السير إلى اللامنتهى

السير إلى اللامنتهى

41 0

٥٩ في الصباح الباكر، أثناء حرارة الصيف وسمائها الصافية وشمسها الحارقة، في إحدى المصحات النفسية، يجلس عمر في مكتبه وهو يسجل حالة من الحالات الفردية. وأثناء ذلك، طُرِق الباب ليسمح بالدخول. دخل رجل في منتصف العمر، أنيق المظهر. فور دخوله نهض عمر وهو يسلم عليه بحفاوة وتقدير. _اتفضل يا دكتور أحمد، تفضل، تفضل. جلس الطبيب أحمد، طبيب المخ والأعصاب، أمام مكتب عمر، وجلس عمر في الكرسي المقابل له، ولم يجلس في كرسي مكتبه احترامًا وتقديرًا للطبيب. _مكنتش متوقع إن حضرتك تيجي بنفسك عشان تديني نتيجة أشعة المريض. _الحقيقة يا عمر، أنت جبتلي حالة غامضة جدًا جدًا. اختفت ابتسامة عمر تدريجيًا بقلق. _فعلاً؟ أخرج الطبيب أشعة رنين مغناطيسي لمخ أحد المرضى الذين تم إجراء أشعة رنين مغناطيسي لهم خصيصًا للكشف عن حالة عقولهم إن كانت عضوية أم نفسية، وقال الطبيب أحمد وهو يشير لعمر إلى مكان محدد عند الفص الصدغي: _تخمينك كان صح. إن فقدان ذاكرة المريض هي مشكلة عضوية، وظهر هنا عند الحُصين التهاب خفيف، وهو ده أكيد اللي أدى لفقدان ذاكرته لمعظم طفولته وصعوبة تذكر أي معلومة جديدة بتتقال له وهكذا. وبالتأكيد هو ناسي شخص مهم في حياته كان في حياته ولكنه اختفى بفعل الوفاة أو لأي سبب كان. فالمريض نسي وجوده ونسي اختفاءه ولكنه متذكر حضوره في ماضيه. _طب وإيه سبب الالتهاب ده؟ _له عدة أسباب، زي عدوى فيروسية أو رد فعل مناعي لعدم الإصابة بالسرطان. سكت الطبيب قليلاً ثم أردف: _ولكن اللي خلاني أجيلك يا دكتور عمر، إن شكل الالتهاب غريب وأول مرة أشوفه من بداية مسيرتي المهنية. هو التهاب خفيف وواضح إنه شرس، ولكنه دقيق ومنظم، كأنه كائن حي وله وظيفة جاى عشان يعملها. وأرجح إن الالتهاب بدأ من المريض وهو في سن صغير. أخرج الطبيب ورقة وهو يقول: _ده العلاج اللي هتدهوله بالتفصيل والمواعيد. ومتقلقش، مفهوش أي حاجة تتعارض مع أدوية الإدمان اللي بياخدها. استأذنك أخد عينة من دمه عشان أحللها. _آه، آه طبعًا، اتفضل. نهضا كلاهما متجهين إلى إحدى العنابر في قسم الإدمان. سارا معًا حتى وصلا إلى غرفة محددة، وطرق عمر بابها ليفتح أحد الممرضين الذي يكون رفيقًا لمرضى معنيين. حين فتح المرافق قال عمر في حيرة: _هو لسه نايم؟ _لسه.. دخل عمر وأحمد لينظرا للمريض النائم، والذي كان نوح. قال المرافق: _بقاله تلات أيام فاقد الوعي، رغم أن الدكاترة قاسوا ضغطه وقلبه وكل حاجة كانت سليمة عنده بس... هو لسبب ما لسه نايم. قال الطبيب أحمد وهو ينظر إلى عمر بتعجب: _واضح إنك مكتر في الأدوية والمنومات معاه يا عمر. قال عمر مدافعًا عن نفسه وهو متحير بشكل طفيف: _لا والله خالص، هو بقاله أصلاً سنتين معانا وفيه تقدم كبير في حالته، والأدوية بتاعته بقت قليلة جدًا ومفيش فيها أي نوع بينيمه للمدة دي. بس... هو آخر مرة طلب يكلم والدته في التليفون، من بعدها دخل في نوبة هلع شديدة اضطرينا نديله مهدئ، بس المهدئ مينيمش كل ده برضو. كان نوح فاقدًا للوعي لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، حتى تم أخذه نائمًا لعمل أشعة الرنين المغناطيسي. حاولوا إيقاظه بكل الطرق الممكنة ولكنها لم تجدِ نفعًا. أخذ الطبيب عينة من دم نوح وقرر أن يذهب لعمله، وظل عمر جالسًا يتمعن في نوح في حيرة شديدة، يشعر بالقلق والمسؤولية. حين لاحظ الممرض الاضطراب في ملامح عمر، قال له ليبث الطمأنينة في قلبه: _على فكرة، أنا ساعات بسمعه بيتكلم وهو نايم. _بجد؟ كان بيقول إيه؟ _كان بيذكر أسماء كده، غادة، هاجر، مصطفى، عصام وعلا وسليم. أنا حافظهم من كتر ما كان بينادي عليهم وبيحلم بيهم. كان بيتكلم كلام مش مفهوم، وساعات بيذكر اسم أدهم، بس أكتر اسم كان بيقوله هو اسم غادة. _تفتكر ممكن دول يكونوا ناس في ماضيه اللي ناسيه؟ _ممكن. بعد سكوت لم يطول، تشنج جسد نوح فجأة منتفضًا برجفة قوية أخافتهما. نهض بفزع وهو يشهق صارخًا، وسرعان ما جلس عمر بجانبه ليهدئه، وفور أن رآه نوح اطمأن وامسك بذراعه وهو يقول: _عمر!، أنا حي، الحمد لله يارب، الحمد لله. نظر إلى يديه وجسده وهو يقول: _أنا سليم كمان... مش ممكن... إزاي؟ _اهدى يا نوح وقولي شوفت إيه؟ _في واد من مدرستي كان عايز ينتحر، ولما لحقته أنا وقعت بداله و.. وحلمت بأمي وهي بتشيلني... وبعديها حسيت بجسمي وهو بيضرب بالأرض. هو عدى قد إيه؟ نظر نوح حوله وهو يتمعن في غرفته بتشتت، ثم نظر إلى الممرض وقال له: _أنا شوفتك فين قبل كده؟ والأوضة دي.... عاد والتفت لعمر، والذي كان وجهه أصغر سنًا مما كان عليه من ذي قبل. عقد ما بين حاجبيه بتعجب شديد وهو يتأمل المكان حوله، عقله لا يستطيع ترجمة الموقف الذي هو فيه وعاجز عن استيعاب تلك القفزة المكانية المفاجئة. قال عمر هنا: _إنت بقالك تلات أيام نايم يا نوح، حاسس بإيه؟ _أ... أنا حاسس إني عادي، كأني موقعتش من الدور السادس... هي غادة فين؟ أومأ عمر برأسه وهو يقول: _تمام، محتاج نسيبك شوية لحد ما تفوق ولا عايزنا معاك؟ شعر نوح ان عمر يتجنب الإجابة على سؤاله فعاد بقوله: _غادة فين يا عمر؟ _هتيجي يا نوح، متقلقش. عاد نوح يلتفت حوله وبدأ تدريجيًا يستفيق ويستوعب أين هو. تسارعت ضخات قلبه من تلك الفكرة المفزعة التي أتت في باله، ثم وثب من سريره وهو يقول بنبرة مرتعشة: _الحمام فين؟ أشار الممرض إلى الحمام ليدخله نوح بخطوات سريعة، ووقف أمام المرآة ليرى ما كان يخشاه، فقد كان شابًا صغيرًا في العشرينات من عمره، شعره قصير وبدون لحية. ظل يحدق في وجهه بأعين جاحظة من تلك الصدمة المفجعة. أعاد للمصحة مجددًا؟ أهذا وهم أم حقيقة؟ أكان كل ما عاشه حلمًا طويلًا؟ كان نوح ينكر أفكاره، وكان يقنع عقله أنه قد يكون هذا وجهه بعد تلك الحادثة وأنه في مستشفى تشبه المصحة لا أكثر. خرج لعمر وهو يحدق فيه ويتمعن في مظهره إلى أن قال: _عمر، أنت متجوز؟ ابتسم عمر وهو يقول: _لا يا نوح يا حبيبي، مش متجوز، عندك عروسة ليا ولا إيه؟ كان رد عمر غريب كما لو كان ضجر من تكرار السؤال: _ أنا سألتك السؤال ده قبل كده؟ _ولا يهمك... أنا محتاج أعرف هتحب تقعد هنا ولا نروح لجلسة سوا؟ _لا بجد قولي.. أنا سألتك السؤال ده قبل كده؟ _أيوة. تذكر نوح آخر مرة عاد فيها للمصحة مجددًا عن طريق هلاوسه، واستفاق منها فور أن أمسك الهاتف ليحدث أمه. سأله نوح مجددًا: _وبعدين طلبت منك تكلم ماما؟ _أيوة.. وكلمتها من أوضتك دي. _وبعدين؟ _المرافق بتاعك سمعك بتصوت ودخلت في نوبة هلع مؤذية، اضطررنا إننا نحقنلك مهدئ، ومن ساعتها وأنت نايم. شعر نوح بإعياء ودوار جعله يترنح ويستند بالجدار، دوار أتى من هول ما هو عليه، مصدوم، متهيع ومفزوع. عقله وأفكاره تتصارع بوحشية مع بعضها البعض من حزء ينكر وجزء لا، كان الصراع قوي ادى لتثاقل أنفاس نوح وكلما تأتي في باله تلك الفكرة تتثاقل أكثر فأكثر، وحين يشعر أن كل ما مر به هو حلم ووهم، تنكمش رئتيه أكثر وتزداد ضربات قلبه بشكل أقوى، يشعر بها في اهتزاز ضلوعه. يحاول أن يشيح بصره عن أي شيء، يحاول أن يتجنب كل ما هو حوله لعدم رغبته في تصديق حقيقته. اقترب عمر قائلًا بلين: _تحب نروح الجلسة دلوقتي وتقولي فيها كل حاجة؟ أومأ نوح برأسه ليقول المرافق: _طب تاكل حاجة بقى وبعدين... قال نوح بصرامة وضيق: _مش عايز حاجة! عايز أتكلم مع عمر، مش عايز حاجة! قال عمر: _طيب خلاص، ولا يهمك، تعالى يلا. خرجا كلاهما متجهين لمكتب عمر، وطيلة سير نوح وهو يلتفت ناظرًا إلى كل شيء من حوله، إن هذه المرة تختلف تمامًا عن أي مرة، كل من حوله حقيقي، مسموع، ملموس، ومنظور، ومشموم. يسمع وقع أقدام الممرضين والأطباء، يسمع أصوات المرضى، يشعر بقطرات العرق وهي تنسدل من جبينه، يشعر برعشة ركبتَيه الخفيفتين أثناء السير، ويشعر ببرودة الأرض رغم حرارة الجو. يرى ملامح الإنهاك على الممرضين، ويرى نظرات الغموض والفزع واللامبالاة على وجوه المرضى، يرى كل غرفة وكل عنبر، يشم رائحة عمر الزكية التي كانت تميّزه دائمًا، ومعها رائحة المنظفات القوية. دخلا المكتب، وأجلسه عمر على الكرسي، وجلس هو أمامه وهو يقول: _تحب يكون في بينا تواصل بصري ولا مش عايز؟ _ل.. لا طبعا، عادي. بدأت جلستهم بأسئلة عمر له عن بعض الأشياء الصحية والعقلية، أسئلة فقط لمراجعة الحالة. وبعدما أجاب نوح على كل سؤال، قال عمر بروح دعابة لطيفة ليرطب الموقف الجاف المتوتر الذي كانا فيه من شدة ارتباك نوح: _والله يا نوح أنا نفسي أنام تلات أيام ورا بعض زيك، عملتها إزاي دي؟ قال نوح بملامحه الجادة ونبرته الصارمة المرتجفة من الهلع: _قولي أنا كنت عامل إزاي في التلات أيام دول... سكت عمر قليلاً ثم قال: _المرافق الخاص بيك حكالي إنك كنت بتذكر أسماء عشوائية زي غادة ومصطفى وعلا وعصام وهاجر وسليم. كنت بتذكرهم في كلامك كتير خصوصًا اسم غادة. وبعدها ذكرت اسم أدهم وكان كلامك غير متناسق، فأنا مفهمتش. ودورك تفهمني يا نوح أنت شوفت إيه بالضبط وتحكيلي مين دول. تحولت ملامح نوح من ملامح صارمة إلى ملامح الحسرة والحرقة القاتلة. وكانت قطابه جبينه تختفي ترديجيًا كلما يتحدث عمر، وتجحظ عيناه من شدة صدمته. وحين أنهى عمر حديثه بسؤاله، ابتلع نوح ريقه محاولًا التخلص من تلك الغصة وأجاب: _غادة دي مراتي، ومصطفى وعصام وعلا وهاجر وسليم دول إخواتي، إخواتي من أبويا، اللي هو أدهم داغر. لو مش مصدقني، اسأل أمي، اسألها. أنا أصلاً المفروض ماكنش هنا، أنا ليا حياة، أنا ليا زوجة وإخوات، معرفش إيه اللي رجعني هنا تاني. أنا كنت في المصحة دي من ١٣ سنة! إيه اللي رجعني؟! ظل عمر صامتًا منصتًا إليه، وبدأ يكتب الملاحظات. ليردف نوح بنبرة ازدادت رجفتها مع رجفة جسده، محاولًا إقناع عمر: _على فكرة، وانت، أنت كمان متجوز، متجوز شيماء جارتك، عارفها؟ _عارفها،أعتقد هي وأمها عندهم علاقة بوالدتك بشكل ما. _أيوة هما مشاركين في جمعية معاها. وأنا اتجوزت شيماء الأول، بس مكملناش سنة وطلقتها. وبعدها بمدة هي اتجوزتك، وأنتوا بتحبوا بعض جدًا على فكرة. أومأ عمر برأسه ثم قال: _يعني كنت في المستقبل. _أنا مكنتش في المستقبل،أنا اللي رجعت للماضي، أنا المفروض مكونش هنا. حتى أنا اتعالجت من المخدرات والله! المفروض أطلع من هنا أصلاً. بدأ عمر في استشعار غرابة وشذوذ في حديث نوح. لم يكن كذلك في السنتان الماضيتين الذي قضاهما في المستشفى. تلك الثقة في حديثه، لغة جسده، الذعر في عينيه، كل شيء مختلف عن ما كان عليه منذ سنتين، كأنه يتعامل مع حالة جديدة تمامًا. _طيب يا نوح، قبل ما ترجع للماضي اللي هو أنت فيه حاليًا، عرفت لغز الشعور اللي أنت بتحسه؟ عرفت أنت كنت ناسي مين لما كنت في مستقبلك؟ سكت نوح فجأة حين استوعب ذلك السؤال، حين استوعب أنه ما زال يشعر بذلك الشعور حتى بعدما تزوج غادة. حتى بعدما اجتمع بإخوته، ما زال يشعر أن هناك شخصًا ينقصهم. أجاب نوح بنظرات يأس قوية: _لا... معرفتش. سكت عمر برهة ليردف نوح بنبرة متعالية في صوتها ورجفتها: _دا معناه إيه؟ عمر قولي دا معناه إيه؟ متعاملنيش على أني مريض، أنا ما عدتش مريض خلاص. _مش هقدر أقولك دا معناه إيه دلوقتي يا نوح... إحنا مع بعض اهو وبنتكلم. قولي يا نوح لو افترضنا أن المستقبل اللي كنت فيه ده مش حقيقة... إيه السبب اللي يخليك متتقبلش ده؟ _عشان كل حاجة حصلت حقيقية يا عمر، كل حاجة مستحيل تكون وهم. أنا مش مجنون لدرجة أني معرفش أفرق. _يعني كنت بتحس الإحساس ده بشكل واقعي جدًا زي الألم أو النشوة أو الذعر أو أي حاجة؟ _أيوة، حسيت بكل دول بشكل حقيقي جدًا. سكت عمر قليلًا ثم قال: _أنت عارف إن لازم يكون في حالة واحدة تكون هي الوهم، يا دلوقتي يا في المستقبل. _لا، دلوقتي أنا عايش في وهم دلوقتي. صمت عمر وهو يفكر، ثم قال: _في الطبيعي، الإنسان لو بيمر بهلاوس قوية، بيفوق منها بالألم الشديد أو الصدمة النفسية القوية. قال نوح وازداد علو نبرة صوته حين شعر أن حديثه حق: _عشان مستحيل أكون كنت بتوهم. أنا اتضربت كتير وأنا هناك واتعذبت وواجهت صدمات محدش يقدر يتحملها. لو كان ده وهم فعلاً كنت صحيت في أقرب وقت. حتى أنا وقعت من الدور السادس! _وبعد ما وقعت من الدور السادس؟ سكت نوح في دهشة مليئة بالأسى وقد طال صمته الذي دل على استيعابه للنقطة التي أظهرها له عمر، أجابه نوح بنبرة ضعيفة مستسلمة: _صحيت...صحيت هنا. صمت عمر حين لاحظ يقين نوح للأمر، لم يتحمل نوح ونهض وهو يسير بخطوات متوترة ذهابًا وإيابًا من شناعة ما اكتشفه وما يشعره من مشاعر مؤلمة متراكمة قد تقتله من قوتها. عقله لا يتوقف عن التفكير ويزداد عجزة على ترجمة ما هو عليه. انفاسه تتسارع واعينه تزداد جحوظًا كلما يفكر أن لقائه بغادة التي تزوجها كان وهماً، إخوته وعلاقته بهم كان وهماً، حتى مايا قد يكون وهماً. سيعود نوح لحياة الوحدة المهلكة تلك مجددًا إذن. لم يستطع الوقوف أكثر وسقط جالسًا على الأرض، واجهش بالبكاء وهو يضرب برأسه متحسرًا على حياته التي أصبحت هباءً منثورًا. لينهض عمر ويمسك يدي نوح ليوقفه عن ضرب نفسه، وجلس أمامه ليقول نوح باكيًا وهو ما زال ينكر: _والله يا عمر أنا مبكدبش، أنا مستعد أثبتلك إني مش بكدب والله، بس أنا لازم أخرج من المستشفى. _مش هينفع تخرج دلوقتي. _انت لازم تصدقني، على فكرة إحنا بقينا صحاب بعد عشر سنين بعد ما عالجتني، ودايمًا بنبقى مع بعض وبتصدقني دايمًا وبتساعدني دايمًا، وبقينا أكتر من إخوات. متبصليش البصة دي يا عمر أنا مش مريض ولا حالة عندك... أنا صاحبك والله صاحبك. ظل عمر صامتًا وهو ينظر لنوح دون رد، نظرات عمر ازدادت من يأس نوح في تصدقه. ساعده عمر على الجلوس وعاد لمكتبه وبدأ يكتب ملاحظات، بعدها قال: _الشخص اللي ناسيه ده شكله كان واخد أكتر من تسعين في المية من حياتك الخاصة، لدرجة إن بعد ما اختفى انت من الصدمة نسيته. وعقلك بقى يحشي في دماغك علاقات كتير مش حقيقية عشان تعوض وجود الشخص ده، وانت صدقته، بس رغم واقعية العلاقات ما زال شعورك ناحية الشخص المختفي ده مراحش. نظر عمر لنوح وهو يقول له: _واضح أن مشكلتك أكبر بكتير من كونك مدمن مخدرات... كم كان حديث عمر يكوي في قلب نوح وعقله لينصهران من شدة الألم الذي شعر به حينها، يستقبل حديثه بعينين دامعتين لا تطرف من شدة الصدمة. رغم ذلك، فهو ظل يهز رأسه نافيًا غير مصدق له. لم يضغط عمر عليه أكثر، وفور أن انتهت الجلسة عاد نوح لغرفته وقال لمرافقه أن يتركه وحده. حين خرج المرافق من الغرفة بدأ نوح في التحدث: _مايا، مايا دي المرة الوحيدة اللي بتمني فيها أسمع صوتك بجد، مايا أرجوك كلمني، مايا. لا رد، فتذكر أمر المرآة إذ يجب أن يحدق فيها أولًا. ذهب مسرعًا للمرآة وتحجر أمامها وهو يحدق في عينيه. مرت دقيقة، خمسة، عشرة، خمسة عشر دقيقة، لا يوجد أي شيء، رغم أن الأمر في البداية لم يأخذ دقيقتين من الأساس. إذن لا وجود للقوى ولهذا الكلام الخيالي. يبدو أن نوح ارتطم بالواقع المحتوم بضربة قوية كسرت قلبه لفتات، حيث لا وجود لشيء يدعي بأرواح قوى، لا إخوة من رجل سفاح، ولا أي شيء من هذا القبيل، ولكنه أصر على انكاره، وقرر أن يؤذي نفسه بما أن الألم هو من سيوقظه من الهلاوس والأوهام. بدأ يضرب المرآة بقبضته ليكسرها ولكنها ضد الكسر. نظر لصنابير المياه حوله، كانت قصيرة وملساء تفتقر للزوايا الحادة. خرج لغرفته ونظر للتلفاز الذي كان محميًا داخل صندوق زجاجي غير قابل للكسر أيضًا. نظر للنوافذ كانت غير قابلة للفتح أبدًا وللكسر. نظر للباب كان لا يسمح بفتحه سوى من الخارج. حاول حمل السرير ليستخدمه ولكنه كان ملتصقًا بالأرض وكانت زواياه ملساء أيضًا، كذلك المنضدة، كذلك الكرسي. كل ما يحيطه مصنوع بشكل آمن لحد الاستفزاز، مما جعل فرص هروبه أو عودته لمستقبله تقل وتهبط للقاع. وعاد الى السير في توتر ويأس عظيم وعقله لا يتوقف عن التفكير. إلى أن طُرق الباب ثم دخل المرافق الخاص به حاملًا صينية بها طعام وشرائط الدواء: _يلا بقى يا نوح كل دول واتغذى وبعديهم خد الدوا ده، تمام؟ _دوا إيه ده؟ _ده دوا معالج وطارد للمواد المخدرة اللي لسه في جسمك، وكمان كام ساعة هجيلك وأديك دوا جديد مرتبط بالالتهاب اللي في عقلك، أظن عمر قالك في جلسته صح؟ _لا.. مقاليش، أنا مسيبتهوش فرصة يتكلم بصراحة، فيه دوا تاني غيرهم؟ _آه، في دوا تالت للهلاوس اللي بتجيلك. _من إمتى الهلاوس دي بتجيلي؟ _من أول ما جيت المستشفى من سنتين، عمر كان متأكد إنها من أعراض المخدرات بس... هو قالي إن الموضوع أكبر من كده بكتير. كان نوح جالسًا في هدوء وجلسته تفيض بالإجهاد وتظهر تحسره، صامتًا مستسلمًا وملامحه منهكة، ويأسه قد وصل لعنان السماء. ظل يحدق في الطعام والدواء وقال للمرافق: _ماشي.. تقدر تمشي دلوقتي. مر اليوم ونام نوح ليلتها وهو متأمل أن يستيقظ ليرى نفسه في بيته وبجانبه غادة، ولكن لم يحدث ذلك للأسف. استيقظ نوح في صباح اليوم التالي برفقة ممرضه، أكل فطوره وأخذ علاجه ثم قرر أن يخرج ليجلس قليلًا في الحديقة. كانت الحديقة واسعة وكبيرة ونظيفة، بدا عليها الاهتمام الشديد، مريحة للناظرين حيث الأزهار متعددة الألوان وكثرة الخضرة فيها التي تأتي بالنسيم الرطب المريح. تلك الحديقة لم تكن للمرضى أصحاب الحالات الحرجة، لذلك لم يكن بها كثير من المرضى. كان يسير نوح وهو يشعر أن الحسرة تثقل حركات جسده وتثقل الغصة في صدره إلى أن تسبب جلطة في قلبه، أنفاسه ثقيلة منذ البارحة والإعياء لم يفارقه. ولكي لا يموت من شدة القهر فهو يقنع نفسه أن هذه ما زالت هلاوس، هلاوس قوية نوعًا ما، وسيعود منها بطريقة خاصة ذات تحدٍ أقوى. _يا آمل، يا حاير يا ماشي في دواير ♪ يا نايم وصاحي في كل السراير ♪ يا آمل، يا حاير يا ماشي في دواير ♪ يا نايم وصاحي في كل السراير ♪ استوقفه صوت فتاة تدندن وتغني بصوت جميل. التفت لمصدر الصوت ووجدها مريضة جالسة بين الأشجار وحدها، كانت تغني وبصرها مثبت عليه، كما لو كانت تغني الأغنية له. لم يستوقفه صوت غنائها فقط، بل استوقفه كلمات تلك الأغنية، كما لو كانت تصف ذاته وحياته منذ ولادته. كم تمنى نوح الاستقرار ولو لمدة زمنية لا تقل عن السنة، لم يستقر في حياته أبدًا، لم يستقر ذاتيًا، لم يستقر نفسيًا، لم يستقر اجتماعيًا، لم يستقر اقتصاديًا، لم يستقر من أي جهة من الجهات في حياته. يعيش في حيرة دائمة، يحاول فيها استنتاج كل ما يحدث له، ويحاول فيها تبرير افتقاره لكل ما هو مستقر، لا يمتلك ذاكرة تكون مرجعًا له لعلاقاته مع الناس ولا لضبط نفسيته. لا يمتلك مكانًا يلجأ إليه ليستقر فيه كلما يتنقل للآخر عن طريق هلاوسه. ينام في سرير بيته، ليصحوا في سرير المصحة، ينام في سرير المصحة، ليصحوا في سرير بيت خاله. حيرة وشتات لا يؤديان للجنون فقط، بل يؤديان إلى الموت حيًا، حيث يعيش نوح كالدمية الميتة يذهب لكل زمان ومكان دون إرادة منه أو مقاومة، يصاب بالأذى النفسي والجسدي بدون سابق إنذار وبدون إعطاء فرصة له ليحمي نفسه منهم. لا يعلم هل هذا ضعف منه أم حالته العقلية مزرية إلى حد عظيم. تقدم نوح لتلك الفتاة وسلم عليها وجلس بجانبها: _إزيك؟ _الحمد لله. _بقالك قد إيه هنا؟ حاسس إني أول مرة أشوفك. _ده عشان دي أول مرة تطلع للجنينة. أومأ نوح برأسه ثم عاد وقال: _اسمك إيه؟ أنا نوح. _روميساء. _الأغنية اللي كنتي بتغنيها شدتني، بتاعت مين دي؟ _مش بتاعت حد. سكتت روميساء قليلاً، لتبتسم ابتسامة باهتة تليق بملامحها المنهكة. _كنا بنغنيها أنا وصاحبتي أيام ما كنا في إعدادي... قالتلي إن الكلمات دي بتوصف مريض الاكتئاب، إزاي هو مش عارف نفسه، ومش حاسس بالانتماء في بيته أو مع أي حد. _وصاحبتك دي فين دلوقتي؟ عرضت ابتسامة روميساء وهي تتحدث بفخر عن صديقتها: _كويسة الحمد لله، بتجي تزورني بين الفترة والتانية، مستشارة قانونية كبيرة، ربنا يرزقها، اسمها شروق عبداللطيف. سكت نوح قليلاً ثم سألها: _طب.. إيه اللي وصلك لهنا ما دام صاحبتك ناجحة كده؟ _هي عندها ذكاء اجتماعي وقدرت تتأقلم مع الناس، أنا مقدرتش، كنت دايمًا بحاول أشوف مبرر لأفعالهم، مكنتش بلاقي... ونوعًا ما الموضوع بيجنني، أصل لازم يكون فيه سبب لكل حاجة مش كده؟ سكت نوح وهو يتذكر حديث خاله له، لتردف روميساء: _بقالي سنين ما نمتش ساعتين على بعض، وده خلاني أشوف حاجات غريبة حواليا، يعتبر أنا جيت هنا عشان أتعالج من الأرق، ومشوفش وشوش الناس اللي بيزودوا الأرق بتاعي. عادت لصمتها لتردف مجددًا بسؤالها: _ليه خرجت النهاردة للجنينة؟ رفع منكبيه وهو يقول: _معرفش... عشان آخد نَفَسي وأفكر إزاي أهرب. _إياك تهرب، صدقني المكان ده في الناس العاقلة، اللي برا هما المجانين مش إحنا. _مهو أنا مجنون، عشان كده عايز أهرب. أومأت روميساء برأسها ودار صمت طويل بينهما، إلى أن قالت روميساء: _الشبابيك الوحيدة اللي بتفتح في المستشفى هي شبابيك الدكاترة. ثم سكتت وفهم منها أنها تعطي له وسيلة للهروب وتترك له حرية التخطيط. _شكراً. ابتسمت روميساء واومأت برأسها، وبعد صمت بينهما طال مجددا قالت له: _مش هتمشي بقى؟ _نعم؟ _اصل مابحبش حد يقعد معايا أكتر من خمس دقايق، معلش. _م.. ماشي خلاص.. هقوم. ونهض نوح متجهًا لغرفته مخططًا للهروب في تلك الليلة. أتت ساعة النوم التي فيها يتم غلق كل الغرف أوتوماتيكياً، لذلك لم يدخل نوح غرفته أبداً طيلة اليوم وتخبأ في مكتب عمر دون علم عمر أو المرافق. بعدها فتح نوح النافذة وخرج للحديقة التي لم يكن بها أي حرس، هرول بخطوات خفيفة متجهًا للسور الذي كان شاهقًا وعلى رأسه أسلاك شوكية، ولكن هذا لن يعيقه، فهو مؤمن بقوته. وتذكر كيف قفز عصام تلك القفزة العالية في اللقاء الاول بينهما... حتى وإن كان كل هذا وهمًا فسيجعل عقله يصدق ذلك الوهم. حين كان يلتفت حوله ليرى ما يساعده على القفزة، لمح روميساء واقفة عن نافذة غرفتها وهي تشاهده. ووقوفها في هذه الساعة من الليل أخافه نوعًا ما، ولكن حين لوحت له، لوح لها بإرتباك وأكمل بحثه. وضع صخورًا كبيرة الحجم في مقابل بعضهما ليستخدمهما في الصعود، ثم ابتعد بخطوات متراجعة للخلف وأخذ نفسًا عميقًا وهو يصب تركيزه في إقناع عقله بأن لديه قوة خارقة ليقول بقفزة خارقة. من ثم اندفع راكضًا بسرعة شديدة، ومع صعودة فوق تلك الصخور، قفز قفزة عالية للغاية، وبحركة السباحين، مد يده وقدمه لكي يطيل من دفعة جسده متجنبًا الأسلاك الشوكية التي خدشت بطنه نوعًا ما. وسقط نوح على الجهة الأخرى سقوطًا مؤلمًا، ولكنه تحمل ووثب مسرعًا، وأكمل ركضه بسرعة هائلة. كان يركض هاربًا من ذلك المكان الذي ثوى فيه كل أوهامه ومخاوفه، متجهًا إلى مستقبله وحياته الأساسية التي يجهل عودتها. يركض بكل سرعة، سعيدًا بحريته المؤقتة، وهو متقصد مكانًا معينًا لم يذهب إليه منذ أكثر من عشرين سنة.                             ********* في إحدى الشقق القابعة عند أحد الأحياء المهجورة التي تم بيع الناس فيها بكثرة، يجلس مجموعة من الشباب المنبوذين اجتماعيًا، كانوا يجتمعون في هذا المنزل ليقوموا بكل ما يشتهونه دون مواجهة القانون أو المجتمع. يأخذون حريتهم المزيفة النابعة من كبت واكتئاب أصابهم من عبثية المجتمع وظلمه، وكل ما هو محرم موجود، ولكن ليس كل من فيه يقوم بهذه الأفعال. آنية، فتاة سودانية صاحبة بشرة سمراء وملامح جميلة، تبلغ من العمر ثلاثين عامًا، انتهى بها المطاف في هذا البيت بعدما تعرفت على إسراء وساعدتها في الإقامة دون دفع أي مال. _شد يا جمال أكتر! شد أكتر شدد. شاب بالغ يقوم بإجبار أخيه جمال، البالغ من العمر خمس عشر سنة، على استنشاق الكوكايين أثناء تجمع بقية الشباب والشابات في أخذ كل أنواع المخدرات سويًا. وحين كانت آنية تقوم بعمل مشروب لها في هذا المطبخ المقزز المليء بمخلفات زجاجات الجعة وحقن المخدرات، كانت تشاهد ذلك المراهق المسكين وهو يتم إجباره على تلك الأفعال. كان يظهر أنه سعيد، ولكن لديها يقين أنه ليس كذلك. إنه مشهد مأساوي، أن ترى مجموعة من الشباب والمراهقين يُفني عمرهم في هذه الأشياء القذرة بسبب تأثرهم بيأسهم من الحياة. فكل منهم كان يأمل شيء ولو مرة واحدة، ولكن تبخر هذا الأمل بمجرد وجوده في مصر، وتضاعف فحش شخصيته بسبب قلة إيمانه وبسبب محاولته في الاستمرار بالبقاء على ما ينقص من عمره تدريجيًا. انتهت آنية من عمل مشروبها وخرجت وهي تنادي على إسراء صديقتها، فنهضت إسراء وهي تعزم عليها بكوب جعة لتوقفها آنية بقولها: _اتاكدتي من أي زول بيراقب المكان الليلة؟ _متقلقيش، ملاقيتش أي حد، عايزكي تهدي وتبطلي العفرته بتاعتك دي. رأت آنية جمال يشرب الجعة، لتقول بنبرة صارمة لأخيه: _وبعدين يا عبد الله؟ أنت بتسوي في أخوك كدا ليه داير تكتله؟ ضحك عبدالله وهو يقول: _عرفتي ازاي؟ أنا فعلاً عايز أموتّه عشان مخشش الجيش. نظر جمال لأخيه وهو يسبّه وقال: _هزارك تقيل يا عم. في تلك اللحظة دق جرس الباب لينتفضوا في تشنج ويلتفتوا كلهم بنظرات مفزعة للباب، ومن هلع آنية اسقطت كوب مشروبها وركضت بسرعة لغرفتها، لتركض إسراء خلفها: _جو عشان يكتلوني! جو عشان يكتلوني! قالت إسراء وهي تحاول أن تطمئنها: _اهدي يا آنية، أنا مش هخلي حد يلمسك. هنا سمعوا أحدهم يقول من خارج الشقة: _أنا نوح، افتحوا!! تقدم أحد الشباب وفتح الباب برفق، وحين تأكد أنه نوح قال له: _معاك حكومة؟ _حكومة إيه؟ دخلني يا عم. دخل نوح بين دهشة الجالسين، وأحد الشباب قال مرحبًا به: _حمد لله على السلامة، طلعت من المصحة أخيرًا. دخل نوح المنزل ورأى مجموعة من الشباب والشابات جالسين، والطاولة مليئة ببقايا الطعام والحشيش وزجاجات الجعة والكوكايين. كانوا ثلاثة شباب، وجمال منهم، وبنتان وهن إسراء وآنية. سلموا عليه فور دخوله ليقول عبدالله هنا: _والله أنت محظوظ، تعالى جرب الكوكايين الكولومبي بتاع أدهم داغر، البركة في آنية. انتفض نوح وهو يقول: _أ.. أدهم داغر؟ يعني هو موجود صح؟ هو موجود؟! قال جمال هازئًا: _أنت روحت المستشفى اتجننت أكتر ورجعت تاني ولا إيه؟ هنا سمع وقع خطوات راكضة تأتي إليه، وفور أن التفت لمصدر الصوت وجد إسراء تقفز في حضنه بسعادة عارمة: _أخيرًا يا نوح، أخيرًا رجعت يا حبيبي، أخيرًا، أخيرًا! قال نوح وهو يتجنب عناقها بنفور: _أ.. إزيك يا إسراء؟ ابتعدت عنه وهي تحملق فيه بإمتعاض شديد: _إيه ده؟ مش عايز تحضني ليه؟ في إيه مالك؟ ابتعد عنها وهو يقول بشجب وضيق فور أن شعر أنه يخون غادة: _بقولك إيه! أنا مش جاي أصاحبكم دلوقتي، أنا عايز هدوم وفلوس وهنام الليلة دي وهمشي الصبح. قال شاب من الشباب: _وانت مفكر إننا معانا فلوس نديهالك؟ قالت إسراء وهي تمسك بيده وتجذبه معها: _مالكش دعوة بيهم يا حبيبي، تعالى الأوضة هديك كل اللي إنت عايزه وهنظبطهالك عشان تقعد فيها. أمسكت يده وأدخلته إحدى الغرف، وفور أن دخل رأى آنية، تلك الفتاة السودانية مألوفة الملامح، والتي يتذكرها في ماضيه الأسود حين كان يتعاطى الكوكايين. نهضت آنية في دهشة وهي تقول: _ما كنت عارفة انك هترجع! قال نوح في حيرة: _ليه؟ كنتي مستنياني ولا حاجة؟ سكتت آنية في ارتباك ولم تجيبه، ونظرت لإسراء وهي تقول: _هينام هنا؟ قالت إسراء: _آه، الليلة دي بس. أومأت آنية برأسها وخرجت من الغرفة، ونوح يتتبعها ببصره في شك، بعدها أخرجت إسراء له ملابس ومال، واقتربت منه وهي تقول بنبرة مثيرة: _إنت وحشتني اوي يا نوح. _سيبيني في حالي يا إسراء لو سمحت. _لا بقى، دا إنت غريب اوي، إنت غيبت علينا سنتين، موحتشتكش؟ _لا، موحتشتنيش. ابتسمت إسراء وهي تقول محركة منكبيها بلا مبالاة: _خلاص، إنت الغلطان. وخرجت تاركة إياه لكي يرتاح وينام لليوم التالي. ومع اقتراب الفجر، كانت آنية تلملم امتعتها في حقيبتها لتتجهز للذهاب إلى المجهول، بينما كانت إسراء نائمة معها في الغرفة ذاتها. كانت ملامح آنية تحمل همًا عظيمًا مكتومًا، ويديها تتقفقف من شناعة الأفكار التي تأتي في بالها. وضعت حقيبتها على كتفها، ثم دخلت الغرفة التي ينام فيها نوح، أخرجت قلمًا وكتبت على كف يده شيئًا ما، ثم خرجت برفق وأغلقت الباب رويدًا رويدًا. مع اقترابها للصالة، لمحت جمال واقفًا عند الشرفة وحده، توقفت في تردد، رغم أنها في عجلة من أمرها، ولكن جمال استوقفها. قررت أن تتقدم له وتحدثه: _جمال... التفت جمال إليها، فقالت له: _ما نايم ليه هسا؟ _مش عارف أنام. سكتت آنية قليلاً ثم قالت: _تحب تنزل معاي؟ ما بينفع تقعد هنا يا جمال، انت لسة سغيّر، ما تضيّع روحك بدري كدا وتروّح مستقبلك _مستقبل إيه؟ مفيش مستقبل في البلد دي. _طيب خلاص ما عشان مستقبلك، عشان الله على الاقل، عشان آخرتك ابتسم جمال بسخرية وقال هازئًا: _ربنا؟ إنتِ لسة بتصدقي في المواضيع دي؟ ظهر اليأس في ملامح آنية، وقررت ألا تكمل معه حديثها الذي سيكون بلا جدوى. التفتت وخرجت من الشرفة، وهنا أوقفتها إسراء بصرامة: _إنتِ رايحة فين يا بت إنتِ؟! خلّيني يا اسراء عليك الله، نوح جا، وانا لازم اروّح! _يعني إيه يعني نوح جه؟ ما ييجي ولا يتنيل! _يا اسراء عليك الله ما تضغطي علي، انا لو قعدت هنا اكتر انتوا هتروحوا، ونوح زاتو لو مات هتبقى ليلة سودا علينا، ما ينفع يموت، عليك الله خلّيني اروّح عشان هيكتلوني في اسرع وگت. _يا غبية إنتِ كده هتنزلي ليهم برجليكي يا غبية! _انا كدا كدا ميتة يا اسراء كتلوا ليلى امبارح والليلة يومي. في تلك اللحظة فتح نوح الباب لينتفضتا كلتاهما وهو يرمقهم بصدمة، وكاد أن يتحدث ولكن حدث انفجار هائل وعظيم في المنزل من عند غرف الشباب الآخرين، ليصرخ جمال في هلع مناديًا أخيه ليهرع نوح مسرعًا تجاه الغرفة ويرى امامه اشلائهم بصحبة صاروخ (ار بي جي). وهنا طلت آنية مسرعة من الشرفة لتجد سيارات الميلشيات تدخل الشارع بصحبة سيارة رفعت، قال آنية وهي تصيح بهلع: _جو، جو خلاس عشان يكتلوني خلاس عليكم الله اشردوا! صاح نوح فيها هو ايضا: _واحنا مش هنسيبك، يلا بسرعة قبل ما يضوبوا صاروخ تاني!! ظل جمال يصيح باكيًا وهو يحدق في رأس أخيه المقطوعة ولم يتحمل الوقوف من شدة النكبة التي يراها ولكن جذبته آنية بقوة وخرج كل من نوح وآنية وإسراء وجمال راكضين بسرعة وصواريخ الميلشيات تضرب في العمارة كلها لتندك فوق رؤوسهم. خرجوا اربعتهم من البناية وهم يهرعون بأقصى سرعتهم والرصاص ينهال عليهم في كل اتجاه، وهنا قررت أن تتوقف لأن وجودها سيقتلهم جميعًا. توقفت آنية ليليتفتوا كلهم اثناء ركضهم وهم يصرخون لكي تأتي ولكنها قررت أن تسلم روحها لهم، فقد ترعرعت آنية بين الحروب، وبين العصابات، وبين الدماء ورائحة البارود، لم تهتم بروحها بقدر اهتمامها لأرواح الآخرين التي سئمت في مشاهدتها تُزهق بسهولة. وقبل أن يلتفت نوح ويلحق بها اخترق الرصاص رأسها لتسقط جثة مشوهة الرأس. ليصِيح صيحةً عظيمةً من شدة احتدامه، ويضطهر في استكمال هروبه معهما، ومع وجود الميليشيات وسيارة رفعت علم نوح أن آنية طوال تلك الفترة هي أم هاجر. ركضوا جميعًا متفرقين، كلٌ منهم ينجو إلى مكانه الخاص الذي يلجأ إليه، وكان الخيار صعبًا لنوح؛ إذ كان يخطط أن يذهب لأمه في الصباح الباكر، ويسقط في حضنها ويلجأ إليها، لكنه سمع آنية تقول إنها ماتت بالفعل البارحة. ظل نوح يركض وهو يصيح باكيًا، يعول على يأسه وتبرمه من كل مرة يريد فيها أن يرى أمه ولا يستطيع، ثقُل كاهله من الهم والغم حتى كادت تسقط عنقه من شدة الحمل المتين. كم يريد نوح العودة إلى أحبابه الذين يفقدهم كل مرة! هذه المرة هم أهله، فقد فقد غادة وإخوته جميعًا، ولا يعرف حتى الآن طريق العودة لهم.                           ********* قرابة الساعة الواحدة ظهرًا، كان نوح يسير بخطوات متثاقلة عرجة مجهدة وهو ينظر إلى كف يده وينظر لما كُتب عليها من قبل آنية، كان عنوانًا لمنزل ما في الإسكندرية، وتحتها جملة مؤلمة ثقُلت الغمَّة التي خنقته: <لو شوفت بنتي قولها إني بحبها> كان نوح يسير متقصدًا غادة، فقط يريد رؤيتها ويطمئن قلبه على وجودها في الحياة لا أكثر. وبعد ساعة من المشي، وصل نوح إلى الشارع الذي تسكن فيه. وفور وصوله إلى قرب البناية، وجد غادة، صاحبة التسع أعوام، تخرج من العمارة وهي تركض بمرح وحماس، وخلفها إبراهيم، وهو يقول ضاحكًا بإبتهاج مسرورًا من رؤية سعادتها: _تعالي هنا، متبعديش عني. اتسعت عينا نوح فجأة حين رأى إبراهيم أخيرًا، ومن عظمة دهشته لم يتحمل وصاح بصوت عالٍ: _إبراهيم!! انتفض إبراهيم وتوقف في مكانه وهو ممسك بيد أخته ليقترب نوح ويتقدم لهما بابتسامة عريضة مسرورًا بوجوده: _أ... أنت إبراهيم ابن مجدي صح؟ _أيوة، حضرتك مين؟ _ودي أختك غادة؟ _أيوة... أنت مين بقى؟ اعتدل نوح في وقفته ونبرة صوته لكي لا يظهر أنه غريب الأطوار، وقال بنبرة ثابتة وطبيعية: _أ... أنا كنت بشتغل مع والدك وكده... وكان بيحكيلي عنكوا كتير وبتاع، ومحتاج أقعد معاك أنت تحديدًا ضروري، أنا هستناك على القهوة اللي هناك دي، ولما ترجع نقعد سوا... تمام؟ قال إبراهيم في حيرة واستغراب طفيف: _تمام.... نظر نوح لغادة ولوح لها بيده لتلوح هي الأخرى بابتسامتها اللطيفة، ثم سارا كلاهما تاركين إياه، وجلس نوح في المقهى منتظرًا. وظل جالسًا يستكمل تفكيره المفرط في أمره. لماذا يريد أن يتحدث مع إبراهيم بالضبط؟ إن حذره ولن يسافر، هل سيعود إبراهيم لمستقبله الذي تركه نوح؟ أمسك نوح بجبهته من شدة الإجهاد الذهني والنفسي الذي خاضه في تلك الأيام، وبدأ اليأس يتغلغل في عقله رويدًا رويدًا ليزداد جنونه أكثر فأكثر. هل سيعود حقًا؟ هل كان هناك من الأساس لكي يعود؟ لقد وصل نوح إلى أسوأ مرحلة قد يصل فيها العقل البشري من الجنون والارتباك الوجودي الزمكاني. بعد ما يقارب الساعتين والنصف، عاد إبراهيم إليه وجلس معه. _اتفضل... قول إيه الحاجة الضرورية اللي عايز تتكلم معايا فيها؟ صمت نوح يفكر محاولًا إيضاح غرضه دون أن يظهر أنه مجنون: _إبراهيم، لو في حاجة عايز تعملها، زي إنك تهاجر مثلاً... بلاش تعملها. تنهد إبراهيم بضيق وهو يقول: _آه، هي امي بعتتك بقى عشان تمنعني؟ _لا أمي ولا أمك، إبراهيم، اللاجئين بيختفوا بشكل عجيب، وأنت ممكن تختفي زيهم. _يقولك إيه؟ أنا مستعد أموت عشان غادة، هي متستحقش المعاملة اللي أبويا وأمي بيعاملوها بيها دي. الراجل ده بيضيعنا وأنا مش عارف أنقذها. مفيش حل غير إنِّي أهاجر وأديهم الفلوس اللي تكفيهم وأعيشهم هنا. _إبراهيم أرجوك، متعملش كده،صدقني هتروح ومش هترجع. _يعني إيه هروح مش هرجع؟ أنت بتتنبأ بالمستقبل يعني ولا إيه؟ مش فاهم. _يا إبراهيم، افهم بالله عليك. هنا رن هاتف إبراهيم وكانت مكالمة من غادة، وبعدما فتح الخط، سمعها تطلبه أن يأتي بسرعة بسبب هروب أصدقائها منها. وهنا نهض إبراهيم وهو يقول لنوح: _أنا محتاج أمشي، شكرًا على التنبيه، بس أنا مش هسمع كلامك، يلا سلام. وذهب تاركًا إياه في يأسه الذي ثقل من غصته وهمّه. وهنا كان أمام نوح مهمة أخيرة قد تكون بعدها العودة... أو استمرار السير في الحلقات والدوائر من تشتته وتزيد من معاناته التي لا نهاية لها.                             ********* قرابة المغرب، وصل نوح إلى عمارته. وفور وصوله، وجد جابر في متجره بصحبة ابنته فرح، التي تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا. حين رآها، ظل يحدق فيها بعينين تفيض بالقهر الشديد، وحين رأته قالت مندهشة: _إيه ده؟ نوح رجع يا بابا! رفع نظره إلى نوح الذي كان واقفًا خارج المتجر، وتقدم بخطوات سريعة تظهر دهشته وسعادته بقدومه. _نوح، حمد الله على السلامة يا بني، البقاء والدوام لله يا حبيبي. معقول تسيب أمك وتسافر وتموت لوحدها؟ ده ينفع برضو؟ معقول شايف الفلوس أهم من عيلتك؟ ظل نوح يحملق فيه بعينين منهكتين، باردتين وساخرَتين، ثم نظر إلى فرح، وبعدها ارجع نظره إلى جابر وهو يقول: _أتمنى تظل على مبدئك ده يا عم جابر. أنا طالع بقى عن إذنك. تركه نوح ودخل إلى بنايته. وفور أن دخل المصعد، خطرت له فكرة أن يمر على شقة سردار ليرى إن كان له وجود بعد هروبه وقتل أمه. وصل نوح إلى الطابق، وتيبس مكانه فور أن رأى باب منزل سردار مفتوحًا جزئيًا. وبخطوات حذرة وبطيئة، تقدم نوح وفتح الباب ببطء يظهر صريره، دخل بتحرز وهو يلتفت ببصره في كل ركن بالشقة. كان تصميمها الهندسي تمامًا كشقته. لذلك، تلك الغرفة التي توازي غرفة أمه وجد بابها مفتوحًا. كان المنزل مكفهر يغوص في الظلام، فقط ما تبقى من أشعة شمس العصر الباهتة هي ما كانت تنير المكان، ولا توجد أي علامة على وجود أحدهم فيه. ظل يسير بحذر وخفة وببطء حتى وصل إلى تلك الغرفة، وفتح بابها برفق. لتتوالى الصدمات عليه كوابل من الأمطار الغزيرة. فتلك الغرفة هي نفسها غرفة الألعاب التي كان لطالما يحلم بها أثناء أحلام قوته. ماذا يعني ذلك؟ ماذا يعني ذلك؟ أمسك نوح رأسه بكفيه وهو يشد شعره. فقد ضاق بالأمر ذرعًا وطفح كيله من هذه الترابطات العجيبة المعقدة. من كثرة التفكير والإجهاد، شعر أن جسده سينهار فاقدًا للوعي بسبب إتلاف اعصابه من قبل المعاناة والغمة القاسية تلك. _مكنتش متوقع إن فيه ضيف هيجيلي. التفت نوح بانتفاضة قوية ليرى سردار جالسًا بين ظلام الصالة على إحدى كراسي الأريكة. جالسًا بكل برود ولا مبالاة، لا يظهر منه شيء سوى نظاراته التي تعكس الضوء الباهت. تقدم نوح إليه بحذر، ومشاعره متضاربة بين الصدمة، والسخط، والهلع، والحيرة، والاحتدام، والتشتت. فأمامه الرجل صاحب معاناته الحالية، والذي قتل ليلى وآنية وغيرهما بأمر منه. أمامه المجرم الذي لا يقل جحودًا عن أدهم داغر. قال نوح وهو يحدق فيه بعينين جاحظتين وهو عاقدًا حاجبيه بقوة: _إنت مش عارف إني أقدر أقتلك دلوقتي؟ قال سردار بصوته البارد: _لو إنت مقتنع إن اللي إنت فيه ده مش وهم... اتفضل، يلا اقتلني. _يعني إيه؟ يعني أنا في وهم، صح؟ رجعني منه! يلا رجعني منه! أكيد إنت السبب في إنك تخليني أعيش اللي بعيشه ده! سكت سردار برهة، ثم قال: _هو إنتوا مبتتحملوش مسؤولية مصايبكم خالص؟ لازم أنا أكون السبب في كل حاجة؟ على العموم، باب السطح مفتوح. ممكن ترجع لحياتك بنفس الطريقة اللي جيت بيها هنا. استوعب نوح فجأة، كيف غابت عن ذهنه تلك الفكرة. وبدون أي تردد، إندفع نوح راكضًا خارج صاعدًا إلى السطح لكي يلقي بنفسه منه ويعود لحياته كما كانت. نعم، بالتأكيد تلك هي طريق العودة ولا يوجد سواها. ها هو يصل إلى السطح ويصعد إلى سور البناية. يقف وهو يحدق للعالم من فوقه. وأخيرًا، سيلقي بجسده من فوق البناية كما تمنى منذ زمن. ولكن هذه المرة ليس لغرض الموت، بل لغرض العيش والنجاة. قدم نوح خطوته نحو الهواء ليهوى ويسقط. ولكن فجأة، أمسكه أحدهم مانعًا إياه، وجذبه بشدة، وسقطا معًا مرتطمين بأرض السطح بقوة. لينظر نوح في صدمة وحنق إلى الذي منعه، ليجده عمر. لا يعرف كيف أتى ومتى، ولكنه وثب بسرعة وهو يقول بانفعال قوي: _عمر، سيبني! أبوس إيدك، دي الطريقة الوحيدة اللي هترجعني للواقع! قال عمر وهو ممسك بنوح: _ نوح، اهدى يا نوح وتعالى معايا. _ لا، مش هاجي معاك، أوعى. هنا أتى حراس المستشفى، ما يقارب الأربعة رجال، وأمسكوه بقوة ليمنعوه من أي حركة متهورة، وهو يحاول أن يفلت منهم ويبعدهم، ولكن بلا فائدة. يصيح وهو يترجّاهم أن يتركوه ويقسم لهم أنه لن يموت. يحاول إقناعهم بحديث لا منطق له كالعادة. عاد نوح إلى المستشفى وطوال طريقه يصيح مترجّياً عمر أن يتركه يفعل ما كان يريد، وعمر يحاول تهدئته. كان عمر يشعر بالأسى لأنه سيستخدم طريقة العلاج تلك.. ولكنه مجبر. وصلوا إلى المستشفى وأدخلوا نوح غرفة جلسات الكهرباء. جعلوه ينام، وهو ما زال يصيح ويتفوه بأي شيء قد يأتي بباله. فقد انفجر نوح بشكل كامل من شدة الضغط والاحتدام والحسرة التي أصابوه في قلبه وروحه. وضعوا الجهاز على رأسه وبدأوا في تشغيل الكهرباء. كانت كهرباء تلك الجلسات ليست مؤذية إلى هذا الحد، ولكن لسبب ما كانت قوتها في ازدياد. كانت تزداد... . وتزداد... . وتزداد... . وتزداد... . ومن شدة قوتها وألمها الحارق غير المحتمل، فتح نوح عينيه وهو يصيح بعظمة اتلفت أحباله الصوتية من قوة صياحه. يشعر أنه معلق من يديه، والرؤية غير واضحة أمامه، ولكنه سمع أحدهم غير معلوم يقول بنبرة ساخرة: _أخيرًا، صحى!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة