهن، أقرب إلى الرجاء منه إلى السؤال:
_إنت بتهزر...
قال يوسف بتفهمٍ مشوبٍ بالبرود، كمن يعرف أن الحقيقة قد تُرفض لأنها لا تُحتمل:
_عندك الحرية الكاملة تكدّبي اللي قولته... وعقلك هيصدق الكدبة وقتها، متقلقيش.
بقيت علا صامتة، معلقة بين إنكارٍ اعتادت الاحتماء به، وحقيقةٍ ثقيلة بدأت تُطبق على روحها، ببطءٍ لا يرحم.
لم تحتمل أن تواصل الوقوف في مواجهة هذا الرجل لحظة أخرى. سارت بخطوات سريعة متوترة، تجاوزته دون أن تنظر إليه ولا أن ينظر إليها، وغادرت الغرفة وهي تحشد ما تبقى لها من تماسك كي لا تنهار عصبيًا في تلك اللحظة. هبطت إلى الصالة، ملامحها شاحبة، جسدها مشدود كوترٍ على وشك الانقطاع، وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا:
_أنا عايزة أمشي.
التقط مصطفى شحوب وجهها فورًا، فاندفع نحوها بقلق غريزي، ورفع يده يتحسس وجنتها بحنان مشوب بالخوف، وقال:
_مالك يا حبيبتي؟ حصل ايه؟
أخفضت علا عينيها، وقالت بصوت واهن:
_تعبانة يا مصطفى... عايزة أريح في بيتي.
في تلك اللحظة وقف سليم، وقال بحزم هادئ:
_أنا برضو همشي.. أقدر اوصلك.
تدخلت هاجر بنبرة مترددة، وعيناها تتنقلان بين الوجوه محاولة فهم ما يجري تحت السطح:
_يعني مش هتسمعوا كلام يوسف؟
رد سليم دون تردد، وهو يلتفت نحو علا استعدادًا للمغادرة:
_إحنا أعلم بأمورنا عنه، يلا يا علا.
غادرا المنزل معًا، تاركين خلفهما صمتًا مثقلًا بالأسئلة.. بقي مصطفى وهاجر واقفين في مكانهما، الحيرة تطوقهما من كل جانب، وكل منهما يشعر أن شيئًا خطيرًا قد حدث دون أن يُقال. بعد لحظات، قال مصطفى وهو يكبح قلقه بصعوبة، صوته ثابت ظاهريًا، لكنه مشدود من الداخل:
_في حاجة حصلت.. مش عايزين يعرفونا عنها.
نظرت هاجر إليه باضطراب، وقالت:
_وليه يعني يخبوا علينا حاجة؟ ما إحنا في نفس المركب؟
صمت مصطفى برهة، وعيناه شاخصتان إلى الفراغ، كأن عقله يستعرض احتمالات ثقيلة لا يريد النطق بها. ثم قال أخيرًا بنبرة ثابتة، رغم الارتباك الخفي الذي تسلل بين حروفه:
_أكيد الموضوع ليه علاقة بنجلاء أو مريم.
هنا، وحين هبط يوسف إلى الطابق الأرضي، صادف كاجويا وهي تلج من الباب الخلفي. أوقفها بإيماءة مقتضبة، وسألها:
_أخباره إيه؟
أجابته بهدوء واثق:
_زي الفل.. أعتقد المفروض تنزلها عشان تشوفه دلوقتي.
سكت يوسف برهة، ثم قال:
_ماشي، اطلعي اوضتها خليها تشوفه.
رمقته كاجويا بنظرة حادة، وقالت بحدّة واضحة:
_لا ما أنا مش شغالة عن اهلك.
لم يبدُ عليه الانزعاج، بل رد ببرود جاف:
_خلاص امشي انتِ لسة موجودة ليه؟
_موجودة عشان احمي فياض منك ومن جبروتك.
تنهد يوسف بعمق، وزفيره مثقل بإرهاق يومٍ تتابعت فيه الضغوط دون توقف، ثم قال بنبرة أقل حدة:
_طب نزليها، وخليها تشوف عصام وهيبقا آخر اطلب منك تاني خالص.
ترددت كاجويا للحظة، ثم قررت في النهاية أن تطيعه، وفي تلك اللحظة تحديدًا، اهتز هاتف يوسف بإشعار مفاجئ.. ألقى نظرة سريعة عليه، فإذا هو تنبيه صادر عن نظام الحماية الخاص بالروبوتات الموجودة في القبو، وتجمد في مكانه حين قرأ فحواه، وهو أن النموذج الأول تم تدمير محميته.. وتحرك عن موقعه.
تصلب جسده بالكامل، وعيناه معلقتان على الشاشة، غير مصدق أنه يرى هذا الإشعار تحديدًا، لم يكن يتوقع أبدًا أن يظهر أمامه على هاتفه في يوم من الأيام ، لكن برغم الصدمة التي حاول إحكام السيطرة عليها.. كان هناك إدراك داخلي بارد يتسلل إلى وعيه وهو أن هذا اليوم كان لا بد أن يأتي. كان يعلم، في قرارة نفسه، أن هذا النموذج لن يظل خاضعًا إلى الأبد، وأن انقلابه عليه لم يكن سوى مسألة وقت.
انقطعت دوامة أفكاره على صوت مصطفى، الذي اقترب منه وقال بنبرة مهذبة تخفي قلقًا واضحًا:
_بروفيسور، أنا عايز اروح لأهلي.. لو سمحت.
رفع يوسف بصره إليه، ونظر له نظرة طويلة، ثم قال:
_خايف على نجلاء؟
هز مصطفى رأسه قليلًا، وأجاب بصدقٍ لا تكلف فيه:
_عايز اتطمن عليهم، لإن مفيش أي وسيلة دلوقتي تخليني اتطمن.
سكت يوسف برهة،، ثم قال أخيرًا:
_طب أنا محتاج أتكلم معاك في حاجة ضرورية قبل ما تمشي، بس قبلها هنزل بس اتطمن على نوح وارجعلك.
وقبل ذلك بدقائق، كان فياض جالسًا إلى جوار نوح، الذي ظل فاقدًا للوعي، ساكن الجسد. كان المكان يسوده هدوء عميق، إلى أن اخترقه صوت إنذارٍ خافتٍ منتظم، ينبعث من إحدى الغرف القريبة.
تعجب فياض وأرهف السمع للحظة، ثم قرر تجاهل الأمر، وقرر ألّا يتدخل، وأن يُبقي تركيزه حيث يجب أن يكون.. لكن التجاهل ما لبث أن أصبح مستحيلًا، حين وقعت عيناه على مقبض الباب المقابل له، وجده يلتف ببطء، ثم يُفتح الباب على مصراعيه من تلقاء نفسه، كأن يدًا خفية عبثت به.
_بسم الله الرحمن الرحيم.
تمتم بها فياض، ثم نهض عن مقعده، وغادر الغرفة بحذر، يبحث بعينيه عن مصدر ما يحدث، وحين أطلّ إلى الردهة، لمح بابًا آخر، أبعد قليلًا، مفتوحًا، وكان صوت الإنذار الصافر ينبعث منه بوضوح.
ظنّ فياض أن إحدى الأخوات قد يكون في حاجة إلى مساعدة، أو أن يوسف يواجه أمرًا طارئًا، فاتجه بخطوات مترددة نحو الغرفة المخصصة للروبوتات. وما إن اقترب، حتى سمع من خلفه صوت باب غرفة نوح يُغلق ببطء، فاستدار بسرعة، وقلبه يخفق، ليجده مغلقًا بالفعل، كما لو لم يُفتح قط.
في تلك اللحظة، رأى يوسف يهبط السلم متجهًا نحوه. التقت أعينهما، فقال فياض بصوت متسائل لا يخلو من حذر:
_خير يا يوسف؟
أجابه يوسف بنبرة عابرة، متماسكة إلى حد مريب:
_لا مفيش، مجرد عطل متاخدش في بالك وإرجع لنوح.
تحرك يوسف أمامه، وفياض يتابعه بنظرات مشبعة بالشك، يحاول أن يلتقط من حركاته ما لم يُقال.. وفجأة، توقف يوسف، كأنه استشعر تلك النظرات المثقلة بالريبة، فالتفت ليستقر الاثنان وجهًا لوجه. ساد بينهما صمت قصير، كثيف، قبل أن يقول يوسف:
_واضح إن النهاردة مش هيبقا الوقت المناسب اللي هنتكلم فيه.. ممكن نأجلها.
بدا واضحًا أن اتفاقًا ما كان قائمًا بينهما قبل قدوم الأخوات إلى هذا المنزل، اتفاقًا مؤجلًا يطفو الآن على السطح، فقال فياض بلهجة حذرة ممزوجة بالفضول:
_شكلك حابب تتكلم معايا جدًا.. بس لسة معرفش إنت عايز تتكلم معايا في إيه؟
نظر إليه يوسف نظرة مستقرة، وقال دون مواربة:
_إنت عارف كويس..
ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، وتقدم نحو غرفة الروبوتات، ودخلها، وأغلق الباب خلفه بإحكام، تاركًا فياض واقفًا في مكانه، تتزاحم في صدره الأسئلة، ويزداد إحساسه بأن ما يجري في هذا البيت أكبر بكثير مما يُقال.
تنفس فياض بعمق، ثم استدار ليجد باب غرفة نوح مفتوحًا على غير ما تركه.. لم يكن يعلم حقًا ما الذي يجري، ولا كيف تتوالى هذه المصادفات المقلقة بهذه الصورة، لكنه أجبر نفسه على تصديق تفسير واحد يُسكّن قلقه مؤقتًا.. أنه لا بد أن هناك عطلًا في آليات تلك الأبواب الغريبة.. تشبث بهذه الفكرة، ثم دخل الغرفة بتلقائية مشوبة بالتردد.
وبحركة لا إرادية، ارتفع بصره إلى الأمام.. فوقع على انعكاس في أحد جدران الخزانات الزجاجية. ورأى مجسم فتاة خلفة.. في البداية ظنه خداعًا بصريًا، ظلًا عابرًا، لكن لم يكن الأمر كذلك.. كانت فتاة شابة، تقف خلف الباب ثم تلتفت، وتخرج من الغرفة بكل سهولة وهدوء، وكأن وجودها هنا أمر طبيعي لا يثير التساؤل.
اقشعر بدن فياض دفعة واحدة، واستدار بعنف، واندفع نحو المخرج محاولًا اللحاق بها، غير أن الباب أُغلق في وجهه فجأة وبقوة، فاصطدم به وتراجع خطوة، ولكن سرعان ما أمسك بالمقبض بعصبية، وفتحه بسرعة، وخرج يفتش بعينيه المكان من حوله، لكن الفراغ وحده كان في استقباله. لا أثر، لا حركة، لا حتى صدى خطوات.
وقف في موضعه حائرًا، قلبه يخفق بعنف، وأسئلة ثقيلة تتدافع في رأسه.. من تكون تلك الفتاة؟ ولماذا هي هنا؟ وما علاقتها بيوسف؟ وهل ما رآه حقيقة أم وهمًا صنعه الخوف؟
وهنا، بينما كان يوسف يسير بين الوجوه الجامدة التي صنعها بيديه، بدأ الإحساس الثقيل يزحف إلى وعيه بأنهم يراقبونه.. فهم ببساطة عبارة عن شواهد حية على أرواح حقيقية أُهدرت ذات يوم، لكل وجهٍ منها حكاية مطموسة، ونبض أُخمد، وكان هو وحده يملك القدرة.. أو هكذا أقنع نفسه.. على استعادتها، لكن في هيئة إنسان آلي منزوع الدفء، مشوّه الذاكرة، محكوم بالسكون.
مضى بينهم وحيدًا، يقطع ممرات طويلة تصطف على جانبيها مئات النسخ من النماذج البشرية، مجمدة داخل محمياتها، واقفة خلف واجهات زجاجية شفافة، والسكون كان مطبقًا، ثقيلًا حد الاختناق، لا صوت فيه سوى احتكاك خطواته بالأرض وصدى أنفاسه الثابتة المرتدة إليه، فيما العيون المصنوعة تحدق بلا رمش، وتوحي على نحو مرعب بأنها ترى أكثر مما ينبغي.
ومع وصوله إلى واجهة النموذج الأول، تباطأت خطواته واقترب، ليصطدم بما لم يكن مستعدًا لرؤيته.. للمرة الأولى منذ أكثر من عامين، لم يجد تلك الواجهة كما تركها... كانت فارغة.
الزجاج مكسور تمامًا، شظاياه متناثرة على الأرض، حوافّه الحادة تلمع في الضوء الخافت، شاهدة على عنف لحظة غائبة عنه، لحظة تمرد صامت لم يسمع صراخه أحد. وقف يوسف في برود وثبات في مكانه، وامتد الفراغ أمام عينيه كهاوية مفتوحة، يبتلع كل تبرير وكل يقين سابق.
لقد تحرر النموذج الأول.. وهرب.
وفي ذلك السكون القاتل، أدرك يوسف أن الخطر لم يعد محبوسًا خلف الزجاج، وأن ما أطلقه بيديه صار الآن خارج نطاق السيطرة، حيًا في الظل، يتحرك حيث لا عين تراه.
ومع هذا اليوم الغريب، بدا وكأنه مصمم ليزداد غرابة مع كل لحظة تمرّ، ففي خضمّ ما كان يحدث، كان عصام جالسًا في الحديقة، منغمسًا في عالمه الخاص، ذهنه معلّق في فراغ ثقيل، والسماء فوقه باهتة، شاحبة، بلا لون ولا وعد.
كان السكون يلف المكان، إلى أن اخترقه صوت مألوف.. صوت يعرفه جيدًا، محفورًا في ذاكرته كجرح قديم لم يندمل.
كان صوت تصادم الأصداف الكثيفة، متتابعًا، منتظمًا، مصحوبًا بوقع خطوات هادئة لكنها محسوبة، كل خطوة منها تضرب أعصابه مباشرة. تجمّدت الدماء في عروق عصام، وتصلب جسده، ثم التفت بسرعة نحو مصدر الصوت.
وكان هو... أبو سعدية.
يقف هناك وحده بقناعه المرعب، ملامحه مطموسة خلف هيئة كابوسية، والإصداف والريش يلتفوا حول جسده، فيما تتدلى طبلته من كتفه. نهض عصام ببطء، وعيناه متسعتان على اتساعهما، صدمة كثيفة تشل لسانه قبل أن تنفجر الكلمات منه مذعورة:
_إنت طلعتلي ليه تاني؟؟!!.. إنت عايز ايه؟!!.. هتسيبني في حالي امتى؟!
لم يجب بوسعدية.. بل رفع يده ببطء، ومد إصبعه مشيرًا إلى أحدٍ يقف خلف عصام، ليزداد توتر عصام، واشتد الخوف في صدره، لكنه التفت على أي حال، وفي اللحظة التي استدار فيها، انقلب كل شيء.
تبدلت ملامحه المكفهرة المرتعبة، وتحولت في ومضة واحدة إلى ملامح لينة، مصدومة، مشرقة بوجعٍ حلو لا يُحتمل.. فالذي رآه أمامه لم يكن كابوسًا آخر..
كانت واقفة هناك، حقيقية كاملة، تخترق لحظة الرعب بنورها المباغت، كانت ابنته.. سعدية.
***********
ها هو إبراهيم يقود السيارة بسرعة خارقة، بعد أن فقد أثر الفراشة، غير أنه لم يتخلَّ عن المطاردة؛ كان يقود متنبئًا بالطريق الذي قد تكون سلكته، مستندًا إلى حدسٍ مشحونٍ بالقلق والترقب. ظل يضغط على دواسة الوقود حتى انسلّ إلى أحد الشوارع المظلمة، داخل مربع المساكن الفارهة الذي يقع فيه بيت يوسف، حيث يخيم صمت ثقيل لا يقطعه سوى هدير المحرك.
وأثناء قيادته، ظهرت فجأة فتاة من أحد الأزقة الجانبية، خرجت بلا تمهيد لتقف أمام سيارته مباشرة.
كبح إبراهيم المكابح بعنف، فتوقفت السيارة على بُعد سنتيمترات، واندفع الأدرينالين في عروقه.. ظل يحدق في تلك الفتاة بذهولٍ حاد، مذهولًا من ظهورها المباغت، لكن دهشته لم تلبث أن تحولت إلى صدمة مفزعة، صدمة لم يعرف إبراهيم لها مثيلًا طوال حياته.
فتح باب السيارة وترجل منها ببطء، ومع ابتعاده خطوة، اتضحت الرؤية كاملة؛ لم يعد ثمة مجال للشك.. أضواء كشافات السيارة كانت مسلطة عليها مباشرة، تكسوها بنورٍ فاضح، يراها بوضوح الشمس في كبد السماء.
فتاة في العشرينات من عمرها، ترتدي زيًا أبيض يلتف حول جسدها بهدوءٍ نقي، شعرها طويل، مجعد، جذاب، يتدلى كستارٍ حي حول وجهها. أما وجهها… فكان ذلك الوجه المميز، صاحب العينين اللتين لا تُنسيان، عينان ناعستان تحملان معرفةً قديمة، وقوةً لا تُقاس بالمظهر.
إنها حقًا كفراشة الألكُن الزرقاء؛ تلك التي تدّعي أنها ملكة للنمل، وتستخدم رائحتها وصوتها لخداعه، لتعيش بين ذلك النمل عامين كاملين ليهتم بها ويطعمها، حتى يحين وقت التحول، فتغدو شرنقة، ثم تتحرر منها في النهاية بهيئتها الكاملة، بالصورة التي خُلقت لتكونها.
مريم لم تكن سوى اليرقة... والشرنقة.
أما النموذج الأول، فكان الصورة المتكاملة لروح قوة نور؛ التجسيد الكامل، الكيان الذي لا يختلف في شيء عن الإنسان الطبيعي، إلا في جوهره الخفي.
والتي تقف الآن أمام إبراهيم، في قلب الشارع المظلم، وأمام أضواء سيارته الساطعة، لم تكن سوى نور داغر… الأخت السابعة، بهيئتها الكاملة.
ROMISAA