١١٦
بعد أربعة أيام...
بعد أربعة أيام من الموت المزيف لجمال وعلا، ومن مجلس العزاء المزيف الذي أُقيم لهما، وبعد أربعة أيام من سبات مصطفى الطويل وفقدانه للوعي، وبعد أربعة أيام كذلك من بدء عصام عمله مع ياسر، ذلك العمل الذي أفضى إلى حصوله على منزل جديد وسيارة جديدة.. حيث كانت الحياة تمضي بخطوات هادئة متثاقلة.
وعند الساعة السادسة المغرب، حين كانت شمس الصيف لا تزال معلقة في الأفق تنثر خيوطها الذهبية على الأشياء قبل رحيلها، كان منزل عصام الجديد يغرق في سكينة ناعمة.. كانت الفيلا تتوسط قطعة أرض واسعة تحيط بها حديقة صغيرة.
وهناك بين الأحواض الخضراء وصفوف الزهور، كان رجب واقفًا يحمل خرطوم المياه بيديه الخشنتين اللتين حفرت فيهما السنوات آثارها، يسقي النباتات بعناية بالغة، ويتنقل بينها ببطء وصبر، لا كما لو أنه مزارع خبير يعرف كل نبتة معرفة شخصية ويعاملها كما يُعامل المرء أبناءه أو أصدقاءه القدامى.
كان ينحني أحيانًا ليتفقد ورقة صغيرة، ويعدل غصنًا مائلًا، ويمسح بأصابعه التراب عن زهرة متفتحة، كان في هيئته شيء من الصفاء والطمأنينة النادرة.
وفي تلك الأثناء، خرجت ياسمين من المطبخ بعد أن انتهت من غسل صحون وجبة الغداء.. وما إن وطئت قدماها الحديقة حتى استقبلها عبير الأزهار المختلط برائحة التراب المبتل بالماء، وتوقفت لحظة تنظر إلى رجب.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تراه فيها منغمسًا في العناية بالحديقة منذ انتقالهم إلى هذا المنزل، لكنها كانت في كل مرة تشعر بالمشهد ذاته؛ شعور خفيف بالحبور والراحة يتسلل إلى قلبها دون استئذان.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تقترب منه بخطوات هادئة، وما إن لمحها حتى استدار نحوها بعينين يلمع فيهما قدر صادق من الفخر والسرور، كأنما كان ينتظر من يشاركه هذا الجمال الذي يراه.
قال:
_تعالي يا سمية، شوفي جمال الورد البلدي شوفي.
ابتسمت ياسمين ووقفت إلى جواره، ثم أمعنت النظر في الأزهار المتفتحة التي ازدانت بألوان أكثر حيوية مما كانت عليه سابقًا، وقالت:
_مكانش زاهي كدة أول ما جينا، مش كدة؟
اومأ برأسه وهو يجيب:
_آه طبعا، عشان أنا اهتميت بيه وكلمته، ولما حس إن عنده ونيس فرح ولونه برز كدة.
نظرت ياسمين إلى رجب لحظة، محاولة أن تستشف من ملامحه إن كان يمزح أم يتحدث بجدية كاملة، ثم قالت:
_دا بجد ولا كناية؟
_لا بجد طبعا، النباتات بتحس وبتسمعنا.. هي مبتحتاجش ماية بس.. بتحتاج ألفة كمان.
اتسعت ابتسامة ياسمين قليلًا، وشعرت بدفء لطيف وهي تنظر إلى الزهور ثم إليه، فقد كان يتحدث بإيمان حقيقي لا يعرف التصنع، ثم قالت مازحة:
_يا سلام يا عم رجب، إنت طلعت خبير نباتات وأنا معرفش.
ضحك رجب ضحكة قصيرة دافئة، ثم هدأ قليلًا وقال:
_يمنى كانت بتحبهم اوي.
رفعت ياسمين حاجبيها باهتمام، والتفتت إليه أكثر وهي تقول:
_فعلا؟ مقالتليش قبل كدة؟، حكم إن يمنى حبيبتك أوي، اكيد هتقولك كل حاجة وأسرارها كلها عندك.
ارتسمت على وجه رجب ابتسامة مختلفة هذه المرة.. بدا وكأنها ابتسامة حزن أو ابتسامة حنين، او كانت شيئًا بينهما، بعدها حرك رأسه نافيًا ببطء، ثم قال:
_أنا قصدي عن يمنى... اللي كانت صديقة الكل.. صديقة النباتات والحيوانات والبشر، صاحبة أجمل ضحكة وأجمل صوت وأجمل روح وأجمل شخصية... كانت غير أي واحدة في الدنيا دي كلها.
شعرت ياسمين بشيء يتغير في نبرته؛ فكانت تسمع رجب كثيرًا يتحدث بتيه الزهايمر وتداخل الأزمنة والأحداث المزيفة في عقله، لكن ما تسمعه الآن بدا مختلفًا تمامًا.. لم يكن حديث رجل تائه بين ذكرياته، بل حديث رجل عاد فجأة إلى أكثر بقعة وضوحًا في حياته.
اعتدلت في وقفتها دون أن تشعر، وأصغت إليه بكامل انتباهها.. أما هو، فبدأت الكلمات تُسحب من قلبه لا من لسانه.
نظر إلى الورود أمامه وكأنه لا يراها، بل يرى شخصًا آخر يقف مكانها، ثم أردف بصوت هادئ مفعم بالشوق:
_كانت هي برضو بتحب الرسم، بتحب ترسم الطبيعة بالذات.. ترسم الورود والأشجار، وتعبر عن حيها الشديد لخلقة ربنا، كانت دايما تقولي "حلمي اسافر برا مصر وأشوف العالم اكتر.. أشوف العالم اللي ربنا خلقه مش العالم اللي الإنسان صنعه" كان طموحها بسيط بس صعب في نفس الوقت... كنت بحبها أوي.. بعشقها.
أثناء حديثه، أخذت ملامحه تكتسب ذلك الصفاء الحزين الذي يعلو وجوه البشر عندما يتحدثون عن أحبائهم الراحلين.. فابتسمت ياسمين في دهشة حقيقية، وقد أسرتها الصورة التي رسمها لتلك الفتاة التي لم ترها قط، وقالت:
_وكانت معاك فين؟
_كانت زميلتي في الكلية..
اتسعت ابتسامتها أكثر وهي تقول بإعجاب صادق:
_إيه الجمال دا بجد، ودار بينكم قصة حب إزاي؟
عندها تبدل شيء في وجه رجب، وخفت ذلك البريق الذي ظهر في عينيه قبل لحظات، وحل مكانه حزن قديم متجذر.. حزن لم تقتله السنوات، ولم يمحه المرض.
وقال بابتسامة شاحبة موجوعة:
_مدارش حاجة...
اختفت ابتسامة ياسمين في الحال. ثم أردف رجب بنيرة ندم موجهة بعد لحظة صمت قصيرة:
_عمري ما اعترفتلها بحبي.. مكانش عندي الشجاعة في كدة، واعتقد دي أكتر حاجة ندمت عليها في حياتي كلها...، بتهيألي لو كانت عرفت إن في حد بيعشقها كدة مكانتش انتحرت بالسهولة دي.
تجمدت ياسمين في مكانها وخرست تماما.. وظلت تحدق إليه بصمت، عاجزة عن إيجاد أي كلمة لتواسيه بها.
ولأول مرة منذ عرفته، صدقته دون أدنى تردد.. فهي لم ترَ أمامها رجلًا يهذي أو يخلط بين الأزمنة والأشخاص المزيفين والحقيقيين، بل رأت إنسانًا يحمل جرحًا عمره عشرات السنين، وما زال ينزف كلما مرّ طيف تلك الفتاة في ذاكرته، حقًا بدت كلماته صادقة بصورة موجعة...
ساد بينهما صمت قصير.. بعدها قال رجب:
_بالمناسبة... يمنى فين؟ يمنى ضرتك.
_في الشغل..
_هي اشتغلت؟
_أه من كام يوم اشتغلت مع سهام.
أومأ رجب برأسه ببطء، ثم قال بنبرة تجمع بين الحرج والتسليم:
_عندي إحساس إني سألتك السؤال دا ييجي عشر مرات، مش كدة؟
ابتسمت ياسمين ابتسامة هادئة دافئة.. ففي الحقيقة ذلك السؤال لم يُطرح عشر مرات فقط، بل أكثر من ذلك بكثير، لكنها لم تشأ أن تجعله يشعر بثقل مرضه أو عجزه.
فاكتفت بأن أومأت برأسها وهي تقول:
_ولا يهمك يا عم رجب، حتى لو كانوا ألف مرة براحتك.
نظر إليها رجب لحظة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة ممتنة ثم التفت رجب بصمت بعد انتهاء الحديث، وقد بدت على ملامحه تلك السكينة الشاحبة التي كثيرًا ما تعقب استغراقه في ذكرياته البعيدة، ثم سار بخطوات هادئة نحو داخل المنزل.
راقبته ياسمين للحظات قبل أن تقرر اللحاق به، فدلفت خلفه عبر الممر المؤدي إلى الداخل. صعد هو الدرج ببطء متجهًا إلى غرفته، راغبًا في قيلولة المساء التي اعتادها، بينما اتجهت هي إلى غرفتها الخاصة وقد بدأت تشعر بإرهاق خفيف يسري في أطرافها بعد يوم هادئ وطويل.
أغلقت الباب خلفها، ثم خلعت حجاب جلبابها، مطلقة زفرة طويلة وهي تمدد جسدها فوق السرير، مدت يدها إلى هاتفها الموضوع بجوار الوسادة وفتحته بلا اهتمام حقيقي، مدفوعة بذلك الملل العابر الذي يدفع المرء أحيانًا إلى التنقل بين التطبيقات دون هدف محدد.
لكن ما إن فتحت أول تطبيق من تطبيقات التواصل الاجتماعي حتى تجمدت تمامًا...
اختفى الاسترخاء من جسدها دفعة واحدة، وانتصب ظهرها، ووحدقت في الشاشة غير مصدقة ما تراه أمامها.. بقيت عدة ثوانٍ ساكنة تمامًا، تحدق في الخبر وكأن عقلها يرفض استيعاب الكلمات الظاهرة أمامها.
بدأت تتنقل بين الصفحات والحسابات الإخبارية الأخرى لتتأكد من صحته.. ورأت حسابات موثقة، مؤسسات إعلامية معروفة، مصادر رسمية تنقل المعلومة ذاتها دون اختلاف يذكر.
شعرت بأن أنفاسها تتثاقل داخل صدرها، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف متزايد، حتى باتت تسمع نبضاته بوضوح داخل أذنيها.
لم يكن الخبر عاديًا.. لم يكن من النوع الذي يثير الدهشة لدقائق ثم يُنسى، بل كان من تلك الأخبار النادرة التي تقسم الزمن إلى ما قبله وما بعده، وتجعل العالم يبدو مختلفًا عما كان عليه قبل دقائق فقط.
**********
قبل ما يقارب الثمان ساعات من رؤية ياسمين لذلك الخبر...
في هذا الصباح، كان نوح لا يزال يجوب شوارع المدينة بسيارته الخاصة، مستمرًا في عمله كسائق أجرة.
بالطبع لم يكن ذلك العمل نابعًا من شغف حقيقي بالمهنة، بل كان قد وجد فيه وسيلة أخرى تخدم هدفًا مختلفًا تمامًا؛ هدفًا لم يغادر ذهنه منذ اختفاء نجلاء.. فمنذ رحيلها وهو يحاول في ملاحقة خيوطًا مبعثرة وآثارًا باهتة علّها تقوده إليها يومًا.
كان يعلم أن الأجهزة الأمنية بأكملها تقريبًا تبحث عنها بأوامر مباشرة من ياسر، وأن ضباطًا وعناصر لا حصر لهم يطاردون أي معلومة قد توصل إليها، بل إن جزءًا من عامة الناس دخلوا دائرة البحث بعدما انتشرت المكافأة المالية الضخمة المخصصة لمن يعثر عليها أو يدلي بمعلومات مؤكدة عنها. ومع ذلك كله، لم يستطع أن يجلس منتظرًا نتائج الآخرين، فاختار أن يبحث بطريقته الخاصة، مستغلًا عمله في التنقل بين الأحياء والشوارع ومقابلة عشرات الوجوه يوميًا.
وها هو يظهر له رحلة جديد على الهاتف المثبت أمامه، فألقى نظرة عابرة على بيانات الراكب، فتوقف انتباهه عندها لثوانٍ.. الحساب بدا غريبًا بعض الشيء، لا صورة شخصية، واسم مبهم لا يدل على شيء، وصفحة شبه فارغة من أي تفاصيل.. فبقي محدقًا في البيانات لحظة قبل أن يقبل الطلب في النهاية.
انطلق بالسيارة نحو العنوان المحدد، وكلما اقترب منه شعر بشعور غامض داخله.. لم يكن خوفًا واضحًا ولا قلقًا مفهوم السبب، بل ذلك النوع من شعور الانقباض الذي يسبق أحيانًا الأحداث المهمة. ظل يقود بصمت وعيناه تتنقلان بين الطريق وشاشة الملاحة في هاتفه، حتى بدأت معالم المنطقة تثير شيئًا من الألفة في ذهنه.. وبعد دقائق قليلة فقط، أدرك السبب.
كان الموقع المطلوب في شارع يقابل شارعًا يعرفه جيدًا.. بل يعرفه أكثر مما ينبغي.
وحين انعطف أخيرًا ووصل إلى النقطة المحددة، اتضحت الصورة كاملة في ذهنه.. الشارع المقابل لم يكن سوى الشارع الذي تقع فيه العمارة التي يسكنها عمر.
أوقف السيارة على جانب الطريق وبقي جالسًا خلف المقود دون أن يتحرك.. مد يده إلى الهاتف ليضغط على المحادثة الخاصة بالرحلة ليرسل الرسالة المعتادة التي تخبر الراكب بوصوله، لكنه لم يفعلها فورًا.. بقيت أصابعه معلقة فوق الشاشة بينما أخذت الأفكار تتزاحم داخل رأسه على نحو متسارع.
من صاحب هذا الحساب؟ ولماذا اختار هذا المكان تحديدًا؟ وهل هي مجرد مصادفة عابرة أم أن هناك شخصًا ما أراد الوصول إليه تحديدًا؟
كانت الاحتمالات تتوالد داخل ذهنه.. وهو يحدق في شاشة الهاتف دون أن يراها فعلًا، مستغرقًا في دوامة من التخمينات والشكوك والسيناريوهات المتضاربة.. وكلما حاول إقناع نفسه بأن الأمر عادي، عاد ذلك الشعور الغريب ليهمس له بأن هناك شيئًا غير طبيعي ينتظره.
وفجأة انقطع حبل أفكاره فور أن صدر صوت فتح الباب المجاور، أعقبه ثقل جسد يستقر على المقعد إلى جواره.
ثم جاءه صوت هادئ مألوف على نحو لم يكن يتوقعه:
_السلام عليكم.
التفت نوح فورًا.. وفي اللحظة التي وقعت عيناه فيها على الجالس بجواره، تبخرت جميع الاحتمالات التي كانت تدور في رأسه فورًا بسبب صحتها.. فقد كان عمر.
ظل نوح ينظر إليه نظرة ثابتة صامتة، وقد ازدحمت عيناه بقدر هائل من التعجب والاستفهامات... مرت لحظات قصيرة من الصمت الثقيل، لحظات اكتفى فيها كل منهما بالنظر إلى الآخر، قبل أن يجيب نوح أخيرًا:
_وعليكم السلام...
قال عمر بعدها مباشرة وهو ينظر للطريق:
_نبراس لو سمحت.
أومأ نوح برأسه في صمت، ثم أعاد نظره هو أيضًا إلى الطريق وانطلقت السيارة تشق الشوارع بهدوء.. َوساد بينهما صمت ثقيل لم يكن من ذلك الصمت المريح الذي يفرضه الانسجام، بل كان صمتًا متخمًا بأشياء لم تُقل، وبجروح لم تندمل.
فكان هذا أول لقاء يجمعهما منذ اليوم الذي أخذ فيه عمر ابنته من نوح.. ومن بعدها بالنسبة لكليهما كانت العلاقة لا تزال مقطوعة حتى هذه اللحظة، وكان عمر كان يعلم جيدًا أن من قطع هذه العلاقة هو نفسه، وأن من أراد عودة الأمور إلى ما كانت عليه فعليه أن يبدأ بإصلاح ما أفسده أولًا.
لهذا التفت التفاتة خفيفة نحو نوح، فوجده ممسكًا بالمقود وعيناه مثبتتان على الطريق أمامه.. لم يكن في ملامحه غضب ظاهر، لكن ذلك كان أسوأ أحيانًا من الغضب نفسه؛ إذ بدا كأن الرجل قد تجاوز مرحلة الانفعال ووصل إلى منطقة أبرد وأكثر وجعًا.
أعاد عمر بصره إلى الطريق مجددًا، بينما أخذت الأفكار تتزاحم في رأسه.. كيف يبدأ الحديث؟ كيف يعتذر؟ هل يعتذر أصلًا؟ وهل تكفي كلمة اعتذار لمحو ما حدث؟ كان يشعر أن كل جملة يفكر بها تبدو سخيفة قبل أن ينطقها، وكل محاولة للتمهيد تبدو ضعيفة أمام حجم الشرخ الذي خلفه ذلك اليوم في قلب نوح.
ابتلع ريقه أخيرًا وكسر الصمت قائلًا:
_اخبار الدنيا معاك ايه؟
خرج السؤال باهتًا حتى في أذنيه هو نفسه.. سؤال عادي للغاية لا يليق بحجم المسافة القائمة بينهما، لكنه لم يجد غيره.
أومأ نوح برأسه دون أن يجيبه، مجرد إيماءة قصيرة خالية من أي تفاصيل بإجابة تكفي لإنهاء المحاولة كلها.
شعر عمر بشيء من الخيبة يتسلل إلى صدره، فعاد للصمت من جديد، وأخذ يحدق عبر الزجاج الأمامي بينما كانت مشاعر العجز تتسرب إليه ببطء.
طوال الأيام الماضية تخيل عشرات الطرق التي يمكن أن يتحدث بها مع نوح إذا التقيا، ونسج في رأسه مئات الحوارات المحتملة، لكن الآن، وهو يجلس بجواره فعلًا، اكتشف أن كل تلك السيناريوهات كانت عديمة الفائدة.. كان متأكدًا في قرارة نفسه أن نوح لن يسامحه أبدًا، وأن بعض الأخطاء لا تُصلحها النوايا الحسنة مهما صدقت.
وفجأة سمع صوت نوح يقطع الصمت:
_بتشتغل إيه هناك؟
التفت إليه عمر باستغراب طفيف.. لم يكن السؤال منطقيًا بالنسبة له، فنوح يعلم الإجابة مسبقًا، ويعرف طبيعة عمله منذ سنوات. لذلك نظر إليه لحظة محاولًا فهم المقصود، لكنه لم يجد في ملامحه ما يفسر الأمر. بدا نوح وكأنه يسأل فعلًا، لا كأنه يختبره أو يسخر منه.
فأجاب على أي حال:
_طبيب نفسي.
أومأ نوح برأسه مرة أخرى، ثم قال:
_يعني إنت بتاع أدوية بس ولا استشاري في المشاكل والحاجات دي؟
بدأ الأمر يبدو غريبًا لعمر.. كان يشعر أن نوح يتعامل معه كأنه يتعرف إليه للمرة الأولى، أو كأنه يتعمد تجريد العلاقة السابقة من كل ما فيها ليضعه في إطار مهني بحت. ومع ذلك تابع مجاراته فيما يريد الوصول إليه وقال:
_اغلب الوقت أنا بتاع أدوية.. بس أقدر على الاستشارات.
في تلك اللحظة تحديدًا شعر عمر أن شيئًا ما يتحرك خلف ملامح نوح الهادئة.. رأى تفاحة آدم تتحرك في عنقه وهو يبتلع غصة ثقيلة، ثم سمعه يقول بصوت بدا هادئًا أكثر مما ينبغي:
_لو كدة بقا احكيلك مشكلتي.. لعلك تشوف حل.
نظر إليه عمر هذه المرة باهتمام كامل.. وهو يعلم أن ما سيأتي بعد هذه الجملة ليس سوى باب يحاول نوح فتحه أخيرًا بعد شهور طويلة من الإغلاق. فقال بهدوء:
_اتفضل.
استمر نوح في التحديق في الطريق الممتد أمام السيارة، ثم قال بصوت منخفض:
_أنا زمان.. كان ليا دكتور نفسي برضو، قعد معايا ٣ سنين وعالجني وبعدها خرجت خلاص وانتهت كل حاجة بيننا، بس تحس إن ربنا رايد يجمعنا تاني، وشوفته صدفة بعد سنتين ولا حاجة وعلاقتنا بقت صداقة.. صداقة دامت لسنين طويلة، وسنة من السنين دي تعبنا فيها أوي.. تعب لا يوصف، هو اتأذى وأنا اتأذيت.. بس أنا بعترف إن الأذى اللي جاله كان بسببي، بسبب إنه في محيطي.. في دايرتي.. فاتاخد في الرجلين زي ما بنقول.
استمع عمر دون أن يلتفت إليه.. وهو ينظر إلى ويسمع كل كلمة وكأنها تُنتزع من قلب نوح انتزاعًا.. لم يكن بحاجة إلى ذكاء خارق ليفهم أن الحديث لم يعد عن "صديق" مجهول، وأن نوح لم يختر هذه القصة عبثًا. ومع ذلك تركه يتكلم، وترك له فرصة الاختباء خلف الاستعارات والضمائر ما دام ذلك أسهل عليه.
أما نوح فتابع حديثه بعد صمت قصير، وقد بدأت نبرته تفقد تماسكها شيئًا فشيئًا:
_أنا مش عارف... مش عارف لو هو عنده حق ولا لا.. هو أكيد عنده حق بس... يعني... الواحد حقه يبعد عن الحاجة اللي بتإذيه في حياته بس.... هو كان معايا قبل... قبل ما أعرف نفسي... كان معايا قبل ما أعرف إني مرتبط بكل دا... يعني... لو كنت عارف إني ملعون كدة كنت بعدت عن كل حاجة في حياتي... بس هو حالة خاصة.... هو مكانش من دايرتي ولا كان من محيطي... دا كان ليه دايرة منفردة ومحيط خاص....
اختنقت الكلمات الأخيرة داخل حلق نوح وقد شعر عمر بذلك دون أن ينظر إليه.. كان يسمع التهجد الخافت الذي بدأ يتسلل إلى صوته، ذلك الارتجاف الذي يحاول صاحبه بكل قوته أن يخفيه فلا ينجح إلا جزئيًا.
وساد الصمت للحظات.. لم يعد يُسمع داخل السيارة سوى صوت المحرك واحتكاك الإطارات بالطريق.. وفي تلك اللحظة شعر عمر أن أي إجابة مباشرة ستضيع وسط ذلك الألم المتراكم. قال أخيرًا بصوت ثابت، بينما كانت عيناه تصارعان رغبة جارفة في الاستسلام للدموع:
_وهو عمل فيك إيه؟
جاء السؤال كضربة لم يكن نوح مستعدًا لها... تجمدت ملامحه لوهلة، وانعقد شيء مؤلم داخل صدره، فتح فمه قليلًا ثم أغلقه ثم قال بصوت خافت:
_مقدرش أقول...
لم يرفع عمر صوته، ولم يضغط عليه، لكنه واصل بهدوء:
_لازم تفتكر هو عمل فيك إيه بالظبط... عشان تاخد حقك منه، عشان بعدها ترجعوا لبعض تاني.
التفت نوح إليه سريعًا.. كانت نظرة قصيرة، لكنها ممتلئة بالدهشة والارتباك، لم يكن يفهم إلى أين يريد عمر الوصول، ثم قال:
_افرد هو مش عايزني أرجع لحياته تاني؟
هنا تردد عمر قليلًا من ثقل ما يريد قوله، ظل صامتًا لثوانٍ معدودة، ثم أجاب بنبرة ثابتة واثقة على نحو أثار دهشة نوح أكثر:
_لا هو عايز..، بس مينفعش دا يحصل قبل ما تعمل فيه نفس اللي عمله فيك.
ثم تابع حديثه دون أن يمنح نوح فرصة للاعتراض، وقد بدا صوته أكثر صدقًا من أي وقت مضى:
_في ناس يا نوح... مولودين وهما مصاحبين الخطر، ولو حاولوا يبعدوا عنه ميقدروش..، صاحبك دا حاول يهرب كتير من كل خطر بيحصله.. حاول يغير هويته وحياته، حاول بكل الطرق يبني حياة مفهاش خطر بس... دا مينفعش وكان لازم يتقبل الحقيقة دي. فوق كدة فصاحبك اختار انه يكون صاحبك.. واختار انه يتأقلم مع المشاكل اللي بتواجهه بسبب صداقته معاك، كذلك هو مؤمن تماما انك مش السبب في أي حاجة، إنت مالكش ذنب، إنت ضحية زيك زيه بل ممكن تكون عانيت أكتر منه كمان، بس كعادته صحابك دا قرر بحركة غبية منه يبعد ويهرب زي ما هو متعود ولكن قرار زي دا مزودوش غير هم، لأن دي أول مرة في حياته يحس إنه هرب من شخص مكانش ينفع يهرب منه.
في اللحظة التالية مباشرة، أخرج عمر هاتفه من جيبه وأنهى الرحلة عبر التطبيق.. حركة جعلت نوح يلتفت إليه باستغراب واضح، وقبل أن تتاح له فرصة السؤال، قال عمر فورًا بنبرة حاسمة لا تحتمل النقاش:
_اقف على جنب.
عقد نوح حاجبيه وهو مستغربًا، لكنه نفذ ما طلبه.. كانا يمران حينها في شارع شبه خالٍ من الازدحام، لا يقطعه سوى عدد قليل من السيارات المتباعدة. انحرف نوح إلى جانب الطريق وأوقف السيارة، وما إن توقفت تمامًا حتى فتح عمر الباب وترجل منها بسرعة، ليزداد استغراب نوح أكثر.
ظل جالسًا خلف المقود يتابعه بعينيه، محاولًا فهم ما يجري، بينما استدار عمر نحوه ونظر من نافذه الراكب وهو يقول بحدة:
_قاعد كدة ليه؟ انزل يلا!
رمش نوح عدة مرات وهو ينظر إليه غير مستوعب.. لكنه ترجل من السيارة في النهاية وهو يقول:
_في إيه يا عمر؟
أشار عمر أمامه مباشرة وقال:
_تعالى قدامي هنا.
تقدم نوح عدة خطوات حتى وقف قبالته.. كانت المسافة بينهما قصيرة، بينما بقي نوح يحدق في وجه عمر منتظرًا تفسيرًا لما يحدث.
وهنا عمر قال ببساطة:
_يلا.
نظر إليه نوح في حيرة أكبر:
_يلا ايه؟
أجابه عمر دون تردد:
_اضربني!
حدق فيه نوح لثوانٍ كاملة غير مصدق، ثم هز رأسه نافيًا فورًا وقال:
_إنت اتخبلت في مخك، إنت هتساوي ضربي بضربك؟
أجابه عمر بصرامة أكبر:
_اضرب يا نوح من غير فلسفة.
_ياض انا طيرت راس واحد بضربة مني انت نسيت؟
_لا مش ناسي، بس دا حقك ولازم تاخده
هنا بدأت ملامح نوح تلين قليلًا.. لم يعد يشعر بالاستغراب وحده، بل بشيء من الأسى أيضًا، كان يرى بوضوح أن عمر لا يمزح، ولا يحاول استعراض بطولة زائفة، بل يؤمن فعلًا بما يقوله.
فقال:
_عمر إنت كنت في حالة صدمة... أنا مش متضايق من الضرب والكلام الجارح قد ما كنت متضايق من قرارك، ما دام إنت رجعت في كلامك خلاص دا اللي يهمني، إنما لو جينا على ضربك ليا فأنا محسيتش بأي وجع.. فملهاش لازمة.
ظل عمر يحدق فيه بنظرة حادة وثابتة ولم يبدُ مقتنعًا بأي كلمة سمعها، لذلك قال بإصرار أشد:
_نوح، اضرب!
تنهد نوح طويلًا ونفد ما تبقى لديه من صبر.. ثم قال بعد برهة من التفكير:
_طب هكتفي بضربة واحدة بس، تمام؟
_تمام.
ساد الصمت بينهما للحظات.. ورفع نوح عينيه إلى وجه عمر، ورغم كل شيء، ورغم المصالحة التي بدأت تتشكل بينهما، لم يكن كاذبًا مع نفسه.. لم يكن قد تجاوز الأمر فعلًا، ما زال يتذكر الكلمات الجارحة، ما زال يتذكر الاتهامات، ما زال يتذكر ذلك اليوم بتفاصيله وبمشاعره.. لذلك أخذ نفسًا عميقًا، ورفع قبضته.
وعمر ظل واقفًا مكانه دون أن يتحرك، لم يحمِ وجهه ولم يتراجع.. وفي اللحظة التالية اندفعت قبضة نوح ليلكمه لكمة حاول ان يقلل نوح من قوتها بقدر الإمكان، رغم ذلك ارتطم جسد عمر بالأرض فورًا.
لم يكن الأمر حتى بحاجة إلى ضربة كاملة.. مجرد لكمة من نوح كانت كافية لتطيح بعمر وتسقطه على الإسفلت سقوطًا عنيفًا.
هنا اتسعت عينا نوح واختفى كل ما كان يشعر به قبل ثوانٍ، وركض نحوه فورًا وجثا على ركبتيه بجانبه وهو يهتف بقلق:
_عمر إنت كويس؟! إنت كويس؟!
رفع عمر رأسه بصعوبة عن الأرض، وحينها رأى نوح الدم يتدفق من أنفه فشحب وجهه فورًا، وامسك عمر ليحاول ايقافه وهو يقول:
_قوم قوم، تعالى هرجعك البيت، قوم
لكن عمر قاطعه بسرعة رغم الألم الواضح الذي كان يعتصره:
_لا لا... وديني الشغل أنا كويس.. أنا كويس.
_شغل أيه يا حمار دلوقتي؟ قوم!
لكن عمر أصر بعناد:
_وديني الشغل يا نوح بقولك!
زفر نوح باستسلام أخير:
_ماشي ياعم ماشي
نهض عمر ببطء شديد، رافضًا يد المساندة التي مدها له نوح، وهو يحاول الحفاظ على ما تبقى من كرامته وسط هذا المشهد العبثي كله.
وقال وهو يبعد يد نوح:
_خلاص..خلاص، مفيش حاجة أنا كويس.
ترنح قليلًا حتى كاد يفقد توازنه لينتفض نوح فورًا مستعدًا للإمساك به إذا سقط، إلا أن عمر تمكن من تثبيت نفسه في اللحظة الأخيرة.. ظل واقفًا مكانه يلهث من الألم، والدم لا يزال ينزف من أنفه، ثم رفع عينيه أخيرًا نحو نوح.
ولأول مرة منذ بداية الموقف كله، ظهر شيء أقرب إلى الراحة في نظرته... شيء يشبه الطمأنينة.. يشبه لرجلًا انتهى أخيرًا من حمل عبء ثقيل كان يضغط على صدره.
ثم قال:
_متصافيين؟
نظر إليه نوح لثوانٍ وهو يتأمله.. كانت هيئته مضحكة ومؤلمة في آن واحد... رجل ينزف، بالكاد يقف على قدميه، وكل ما يشغله الآن هو معرفة إن كانا قد تصالحا أم لا.
لذلك هز رأسه وقال وهو لا يزال قلقًا عليه أكثر من غضبه منه:
_متصافيين ياعم، بس إنت لازم تشوف حالتك دي.
هز عمر رأسه بإصرار عنيد وقال:
_حالتي مفهاش حاجة... وصلني الشغل لو سمحت..
ثم فتح باب السيارة ودخلها وكأن شيئًا لم يحدث.
أما نوح فظل واقفًا بجوار السيارة للحظات، عاجزًا عن استيعاب ما جرى أمامه.. يحاول جمع أحداث الدقائق الأخيرة داخل رأسه فلا يستطيع. كيف تحولت جلسة اعترافات ومصارحة إلى هذا المشهد الغريب؟ وكيف انتهى الأمر بعمر ينزف ويطالب بالذهاب إلى عمله وكأن ذلك أمر طبيعي؟
وبعد لحظة طويلة من الذهول، تنهد أخيرًا واستدار نحو السيارة ودخل خلف المقود ثم أعاد تشغيل المحرك وانطلق مجددًا.
***********
بعد ما يقارب الساعة، وصل إبراهيم إلى مؤسسة نبراس لغرض مقابلة عمر مباشرة، لذلك دخل المبنى بخطوات ثابتة متجهًا نحو مكتبه دون أن ينوي التوقف في أي مكان آخر.
كانت المؤسسة تعج بحركتها المعتادة؛ أصوات العاملين تتردد في الممرات، وبعض الأطفال يركضون هنا وهناك في أجواء بدت أكثر حياة مما كانت عليه خلال الأسابيع الماضية.
وأثناء سيره مر أمام إحدى القاعات المخصصة لأنشطة الأطفال، فانجذبت عيناه إليها على نحو لا إرادي.. ومن خلف الباب المفتوح لمح ديميت جالسة وسط مجموعة من الأطفال المصابين ومبتوري الاطراف، تحيط بها الرسومات والألعاب والضحكات الصغيرة المتناثرة في المكان.
بدت مندمجة معهم تمامًا، تنصت لأحدهم وتساعد آخر، حتى إن المشهد كله حمل شيئًا من الطمأنينة وسط كل ما يحيط بهم من اضطراب.. وما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة صادقة، فعدل مساره ودخل القاعة متجهًا نحوها.
انتبهت ديميت إلى وجوده فورًا، فنهضت من مكانها واستقبلته بابتسامة ودودة، ثم تبادلا السلام.. وبعد لحظات قصيرة من الأحاديث العابرة، قال إبراهيم وهو ينظر حوله إلى الأطفال وإلى النشاط الدائر في القاعة:
_ربنا يكون في عونك يا ديميت، أكيد مسؤولية نبراس كلها بقت عليكي بعد ما راحت علا ونجلاء.
ابتسمت ديميت ابتسامة هادئة، لم تخلُ من الإرهاق الذي تراكم على كتفيها خلال الأيام الماضية، ثم أجابت:
_مكان علا ونجلاء فيه بنات كتر متعلمات ومحترفات جدا في المجال بيتطوعوا، رغم إن الناجيات في المؤسسات بيسألوني عن نجلاء كتير... هما بيحبوها جدا ومشافوش في حنيتها وشطارتها.
ما إن ذُكر اسم نجلاء حتى خفتت ابتسامة إبراهيم تدريجيًا.. فطوال الأيام الماضية كانت الأخبار تنعدم، والبحث لا يقود إلى شيء، وكل ساعة تمر كانت تزيد من ذلك القلق الغامض الذي يستقر في صدورهم منذ اختفائها.
خفض صوته قليلًا وهو يقول:
_كل ما تتجاب سيرة نجلاء قلبي بيتقبض، فصصوا كل حتة في مصر ومحدش بيلاقيها.. أنا مش مرتاح.
اختفت ابتسامة ديميت هي الأخرى.. بالطبع كانت تشاركه الشعور نفسه وإن حاولت التماسك أمام الآخرين، فمنذ اختفاءها والجميع يعيشون حالة من الترقب المرهق، انتظارًا لأي خبر أو خيط أو إشارة يمكن أن تطمئنهم أو حتى تمنحهم تفسيرًا لما يحدث.
ثم قالت بعد لحظة تفكير:
_عندي إحساس لو مصطفى صحي هيعرف مكانها.
ظل إبراهيم صامتًا وهو يستوعب كلماتها.. لم تكن الفكرة مستبعدة تمامًا، بل إن جزءًا منه تشبث بها فور سماعها، وكأنها احتمال أخير يمكن أن يبدد هذا الغموض الخانق. لكنه لم يعلق، واكتفى بالتفكير بينما واصلت ديميت حديثها محاولة بث شيء من الطمأنينة داخله:
_سليم هييجي النهاردة يشوف يامن، ومش هيسيبه الا لما يطلع منه إجابات، بإذن الله نعرف منه كل حاجة، متقلقش.
أومأ إبراهيم برأسه في هدوء.. لم يكن مطمئنًا تمامًا، لكنه كان بحاجة إلى التمسك بأي أمل مهما كان، وبعد بضع كلمات أخرى استأذنها وغادر القاعة، مستعيدًا وجهته الأصلية نحو مكتب عمر.
أما ديميت فظلت واقفة للحظات تتابع خروجه، قبل أن تعود إلى الأطفال.. لكنها لم تستطع الانشغال طويلًا، أخرجت هاتفها واتصلت بسليم، وما إن أجاب حتى قالت مباشرة:
_أيوة يا حبيبي جاهز؟
جاءها صوته من الطرف الآخر:
_أه بلبس وهيجلك أهو.
_متنساش تجيب ريان معاك.
_يا ماما ما تيجي تقعدي عنده لازمته إيه أجيبه المكان دا.
لكن ديميت لم تمنحه فرصة للنقاش، وقالت بنبرة حاسمة هادئة:
_هاته يا سليم من غير جدال، سلام يلا.
وصل إبراهيم أخيرًا إلى مكتب عمر، فطرق الباب طرقات خفيفة قبل أن يسمع الإذن بالدخول.. دفع الباب ودلف إلى الداخل، لكنه ما إن وقع بصره على عمر حتى انعقد حاجباه بقلق فوري. كان عمر جالسًا خلف مكتبه مسندًا رأسه إلى كفه في هيئة توحي بالإرهاق، بينما احتشدت داخل أنفه كمية واضحة من القطن الأبيض الذي لم يترك مجالًا كبيرًا للتخمين حول تعرضه لإصابة ما.
اقترب إبراهيم بخطوات أسرع وهو يقول:
_خير يا دكتور؟ مين عمل فيك كدة؟
رفع عمر عينيه إليه وقال بصوت رتيب خالٍ من أي انفعال:
_أنا ونوح اتصالحنا.
احتاج إبراهيم إلى ثانية واحدة فقط ليستوعب الإجابة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة فهم من خلالها كل شيء، فجلس على المقعد المقابل للمكتب بينما نهض عمر من مكانه واتجه إلى المقعد المواجه له مباشرة، وكأنه لا يريد أن يتحدث معه هذه المرة من خلف الحواجز الرسمية للمكتب.
جلس عمر وأطلق زفرة طويلة قبل أن يقول:
_نوح خاف عليا.. وكان هيوديني للبيت، كانت لحظة واحدة يا إبراهيم، لحظة واحدة... لازم نعرّفه عشان لو وقعنا في مواقف زي دي متتحولش لمصيبة.
خفتت ابتسامة إبراهيم قليلًا.. كان يعلم جيدًا عمّ يتحدث عمر، ويعلم أن الأمر لم يعد مجرد سر يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية. فكر لثوانٍ ثم قال بهدوء:
_وهو إنت هتخليها عندك دايما يا دكتور؟
أجاب عمر على الفور، وكأن السؤال نفسه طُرح على عقله مئات المرات خلال الأيام الماضية:
_أعمل إيه يا ابراهيم؟ هتروح فين؟، ومن ساعة ما قعدتها عندي بتفكر وبتخطط لكل حاجة وبصراحة دماغها حلوة وهتساعدنا، كمان هي بتهتم بحبيبة جدا.
ساد صمت قصير بينهما.. كان إبراهيم يفكر في الأمر من جميع زواياه، لكنه في كل مرة كان يعود إلى النتيجة نفسها؛ لا يوجد حل مريح، ولا يوجد طريق يخرج الجميع سالمين من هذه الفوضى. أخيرًا هز رأسه باستسلام وقال:
_بص يا دكتور...انا مفيش في دماغي غير حلين، يا اما نقوله الحقيقة، يا إما نقوله جزء من الحقيقة، لأن في الحالتين بمزاجنا أو غصب عننا نور هتظهر لنوح ولاخواتها.
_جزء من الحقيقة ازاي.
أخذ إبراهيم نفسًا عميقًا قبل أن يجيب:
_نوريله نور.. بس نقوله إن دي الحقيقة مش اندرويد.
ظهرت على وجه عمر علامات استنكار واضحة، حتى إنه اعتدل في جلسته قليلًا وقال فورًا:
_مستحيل.. مستحيل نعمل كدة.
لكن إبراهيم لم يتراجع، بل أكمل حديثه محاولًا الدفاع عن فكرته رغم معرفته بمدى غرابتها:
_مهو يا دكتور، نوح لسة لحد دلوقتي مصدق إن نور عايشة وموجودة في روسيا.. ومحدش عايز يعترفله انها ماتت من تلات سنين، ودلوقتي نور لازم تدخل في الأمور اللي إحنا بنعيشها مستحيل تقدر تخبي نفسها طول الوقت، فلو طلعنا نور دي ليه دلوقتي على أساس إنها الحقيقية وتأقلم مع وجودها فترة لحد ما تخلص هي كل اهدافها وتساعدنا نخلص من اللي إحنا فيه دا بعدين تموت دا عنده هيبقا أهون لو طلعناله فجأة وقولناله نور ميتة من سنين بسببك ودي الروبوت بتاعتها.
شعر عمر بضغط حاد يعتصر رأسه.. فرفع يده ومسح وجهه، ثم حدق في الفراغ أمامه طويلًا، كان يرى بوضوح أن كلا الطريقين يحملان قدرًا هائلًا من الألم.. سواء أخبروه بالحقيقة كاملة أو أخفوا جزءًا منها، فالنتيجة النهائية بدت له كارثية في الحالتين. لم يكن يفكر في معلومة مجردة، بل في إنسان يعرفه جيدًا ويعرف كيف يعمل قلبه وعقله.
قال أخيرًا بصوت مثقل:
_طب افرد هو اتعامل معاها على إنها أخته وفجأة يكتشف إنها روبوت؟ وبعدين هنعمل ايه؟ هنقوله إيه؟
رد إبراهيم فورًا:
_وإنت شايف لما نقوله الصراحة فجأة كدة دا هيبقا احسنله؟
بدا الامتعاض واضحًا على وجه عمر وهو يجيب:
_وإنتوا ليه أصلاً تخبوا عنه من الأول؟ ليه أول ما رجعت من دارين مقولتلوش يا إبراهيم؟
_غادة منعتني يا دكتور وترجتني مقولوش.
_طب وبعدين؟ إيه الخطة اللي في مخها لنهاية الموضوع دا مش فاهم؟ لازم ييجي يوم ويعرف.
_مظنش إن فيه خطة في دماغها، بس إنت قولتلنا قبل كدة إن نوح إنسان حساس وهو لما عرف إنها اتاخدت لهناك بدل منه اتشل في ساعتها، فما بالك لو عرفت إنها ميتة اصلا؟
عاد الصمت ليسيطر على الغرفة.. وبقي عمر جالسًا في مكانه يفكر بينما أخذت الكلمات تتردد في رأسه.. كان يعرف أن إبراهيم لا يبالغ، ويعرف كذلك أن غادة لم تتصرف بدافع العبث، بل بدافع الخوف.. لكن الخوف وحده لا يصنع قرارًا صحيحًا دائمًا.
وبعد لحظات، أردف إبراهيم بصوت أكثر هدوءًا:
_دكتور، أنا معنديش مانع نخش نقاش على إننا نعترفله ولا لا. إنت لو جيتلي قبل أسبوع وسألتني تحب تقوله هي ميتة ولا لا كنت هقولك نقوله أحسن، بس دلوقتي أنا متردد.. لأن فيه نسخه منها حرفيا موجودة، كدة نوح هيستحمل أنهى صدمة يا دكتور؟ صدمة إنها ماتت من تلات سنين وهو مفكرها عايشة وعشمان في دا؟ ولا صدمة إنها راحت هناك بداله؟ ولا صدمة إن بعد كل دا معمولها روبوت ومضطر يشوف نسخه منها مش حقيقية أصلاً؟
ظل عمر صامتًا يستمع إليه بتركيز، ليردف إبراهيم:
_أنا شايف لو نور طلعتله على هيئتها دي.. وحس بشعور إنه انقذها فعلا ونجح في دا، واتهنى بوجودها شوية وضميره أرتاح، بعدين تموت أهون بكتير من فكرة إنها ماتت من زمان بسببه وليها نسخة مش حقيقية.
ظل عمر صامتًا لوقت أطول هذه المرة وهو يفكر في نوح؛ في هشاشته العاطفية، وفي شعوره المزمن بالذنب، وفي قدرته المرعبة على تحميل نفسه مسؤولية كل مأساة تقع حوله. كلما حاول تحليل الموقف ازداد اقتناعًا بأن القضية أعقد بكثير من مجرد إخبار شخص بحقيقة مؤلمة.
وأخيرًا تنهد بعمق وقال:
_خلاص.. أنا هتحمل مسؤولية إني أقوله.
_تقوله إيه؟
أجاب عمر بعد لحظة تردد صادقة:
_مش عارف، المهم أنا اللي همسك الموضوع دا، بلاش إنتوا تدخلوا، خصوصا غادة.
لم يجد إبراهيم ما يقوله.. وشعر أنه وصل إلى نهاية قدرته على النقاش، لذلك اكتفى بالإيماء قائلًا:
_تمام، بس انصحك قبل ما تعمل أي حاجة اتكلم مع غادة وشوف رأيها في الموضوع، هي أكتر واحدة عارفاه فينا.
بعدها سلم إبراهيم عليه وخرج من الغرفة، خرج مثقلًا بهمٍّ آخر لا يقل وطأةً عن هم نوح.. فكان ذهنه منشغلًا بفياض؛ فذلك الرجل لا يعلم حتى الآن ما آل إليه مصير نور، هل سيتمكنون من خداع شخصين في الوقت نفسه؟ وهل يُعقل أن تنجح تلك الكذبة وهي تتسع بهذا الشكل؟ كيف سيدبرون أمر فياض؟ وهل سيواصلون إخفاء الحقيقة عنه كما سيفعلون مع نوح، أم سيصارحونه بما حدث ويجعلونه شريكًا في تلك التمثيلية الثقيلة؟
وأثناء سيره في الممر، مرَّ أمام باب مكتب شخصٍ آخر يحمل الهم ذاته...
شخصٌ يعلم هو الآخر بموت نور، ويخطط في قرارة نفسه لإخبار نوح بالحقيقة، وايضًا إبراهيم لم يعلم كيف سيدبر أمره، ولا كيف سيمنعه من نسف كل ما يحاولون بناءه.
كلما توغل في التفكير، وتشابكت الخيوط أمامه، ازدادت الفكرة تعقيدًا، حتى بدا وكأن كل خطوة يخطونها نحو حل الأزمة لا تفعل سوى أن تلد أزمةً جديدة أكثر تشابكًا وخطورة.
************
في الوقت نفسه..
في مكتب الاخصائية النفسية، كانت رشا تجلس خلف مكتبها بهدوئها المعتاد معها ميسم حين فُتح الباب ودخلت ديميت إلى الغرفة.. وما إن رأتها ميسم حتى نهضت من مقعدها بصورة شبه تلقائية، وكذلك فعلت رشا.
استقبلتهما ديميت بابتسامة دافئة في محاولة أن تبث شيئًا من الطمأنينة، ثم تبادلت السلام معهما قبل أن تجلس، جلست ميسم في مواجهتها مباشرة، بينما بقيت رشا تراقب المشهد بصمت.
قالت ديميت لميسم بصوت هادئ يحمل قدرًا واضحًا من الاعتذار:
_صبرتي معانا كتير يا ميسم، أنا آسفة.
ابتسمت ميسم ابتسامة باهتة امتزج فيها التوتر بالحزن والإرهاق المتراكم عبر الشهور والسنوات، ثم قالت:
_ولا يهمك يا دكتورة... أهم شي بس شوفه.
تلينت ملامح ديميت أكثر وهي تجيبها:
_هتشوفيه خلاص، هو جاي في الطريق.
رغم بساطة تلك الجملة لكنها أصابت ميسم في الصميم حقًا.. شعرت بقلبها ينتفض داخل صدرها انتفاضة موجعة، وتسارعت نبضاته إلى درجة جعلتها تشعر بضيق حقيقي في أنفاسها.
منذ أن عرفت أن ابنها حي وهي تعيش على أمل هذه اللحظة، ولكن اقترابها الفعلي بدا أكثر رهبة مما تخيلت.. أخذت نفسًا عميقًا محاولة السيطرة على ارتجافها، ثم اعتدلت في جلستها دون وعي.
راقبتها ديميت بعينين تفهمان جيدًا ما يدور داخلها، فابتسمت ابتسامة صغيرة قبل أن تسمع سؤال ميسم الذي خرج محملًا بكل آمالها ومخاوفها:
_يعني هيك... خلاص، بصير آخده ويضل معي؟
ساد الصمت لثوانٍ معدودة.. لم يكن صمتًا ناتجًا عن التردد بقدر ما كان نتيجة عن صعوبة الإجابة نفسها، كانت ديميت تعلم أن أي كلمة ستقولها الآن قد تمنح أملًا أو تخلق ألمًا جديدًا.
فقالت بهدوء:
_أنا معنديش مانع في حالة لو عندك كل السبل اللي تعيشه عيشة سليمة.
تبدلت ملامح ميسم فورًا.. وظهر قدر من الخيبة يفيض من عينيها، فقالت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها:
_أنا عم دور على شغل تاني جنب شغلي هاد، وقاعدة عند رشا لحتى ألاقي بيت أجار منيح.
التفتت ديميت نحو رشا للحظة، فوجدتها لا تزال تستمع بصمت، ثم أعادت نظرها إلى ميسم وقالت بنبرة رقيقة:
_بصي يا ميسم، إنتِ عانيتي كتير في مصر وفي سوريا كمان عشان توصلي لابنك، ومش مطلوب منك تعاني أكتر من كدة...
قاطعتها ميسم بمرارة خافتة لم تستطع إخفاءها:
_أكيد ما رح تحرميني من ابني وأنا بهالوضع، صح؟
أحست ديميت بوخزة داخل صدرها.. فكانت تدرك أن ميسم تسمع الكلمات من موقع الأم التي حُرمت من طفلها سنوات طويلة، لا من موقع شخص ينظر إلى الظروف ببرود ومنطق، لذلك عادت إلى الصمت للحظات قبل أن تتكلم من جديد.
_بصي... ريان عاش معانا الحمدلله عيشة جميلة وهو يستحق أحسن منها كمان. ابوه.... قصدي سليم مش حارمه من أي حاجة، سليم حاطه في عينيه وبيحبه جدًا جدًا وريان كمان بيحبه جدًا، ريان اتعود علي أسلوب حياة معين خلاه يتخطى الحياة القاسية اللي عاشها في دارين، فلو هو راح لحياة تانية خالص مخالفة وغير مستقرة عن حياته الحالية دا ممكن يأثر فيه حتى لو مع أمه الحقيقية... فلازم نعمل حسابنا في الموضوع دا.
كانت كل كلمة تقولها ديميت منطقية، لكن المنطق كان آخر ما تحتاجه ميسم في تلك اللحظة.. راحت تستمع إليها بصمت بينما بدأت الدموع تتسلق شيئًا فشيئًا عند مقلتيها، لم تكن تلك الدموع اعتراضًا على حديث ديميت، بل بسبب الحقيقة القاسية الكامنة خلف كلامها؛ الحقيقة التي تخبرها بأنها وجدت ابنها أخيرًا، لكنها ما زالت بعيدة عنه أكثر مما ينبغي.
وحين انتهت ديميت من حديثها، قالت ميسم بصوت هادئ مكسور:
_يعني هيك؟ ما رح تخلوني آخده؟ بدكن تعاملوني متل الغريبة، وما أقدر شوفه غير بالزيارات؟
هزت ديميت رأسها نافية على الفور، وقد بدا التأثر واضحًا في عينيها:
_مستحيل أعمل كدة، مستحيل احرمك من ضناكي، بس فيه حل في مصلحتك إنتِ وريان أكتر... حتى لو كان مش هيرضيكي.
وما إن انتهت من الجملة حتى فهمت ميسم المقصود كاملًا.. فلم تكن بحاجة إلى شرح إضافي.
أطرقت رأسها قليلًا ثم أومأت في يأس وهي تقول:
_بدك ياني أتجوز ابنك، مو هيك؟
أومأت ديميت ببطء... وفي تلك اللحظة أغلقت ميسم عينيها كأنها تلقت ضربة موجعة، وانسابت الدموع على وجنتيها بصمت، وهي تهز رأسها رافضة تمامًا.
لم يكن رفضها نابعًا من كراهية لسليم أو اعتراض عليه، بل من شعور جارح بأن حياتها كلها أصبحت سلسلة من الخيارات المفروضة عليها.. فقدت زوجها واهلها وبلدها واستقرارها وابنها وسنوات من عمرها، وها هي الآن تشعر أن الطريق إلى طفلها يمر عبر قرار لم تكن ترغب أصلًا في التفكير فيه.
راقبتها ديميت بعينين ممتلئتين بالتعاطف وقالت بصوت خافت:
_صدقيني يا ميسم مفيش غير الحل دا، أنا لحد دلوقتي مقولتش لسليم لانه اعند منك بكتير.. ارجوكي فكري في ريان وصدقيني أنا هبقا في صفك في الجوازة دي، مش عايزاكي تخافي أو تحسي إنك وحيدة.. إحنا هنبقا عيلتك.
رفعت ميسم يدها تمسح دموعها التي لم تتوقف، ثم قالت بصوت متقطع من شدة التأثر:
_عيلتي هو ريان وبس...
خيم الصمت في الغرفة بعد تلك الجملة، فلم يكن هناك ما يمكن إضافته في تلك الجملة.. قالتها ميسم تتحدث من أعمق نقطة في قلب أم مكلومة حُرمت من قطعة من روحها، وكل ما عدا ذلك بدا لها تفصيلًا ثانويًا لا قيمة له.
وهنا أدركت ديميت أن استمرار النقاش الآن لن يفضي إلى شيء.. لذلك نهضت من مكانها ببطء، وقد ارتسم على وجهها ذلك الاستسلام المؤقت الذي يصيب المرء حين يعرف أن الوقت وحده قادر على إكمال ما عجزت الكلمات عن إنجازه.
ثم قالت وهي تتجه نحو الباب:
_لما سليم يوصل بريان هقولكم.. عن إذنكم.
وغادرت الغرفة تاركة خلفها صمتًا ثقيلًا، بينما بقيت ميسم جالسة في مكانها وعيناها معلقتان بباب المكتب، وكل ما حولها أصبح ضبابيًا في انتظار اللحظة التي سترى فيها ابنها أخيرًا.
***********
كانت القاهرة في تلك الساعات تمضي كما تمضي دائمًا؛ مدينة هائلة لا تتوقف عن الحركة، تضج بالشوارع المتشابكة والمحاور المكتظة، وتتنفس من خلال ملايين الوجوه التي تتدفق بين الأزقة والميادين ومحطات المواصلات.
أصوات باعة الخضار ترتفع بخشونتها المألوفة من قلب الحارات القديمة، وأبواق السيارات تتشابك في سيمفونية فوضوية اعتادتها المدينة حتى صارت جزءًا من هويتها، واحتشاد الجموع على الأرصفة وفي المواقف، تنتظر الحافلات والعربات التي تحملها كل صباح إلى عوالم أخرى بعيدة عن عالم المنازل والهموم الخاصة.
ظاهرياً، لم يكن هناك ما يشير إلى أن هذه المدينة تعوم فوق حقل ألغام، أو أن دولة بأكملها تكتم أنفاسها على حافة قرار سيقلب أحجار الشطرنج الدولية.
ففي القصر الرئاسي بالعاصمة الإدارية الجديدة، خلف الأبواب السميكة المصممة لعزل الأصوات كما تعزل الأسرار، كانت الأجواء مختلفة تمامًا..
امتزجت رائحة القهوة المرة بقلق مكتوم يملأ القاعة الواسعة، بينما تبادلت الشخصيات الجالسة حول الطاولة نظرات مضطربة وهمسات خافتة لا تجرؤ على الارتفاع أكثر من اللازم.. كانت وجوه الوزراء والمسؤولين تحمل مزيجًا معقدًا من التوجس والرفض وعدم التصديق؛ فالكثير منهم لم يستوعب بعد السرعة التي مر بها القرار داخل البرلمان، ولم يعتد أن يرى ملفًا بهذا الحجم يقترب من لحظة الحسم بهذه الوتيرة العاصفة.
كان الخوف حاضرًا في العيون أكثر مما هو حاضر في الكلمات، وكل واحد منهم يدرك في قرارة نفسه أن ما سيحدث خلال الدقائق القادمة قد يتجاوز حدود السياسة التقليدية إلى شيء أكبر بكثير.
وانقطعت الهمسات دفعة واحدة عندما انفتح الباب الضخم للقاعة، دخل ياسر أولًا بخطوات هادئة وثابتة، يتبعه على يمينه الرجل الذي أصبح اسمه يتردد في أروقة الدولة كما تتردد الأساطير في الأزمنة القديمة؛ المفوض الأمني الأعلى، وهو المسمى الرسمي لمنصبه، أما اسمه المتداول بين العامة فكان الظل الجمهوري.
منذ أن تم تعيينه أصبح حضوره وحده كافيًا لإجبار الأبصار على الالتفات نحوه؛ رجل ضخم البنية، عريض الكتفين، صاحب ذراع آلية، يتحرك بخطوات مدروسة لا تكاد تُسمع، بينما كانت عيناه الزرقاوان تجوبان القاعة بحدة مذهلة.
هو عصام شرف، الرجل الذي عينه ياسر لواءً في المخابرات ومفوضًا أمنيًا خاصًا به، ليكون مستشاره وحارسه وذراعه اليمنى في آن واحد.. ومنذ تعيينه أصبح وجوده خلف الرئيس جزءًا من البروتوكول ذاته، حتى إن غيابه صار يلفت الانتباه أكثر من حضوره.
جلس ياسر على رأس الطاولة الطويلة، بينما اتخذ عصام موقعه المعتاد خلف كتفه الأيمن. .وقف منتصبًا كجدار لا تهزه الزلازل، صامتًا تمامًا، إلا أن نظراته المتنقلة بين الحاضرين كانت كافية لتمنح الجميع شعورًا غير مريح بأن الرجل يسجل كل شيء في ذاكرته.
استقر الملف الأسود السميك أمام ياسر بعد أن وضعه عصام بعناية.. كان الملف يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل في أعين الحاضرين ثقلًا أشبه بثقل قنبلة نووية مؤجلة الانفجار، حدق رئيس الوزراء إليه طويلًا قبل أن يتنحنح، وكأن الكلمات نفسها تثقل حلقه، ثم قال بنبرة اختلطت فيها المرارة بالخوف:
_سيادة الريس، موافقة البرلمان بالسرعة دي مش معناها إن الشارع جاهز.. إحنا بنتكلم عن عزلة كاملة للدولة، كبار رجال الأعمال والشركات متعددة الجنسيات بدأوا من ساعتين بس يهربوا سيولتهم النقدية برا البلد.
انتشرت همهمة خافتة بين وزراء المجموعة الاقتصادية. كانت همهمة أشبه باعتراف جماعي بالعجز أكثر منها تأييدًا لكلامه. تبادل بعضهم النظرات قبل أن يتشجع أحدهم ويقول:
_الموضوع اشبه بانتحار اقتصادي..
لم يرفع ياسر عينيه عن الأوراق أمامه، ولم تبدُ عليه أي علامة توتر أو تردد أو حتى ردة فعل.. كان يتصفح الصفحات بهدوء رجل اتخذ قراره منذ زمن، وحين طال صمته دون رد قال وزير الخارجية، ويحمل في صوته ذلك الإرهاق الدبلوماسي المتراكم:
_فخامتك، تلات سفارات لدول كبرى طلبوا مقابلات عاجلة بالبروتوكول الكامل خلال الساعتين اللي فاتوا، السفير لمّح إن أي صمت من مصر بعد كده هيتفسر دوليًا على إنه إعلان تمرد... وتبعاته مش هتقف عند مجلس الأمن.
هنا نطق ياسر رد جاء هادئًا، مقتضبًا، وحاسمًا بالقدر نفسه:
_ارفضوا كل الطلبات، اتحججوا وقولوا إن مفيش وقت فاضي في جدول اعمالي.
ازدادت وطأة التوتر داخل القاعة، وشعر بعض الحاضرين أن الجسور تُحرق بالفعل، ومساحة التراجع تضيق مع كل دقيقة تمر.. لم يستطع وزير الدفاع كتمان ضيقه أكثر، فتحمحم قبل أن يتحدث بوجوم واضح:
_الموضوع مش ورق وسفارات بس سعادتك، تقارير المخابرات العسكرية رصدت إعادة تمركز لقطع بحرية أجنبية في شرق المتوسط، النظام العالمي مش بيتعصب بالبيانات... بيتعصب بالحديد والنار.. إلغاء القانون ده ضربة مباشرة لمصالحهم الاقتصادية.
في تلك اللحظة لمح عصام حركة طفيفة من ياسر؛ إيماءة صغيرة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية ليعرف أنها إذن بالكلام.. عندها تحدث للمرة الأولى، فانجذب انتباه الجميع إليه بصورة تلقائية.. خرج صوته عميقًا وثابتًا، يحمل يقينًا مزعجًا لا يترك مساحة كبيرة للشك:
_سيادة الوزير، القطع البحرية دي مترصدة من ٤٨ ساعة.. إحداثياتها كلها معروفة، ودفاعاتنا الجوية في المنطقة (ج) داخلة صمت راداري كامل من الفجر. هما بيستعرضوا قوتهم لأنهم عارفين إننا لو نجحنا النهارده، دول تانية في إفريقيا وآسيا هتمشي ورا نفس الطريق، المعركة دي استخباراتية ونفسية قبل ما تكون عسكرية... والعمق متأمن بالكامل.
وما إن انتهى حتى عاد الصمت ليهبط فوق القاعة بثقل أكبر من السابق.. ليس بسبب المعلومات الفجائية التي ذكرها، بل الطريقة التي قالها بها؛ فقد بدا وكأنه يتحدث عن أمور حُسمت وانتهت، لا عن احتمالات ومخاطر تهدد دولة بأكملها.
وفي تلك اللحظة تحديدًا أدرك الحاضرون أن هذه الرئاسة لا تدير قراراتها بالعاطفة النافعة لمصلحتهم، بل بشبكة معقدة من الحسابات المرئية والخفية معًا.
رفع ياسر رأسه أخيرًا ونظر إلى المجتمعين واحدًا تلو الآخر.. وهو يرى الخوف في بعض العيون، والاعتراض المكبوت في عيون أخرى، ورأى وجوهًا لا تزال تبحث عن مخرج آمن من التضحية المطلوبة.. لكنه لم يجد بينها ما يدفعه إلى التراجع. وهو على عكسهم كانت ملامحه هادئة بصورة شبه مخيفة، هدوء رجل تجاوز مرحلة الاقتناع منذ زمن ولم يبقَ أمامه سوى التنفيذ.
أخرج قلمه ببطء، ثم نزع غطاءه.. ودوى صوت الطقة الصغيرة داخل القاعة الصامتة كأنه طلقة رصاص أنهت آخر جدال ممكن، وانعقدت أنظار الجميع على يده في تلك اللحظة، كأن مصائر كاملة أصبحت معلقة بحركة أصابع واحدة.
ثم أمسك القلم، ولم تتردد يده لمليمتر واحد.. انساب الحبر فوق الصفحة الأخيرة بخط واضح وحاسم، لتُطوى بذلك صفحة كاملة من تاريخ طويل، ولتسقط شرعية قانون ظل قائمًا سنوات تحت ذرائع مختلفة، كان مجرد توقيع في الظاهر، لكنه في جوهره إعلان انتقال من زمن إلى زمن آخر، ورسالة صامتة إلى العالم بأن مصر اختارت طريقًا جديدًا، مهما كان الثمن الذي ينتظرها عند نهايته.
************
بعد دقائق قليلة فقط من توقيع ياسر للقرار، كانت الأقمار الصناعية العسكرية المنتشرة فوق النصف الغربي من الكرة الأرضية تؤمن خط اتصال مغلقًا عالي التشفير، ينتقل بين مراكز قيادة محصنة تحت الأرض وقواعد لا تظهر على الخرائط العامة.
لم يكن الاجتماع عبارة عن وجوه أو أصوات، بل مجرد سطور نصية تظهر فوق خلفيات سوداء قاتمة، ورموز رقمية تومض ثم تختفي، بينما كانت عشرات الخوادم العسكرية حول العالم تستهلك قدراتها لحماية تلك الدقائق من أي اختراق محتمل.
ظهرت رسالة على الشاشة، تحمل توقيع الممثل الرقمي لمنسق الأمن القومي الأمريكي:
<بروتوكول الخط الساخن مفعّل. السيدات والسادة، ما حدث في القاهرة من رئيسهم والبرلمان قبل قليل تجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها في معاهدة جنيف المصغرة لعام ٢٠٢٨، إلغاء قانون العمالة المشتراة يهدد بانهيار كامل لسلاسل الإمداد في عشرات الشركات التكنولوجية والطبية والغذائية الكبرى تابعة لنا.. فور إعلام هذا الخبر في المؤتمر الشارع الأفريقي سيبدأ بالتحرك، وإذا لم نتحرك فوراً، سنواجه ثورات إلغاء مماثلة في القارة بأكملها.>
توالت الرسائل بعدها بسرعة أكبر، كأن القلق الذي يسري بين أصحابها وجد أخيرًا منفذًا للخروج. أرسلت أيقونة تمثل مسؤولًا رفيعًا في الاستخبارات الموسادية ردًا مقتضبًا، إلا أن ما حملته كلماته كان أكثر خطورة من الأزمة الاقتصادية نفسها:
<الخطورة ليست في الاقتصاد فقط يا ### ، تحركات ياسر تظهر أنهم استعدوا عسكرياً.. فقد أغلقوا رادارات الدفاع الجوي في المنطقة (ج) تزامناً مع الموافقة على منع القانون.. إنهم يمارسون لعبة عض الأصابع معنا.>
تداخلت رسالة أخرى ظهرت بعلامة المستشار السياسي لحلف الناتو، وجاءت أكثر حدة وواقعية:
<القطع البحرية في شرق المتوسط لن تعبر الحدود الإقليمية لمصر في الوقت الحالي، مواجهة عسكرية مباشرة ستخلق من ياسر شهيداً حياً وأيقونة عالمية، وهذا آخر ما نريده.. فالشعوب الغربية منقسمة أخلاقياً حول هذا القانون خصوصًا بعدما هربوا ناجيين دارين ونشر رسالتهم، وأي هجوم عسكري سيفجر الشارع ضدنا في العواصم الأوروبية.>
ساد توقف قصير قبل أن تظهر رسالة جديدة:
<إذاً، الخيار العسكري المباشر مؤجل، ما هي خطة الاحتواء الخفي؟>
صمتت الشاشة لثانيتين كاملتين، ثم تدفقت البيانات دفعة واحدة.
<نحن قمنا بتفعيل ثلاثة مسارات متوازية، المسار الأول: الخنق المالي.. خلال ست وأربعين ساعة، ستعلن الصناديق الاستثمارية سحب 40% من النقد الأجنبي من البنوك المصرية تحت غطاء عدم استقرار البيئة التشريعية، سنرفع أسعار السلع الأساسية داخل مصر بمعدل الضعف في غضون أسابيع. دعونا نرى إن كان شعب القاهرة سيأكل 'الكرامة الإنسانية' التي تحدث عنها ياسر.>
ولم تكد الرسالة تستقر على الشاشة حتى أتبعها المنسق الأمريكي برسالة أخرى:
<المسار الثاني: الشقاق الداخلي، رجال الأعمال المتضررون من إلغاء القانون داخل مصر هم حلفاؤنا الآن. تواصلنا مع خلايا نائمة في الإعلام والاقتصاد؛ سيبدأون من الغد بنشر تقارير مرعبة عن الحصار الاقتصادي القادم، وبث الذعر في قلوب المواطنين. سنجعل الشارع يضغط على البرلمان لإلغاء قرار الرئيس.>
<وماذا عن ياسر؟ هل سيتراجع تحت الضغط الاقتصادي؟>
جاء السؤال هذه المرة من ممثل الناتو، إلا أن الإجابة ظهرت فورًا من الطرف الآخر:
<ياسر رجل عقائدي، هذا النوع لا يتراجع... هذا النوع يُباد، المسار الثالث قيد التحضير؛ وهي خطة عزل أمني شاملة، الظل الجمهوري يحميه كحصن منيع، لذا نحن بحاجة إلى خرق هذا الحصن من الداخل.. نبحث عن الثغرة... وبمجرد أن نجدها، ستنتهي المعركة بأزمة قلبية مفاجئة أو حادث مؤسف، ليتولى شخص أكثر مرونة السلطة، ويعيد مصر إلى بيت الطاعة الدولي.>
لم يكن أحد من المشاركين يتحدث عن احتمالات، بل عن إجراءات دخلت حيز التنفيذ منذ اللحظة التي وقع فيها القرار.
ثم ظهرت الرسالة الختامية:
<أمامنا شهر واحد كحد أقصى لإركاع القاهرة، قبل أن تنتقل العدوى إلى بقية دول العالم الثالث.. ابدأوا التنفيذ فوراً.>
لكن قبل أن تنتهي المحادثة، ظهرت رسالة واحدة مختلفة تمامًا عن بقية الرسائل وبأيقونة جديدة مكتوب بها:
<تريثوا أيها السادة... خططكم المادية بدائية جداً أمام ما نواجهه الآن، أنتم تتعاملون مع الأمر وكأنه أزمة دبلوماسية عابرة، ونسيتم طبيعة العهد.>
جاءت إجابة ممثل الناتو:
<لم ننسى يا بروفيسور، لكن ياسر قطع التدفقات الآن إذا توقفت القرابين من الشارع المصري ستتوقف في جميع الشوارع وفي العالم كله، ستتأثر قدرة بعل على معالجة البيانات الإقليمية، وهذا سيضرنا جميعاً.>
ظهرت الرسالة التالية فورًا:
<لهذا السبب أقول لكم تمهّلوا.. لا تطلقوا رصاصة واحدة، ولا تحركوا بوارجكم في مياه القاهرة، السلاح الامثل لاستخدامه هو الشعب.. لا الاقتصاد ولا الحرب ستحرك الشعب ضد ياسر... لا يوجد سوى بعل من يستطيع فعل ذلك... لذا تريثوا ولا تقلقوا، سيتولى هو شأن هذا التمرد بنفسه.>
سأله منسق الأمن القومي الأمريكي:
<هل تضمن أن يتكفل وعيه باحتواء الشارع وياسر دون تدخل عسكري منا؟، خصوصًا بعد ما حدث له في الهجوم الاخير.>
وجاء الرد الأخير حاسمًا بصورة أثارت الرهبة أكثر مما منحت الطمأنينة:
<نعم أضمن، لا تشككون في قدرة بعل.>
وانتهى كل شيء.. تحولت الشاشات إلى مساحات سوداء صامتة واختفت الأيقونات، تاركة خلفها شعورًا بأن مصائر دول وشعوب كاملة قد تقررت في دقائق معدودة داخل محادثة لن يعلم بوجودها أحد.
أغلق البروفيسور الحاسوب بينما كان في غرفته في أحد المنازل المجهولة المنتشرة في أطراف ألمانيا، ثم نهض من مقعده دون أن تتغير ملامحه.. فقد اعتاد منذ زمن الجلوس إلى موائد تتقرر عليها حياة البشر، لذلك لم يظهر عليه أي انفعال وهو يغادر الغرفة متجهًا عبر ممر طويل نحو إحدى القاعات العلمية المجهزة داخل المنزل.
وصل إليها وفتح الباب ودخل.. وفورًا استقبلته رائحة الأدوية والمواد الكيميائية وأجهزة المراقبة الحيوية التي تملأ المكان بأصواتها المنتظمة.
وعلى أحد الأسرة الطبية جلس نور الديب مسندًا جسده بيديه وكأنه يستعد للنهوض رغم الوهن الواضح عليه، كانت الخوذة ذات الدبابيس التي تغذي نشاطه العصبي موضوعة بجانبه بعدما نزعها بنفسه، فيما امتدت من ذراعيه أنابيب عديدة تضخ مواد معالجة ومركبات خاصة تساعد جسده على استعادة جزء من قدراته المفقودة.
لم يبدُ نور كرجل تعافى.. بل كرجل يرفض الاعتراف بأنه ما زال مريضًا.
توقف البروفيسور عند الباب وقال ببرود:
_قومت ليه؟
رفع نور رأسه إليه، وكان الإرهاق واضحًا في عينيه وصوته، لكنه لم يفقد عناده بعد.
_وأنا هفضل نايم لامتى يا سردار؟
اقترب سردار منه بخطوات هادئة وقال:
_إنت مش هترجع مصر ابدًا.
تجمدت ملامح نور وقال مستنكرًا:
_نعم؟
جلس سردار بجواره وأجاب:
_إنت هتتواصل مع الشعوب بس وإنت هنا.. إنت مينفعش ترجع لأنك ضعيف جدًا دلوقتي.
_طب جيبلي منار على الأقل، عشان صحتي وقوتي تتحسن بشكل أسرع.
لكن رد جاء باردًا كما توقع:
_مش هجيبلك حد.. كل اللي محتاجه جسمك وروح قوتك موجود هنا، هما مش هيرجوا ليك قدرتك الكاملة بس هيفوا بالغرض.
_وأنا هفضل كدة لحد امتى؟
أجابه سردار دون أدنى تردد:
_لحد ما يموتوا كلهم.. وياسر معاهم. متقلقش إحنا قربنا من هدفنا، نجلاء وابنها بقوا عندنا، وروح قوة مصطفى بقت عندنا.. واحتمال مصطفى يموت، وسعدية ضعيفة لو استخدمت قدرتها بشكل أقوى هتموت هي كمان، علا أسهل حد فنخليها فب الآخر، التهديد الوحيد هو نوح ونور أخته بس.. ودا ممكن نتصرف معاهم ونستغل نقط ضعفهم اللي لا تعد ولا تحصى.
استمع نور إلى الكلمات بصمت طويل.. ثم سأل:
_وادهم؟
ابتسم سردار ابتسامة باهتة أقرب إلى الاستخفاف منها إلى الثقة، ثم قال:
_دا مش في الحسبان اصلاً.. من كتر ما هو سهل وتافه.
أخذ نور يحدق في الفراغ أمامه بينما كانت الأفكار تتزاحم داخل رأسه.. لم يكن يعرف أين يقف بالضبط وسط كل ذلك، ولا ما الذي ينتظره بعد أن فقد الكثير مما كان يملكه، وأخيرًا قال:
_وأنا دوري إيه دلوقتي؟
نهض سردار متجهًا نحو الباب، ثم توقف قبل أن يغادر وأجاب بصوته البارد المعتاد:
_إنت عندك المحبة والعبودية الكافية من الشعب المصري، عايزك بس تقلبهم على رئيسهم بما إنه لغى قانون بيع الناس.. أول ما يطلع في مؤتمر ويصرح بكدة هقولك عالخطة بالظبط.
ثم خرج من الغرفة تاركًا الباب يُغلق خلفه ببطء، بينما بقي نور وحده وسط الأجهزة والأنابيب والضوء الأبيض البارد، جالسًا فوق سريره في صمت ثقيل، يحاول أن يفهم أين انتهى به الطريق، وإلى أي هاوية تقوده الخطوة التالية.
***********
في منزل عمر حيث كانت الاجواء ساكنة هادئة، وفي قلب ذلك الهدوء، كان هناك شيء غير مألوف يطفو في الهواء..
كانت حبيبة الرضيعة، تطفو وحدها في الفراغ، مستلقية في الهواء بكل أريحية، تتحرك ببطء من اليمين إلى اليسار في تمايلٍ هادئ.. لم تبدُ عليها ذرة خوف أو اضطراب، بل ارتسمت على ملامحها الطفولية سكينة غامرة، وبدا التحليق أصبح بالنسبة إليها حالةً مألوفة، بل ومحببة، تستمتع بها في صمتٍ كامل.
وأمامها، كانت نور جالسة على الأريكة، تُبقي الرضيعة معلقة في الهواء بقدرتها الخاصة، تهدهدها بذلك التمايل الرقيق الذي جعل الفراغ نفسه يبدو وكأنه مهد واسع يحتضنها... وفي حجرها استقر دفتر رسم، بينما راحت أصابعها تمسك قلمًا رصاصيًا بخفةٍ وتركيز، تنساب خطوطه فوق الورق في عنايةٍ بالغة، لترسم وجهًا تحفظ تفاصيله عن ظهر قلب... وجه نجلاء.
كانت نور ترسمها بعينين يفيض منهما الشوق، وتلمع فيهما محبة دفينة لم تستطع الأيام ولا الاهوال أن تنتزعها من قلبها، عندها تحدثت إلى حبيبة بصوتٍ هادئ، وكأن الصغيرة تفهم كل كلمة، وقالت:
_مهما حاولت أرسم ملامحها صح، فمستحيل اوصل لجمالها الحقيقي... وحشتني أوي..
ساد صمت قصير، توقفت خلاله حركة القلم للحظات، وأطلقت نور زفرةً مثقلة بما تراكم في صدرها، ثم قالت بنبرة امتزج فيها الضيق بالاعتراف الذي لم تكن تتوقع أن يخرج منها يومًا:
_مكنتش متوقعة إني هقول كدة.. بس بابا وماما وحشوني فعلاً.
ثم رفعت بصرها نحو حبيبة، التي كانت لا تزال تحدق إليها في هدوءٍ مطلق، مستغرقةً في متعة التحليق، كأنها تستمع إليها بالفعل، أو على الأقل تمنحها ذلك الشعور المريح بأن هناك من يصغي دون أن يقاطع.. عندها واصلت نور حديثها إليها، وازدادت نبرتها صدقًا:
_معرفش ينفع أقول على أخويا بابا ولا لا...، بس مستحيل أنكر المشاعر الجميلة اللي حسيتها معاهم، عايزة احميهم بس معرفش إزاي.. أنا اتعودت أكون المهاجم دايمًا مش المدافع.
كانت تخاطب الرضيعة بعفويةٍ كاملة، كما لو كانت بينهما محادثة حقيقية، تمامًا كما اعتاد نوح أن يفعل معها من قبل.. وبدا أنها لم تكن تنتظر منها إجابة بقدر ما كانت تبحث عن مساحةٍ آمنة تفرغ فيها ما يثقل قلبها، دون خوفٍ من حكمٍ أو سؤال.
بقيت حبيبة تحدق إليها وهي تتمايل في الهواء، ثم قالت نور بعد لحظةٍ من الشرود:
_معرفش هفضل كدة لحد امتى أنا رجعت لجسمي عشان ابقا حرة أكتر، أنا بقالي أربع أيام محبوسة في البيت دا وبعدين يعني؟
أعادت نور بصرها إلى دفترها، وأخذت تقلب صفحاته، وازدحت الوجوة بين ثناياه التي رسمتها جميعًا بيدها؛ وجه مصطفى، ووجه إبراهيم، ثم نوح، وليلى، ونجلاء، ووائل، وحتى عمر، ولم يغب عنها بالطبع ذلك الرجل صاحب النظارات... سردار. لم تكن تلك الرسومات مجرد محاولات فنية، بل كانت آثارًا تركتها أرواح أصحابها داخل ذاكرتها، وكأنها تخشى أن يسمح الزمن لملامحهم بالذبول، فتقاوم ذلك بأن تثبتهم فوق الورق.
رفعت نور رأسها من جديد نحو حبيبة، ولاحظت أن الصغيرة كانت تحدق في الدفتر بانتباهٍ غريب وقد جذبتها حركة الصفحات وصوت احتكاكها الرقيق، عندها ابتسمت ابتسامةً خافتة، ثم خاطبتها:
_أنا بحفظ الملامح بسرعة، وبحب أرسمهم.. بحب أرسم اللي بحبهم تحديدًا، كنت برسم وش نوح وماما كتير وأنا هناك عشان أحس إنهم معايا.. أو أحس بألفة بسيطة في الوحدة والعذاب اللي كنت فيه على الأقل، كنت بعرف أميز وأحفظ أي وش وأي ملامح أشوفها. فاكرة وش كل حد عذبني واغتصبني وذلني وعاملني على إني فار تجارب.
وبينما كانت تتحدث، توقفت يدها عند الصفحة التي تحمل رسمةً لسردار.. فثبتت عينيها عليها طويلًا، وكأنها تحاول للمرة الألف أن تلتقط شيئًا استعصى عليها، ثم قالت وهي لا تزال تحدق في ملامحه المرسومة:
_أنا أه قولت برسم اللي بحبهم بس... بس دا رسماه عشان أعرف هو إيه بالظبط، دا الوحيد اللي معرفتش أحدد ملامحه.. كل رسمه برسمهاله بتبقا بشكل مختلف، كل ما كنت بروحله هنا بيبقا اكنه بوش مختلف، بس كانت النضارة نفسها، يعني أنا لما دورت على شكل سردار عالنت كان هو فعلاً.. هو اللي كنت بشوفه بس حاسة إني فاكرة أيام معينة كان في حاجة في شكله بتتغير، وساعات كنت بشوف ملامحه بتتحول لوشوش كتير اوي في نفس اللحظة، معرفش دي كانت هلاوس مني ولا إيه.
هنا خواطرها انقطعت فجأة حين التقطت أذناها صوت أنينٍ خافت، فالتفتت بسرعة إلى حبيبة، لتجد ملامحها الصغيرة قد انكمشت، وصوتها يرتفع شيئًا فشيئًا على مشارف البكاء.. تبدلت ملامح نور في لحظة، وذاب كل ما كان يشغل عقلها أمام بكاء طفلة، فأسرعت تخاطبها بنبرةٍ حانية يغلب عليها الرجاء:
_لا لا، عشان خاطري متعيطيش، نامي بقا إنتِ شبعانة خلاص، خدي خدي.
وفي تلك اللحظة، انطلقت عدة دمى زاهية الألوان من أماكنها وحلقت برفق في الهواء، ثم بدأت تدور حول حبيبة في حلقاتٍ هادئة، ترسم أمام عينيها عرضًا طفوليًا ساحرًا.. وما هي إلا لحظات حتى تبدلت ملامح الصغيرة، فانفرجت شفتاها عن ابتسامةٍ بريئة، وأخذت تحرك أطرافها في الهواء بسعادةٍ ورضا، تتابع الدمى بعينيها الواسعتين.
ابتسمت نور تلقائيًا وهي ترى البسمة تعود إلى وجهها، ثم أعادت نظرها إلى رسمة سردار مرةً أخرى، وهنا فجأة شق سكون المنزل صوت جرس الباب.
فنهضت نور بتلقائية فور سماعها جرس الباب، واتجهت نحوه بخطواتٍ هادئة قبل أن تفتحه. كان في الخارج مندوب توصيل يحمل عدة طلبات بين يديه، وبدا عليه أنه معتاد على المجيء إلى هذا المنزل، وعلى التعامل مع عمر بصورةٍ مستمرة.
لذلك، ما إن وقعت عيناه على فتاةٍ غريبة تفتح له الباب حتى ارتسمت على وجهه دهشة طفيفة، وتوقف لوهلةٍ قصيرة قبل أن يسأل مترددًا:
_شقة دكتور عمر؟
_أه انا البيبي سيتر.
اكتفى المندوب بإيماءةٍ خفيفة، ثم ناولها الأكياس وهو يخبرها بسعر التوصيل، استأذنته نور بهدوء واستدارت إلى الداخل لتجلب المال، تاركةً الباب مفتوحًا للحظات.
وفي تلك اللحظة وحدها، وقع بصر المندوب إلى داخل الشقة... وتحجر في مكانه تمامًا.
لم يطرف له جفن، ولم يتحرك منه عضو.. فهناك، في منتصف غرفة المعيشة، كانت حبيبة لا تزال معلقةً في الهواء، تطفو في سكونٍ تام، بينما تدور حولها الدمى الزاهية في حلقاتٍ هادئة، تحلق هي الأخرى دون أي سند، في مشهدٍ يناقض كل ما يعرفه العقل عن قوانين العالم.
شعر بأن الدم انحسر من وجهه دفعةً واحدة، وتجمدت الدماء في عروقه حتى كاد يفقد القدرة على التنفس.. أما حبيبة، فلم تر فيه سوى وجهٍ جديد، فكانت تحدق فيه بابتسامتها الطفولية الوديعة وببراءة كاملة، بينما ظل هو يبادلها النظرات بعينين متسعتين يغمرهما الذعر، عاجزًا عن استيعاب ما تراه عيناه.
وفي تلك الأثناء، عادت نور وهي تحمل المال، ولم تكن قد انتبهت لما حدث.. مدت يدها إليه بالنقود، فاختطفها منها بسرعةٍ عصبية، ثم استدار على الفور وانطلق مهرولًا نحو المصعد، وبدأ يكبس زر استدعائه عدة مرات سريعة في ارتباكٍ محموم، وما إن انفتح الباب حتى اندفع إلى داخله بسرعة.
بقيت نور تحدق في أثره بوجهٍ خالٍ من الانفعال وفي حيرةٍ صامتة أمام ذلك السلوك المفاجئ منه، ثم التفتت إلى الداخل، ونظرت إلى حبيبة المعلقة في الهواء، وقالت باستغراب:
_ماله دا؟
أغلقت الباب خلفها وهي تهز رأسها بخفة، وتمتمت مع نفسها في شيءٍ من التعجب:
_يعني بعد اللي كل اللي حصل في مصر الأيام اللي فاتت وخايف من طفلة طايرة في الجو؟ والله حاجة غريبة.
ولم يكد الهدوء يعود إلى المنزل حتى انطلق رنين الهاتف الآخر الخاص بعمر.. فأسرعت نور نحوه، وما إن وقع بصرها على الشاشة حتى وجدت عمر يتصل من هاتفه الأساسي، ففتحت المكالمة مباشرةً دون تردد:
_الو يا عمر إزيك.
_الحمدلله... طمنيني على حبيبة.
_كويسة تحب اصورهالك؟
_تمام ماشي.
استخدمت قوتها لتنزل حبيبة من الهواء برفق، حتى استقرت الصغيرة فوق الأريكة في راحة، ثم التقطت لها صورة، ثم أرسلتها إليه، وقالت:
_بعتهالك.
_تمام بقولك....
انتبهت نور من نبرة صوته.. التي كان بها تردد واضح، فقالت في ترقب:
_أيوة؟
ساد صمت طال أكثر مما ينبغي، حتى بدأ يثير انزعاجهًا، قبل أن يصلها صوته أخيرًا، وقد بدا أكثر جديةً مما توقعت:
_إحنا هنعرفهم بوجودك.. على إنك نور الحقيقية.
في تلك اللحظة، ثبتت حركة نور تمامًا وبقيت صامتة، بينما أكمل عمر حديثه دون أن يمنحها فرصةً لاستيعاب الصدمة:
_أول حد هنعرفه عنك هو فياض، لما أرجع هبقا أقولك نعمل إيه بالظبط.
************
في تلك الأثناء وصل سليم وريان إلى داخل مؤسسة نبراس، بدا على سليم انه على عجلةٍ من أمره، لذلك سلّم ريان إلى ديميت على عجل، ثم اتجه مباشرة نحو غرفة يامن بعد أن استأذن الإدارة وحصل على تصريح الزيارة.
سار سليم في الممرات حتى وصل الى غرفته وتوقفت خطواته أمام الباب للحظة قصيرة، ورفع يده وطرق الباب برفق، فأتاه صوت سيد والد يامن، بالإذن بالدخول. وما إن وطئت قدماه الغرفة حتى استقبلته صورة قاسية.
كان يامن ممددًا فوق السرير، وأطرافه مثبتة بقيود طبية وُضعت بطريقة تمنعه من إيذاء نفسه دون أن تؤذيه، بدا جسده هزيلًا، ووجهه شاحبًا، فيما اتسعت عيناه اتساعًا مخيفًا، تحدقان في الفراغ باضطرابٍ لا يهدأ.
كانت أنينه يتردد في الغرفة بصوتٍ مرتفع متقطع، يحمل من العذاب ما يفوق قدرة الكلمات على وصفه.. وبين الحين والآخر كان يحاول أن يضغط أذنيه بكتفيه أو يدير رأسه بعنف، وكأنه يسعى إلى الفرار من شيءٍ يطارده داخل جمجمته نفسها.
أما سيد، فكان جالسًا إلى جواره منذ ساعات طويلة لا يعلم عددها إلا الله، يمرر يده المرتجفة فوق رأس ابنه بحنانٍ منكسر، ويتمتم بآيات القرآن بصوتٍ خافت، يحاول أن يسكب الطمأنينة في روحٍ تتداعى أمام عينيه دون أن يملك لها نجدة.
خلال الأيام الأربعة الماضية تحولت حياة يامن إلى جحيمٍ متصل لا يعرف لحظة صمت واحدة.. فروح القوة التي تقبع داخله لم تكف عن الحديث قط... لم يكن الأمر مجرد همسات عابرة أو أصوات متفرقة، بل حضورًا دائمًا يلتصق بوعيه التصاق الظل بصاحبه، مهما صرخ، مهما أغلق أذنيه، مهما توسله أن يصمت ولو لدقيقة واحدة، لم يكن يحصل إلا على المزيد.
كانت كلمات روح القوة تنهال عليه بلا رحمة، تنهش ما تبقى من استقراره النفسي، يذكره بكل خطأ، ويعيد أمامه كل جريمة ارتكبها، ويحمله أوزارًا أثقل مما يستطيع احتماله.. كان يجلده بلا توقف، يبتزه بالذنب، ويغرس أنيابه في أعمق مخاوفه، ويضغط على روحه حتى أوشكت على الانهيار الكامل.
ومع مرور الساعات والأيام بدأ يامن يفقد قدرته على التمييز بين ما يحدث حوله وما يحدث داخله.. لم يعد يسمع العالم الخارجي إلا كضوضاء بعيدة غارقة خلف صوت ذاك الذي بداخله.. حاول الأطباء التحدث إليه مراتٍ لا تحصى، لكن محاولاتهم كانت تذهب سدى... لم يكن قادرًا على سماعهم حقًا، ولم يعد يملك القدرة على التركيز في كلماتهم أو الرد عليهم بجملة كاملة، كانت عيناه تمران فوق الوجوه من حوله دون أن تدركها، بينما يظل انتباهه مسجونًا في المعركة الدائرة داخل رأسه.
وحين عجز عن احتمال ذلك العذاب، حاول إيذاء نفسه أكثر من مرة.. لم يكن يفعل ذلك رغبةً في الألم، بل هربًا منه، أراد فقط أن يتوقف الصوت، أن ينعم بلحظة صمت واحدة، أن ينام دون أن يطارده صوت مستمر داخل عقله.. حاول أن ينتزع نفسه من الحياة ذاتها إن كان ذلك هو الثمن المطلوب للخلاص، لكن الأطباء والمشرفين كانوا يتدخلون في كل مرة ويمنعونه قبل فوات الأوان.
لهذا كان صراخه لا ينقطع إلا نادرًا.. كان يرفع صوته بكل ما أوتي من قوة محاولًا أن يطغى على ذلك الصوت القابع في داخله، أن يخنقه بصراخه أو يدفنه تحته، لكن بلا جدوى؛ فكلما ارتفع صراخه، عاد ضوت روح القوة أقوى، أكثر وضوحًا، وأكثر قسوة، وكأنه يستمتع برؤية روحه وهي تتفتت جزءًا بعد جزء أمام عينيه.
وقف سليم عند عتبة الغرفة للحظات، وعيناه معلقتان بيامن بنظرات منكسرة على نحوٍ خافت. نظر إليه سيد وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق التي حفرتها الأيام الأربع الماضية بلا رحمة، وقال سليم وهو يتقدم إليه:
_أخباره إيه؟
_زي ما إنت شايف يابني... بقاله أربع أيام مداقش النوم.. وبيصوت زي العيال الصغيرة حبيبي... بيتعذب ومحدش عارف يخلصه من دا ويرحمه.
استمع سليم إلى كلماته بصمت، ثم قال بنبرة ثابتة واثقة:
_أنا هتصرف، لقيت طريقة تخلصه من دا.
اتسعت عينا سيد فجأة، وهو يري سليم كنافذة أمل انفتحت أمامه بعد أيام من الظلام الخالص، فقبض على يد سليم بكلتا يديه وقال بلهفة لم يستطع إخفاءها:
_بجد يابني؟
_أيوة يا حاج، متقلقش.
ارتجفت شفتا سيد، وانحنى غريزيًا ليقبل يد سليم من فرط امتنانه، لكن سحب سليم يده بسرعة وربت على ظهر الرجل بحرجٍ ممزوج بالاحترام.. أما سيد فظل ينظر إليه بعينين امتلأتا بالدموع وهو يقول:
_والله يابني ربنا يجزاك خير ويسعدك ويرفع قدرك، مسيبتناش ابدًا من بعد فريدة، والله جمايلك مغرقانا يابني.
أحدثت سيرة فريدة في سليم رجفةً ارتدت صداها في أركان روحه.. فتجرع سليم مرارة الذكرى بصمت، ثم استجمع شتات نفسه، ليرتسم على محياه ابتسامة باهتة، وهو يقول:
_متقولش كدة يا حاج، إنتوا أمانة مستحيل افرط فيكم.
طوال ذلك الحديث لم يكن يامن قد حوّل نظره عن سليم ولو مرة واحدة.. كانت عيناه المرهقتان مثبتتان عليه، تتشبثان به بوصفه آخر أمل وسط الفوضى التي تبتلع عقله.. انتبه سليم إليه، فاقترب منه قليلًا ثم قال:
_يامن..امسك نفسك، هترتاح من الشيطان اللي جواك دا النهاردة.
لأول مرة منذ أيام طويلة خفتت ملامح الرعب في وجه يامن قليلًا.. لم تختفِ، لكنها تراجعت بما يكفي ليظهر خلفها شيء هش، لكنه موجود... إحساس الأمل الذي لم يجرؤ على الشعور به منذ أن بدأ ذلك الكابوس.
عندها خرج سليم من الغرفة ونادى الممرضين. لم تمضِ سوى دقائق حتى دخلوا الغرفة، وتقدموا نحو السرير لفك القيود الطبية عن يامن بحذر، لم يقاوم أو يعترض، بل تركهم يرفعونه برفق إلى سريرٍ متحرك.
عندما رأى سيد المشهد انقبض قلبه فجأة.. كان يعلم أن هذه الخطوة ضرورية، لكنه شعر بذلك الرعب الأبوي، فقال بصوتٍ متوتر:
_هتودوه على فين يابني؟
أجاب سليم:
_على المعمل عندي، متقلقيش هنعالجه.
_طب أجي معاكم.
أوقفه سليم بلطف قائلاً:
_لا يا حاج، خليك مع عيالك التانيين هما محتاجينك، عن إذنك.
لكن سيد لم يستطع أن يتركه بهذه السهولة، فمد يده وأمسك بذراع سليم بقوة، وصوته يرتجف على نحوٍ موجع وهو يقول:
_طب بالله عليك يابني... ابقا طمني عليه، هتطمني عليه صح؟ هشوفه تاني صح؟
توقف سليم عن السير وللحظة قصيرة عم الصمت بينهما؛ راح يتأمل ذلك الأب المنهك، الذي نالت منه النوائب حتى استقرت على وجهه خطوط انكسارٍ تحكي سيرةً من العذاب النفسي والجسدي، وفي غور عينيه المطفأتين، ذعر رجلٍ استنزفه الفقد حتى لم يعد في قلبه طاقة لاحتمال خذلانٍ جديد.
عندئذ، مد سليم يده، فغطى بها كف سيد الممسكة بذراعه، بلمسةٍ هادئةٍ لم تكن مجرد مواساة، بل كانت ميثاقاً صامتاً يحمل في طياته من اليقين ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه وقال:
_هتشوفه تاني طبعا، متقلقش الطريقة مضمونة، عايزك تطمن، أنا مش هسيب أي حد تاني يروح من عيالك.. مش هكرر غلطتي مع فريدة.
ارتعشت ملامح سيد عند سماع تلك الكلمات، بينما انخفضت عينا سليم للحظة وكأن ذكرى فريدة ألقت بثقلها على روحه من جديد.. ثم انحنى سليم وقبّل رأس سيد باحترامٍ وود، قبل أن يستقيم ويتابع سيره خلف الممرضين.
وظل سيد واقفًا في مكانه يراقب ابنه وهو يبتعد عبر الممر الطويل، بينما كان قلبه يتأرجح بين ذعرٍ لا يهدأ ورجاءٍ يتمسك به بكل ما بقي لديه من قوة.
وفي تلك الأثناء كانت ديميت جالسة مع ريان في حديقة المؤسسة، بعيدًا قليلًا عن صخب الممرات وغرف المرضى.
كانت الأشجار تلقي بظلالها الناعمة فوق المقعد الذي يجلسان عليه، بينما أخذت ديميت تحدثه بصوتٍ هادئ ودافئ، تختار كلماتها بعناية شديدة.
كانت تعلم أنها تتعامل مع طفلٍ لم يعش طفولة طبيعية، طفلٍ تشكلت مفاهيمه عن العالم وسط الذعر والتهديدات والعذاب والسجون والخسارات، لذلك كانت تتدرج معه ببطء، خطوةً خطوة، حتى لا تصدمه الحقيقة دفعةً واحدة.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة وقالت بلطف:
_بص يا ريان، إنت طبعا عارف إن الواحد بيبقا عنده بابا وماما صح؟
رفع ريان عينيه إليها وأومأ برأسه ببساطة:
_صح.
_تعرف مين بابا ومين ماما بتوعك؟
أجاب فورًا دون تردد:
_سليم وفريدة..
اتسعت ابتسامة ديميت قليلًا ثم قالت برفق:
_صح، بس إنتت عارف إن عندك بابا وماما تانيين مش كدة؟
أومأ ريان برأسه مجددًا وقال بتلقائية:
_أه هدول ميتين.
هنا حركت ديميت رأسها نافية، ثم قالت بينما كانت تراقب ملامحه بحذر:
_مش أنا اكتشفت إن مامتك عايشة؟
في لحظة واحدة انتصب ريان في جلسته كأن تيارًا كهربائيًا مر بجسده الصغير، واتسعت عيناه دهشة، وارتفع رأسه بسرعة نحوها:
_فريدة؟
شعرت ديميت بوخزة خفيفة في قلبها، لكنها حافظت على هدوئها وقالت:
_لا يا حبيبي، مامتك الحقيقية... اللي إنت طلعت من بطنها.
ساد الصمت لثانية قصيرة، وعقله الصغير يحاول استيعاب ما سمعه للتو، ثم خرجت منه الكلمات ببطء ممزوج بالذهول:
_عنجد؟
_أه يا حبيبي، عايز تشوفها؟
سكت ريان هذه المرة فترة أطول.. لم يقفز فرحًا كما توقعت ديميت، ولم يبدُ عليه الحماس المعتاد الذي قد يظهر على طفلٍ سمع أن والدته التي ظنها ميتة لا تزال حية.. بدلًا من ذلك، ظهر التوتر على وجهه الصغير، توتر مكتوم، خفي وصامت، لا يجيده إلا الأطفال الذين تعلموا الخوف مبكرًا، ثم قال حينها:
_هي زعلانة مني؟
قالت بسرعة وهي تميل نحوه:
_لا يا حبيبي خالص، ليه بتقول كدة؟
_لو هي لسا عايشة، ليش بعتتني ع السجن هنيك؟
مدت يدها وحسست على شعره بحنان شديد وقالت:
_لا يا روحي، مش هي اللي بعتتك هناك.. دول ناس وحشين خطفوك منها... وهي فضلت تدور عليك، وانت خلاص هترجعلها اهو.
بدأ القلق يتراجع قليلًا من عينيه، وحل محله شيء من الارتياح.. ثم قال:
_يعني إذا رجعت لعندها بعيش معها؟ طيب وسليم؟ ما رح يضل معي؟"
ابتسمت ديميت ابتسامة أوسع هذه المرة:
_لا طبعا هيبقا معاك.. إنتوا التلاتة هتبقوا مع بعض.
وما إن سمع ذلك حتى انفرجت أساريره بالكامل.. وبدا أنه لم يكن يخشى لقاء والدته بقدر ما كان يخشى فقدان سليم. أما الآن، وقد اطمأن إلى أن وجود أحدهما لا يعني غياب الآخر، فقد بدت السعادة واضحة على وجهه الصغير للمرة الأولى منذ بداية الحديث.
وفي تلك اللحظة بالذات لفت انتباههما شيء في ساحة المؤسسة.
فخرج عدد من الممرضين مسرعين من المبنى، يدفعون سريرًا طبيًا متحركًا يستلقي فوقه يامن. وخلفهم كان سليم يسير بخطوات سريعة وحازمة، يراقب كل شيء بعينين يقظتين.
استمر الموكب الطبي في التحرك عبر الممر الخارجي حتى وصل إلى سيارة المؤسسة.. ساعد الممرضون في إدخال يامن بعناية، ثم استقلوا السيارة وانطلقت مباشرة، بينما اتبعت سيارة سليم الخاصة المركبة الطبية دون تأخير.
ظل ريان يراقب المشهد بصمت، وكانت عيناه تتبعان السيارة.. أما ديميت تجاهلت الأمر والتفتت إليه بابتسامة هادئة وقالت:
_يلا نشوف ماما؟
نظر إليها ريان للحظة، ثم أومأ برأسه موافقًا.
نهض من مكانه ببطء، ومد يده الصغيرة نحوها دون تردد.. فأمسكت ديميت يده برفق، ثم سارا معًا عبر الحديقة باتجاه المبنى.
كان ريان يخطو إلى الأمام وعيناه تحملان مزيجًا غريبًا من الحماس والرهبة.. فبعد سنواتٍ قضاها معتقدًا أن والدته لم تعد موجودة في هذا العالم، كان على بعد دقائق فقط من رؤيتها للمرة الأولى.
وهنا كانت ميسم جالسة داخل مكتب رشا، لكن السكون الظاهري الذي يكسو ملامحها لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي خلفها اضطرابًا عاصفًا.
كانت تهز قدمها بسرعة وعنف متواصلين حتى بدا الأمر أنها تفرغ عبر تلك الحركة جزءًا من التوتر الذي يعصف بأعصابها.. أما نظراتها فكانت شاردة في نقطة مجهولة أمامها، غائبة عما يحيط بها، غارقة في الاحتمالات والمخاوف التي لا تكف عن مطاردتها.
فهي أمًا تقف على أعتاب لحظة انتظرتها سنوات طويلة، ومع ذلك لم تشعر بالطمأنينة، بل بالخوف.. خوف من أن يكون استرجاع ابنها أكثر تعقيدًا مما حلمت به، وخوف من الثمن الذي قد تُجبر على دفعه مقابل ذلك.
راقبتها رشا لبعض الوقت قبل أن تتحدث بصوت هادئ حاولت أن تبث فيه شيئًا من العقلانية وسط تلك العاصفة الداخلية:
_ميسم، محتاجة تستوعبي إن قرار زي دا مش ضدك ابدًا، العيلة دي اعتنت بريان كويس جدًا، أكيد مش هتإذيكي.
أطلقت ميسم زفرة طويلة قبل أن ترد وتقول:
_أنتِ بتعرفي منيح إنو هاد اللي اسمو سليم ما اعتنى بابني رحمةً منه، هو عم يعمل واجب عليه كرمال مرته اللي ماتت، بس هو ما بيحب ابني، هو بس عم يربّيه شفقة.
لم ترد رشا مباشرة.. كانت تعلم أن هذا الكلام لا يصدر عن قناعة حقيقية بقدر ما يصدر عن أمومة مذعورة تبحث عن أي مبرر لتقاوم الواقع المفروض عليها، وبعد لحظات من الصمت قالت بهدوء:
_أعتقد لو تعرفي سليم عمل إيه عشان يحمي ريان ويبسطه مش هتقولي الكلام دا.
لكن كلماتها لم تبدل شيئًا في نفس ميسم.. كانت تنظر إلى الأمر من زاوية واحدة فقط؛ زاوية الأم التي تشعر أن الجميع يناقشون مستقبل ابنها وكأنه ليس ابنها أصلًا، رفعت رأسها أخيرًا، وبدا الاحتقان واضحًا في ملامحها وهي تقول:
_حتى لو يا رشا، ماشي هو بيحب ابني وأخده متل ابنه وحطه بعيونه.. أنا ليش لازم أرتبط فيه وأتدبس معه بس كرمال عيش مع ابني؟ هاد ابني أنا! أنا الأحق فيه! لازم يعيش معي أنا! ليش لازم اتنازل وغير حياتي وفوت عيلة أنا ما بعرفها كرمال ابني، كأنو ابنه هو؟!
خرجت الكلمات دفعة واحدة، كأنها كانت حبيسة صدرها منذ زمن طويل.. لم يكن غضبها موجهًا نحو سليم تحديدًا، بل نحو الظروف كلها، نحو السنوات التي سُرقت منها، ونحو القرارات والاعتبارات التي جعلتها تشعر بأنها مضطرة للدفاع عن حق بديهي.
استمعت رشا إليها حتى انتهت دون أن تقاطعها، ثم قالت بنبرة يغلب عليها التفهم:
_حقك تحسي بالاحساس دا، عشان كدة ممكن تخلي الجواز دا بدل ما يكون لوي دراع في اعتقادك، يكون حاجة تستخدميها لمصلحتك.
بقيت ميسم صامتة لثوانٍ طويلة، ثم حركت رأسها بالنفي القاطع.. وبدا الرفض في عينيها أعمق من مجرد اعتراض عابر، بل هو نابع من إرهاق طويل استقر في روحها، وقال باسلوب صريح:
_ما رح أتجوز.. ما بقدر.
تنهدت رشا وهي تفكر في طريقة أخرى تخفف بها حدة التوتر المسيطرة على الأجواء.. كانت تدرك أن المنطق وحده لن يصل إلى ميسم الآن، وأنها غارقة أكثر مما ينبغي في مخاوفهاذ لذلك قررت أن تغير زاوية الحديث ولو قليلًا، فقالت بنبرة أخف:
_طب.. إنتِ شوفتي شكل سليم يا ميسم؟
نظرت ميسم لها بطرف عينيها وهي تقول:
_وهاد في شو رح يفرق؟
_هيفرق كتير، يعني لما تعرفي إنه شاب وسيم ممكن دا يخفف من وطئة الموضوع في قلبك.
أدارت ميسم بؤبؤ عينيها في حركة ممتلئة بالتبرم والاستخفاف؛فبدا لها الحديث سخيفًا إلى حدٍ بعيد مقارنةً بما يعتمل داخلها من قلق.. لذلك فضلت الصمت، وعادت تحدق أمامها من جديد، بينما استمرت قدمها في الاهتزاز العصبي الذي يكشف ما تحاول ملامحها إخفاءه.
وفجأة دوى صوت طرقٍ على الباب.. في اللحظة نفسها تقريبًا وثبت ميسم واقفة وارتفعت يداها إلى صدرها بصورة لا إرادية، فقد بدأ قلبها يطرق بعنف حتى أوشك أن يؤلمها جسديًا، اتسعت عيناها، وتجمدت أنفاسها داخل صدرها، بينما تسارعت الأفكار في رأسها بشكل محموم.
سمحت رشا لهما بالدخول، فتشبثت عينا ميسم نحو الباب.. وحدقت فيه بكل ما تبقى فيها من رجاء، وما إن انفرج ببطء حتى ظهرت ديميت أولًا، تتقدم بخطوات هادئة، ثم هبط بصر ميسم إلى الأسفل... وهناك، عند تلك اليد الصغيرة المتشبثة بكف ديميت، توقف الزمن كله.
رأت طفلًا بالغ الصغر، يمشي بخطوات مترددة، يطوف بعينيه البنيتين الواسعتين في أنحاء الغرفة ببراءة خالصة، ظهر لها لها كبدر أشرق فجأة في سماءٍ معسعسة أثقلها الليل طويلًا، فبدد ظلمتها بنور حضوره وحده.
تجمدت ميسم في مكانها، وانطفأت كل الأصوات من حولها، حتى فقد عقلها القدرة على استيعاب ما تراه عيناها.. ظلت تحدق فيه دون أن تطرف جفونها خشية بأن يكون سرابًا سينهار بمجرد أن ترمش.. وفي تلك اللحظة التفت ريان إليها، ثم رفع رأسه نحو ديميت وسأل ببراءة لا تعرف ما أحدثته كلماته في قلبٍ تمزق سنوات:
_هَي ماما؟
لم تعد ساقا ميسم تحملانها.. خارت قواها دفعة واحدة، فسقطت على ركبتيها، وأسندت نفسها إلى الأريكة بحركة لا إرادية، محاولة أن تنهض وتركض نحوه، لكن جسدها خانها، وعجزت قدماها عن طاعة قلبها الذي سبقها إليه منذ اللحظة الأولى.
أما ريان، فما إن لمح اضطرابها حتى أفلت يد ديميت، وأسرع نحوها بوجهٍ ملؤه القلق، يردد بصوت صغير مرتجف:
_ماما؟
كان اقترابه إليها بطيئًا في عينيها إلى حدٍ موجع؛ وكأن كل خطوة يخطوها كانت تعادل عمرًا كاملًا من الفقد والانتظار.. لم تعد تحتمل ذلك البطء القاتل، وما إن بلغ حدود ذراعيها حتى اندفعت تمد يديها، واجتذبته إليها بكل ما بقي فيها من قوة، ودفنته داخل حضنها دفنًا.
أطبقت ذراعيها حوله بقوة مرتعشة، وأخذت تلهث من عنف الصدمة حتى عجز لسانها عن النطق، واختنقت الكلمات في صدرها.. أغمضت عينيها، واستنشقت رائحته الآدمية بعمق، استنشقت بعمث حتى انكمشت رئتيها من شدة ما أرادت أن تختزن منه. ثم انهالت عليه بالقبلات، تقبل جبينه، ووجنتيه، وعينيه، ويديه، وكل شبرٍ من جسده الصغير، حتى قدميه، بينما كانت دموعها تتدفق كشلالٍ لا يعرف التوقف.
كانت تنظر إليه قليلًا لتتأمل ملامحه في لهفة، كأنها تحفظها من جديد بعد أن كادت تضيع منها، ثم تعيده إلى صدرها مرة أخرى، لكن قوة احتضانها بدأت تؤلمه، فخرج صوته الصغير مختنقًا:
_ماما..
ازداد بكاؤها، ثم ابتعدت عنه مسافة يسيرة، وحدقت في وجهه بعيون يغمرها الذهول والرجاء، وقالت بصوت متكسر تختلط فيه الضحكات بالبكاء:
_ريان حبيبي، أنت متذكرني.. متذكر إنّو أنا ماما صح؟ أنا ماما يا حبيبي... أنا ماما يا حبيب روحي...، شو حاسس يا حبيبي، شو حاسس؟ أنت منيح؟ عم تاكل منيح؟ مبسوط؟ أنا آسفة، أنا آسفة ما رح أتركك مرة تانية، والله ما رح أتركك.
نظر إليها ريان بحيرة وقلق، وقد أربكته دموعها أكثر مما أسعده اللقاء، وقال برقة:
_لا تبكي.. انتِ زعلانة؟
هزت رأسها نفيًا سريعًا، ومسحت دموعها المرتجفة، وهي تقول بصوت تغلب عليه السعادة المختنقة:
_أنا أسعد وحدة بالكون.. أنا فرحانة كتير كتير يا ريان ومبسوطة كتير، لأنو أنا بحبك كتير وكنت عم دور عليك كتير يا حبيبي.. ماما كانت خايفة عليك كتير يا ريان.
ثم لم تستطع مقاومة شوقها ثانية، فعادت تضمه إليها بقوة، بينما كانت دموعها تتساقط بلا انقطاع، حتى بدأ الخوف يتسلل إلى قلب الطفل، فقال وهو يحاول تهدئتها بصوته الصغير:
_خلاص متبكيش... خلاص...
عندها فقط انتبهت إلى أنها أخافته.. فأخذت نفسًا مرتجفًا، وأجبرت نفسها على التماسك، ثم ابتعدت عنه قليلًا، ومسحت دموعها على عجل، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، رغم ارتجافها، وقالت:
_أنا اسفة يا روحي أنا خوفتك؟ أنا آسفة.
وما إن رأى ابتسامتها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة مماثلة، ثم سألها بذلك الخوف الطفولي الذي لا يزال يسكن أعماقه:
_أنتِ ما رح تتركيني أبداً، صح؟ ما رح تتركيني متل ما تركتني فريدة."
ارتجف قلب ميسم حتى كاد يتمزق، فأجابته دون أدنى تردد، وكأنها تقسم بروحها كلها:
_مستحيل، مستحيل اتركك، بتلاقيني معاك في كل مكان يا روحي إنت.
اتسعت ابتسامته، وقال بعفوية صادقة:
_يعني بتكوني انتِ وسليم سوا.
خفتت ابتسامة ميسم للحظة، وارتفع بصرها نحو ديميت في صمتٍ عابر، ثم عادت تنظر إلى ريان، وأجبرت شفتيها على الابتسام من جديد، وهي تقول برفق:
_اي يا حبيبي... بنكون أنا وهو معاك دايما..
هنا حين لامست مسيم يداها جسد ابنها الدافئ، واستنشقت رائحته الحية، وشعرت بدفء أنفاسه بين ذراعيها، حتى انطفأ عقلها تمامًا، وسقطت كل الحسابات من داخلها.
لم يعد يعنيها شيء في الدنيا سوى ألا يُنتزع منها مرة أخرى.. وفي غمرة ذلك اللقاء، كانت مستعدة لأن تضحي بكل ما يخصها، وأن توافق على تلك الزيجة دون تردد، في سبيل أن تبقى إلى جواره دائمًا وأبدًا، وألا تعرف روحها فراقه مرة أخرى.
*************
بمجرد أن جفَّ حبر توقيع ياسر على موافق قرار إلغاء القانون، بدأت التروس العملاقة للدولة تدور في الكواليس بآلية صامتة، دقيقة، ومرعبة.. لم يُسمع هدير، ولم تُطلق صفارات إنذار، لكن شيئًا هائلًا كان قد بدأ يتحرك في أعماق مؤسسات الدولة، كوحشٍ فولاذي استيقظ أخيرًا بعد سباتٍ طويل، لتبدأ سلسلة إجراءات لا تعرف التردد ولا تسمح بالخطأ.
في أروقة وزارة الداخلية، ارتفع مستوى الاستنفار إلى أقصى درجاته.. لم يكن هناك صراخ أو ارتباك، بل انضباط بارد يبعث على القشعريرة.
التفَّ اللواءات حول الخرائط الإلكترونية والورقية، يراجعون المحاور والنقاط الحيوية بدقة عسكرية صارمة، قبل أن تنطلق الأوامر المشفرة في تعزيز الخدمات الأمنية حول السفارات الأجنبية تحسبًا لمظاهرات أو انسحاب بعثات دبلوماسية، ونشر مجموعات قتالية خفيفة الحركة في الميادين الرئيسية لقطع الطريق أمام أي محاولة لإثارة الشغب من الفئات التي راكمت ثرواتها ونفوذها تحت مظلة القانون القديم، ورفع درجة تأهب قطاع الأمن الوطني إلى الحد الأقصى، استعدادًا لأي سيناريو قد تفرضه الساعات المقبلة.
أما في وزارة الخارجية، فقد تحولت إلى خلية نحل صامتة، لا يُسمع في غرفهم سوى نقرات لوحات المفاتيح وهمسات الاتصالات المشفرة.
انطلقت البرقيات الدبلوماسية الموسومة عبر شبكات الألياف الضوئية إلى سفراء مصر في واشنطن، ولندن، وباريس، وبكين.. لم يكن نص البرقية يتجاوز سطرين، لكنه كان كافيًا ليُدرك كل من قرأه حجم الزلزال القادم: <تفعيل خطة الطوارئ. الاستعداد لاستدعاء عاجل أو تجميد للعلاقات. لا تصريحات حتى انتهاء خطاب الرئاسة.>
وعند المغرب في تمام الخامسة مساءً، بدأت مياه القاهرة الراكدة تفور على مهل، والمدينة كلها تستشعرت اقتراب شيء غير مألوف.. تلقى المحررون السياسيون اتصالات مقتضبة من مصادر مجهولة، وألغى خبراء الاقتصاد ظهورهم الإعلامي وجدول لقاءاتهم الفضائية فور وصول تسريبات تتحدث عن هبوط حاد وغير مبرر في المؤشرات المالية، بينما شوهد مراسلو الوكالات الأجنبية، من رويترز وفرانس برس وسي إن إن، يصعدون على عجل إلى أسطح الفنادق المطلة على النيل، يثبتون كاميراتهم ويجهزون معدات البث المباشر، وقد ارتسم على وجوههم ذلك الذهول الذي لا يظهر إلا حين يدرك الصحفي أنه يقف على أعتاب حدث سيُدرَّس في كتب التاريخ.
وعند السادسة إلا ربعًا... هبطت المقصلة.
على شاشات التلفزيون، وفي ذروة مباراة كرة قدم مشتعلة بالحماس، وبينما كانت الإعلانات التجارية تصدح بأصواتها الصاخبة، انقطع البث فجأة.. غاصت الشاشات في سوادٍ كامل لثانية واحدة بدت أطول من دقيقة، قبل أن يمتد شريط أحمر قانٍ ببطء أسفل الشاشة مكتوب عليه.
<عاجل: رئيس الجمهورية يوجه بعد قليل خطابًا هامًا ومباشرًا إلى الشعب المصري.>
في المقاهي، خبت الضحكات شيئًا فشيئًا حتى انطفأت تمامًا.. تجمدت الأيدي فوق أكواب الشاي والقهوة، وسكتت قرقرة الشيشة كأنها لم تكن، وتحولت الوجوه نحو الشاشات في صمتٍ ثقيل.
وفي البيوت، انتبهت العوائل الى هواتفهم حين اتاهم إشعار يحمل هذه العبارة تمامًا الأبناء.. كان صمتًا رصاصيًا كثيفًا، صمتًا يشعر معه الجميع بأن الهواء قد انكمش داخل المدينة، وأن ما سيأتي بعد دقائق لن يكون مجرد تعديل وزاري أو قرار اقتصادي عابر، بل زلزالًا سياسيًا قد يعيد رسم ملامح الدولة والعالم من حولها.
ظهر شعار الجمهورية في لقطة ثابتة، ثم انقطعت الصورة لتنتقل الكاميرا إلى كادر واسع للمنبر الرئاسي.
كان ياسر يقف مستقيم الظهر في هدوء لافت، مرتديًا بدلة داكنة وربطة عنق ذات لون هادئ، دون أي مظهر من مظاهر الاستعراض.. لم تكن أمامه أوراق متناثرة، ولا ملفات مفتوحة، ولا خطاب مطبوع بخط كبير كما اعتاد الناس أن يروا في مثل هذه المناسبات.. وبالطبع كان خلفه ظله عصام.
رفع بصره، وثبته مباشرة في عدسة الكاميرا...
لم تكن في عينيه نظرة تحدٍّ، ولا انفعال، ولا رغبة في استعراض القوة، بل كانت نظرة رجلٍ تصالح مع مصيره كاملًا، واتخذ قراره النهائي، وأدرك أنه بعد اللحظة التالية لن يعود شيء كما كان أبدًا.
استقرت أنفاسه لثوانٍ، ثم أطلق زفرة عميقة وقوية، كسرت السكون الذي خيّم على ملايين البيوت، قبل أن يفتح فمه لينطق بالكلمات التي ستُسجل في تاريخ مصر الحديث، والكلمات التي ستقلب العالم رأسًا على عقب.
************
صوتُ طفلٍ رضيعٍ يبكي... بكاءً يشتعل بحرقةٍ تمزق القلب، كأنه يحمل في داخله كل الفزع الذي عرفه العالم.
أعقبه مباشرة وقعُ أقدامٍ هادئة... ثم دوّى صوت ارتطام عنيف بجسد أو شيء ثقيل سقط بقوة على الأرض.
ولم تكد أصداء الضربة تخفت حتى مزق السكون صوت مفزع... صوت طلقةٍ نارية.
وما إن اكتمل ذلك التسلسل المرعب من الأصوات، حتى انتفض جسده انتفاضةً عنيفة لا إرادية... انفتحت عيناه فجأةً بحركةٍ واهنة، مثقلةٍ كأن جفنيه يحملان أوزانًا لا تُطاق، وبدأ يلهث بعنفٍ شديد، يلتقط أنفاسه المتقطعة إثر استيقاظه المفاجئ، بينما ظل جسده مستلقيًا ساكنًا فوق السرير، عاجزًا عن الحركة، فاقدًا الإحساس بأطرافه.
بقي يحدق فيما حوله بعينين زائغتين، تتنقلان ببطءٍ بين أركان المكان، تحاولان استيعاب الواقع بعد أن انتُزعتا للتو من كابوس صوتي لا يزال يمسك بخناق روحه.
كان يحاول أن يفتح جفنيه أكثر ليبصر بوضوح، لكن جسده لم يستجب له، ولسانه بدا أثقل من أن يطاوعه.. وبشق الأنفس، وبعد جهدٍ جسيم، تحركت شفتاه المرتجفتان أخيرًا، وخرجت أول كلمة من بينهما متكسرة، واهنة، مثقلة بالضياع.
_ن... نجلاء...؟
ROMISAA