وهن العقل ٢

وهن العقل ٢

42 0

٥١ أثناء ما كانت رشا في الشركة، رأت امرأة منتقبة تدخل الشركة وهي تتلفت حولها بذعر وقلق شديد. علمت من عينيها أنها نجلاء، فتقدمت إليها. _ازيك يا نجلاء، خير يا حبيبتي في حاجة؟ _عايزة أطلع لمصطفى. _مصطفى مش هنا، خرج لمشوار. هنا لمحت نجلاء وجه الرجل في أحد الموظفين، واقفًا يحدق فيها، لتزداد أنفاسها وهلعها وهي تردد: _اروح فين يا رب، اروح فين؟ قلقت رشا بحق، وهي تقول: _مالك طيب، قوليلي وأنا هساعدك، متقلقيش. _أنا شايفة راجل في كل حتة، أنا خايفة أوي ومعرفش دا مين، كنت بحسب إني هربت منها بس هو هنا كمان. كانت نجلاء مذعورة للغاية، فأمسكت رشا يديها لتهدأ، وهي تقول لها بنبرة لينة: _طب تعالي معايا، تعالي نطلع مكتبه نستناه لحد ما ييجي. صعدا المكتب ودخلاه ليجدا موريس جالسًا، فقال هنا: _م.. مين الأستاذة؟ _دي مرات مصطفى، هو مصطفى مش راجع؟ _معرفش، أنا قاعد مستني. _طب روح مكتبك دلوقتي. دخل موريس مكتبه، وأجلستها رشا وهي تحاول تهدئتها، ولكن من المستحيل تهدئة المسكينة. فمن باب مكتب موريس، وجدت الرجل ذاته يفتح الباب بشكل بسيط ويطل النظر عليها ويحدق فيها بابتسامته. لم تتحمل نجلاء ووضعت يديها على عينيها وهي تبكي: _خلاص، خلاص، ابعد عني، ابعد عني. حاولت رشا تهدئتها، ولكن لا فائدة. نظرت لكوب العصير الذي لم يمسه أحد حتى الآن، فأمسكته ورفعت نقاب نجلاء، وهي تقول لها: _اشربي يا نجلاء، اشربي واهدي، والله مفيش حاجة. _لا والله، موجود هناك أهو واقف عند الباب دا والله. _لا خلاص، مشي، خلاص اشربي يلا. نظرت نجلاء للباب ووجدت الرجل اختفى فعلاً، لتمسك بكوب العصير وتتجرعه كله من شدة عطشها وتوترها. وفور أن شربته، مرت دقائق وفجأة هدأ جسدها وفقدت وعي عقلها، ولكن جسدها ما زال مستيقظًا. ظلت جالسة في هدوء تام بأعين مرهقة، لتقول رشا: _لو عايزة تنامي.. نامي دلوقتي. توسدت نجلاء فخذي رشا ونامت عليهما لتغفو نومًا عميقًا. ظلت رشا تحدق في وجه نجلاء بنظرات شفقة خفيفة، وهي تحدث نفسها: _انتِ متستحقيش كل اللي بيحصلك دا، لا انتِ ولا مصطفى تستحقوا كل دا... إن رشا تعلم مخطط نور ورفعت، تعلم أن نور الآن يزرع الهلاوس والجنون في نجلاء لتأتي هي بإرادتها لمقر رفعت ويتخلصوا منها. هي بالفعل في مقر رفعت، فقط كل ما على رشا أن تقتلها الآن، أن تمسك بعنقها وتعصرها خنقًا. ولكنها لم تفعل ذلك. أخرجت رشا هاتفها واتصلت بمصطفى لتخبره بنجلاء. وحين أنهت المكالمة، مرت دقائق لترى اتصال رفعت بها. برد الدم في عروق رشا، وقامت برفق ووضعت تحت رأس نجلاء وسادة، وأخذت نفسًا عميقًا وهي واقفة، وأجابته: _أيوة يا رفعت؟ _وصلت أخبار إن في واحدة منقبة دخلت الشركة وانتِ اتعاملتي معاها. _أيوة... _قتلتيها ولا لسة؟ نظرت رشا لنجلاء ثم قالت: _مش فاهمة قصدك... لو مفكرة إنها نجلاء، فلا مش هي... _انتِ عارفة لو بتكدبي عليا هيحصلك إيه، صح؟ انتِ شوفتي بعينك كل اللي كدبوا عليا حصلهم إيه. ظلت تحدق رشا في وجه نجلاء النائمة في سكون، وازداد صمت رشا في تردد وقلق شديد إلى أن قالت: _أنا مبكدبش... مكانتش دي نجلاء. _ماشي يا رشا، النهاردة بالليل أشوفك ونعرف كويس انتِ بتكدبي ولا لا. وأغلق رفعت الخط، ورشا تشعر أن نهايتها قد اقتربت.                           ********** بعد العصر، كانت ديميت واقفة تشعر بالحيرة والضغط بعدما أنهت مكالمة مع أحد أقاربها لتسأله عن أبيها سردار شاهين. خرج سليم من غرفته في كامل أناقته، لتقول له: _رايح فين يا حبيبي؟ _خارج مع فريدة، إيه، وصلت لحاجة؟ _لا.. كلهم بيقولوا مات بالفعل، بس الغريبة إن محدش غسله ولا كفنه، ومحدش شاف جثته خالص. _دا معناه إنه ماماتش. صمتت ديميت وهي تتعمق في التفكير لتقول: _أنت هتعمل شهر عسلك فين؟ _معرفش لسة. _اعمله في تركيا، عشان أجي معاكم وأدور على أي حاجة تخصه. ضحك سليم قليلاً وهو يقول: _إيه يا أمي؟ أنا أه بحبك بس مش للدجادي... عايزاني أخدك معايا شهر العسل لامؤخذة؟ _يا حبيبي، هو أنا هقعد على حجركم، احنا بس هناخد طيارة واحدة وتروحوا أنتم المكان اللي أنتم عايزينه وأنا هروح في طريقي، مش هتشوفوا وشي. _تمام يا حبيبتي اللي تشوفيه، يلا بقا عشان نازل. قبل رأسها وخرج متجهاً لمقر عمل فريدة. وهنا في المطعم التي تعمل فيه فريدة، أتى المدير لها وهو يقول: _اتفضلي يا فريدة، ممكن تمشي دلوقتي. _لسالي أربع ساعات. _ولا يهمك، مش هخصمهم، المهم تروحي دلوقتي تلحقي. _الحق إيه؟ _لا حول ولا قوة إلا بالله، هما معرفوكيش.. حضرتك عندك حالة وفاة. شحب وجهها وركضت بهلع لغرفة الموظفين، وبدلت ملابسها وحملت حقيبتها وخرجت راكضة من المطعم، وهنا رأت سليم بسيارته، لتركض إليه وهي تقول: _مين مات؟ مين مات؟ مين مات؟؟؟ _اهدي، اهدي، مفيش حد مات، مفيش حد مات والله، متقلقيش. هدأت فريدة وهي مستغربة للغاية وتقول: _أمال في إيه؟ ليه المدير قال كدة؟ _أصلاً أنا اتصلت بيه وقلت له لازم ضروري تخرج عشان عندها حالة وفاة، فوافق، أنا عملت كدة عشان ننبسط ونخرج سوا كدة زي أي اتنين مخطوبين. وضعت يدها على عينيها بنفاذ صبر وقد ضاقت ذرعًا، لتقول له بضيق شديد: _أقسم بالله كل يوم بتثبت لي إنك طفل واهبل وعبيط. كادت أن تسير وتعود لعملها ليقف أمامها وهو يقول: _إنتِ خلاص طلعتي من شغلك، يلا خشي عربيتي عشان نتبسط، أبوس إيدك، ادي لنفسك فرصة إنك تتبسيطي مرة واحدة في حياتك، مرة واحدة يا فريدة، مرة واحدة. سكتت فريدة وهي تعيد التفكير في الأمر، وإصرار سليم الشديد جعلها تستسلم فقالت هنا: _طب ياريت منتأخرش عشان أخواتي. _لا، متقلقيش عليهم، رضوى هتهتم بيهم، يلا بقا. أدخلها السيارة ودخل هو الآخر وانطلق بها ليأكلوا وجبة الغداء. طيلة قيادته، كان يسمعها الأغاني الرومانسية ويغني موجهًا إليها الكلمات، ولكن فريدة لم تتأثر وكانت تنظر إليه بابتسامة لكي لا تحرجه فقط. وهنا قال لها: _عايزة نتغدى فين بقا؟ _معرفش، بس متودينيش مكان الأغنيا عشان مبحبش أبقى وسطهم. _طب قولي أنتِ نفسك في إيه؟ _منفسيش في حاجة. _متبقيش متعبة بقا يا فريدة، اهو كدة أنتِ اللي طفلة بقا، إيه رأيك؟ ضحكت فريدة ضحكة خافتة قصيرة ليردف: _أقسم بالله، أجمل ضحكة شفتها في حياتي، إيه رأيك ناكل كباب؟ _ماشي... لو عايز تتفشخر بفلوسك مش همنع دا، أنت اللي هتعيط في الآخر مش أنا. _طيب.. تحبي ناخد الكباب ونقعد فين؟ _معرفش يا سليم، أي حاجة، جنينة الأزهر ولا أي حاجة. _ماشي، تحت أمرك يا جميل. ابتاع الطعام واتجهوا لحديقة الأزهر، واختار سليم مكانًا هادئًا في القمة، لا يوجد عائلات ولا أطفال مزعجين، مكان من يجلس عليه يتطلع على المشهد كامل. كان المشهد ساحرًا حقًا، كانت فريدة تشاهد منه دون أن تطرف عينيها. بدأا في الأكل، وكان سليم كثير الكلام، على عكس فريدة التي كانت مستمعة ليس إلا. ولكن بطريقة ما لم تنزعج فريدة من كثرة حديثه، بل كانت مستمتعة. ما زاد الأمر جمالًا هو مشهد الغروب، حيث تتلون السحب باللون القرمزي ويزداد احمرار الشمس وينقسم لون السماء. تأملا كلاهما ذلك المشهد الرائع الخلاب، وقالت هنا: _أظن دي أجمل حاجة أشوفها في حياتي. _من بعد اللحمة؟ ضحكت فريدة وسكتت ليضحك سليم أيضًا وهو يتأمل في ملامحها البسيطة وجمال عينيها، يتأمل في ابتسامتها وارتياح ملامحها التي لطالما رأها عابسة. _سعيد إنّي شوفتك فرحانة لأول مرة، بعد كده ادي لنفسك فرصة ترتاحي وتفرحي لأنك تستحقي دا. _مفيش وقت للراحة وللفرحة والله. _لا فيه.. بس إنتِ شايفة نفسك متستحقيش الراحة والفرحة عشان كده مش عايزة تجربيهم، بس أنا هخليكي تجربيهم غصب عنك. صمتت فريدة ليردف: _أنا عايز أوريكي حاجة جميلة كده زي الغروب، بس أعملهالك أنا بنفسي. _وأيه هي؟ _تعالي معايا البيت، تسلمي على أمي وأوريكي الحاجة الجميلة دي. _مش هروح معاك في حتة. _لا متفهمينيش غلط والله، أنا قصدي بجد أوريكي حاجة، تجربة علمية كده جميلة، يلا يلا. نهضا كلاهما ليعودا للسيارة، وأثناء سيرهما لم يتوقف سليم عن التحدث والمزاح معها. إن سليم يمتلك روح دعابة عالية، رغم ذلك فهو لم يستطع أن يضحك فريدة سوى مرتين، ولكنها كانت مستمتعة بمحاولاته. ابتاعا مشروبات ليشربوها أثناء سيرهما وذهابهما لمنزل سليم. بعد ساعة تقريبًا وصلا للمنزل، وما جعلها تطمئن أنها بالفعل رأت ديميت وسلمت عليها. قال سليم هنا: _بصي، اقعدي معاها لحد ما أجهزلك الدنيا. قالت ديميت: _هتجهزلها إيه؟ _حاجة في المعمل بتاعي. قالت فريدة بحيرة: _أنتم عندكم معمل هنا؟ ابتسمت ديميت وهي تقول: _لا، هو أوضته المفروض تبقى بحمام خاص، بس هو حول الحمام دا لمعمل بسيط كده بيحط فيه شوية مواد بيلعب بيهم لما يبقى فاضي. أومأت فريدة برأسها بابتسامة دهشة على شفتيها لتسألها ديميت هنا: _بكرة بقا ننزل أنا وأنتِ نجيب الفستان سوا، إيه رأيك؟ نظرت فريدة لديميت لتردف: _متقلقيش، مش هكون الحما المتحكمة، تقدري تاخدي أخواتك معاكي براحتك بس.. أنا نوعًا ما عايزة أصاحبك.. لو مش عايزة براحتك. _لا طبعًا يا حبيبتي هعوز. سمعت سليم ينادي عليها فقامت ودخلت غرفته وهي مترقبة بقلق. رأته يشير إليها بأن تأتي وتدخل ذلك المختبر الصغير الذي كان في غرفته. دخلت وأغلق الباب، وقالت في توتر: _إيه في إيه؟ _بصي اللي أنا ماسكه دا. رأت أنه ممسك بقطعة صغيرة من حجر الكبريت بونه اصفر، ملمسها كالرمال المتكتلة. _إيه دا؟ _دا عنصر الكبريت، لما بنسيحه بالنار بينتج تفاعل بحب أشوفه أوي ولازم أوريهولك. ابتسمت فريدة من غرابته واهتماماته المميزة التي أظهرت صدق شخصيته معها لتقول: _ماشي.. وريني. تحمس سليم بطريقة لطيفة ووضع الكبريت على صحن خاص بالمعامل والتجارب، بعدها أشعل النيران عليه إلى أن ذاب تمامًا وتحول لسائل بني مائل للحمرة. شعرت أن الأمر عادي ومضجر، ولكنها قالت لكي تجبر خاطر سليم: _الله.. ح.. حلو أوي. _مش دا يابت، استني. ذهب وأطفأ النور لتظهر أمامها نيران زرقاء زاهية مكان ذلك السائل البني. كانت الألوان رائعة، جاذبة للعين ولامعة حقًا، لم تستطع أن تشيح وجهها. قال سليم بلهفة: _إيه رأيك؟ شكلها حلو مش كده؟ _أوي يا سليم، بجد شكلها جميل. كانت النيران الزرقاء تتراقص بشكل انسيابي مريح للعين، وأطرافها باللون الأبيض وعمقها يحمل لمحة من اللون الأرجواني. كانا يتأملان النيران، وهو يتأمل عينيها. _عجبتك التجربة؟ _جداً. ظل يحدق في عينيها المتسعتين اللامعتين بلون النيران، بين ظلمة الغرفة بدأ يتغزل فيها: _عمري ما شوفت في جمال عينيكي... نظرت إليه بابتسامتها اللطيفة ليقول: _في بيت شعر كده بيقول، "لو إن حظي باتساع عينيها لحكمت من نجد إلى بغداد"، والشعر دا ينطبق عليك بالظبط. ضحكت فريدة في حرج ليضحك سليم حين لاحظ احمرار وجنتيها الذي طغى على الضوء الأزرق المنعكس على وجهها. قال: _عمري ما حسيت إن في واحدة تستحق كل حاجة حلوة قدك. ظلت مبتسمة ملتزمة الصمت ليردف: _تحبي في يوم كده أوريكي تجارب زي دي دايمًا؟ _آه ياريت. حين شعرت أن الموقف يزداد حرارة، ومشاعرهما تزداد بالترابط، قالت هنا: _ينفع نرجع؟ _مش مرتاحة؟ _لا بالعكس، أنا اتبسطت أوي إنك وريتني حاجات أنت بتحبها ومهتم بها... والجو اللي بيننا دا جميل جدًا بس... حاسة إن المفروض ما يطولش عن كده. عرضت ابتسامته من حرجها ليقول: _تمام.. تقدري ترجعي لماما دلوقتي على ما أضبط الدنيا هنا. لم يشعر سليم بالابتهاج والارتياح كهذا في حياته. ابتسامتها وسرورها مُعديين نظرًا لندرتهما، وسيجعلانه يعيش في سعادة لمدة طويلة من الزمن فقط لأجل تلك اللحظة البسيطة. شعر بأمل أنها ستعود في قرار بيعها، وهذا ما زاد من اطمئنانه.                            ********** بعد قليل، أوصل مصطفى نجلاء ومريم، وقد سردت نجلاء له كل ما رأته بعدما سألته عن تلك الغرزة التي في حاجبه، وقد أرجأ الإجابة عن هذا السؤال لحين آخر. دخل مصطفى بيته بعدما جعل نجلاء ومريم ينزلان لمنزل أمّه. من عادته، حين يدخل منزلًا إن كان به جن أو شياطين يشعر بوجودهم وحضورهم، ولكن حين دخل بيته لم يشعر بأي شيء. أول غرفة مرّ من عندها هي المطبخ، وحين دخل اكتشف أن كل ما طبخته نجلاء مأكول تمامًا، كل الطعام في كل قدر طبخت فيه نجلاء الطعام مأكول وممسوح تمامًا. ذهب للمبرد لكي يتأكد إن كان يوجد به أي شيء تم أكله، وحين فتحه وجد كل شيء فارغًا ومأكولًا ومشروبًا، الحليب والعصائر كلها فارغة، والخضروات والجبن وكل شيء تم أكله. تأكد مصطفى أن هناك شيئًا غير طبيعي في المنزل، فدخل غرفته ليجد بالفعل الدفتر غير موجود. بدأ يقرأ القرآن ويرقي البيت، أكثر من ساعة وهو يقرأ ويرقي ولكن بلا فائدة، لم يشعر بأي رد فعل كما يشعر عادةً، وهذا معناه أن المنزل ليس به أي شياطين. احتار مصطفى بشدة وقرر أن يجلس ساعة أخرى دون قراءة القرآن، في تلك الساعة أتت قطته إليه، ليبتسم تلقائيًا من لطافتها، وحملها وهو يقول: _معلش، سيبناكي لوحدك، متزعليش. ظلت تحك رأسها بلحيته وتعضها، ليضحك مصطفى ويبدأ في اللعب معها ومداعبتها، هنا سمع صوت السيوم يقول له: ~انزل ليهم، مهما قعدت مش هتلاقي حاجة، لأن اللي بيظهر لنجلاء متسلط لها بس وبيروح لها في كل حتة. _مَسّ يعني؟ ~مش عارف أشرح لك إزاي بس...الموضوع مالوش علاقة بالجن أبدًا، نور عنده جنود من جنسنا وبيخدموه بطريقتهم. _إزاي...أشمعنا هو؟ ~دي حاجة ترجع للعالم اللي ظبطله قواه. سكت مصطفى وهو يفكر، ثم قال: _كان نور قال اسم كده.... ~سردار شاهين. _أيوة دا، هو دا اللي عمل كده في نور. ~احتمال، وأعتقد مفيش غيره، المشكلة أن مكانه مجهول والإعلام نشر خبر موته من كام سنة...بس شكله مش ميت ولا حاجة، المهم ياريت متطولش في قاعدتك هنا وخليك مع نجلاء، لأن الراجل اللي بتسوفه بيختفي لما حد يبقى معاها من جيناتك. حين قال له السيوم ذلك، قرر مصطفى أن يأخذ القطة وينزل لأمه، وحين طرق الباب وفتحت له مريم، ابنته، نهضت نجلاء وهي تقول: _طمني يا مصطفى. _قرأت يا حبيبتي....بس...محسيتش أن في حاجة. _يعني دي هلاوس؟ _لا مش هلاوس...الكراسة اتاخدت، والأكل كله متاكل. صدمت نجلاء بشدة، وقالت بنبرة قهر حزينة على طعامها: _الأكل اللي طبخته؟؟؟ _أه، مش اللي طبختيه بس، كل حاجة في التلاجة اتاكلت واتشربت، حرفيًا مطبخنا كله اتمسح مفهوش غير مية الحنفية. قالت ريهام: _أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اقعدوا يا ابني عندي اتغدوا عندي. _لا يا ماما، هنجيب دليفري مش مشكلة. _لا طبعًا، دليفرك إيه وقرف إيه، اقعدوا كلوا عندي وبعدين اطلعوا، متخافش الأكل هيكفي. وافق مصطفى، وهنا قالت منار متحمسة بسرور: _أخيرًا هدوقك الأكل بتاعي، أنا واثقة إنه هيعجبك. قالت ريهام: _أه يا ابني، أكل منار بجد زي العسل، ما شاء الله، البت طبيخها حلو أوي. صمت مصطفى دون رد غير مبالٍ، وشعرت نجلاء بالامتعاض والغيرة الشديدة، وقالت له هنا إن يدخلا غرفة الأم ليغيرا ملابسهما، دخلا الغرفة وأثناء ارتدائهما للملابس، قالت نجلاء: _واضح أن دي حركات نور. _أيوة، بعد ما نرجع لبيتنا هحكيلك بالتفصيل. انتهى مصطفى قبل نجلاء وكاد أن يخرج من الغرفة لتقول نجلاء: _مستعجل أوي عشان تشوف منار؟ توقف مصطفى قليلاً وشعر أن الضيق ينهش في روحها، كذلك هو بعدما حدث له ذلك من نور وأتباعه، لينظر لها وهو يقول: _نجلاء، تعالي بعد العشا ننزل نتمشى شوية، أنا عارف أن أعصابك تعبانة يا حبيبتي، اصبري واحتسبي. تجمعوا سويًا على السفرة لأكل وجبة الغداء، وجلست منار تأكل معهم. وبعد مدة، قالت: _أيه رأيك في الأكل يا شيخ مصطفى؟ _كل الأكل حلو... أنا مش بعيب نعمة ربنا. اختفت ابتسامتها بسبب رده غير المباشر، ثم نظرت لنجلاء وقالت: _طب أيه رأيك يا دكتورة؟ أنا هاممني رأيك أوي عشان أكيد أنتِ أشطر مني. ابتسمت نجلاء بصعوبة وهي تقول: _جميل يا حبيبتي، تسلم إيدك. سعدت منار، وهنا لاحظت نجلاء أن مصطفى يبحث بعينيه على شيء. نجلاء تعلم زوجها جيدًا، فمن عادته أنه يشرب الماء مع الطعام ليسهل عليه البلع، وقد اعتاد على هذه العادة فور أن أصبح مريضًا بالقولون. لم يكن يوجد ماء على الطاولة، فتعلّمت أنه يبحث عن الماء. وبتلقائيتها الجميلة، قالت وهي تنهض: _ثواني يا حبيبي، هجيبلك الماية. كادت أن تقوم، فنهضت منار وهي تقول: _خليكي يا دكتورة، هقوم أجيب أنا. انزعجت نجلاء، ولكنها تجاهلت الأمر وجلست. وأتت منار بكوب ماء. _اتفضل يا شيخنا. أخذ الكوب وشرب منه، وبعد قليل، أعطت منار صدر دجاج لمصطفى وهي تقول له: _اتفضل يا شيخنا، أ... أصل ماما قالتلي إنك بتحب الصدر أوي. قالت نجلاء: _ماما؟ _آه... حجة ريهام هي زي أمي بالظبط، وهي قالتلي ناديني ماما. نظرت نجلاء لريهام بنظرة تعجب وضيق، فقد شعرت بالخيانة الطفيفة. شعرت ريهام بحزن نجلاء، لذلك لم تنظر لها، وعادت نجلاء تنظر لطعامها. ولاحظ مصطفى أنها تتنفس بصعوبة، دلالة على عدم ارتياحها في الوقت الراهن. كانت منار تمازح مريم وتداعبها طوال الجلسة وتأكلها، وبدا على مريم أنها مستمتعة معها. شعرت نجلاء بمضاعفة، هل ستأخذ منار زوجها وأمه وابنته أيضًا؟ كلها كانت أفكارًا ووساوس في عقل نجلاء المنهك منذ بداية اليوم. لاحظ مصطفى أنها بدأت تأكل بشكل شره نوعًا ما. من المفترض أن يكون سعيدًا لأنها ارتاحت نفسيًا لكي تأكل تلك الكمية من الطعام، ولكنه لم يكن سعيدًا وازداد قلقه لأنه يعلم جيدًا ما يصيبها. أكلت ما يقارب الثلاثة أطباق لتقول ريهام بسعادة: _ما شاء الله يا حبيبتي، شكل في نونو جاي في الطريق. أمي الله يرحمها كانت بتحكيلي كانت بتأكل وهي حامل فيا أكل ميتوصفش. ظلت نجلاء صامتة ولم ترد لعدم رغبتها في الحديث عن هذا الأمر الأساس. وحين شعرت ريهام بذلك، لم تستمر في كلامها. انتهوا من الأكل، وجمعت منار الصحون. وحين انتهوا، أذن المغرب وأمرهم مصطفى بالصلاة جماعة معه. حين انتهوا من صلاتهم، جلسوا قليلاً، أما نجلاء فتركتهم ودخلت الحمام. معدتها تؤلمها، واقفة أمام الحوض تحاول أن تهدأ، ولكنها لا تهدأ. شعرت أنها ستعود لتلك العادة مجددًا بعد انقطاعها سنين، فلن تهدأ سوى بتلك الطريقة. جلست على ركبتيها أمام المرحاض وبدأت في محاولتها للتقيؤ بإدخال أصبعيها في حلقها لتستطيع تهدئة آلام معدتها. بدأت نجلاء تلك العادة بعدما أنجبت مريم، فور أن أتاها اكتئاب الحمل. أصبحت تأكل بشراهة أثناءه، ولم ترَ طريقة تزيل ضغطها واكتئابها إلا بتلك الطريقة، أي: بالإكثار في الأكل ثم إفراغه كله من المعدة، فبصحتها أصيبت بمرض النهام العصبي. أصبحت بعد إنجابها لمريم لا تحب الطعام أبدًا، رغم ذلك كانت تكثر في الأكل منه. ولكن بسبب تعامل مصطفى اللطيف معها، كانت لا تكتئب ولا تحزن كثيرًا، لذلك كان أكلها للطعام عاديًا ولا تستفرغه. ولكن إن زاد غمها وهمها، تأكل بشراهة وتذهب لكي تتقيأ كل ما أكلته. وقالت إحدى الطبيبات لها إن هذا المرض هو ما يؤدي إلى إجهاض أطفالها التي حملت بهم بعد مريم. تقيأت نجلاء كل ما أكلته، وحين انتهت شعرت براحة وسكينة قوية وبدأت تأخذ أنفاسها وشعرت بالأكسجين أخيرًا. غسلت فمها وخرجت وهي في حال أفضل. دخلت المطبخ لترى الطبق الحلو، كان أرز بالحليب. ابتسمت نجلاء حين وجدت فراولة، فهذا الطبق المفضل لمصطفى: أرز بالحليب بالفراولة وعليه عسل. بدأت نجلاء في تحضير طبق خصيصًا له مع شاي بالنعناع كما يشتهي. حين انتهت، خرجت وهي متحمسة أن تعطيهم له وتطيب بخاطره وتسعده لأنه مهموم هو كذلك، ولكن توقفت حين وجدته ممسكًا بصحن الأرز بالحليب عليه فراولة وعسل، وأمامه شاي بالنعناع. توقفت نجلاء وقد اختفت ابتسامتها تمامًا، ونظر مصطفى إليها وهي ممسكة بهم. _مصطفى، أ... أنا عملتلك دول... قالت منار: _ولا يهمك يا دكتورة، أنا عملتهمله قبلك. مكنتيش تتعبي نفسك. نظرت نجلاء إليها وقالت بنبرة صارمة وهي غاضبة: _اسكتي إنتِ، مالكيش دعوة. سكتت منار، وقالت نجلاء بنفس النبرة: _خد الطبق بتاعي يا مصطفى، خد كل من بتاعي أنا. وضع مصطفى الصحن الذي بيده، وقال وهو يأخذ صحنها: _خلاص، خلاص، هاكل من بتاعك ولا يهمك. قالت ريهام: في إيه يا نجلاء؟ إيه جو العيال؟ هي فرقت إيه طبقك من طبقها؟ _وهي تعمله دا ليه؟ وايش عرفها إنه بيحب دا؟ _أنا اللي قولتلها. لم تتحمل نجلاء أكثر واستشاطت، وصاحت في وجه ريهام وجسدها يرتجف من الغضب: _وتقوليلها لييه؟؟ بتحكي لها عن مصطفى ليه؟؟ ومخليها تقولك ماما ليه؟؟ عملت معاكي إيه ولا مريتوا بإيه سوا عشان تقولك ماما؟؟ انتوا هتبدلوني بيها؟ عايزة تجوزيهاله؟؟ أقسم بربي لو دا اللي بتفكري فيه وخليتيه يتجوزها، مش هتشوفوا وشي تاني. أقسم بالله، اللي هتقرب من مصطفى ما هرحمها. قالت منار: _اهدي يا دكتورة، مينفعش تزعقي لوالدة مصطفى كده، احترمي وجوده على الأقل. هنا ظلت نجلاء تحدق في منار بنظرات غيظ شديد، وكأنها تريد أن تحرقها حية. فقالت منار بعدها متجاهلة سخط نجلاء ونظراتها لها: _وبعدين كده يا شيخ مصطفى، تسيب الطبق اللي أنا عاملاهولك؟ مهو فرقت إيه طبقي من طبقها؟ أفرغت نجلاء غضبها في ذلك الصحن، الذي كان الوقود لإشعال غيرتها أكثر. أمسكت بالصحن وضربته بالجدار وكسرته تمامًا، لينهضوا بفزع وغضب، وتصرخ ريهام: _مالك يا نجلاء، إيه اللي عملتيه دا؟ قال مصطفى لها: _أنا آسف يا أمي، حقك عليا، أنا امسحيها فيا أنا. دخلت نجلاء الغرفة وارتدت نقابها، وذهب مصطفى مسرعًا وهو يلملم الزجاج وبقايا الطعام. لتلاحظ ريهام بابتسامة عريضة على وجهه غير مناسبة تمامًا للموقف، لتقول له: _مالك يا خويا، ضحكتك من الودن دي للودن دي ليه؟ فرحان بغيرتها؟ _معلش والله يا أمي، أنتِ عارفة نجلاء بتغير عليا من الهوى... نعملها إيه؟ مش قصدها، مينفعش نستفزها في الموضوع دا. هنا خرجت نجلاء من الغرفة وهي مرتدية ملابسها، ليقول مصطفى لها: _رايحة فين؟ _رايحة في داهية. وخرجت. وهنا قالت منار: _خلاص يا شيخ، روح الحقها، وسيبلي أنا هكمل تنظيف. نظر مصطفى لمريم، تقول له: _أنا هقعد هنا شوية لحد ما تصالحوا بعض. مش عايزة أشوفكم بتتخانقوا. خرج من المنزل وصعد لنجلاء بسرعة، ودخل بيته، وسمعها تصيح من البكاء في غرفتها. اتجه إلى الغرفة ورآها بدأت تخلع ملابسها بتشنج وغضب عارم وهي تبكي، فاقترب منها لتبعده وهي تصرخ في وجهه: _ابعد عني، إنت بتحبها يا مصطفى؟؟ بتحب منار؟ متفق مع أمك إنها تعرفها عنك عشان تتجوزوا في الآخر؟؟ _نجلاء، أنا مستحيل أحب أي واحدة تانية غيرك. _إنت مشوفتش نظراتك ليها كانت إزاي؟؟؟ _نظرات إيه يا حبيبتي؟ هو أنا ببص لبنات أصلاً؟ حبيبتي، مفيش حاجة من اللي في دماغك دي. ظلت تبكي بشدة وهي تقول: _والتانية اللي اسمها رشا، خلاص هتروح الشركة عشانها صح؟ وتقعدوا سوا وتشربوا عصير وتهزروا مع بعض ومبسوطين، حبيتها دي كمان؟ حبيتها؟؟ _يا نجلاء، إنتِ تعرفي عني إني بهزر مع بنات وببص لبنات؟ جلست وهي تبكي وتقول: _الاتنين أحلى مني وأصغر مني، أكيد عجبوك... أكيد أنا كبرت وعجزت بالنسبالك، مش كده؟ خلاص معادتش عايزني، وطبعا لما تحب تتجوز هتقول حقي ومش حقي... أمسكت رأسها وهي لا تتوقف عن البكاء والعويل، فجلس هو بجانبها وهو صامت. هو يعلم أن كل ما تقوله هو مجرد كلام لا معنى له بسبب غضبها. ظل يحسس على ظهرها ويهدئها وهو صامت، وحين لاحظ أنها هدأت قليلاً، قال: _اللي إنتِ بتفكري فيه دلوقتي دا، مش ظلم ليا بس، دا ظلم لنفسك. نظرت إليه ليردف: _إنتِ؟ إنتِ تحطي نفسك جنب الاتنين دول؟ إنتِ شايفة نفسك وشايفة مكانتك من مكانتهم؟ إنتِ متعرفيش قيمة نفسك يا نجلاء بجد للدرجة دي؟ _قول الحقيقة يا مصطفى... إنت زهقت مني؟ أنت عايز واحدة جديدة في حياتك؟ _نجلاء، هو الدهب بيتزهق منه؟ هو الألماس بيتزهق منه؟ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا؟ مستحيل أزهق منك... هو مين أحسن منك ومين زيك أصلاً؟؟ مفيش حد، مفيش بنت في العالم دا زيك. _يعني لو في زيي كتير كنت هتزهق مني صح؟ _لو في زيك؟ يعني لو أنا وهي مرينا بظروف قاسية، وهي متمسكة بيا، وإيمانها قوي، وذكية، ومثقفة، وعفيفة، وعندها أخلاق، وجمالها خارق، كله مرة واحدة؟ مين بقى اللي هيبقى زيك في الحياة دي؟ _بطل ترد السؤال بسؤال، إنت زهقت مني يا مصطفى؟ بطلت تحبني؟ جاوب. _لا ومستحيل دا يحصل. صمتت نجلاء برهة ثم قالت: _طب أنا قصرت معاك في حاجة؟ أنا شكلي كبر وبقى وحش؟ _والله أبدًا يا حبيبتي، هو في أجمل منك؟ والله العظيم كل ما بتكبري بتحلوي، وحتى يا ستي لو بقيتي محروقة، أنا هفضل أحبك. حديثه جعلها تتوقف عن البكاء وتدخل في حالة سكون، ولكن الحزن يجلب الحزن. فبكائها وإحساس النقص التي شعرت به لوهلة جعلها تشتاق لعائلتها كما لو كانت تريد الذهاب إليهم: _ماما وبابا وحشوني أوي، أنا لحد الوقت مش قادرة ارتاح، واللي قتلهم لسة مخدناش منه حقهم... خصوصًا ماما... نفسي اللي قتلها يموت زيها بالضبط. وضعها مصطفى في حضنه وهو يقول: _احتمال كبير يكون أدهم... خصوصًا بعد ما عرفت إني ابنه... والله العظيم اللي قتل أمك مهما كان، لو وقع تحت إيدي، لاقلتله بنفس الطريقة وأجيب لها حقها. قال السيوم هنا: ~متقولش كده بس. لم يفهم مصطفى قو السيوم وتجاهله. وبعد أن مر وقت، تحسنت حالتها واستوعبت كل ما فعلته: _أنا آسفة. _ متعتذريليش، بس عايزك تعتذري لماما، إنتِ غلطتي. _حاضر.                           *********** مع عودة نوح وغادة وهاجر من منزل مجدي، وشعورهم جميعًا بالضغط والأسى، قرر نوح أن يرفه عنهم ويدخل السرور إلى قلوبهم، لذلك قرر ألا يعودوا للمنزل وأن يقضوا اليوم كله للاستمتاع والتسكع. ذهبوا أولاً لتناول وجبة الغداء في مطعم للمأكولات البحرية، حيث الطعام الذي لم يذوقوه بألسنتهم من قبل، وهذا ما يزيد تجربتهم لذة، هي تجربة ما لم يجربوه أبدًا. أنهوا طعامهم وذهبوا للسينما، وبعد السينما اتجهوا إلى مدينة الملاهي. كانت هاجر أكثرهم حماسًا واستمتاعًا، وكلما كانت تضحك وتقهقه وتظهر ابتهاجها بكل لعبة تلعبها لأول مرة، كانت تصرخ بكل طاقتها من الحماس كالأطفال. لم تشعر هاجر بطفولتها أبدًا، لذا فحنية نوح وتعامله اللين معها واهتمامه بها، وصحبة غادة معها واستمتاعهم سويًا بوقتهم، عوضوها عن ماضيها القاسي وجعلوها تشعر أنها إنسانة بحق، لديها مشاعر، ولديها الرغبة في الاستمتاع واختيار ما تشتهيه نفسها. شعور جعلها وكأنها ولدت من جديد، وبدأت تنظر إلى غادة ونوح كأنها تنظر إلى أبيها وأمها، من جعلاها تشعر بشعور السكينة والراحة لأول مرة في حياتها. كانت تواجه غادة صعوبة في استقبال كل ما هو مبهج، ولكن حين لاحظت ابتهاج هاجر الشديد، ابتهجت هي الأخرى. وما زاد من ارتياحها هو محاولة نوح في إسعادهم في كل شيء، يسألهن عما يشتهينه ليجلبه لهن، يسألهن عن المكان الذي يتمنون الذهاب إليه، ويسألهن إذا كن يرغبن في شراء هذا أو ذاك. بعد انتهائهم من اللعب في مدينة الملاهي، ذهبوا للتسوق، وابتاع نوح لهن كل ما أعجبهن من الملابس والحلي والمستلزمات الغريبة الخاصة بهاجر. عادوا للمنزل منهكين من المتعة، وجلسوا سويًا، وهم يتحدثون ويشاهدون ما ابتاعوه، ونوح جالس يتأملهن ويتأمل سعادتهن وانشراح صدورهن بما عاشوه معًا في هذا اليوم. لم يتخيل نوح أبدًا في حياته أنه سيكون سببًا في إسعاد أحدهم، ولم يتخيل أبدًا أن يكون مسرورًا لهذه الدرجة بسبب سعادة أحدهم. هذا كل ما يحتاجه في حياته هو أن يرى المقربين له سعداء بسببه، خصوصًا هاتين الاثنتين اللتين أصبحتا قطعتين من قلبه. كان ينظر لهاجر وغادة وكأنه ينظر إلى منقذينه الذي انتشلوه من قعر الوحدة واحتقار الذات. بسببهما شعر أنه راضٍ عن نفسه لأول مرة في حياته، بسبب وجودهما أصبح يستلذ العودة إلى المنزل فقط ليراهما ويقوم بعمل أي شيء يسعدهما. هنا لمح غرفة هاجر، بابها مفتوح بشكل جزئي، ويوجد طفلة تنظر إليهم من خلف الباب، وحين لمحته ينظر إليها، أغلق الباب بضربة قوية، ليلتفتوا جميعًا إلى الغرفة، وتتنهد هاجر بتبرم. ليلاحظ ردة فعلها ويقول لها: _شوفتي أي حاجة في الأوضة دي؟ _والله سمعت لحد دلوقتي بس مشوفتش. صحيح هو مين اللي كان ساكن في الشقة اللي تحتك بالظبط؟ _لا، مش فاكر.. أشمعنى؟ _أصل صوت البنت كان طالع من الشقة دي. سكت نوح وهو يفكر متعجبًا من تلك المعلومة الجديدة، وقرب منتصف الليل، بعدما قضى كل من نوح وغادة ليلة جميلة سويًا، كانت غادة متشبثة في حضنه نائمة تحدثه عن كل ما يثقل قلبها من غم، إلى أن نظرت إليه وقالت: _نوح... ما تسمعني الموسيقى اللي عزفتها لي قبل كده؟ تبسم نوح وهو يقول بعدما أعطاها قبلة: _من عيني يا حبيبة قلبي. نهض نوح وأخرج الكمانجا من خزانته وبدأ في عزف المعزوفة، وغادة تحدق فيه بإعجاب متلذذة بسماعها. فور أن عزف نوح تلك المعزوفة، بينما كانت هاجر جالسة على سريرها، رأت بضوء أرجواني يتسرب بين فراغ أرض غرفتها، اعتدلت في جلستها في حيرة وهي تحدق في هذا الضوء، ولم يختفِ الضوء سوى بانتهاء نوح من عزفه. لتهمس هاجر محدثة نفسها: _هو في إيه بالظبط؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة