١١١ بعد يومين من الأحداث الاخيرة. قرابة الساعة الرابعة فجرًا، استيقظ عمر على صوت رنين هاتفه، ليفتح عينيه المثقلتين بالنعاس، وهو مستلقٍ على سريره الواسع الذي لم يعد يشاركه فيه أحد منذ أن فقد شيماء. ذلك الفراغ بجانبه كان يذكره دائمًا بوجودها الغائب، وبالألفة التي انسحبت من حياته بصمت. مد يده نحو الهاتف بتثاقل، وألقى نظرة على الشاشة، فإذا بالاسم "سهام" يتلألأ أمامه في العتمة. ففتح الخط ورد بصوته الناعس: _أيوة يا سهام. _إيه يا عمر لسة مصحيتش؟ _مش قولتي هجيلك الساعة سبعة؟ الساعة أربعة دلوقتي... _ماشي قوم صلي الفجر وفوق كدة واجهز... ولا انت مبتصليش الفجر؟ ساد صمت قصير تملّكه ارتباك مفاجئ، قبل أن يتمتم متلعثمًا: _ل.. لا بصلي.. أنا بس راحت عليا نومة. _طب قوم يلا ولو تقدر تجيلي قبل ٧ تعالى. _حاضر. _يلا سلام. لكنه بادرها قبل أن تغلق الخط، بصوتٍ خافت فيه شيء من التردد: _بقولك... _أيوة. تردد عمر لحظة، كأنه يزن كلماته في خياله قبل أن يطلقها، ثم قال: _فكرة إني أصحى على صوتك لطيفة بصراحة... م.. مش قصدي اللي جه في دماغك.. قصدي فكرة إن حد يتصل بيا يصحيني عمومًا كده حاجة بتديني طاقة لليوم، مش زي شعور المنبة أبدًا... ف.. هيبقى عندك مانع تصحيني كل مرة كدة مثلاً؟ ساد صمت طويل هذه المرة، كأن كلماته وقعت في فضاء لا صدى له، ثم أتاه صوتها البارد المختصر: _سلام يا عمر. وأغلقت الخط.. فظل عمر يحدق في الشاشة لحظات قبل أن يضع الهاتف جانبًا، مستشعرًا بوخزة ندمٍ مباغتة.. يبدو أن الحديث بعد الاستيقاظ ليس خيارًا حكيمًا على الإطلاق. نهض عمر من سريره، ثم توجه إلى حمام غرفته، اغتسل بماء بارد أعاد إلى جسده جزءًا من يقظته، ثم صلى الفجر بخشوعٍ متقطع، وبعد أن انتهى، شرع في تجهيز حقيبته للسفر، يطوي ثيابه بتركيزٍ مصطنع يحاول به دفع الأفكار جانبًا. وفجأة.. توقفت أصابعه في الهواء. سكون غريب ارتسم حوله، قبل أن يخترقه صوت حركة خافتة في الخارج. تجمد عمر في مكانه، وترك لأذنيه وحدهما مهمة التحقق.. وقع خطوات واضحة، وصوت ملعقة تضرب في صحن زجاجي، وتلفاز يعمل بصوت منخفض. لم يخِله إذًا... ثمة أحد في بيته. انحنى ببطء ومد يده تحت وسادته، حيث اعتاد أن يخفي مسدسه. قبض عليه بقوة، وخرج بخطوات محسوبة، حذرة، يتلفت في كل زاوية كالذي يعيش في حياة برية حين يشعر بالخطر قريبًا منه.. ظل يسير بين سكون ظلمه البيت وما إن بلغ حدود الصالة حتى وجد أحدهم جالسًا أمام التلفاز، يتناول فطورًا تتصاعد رائحته الدافئة من جهة المطبخ، في دلالة على أنه أُعدّ منذ لحظات. تقدم عمر نحو الصالة بحذرٍ مشدود، رافعًا يده وهو يصوب المسدس نحو الجالس هناك، ولكن صدمته ثقلت ذراعه شيئًا فشيئًا، فبدأت يده تهبط ببطء مع انكشاف ملامح من أمامه، وصدمة التعرف تكتمل في عينيه تدريجيًا... كان أدهم... جالسًا بملابس السجن بكل بساطة في صالته. التفت أدهم إلى عمر بابتسامة عريضة، وقال: _صباح الخير يا حبيبي.. عملتلك فطار عشان تسافر وانت فايق كده. وقف عمر جامدًا، يحدق في وجهه بعينين ثقيلتي الجفن، ممتعضًا إلى حد فقد الكلام، بينما ظل أدهم يبتسم بتلقائية كأن المنزل ملكه وحده. _يلا الحق افطر قبل ما الأكل يبرد. خطا عمر ببطء وتقاعس في رمق طويل، جلس أمامه، وظل يحملق فيه دون أن يطرف، حتى انفرج فمه بصعوبة وسأل: _انت هنا من امتى؟ أجاب أدهم بلا استحياء، كأن حضوره أمر بديهي: _قبل ما حبيبتك تصحيك. أومأ عمر برأسه.. ثم صمت مدة قصيرة قطعها أدهم بنبرة تبدو ساخرة: _هتروح لأهلك تعملهم إيه بقى؟ رد عمر ببرود رغم صوته المحمّل بمرارة متفلتة: _مش هعملهم حاجة... هعملهم إيه يعني؟ عقد أدهم حاجبيه بحركة بسيطة، ثم وضع الصحن على الطاولة واعتدل في جلسته، وهو يقول: _مش هتعملهم حاجة؟ أومال رايح ليه؟ الثيرابيست بتاعك قالك واجه مخاوفك ولا حاجة؟ تنهد عمر تنهدة حادة، بنفاد الصبر يختصر كلماته في جملة واحدة قال: _خلاص يا أدهم، هجيب رشاش وأموتهم كلهم متشغلش بالك، انت هتمشي امتى بقى؟ رد أدهم بلا مبالاة تامة، كمن يرد على سؤال تافه: _امشي؟ _اه! ساد الصمت برهة، وأدهم يحدق في عمر مبتسمًا، بعينين تشعان بخليطٍ من الخبث والإعجاب. ثم نهض بخطواتٍ بطيئة، وجلس بجانب عمر على الأريكة، متأمله بتمعنٍ.. ثم وقال بنبرةٍ تحمل في عمقها شيئًا من العتاب المتهكم: _يعني مفيش عامل إيه يا أدهم؟ مفيش عامل إيه في السجن؟ مفيش طلعت إزاي وجيت إزاي؟ مفيش شكرًا؟ مفيش أي حاجة كدة؟ ظل عمر جالسًا في موضعه بثباتٍ جاف، لا ينظر إليه ولا يبتعد عنه، ثم أجاب بهدوءٍ مستنزف: _صدقني كل الأسئلة دي مش مهتم أعرف اجابتهم... ولو عالفطار فشكرًا يا أدهم يلا امشي. ابتسم أدهم بخفوتٍ وقال بنبرةٍ هادئة: _أنا مش عايزك تشكرني على الفطار. رفع عمر نظره إليه وهو يقول متهكمًا: _اومال عايزني أشكرك على ايه؟ على إنك سجنت نفسك عشاني يعني التضحية وكدة؟ هز أدهم رأسه نافيًا بابتسامةٍ صغيرةٍ غامضة، وقال: _هو انت ونوح لسة متخاصمين؟ أشاح عمر بوجهه بضيقٍ ظاهر وهو يقول بنفاد صبر: _أدهم أنا مستعجل.. لو معندكش حاجة تقولها ومش عايز تمشي فهقوم أنا واسيبك. سكت أدهم لحظة، يراقبه بابتسامته بتلك التي تُفصح عن نواياها، ثم قال ببطءٍ متعمد: _تشكرني عشان أنا انقذت حاجة تخصك... وهي عند نوح دلوقتي.. ظل عمر في مكانه، ثباته ظاهري فقط، لكن عينيه فقدتا بعضًا من جمودهما، وبدت في نظراته رعشةٌ خافتة من التوجس، حاول إخفاءها خلف صمته المعتاد. لم يبدُ على وجهه أي تعبيرٍ سوى فراغٍ متماسك، بينما في داخله تدور دوائر من الحيرة والرهبة، تحبس أنفاسه وتضيق صدره تجعل رئتيه تتقفقف. أما أدهم، فظل يتأمله بنظرةٍ متلصصةٍ فاضحة، شهوانية الملمح، فأستغل ثبات عمر ثم اقترب منه أكثر حتى غدا بينهما خيط واحد من الهواء، ثم مال برأسه نحو عنقه دون أن يلمسه، واستنشق رائحته بعمقٍ طويلٍ مُربك. عندها نهض عمر فجأة، ليخلص نفسه منه، وقال بحدةٍ مقتضبةٍ ليقطع هذا العبث: _أنا مش فاضيلك أنا هقوم أشوف اللي ورايا. التقط أدهم الصحن من الطاولة وأكمل أكله، قائلاً ببرود: _تمام أنا كدة كدة قاعد شوية، بس كنت عايزك تقعد شوية يعني نتكلم عاللي هتعمله لما تسافر لأهلك.. لم يعر عمر اهتمامًا يُذكر لكلمات أدهم، وسار متجهًا نحو غرفته ليبدل ملابسه، لكن صوت أدهم لحقه وهو يقول: _أنا من رأيي تروحلهم وتعمل نفسك راجل أجنبي.. لأنهم مية في المية مش هيفتكروك.. ولما تعمل نفسك أجنبي وقتها هيبقا عندك فرص كتير إنك تعمل فيهم أي حاجة انت عايزها، ما انت عارف بقا الشعب دا بيقدس الأجانب إزاي. توقف عمر عن السير، والتفت إليه ببرود صلب، نظرة لا تحمل أي وعد ولا اعتراض، مجرد فراغ مُتعب يحدق في وجه الطاغي الذي يجلس في صالته كأنه مالك المكان. بادله أدهم النظرات بثقة مريبة، قبل أن يكرر كلماته ببطء: _متعديش السفرية دي إلا وانت عامل حاجة... لازم تعمل حاجة يا عمر.. لازم. ظل عمر ينظر إليه قليلًا، عينان زجاجيتان لا تنطقان بشيء، ثم استدار من جديد ودخل غرفته دون أن يمنحه حرفًا واحدًا. بدأ بتبديل ثيابه بهدوء ثقيل، استعدادًا لمغادرة البيت. أما أدهم، فلم يمكث ساكنًا طويلًا؛ ركن الصحن جانبًا، ونهض بدوره بخطوات بطيئة محملة بالفضول المظلم الذي يسكن طبعه، ذاك الطبع المنحرف الذي لا يكف عن العبث، واقترب من باب الغرفة، يتلمس أي فتحة فيها، أي زاوية صغيرة تمنحه رؤية خفية، ليطل منها على عمر وهو يخلع ملابسه... ************ في الوقت ذاته، كانت سهام في غرفة الأطفال، قد انتهت لتوها من إرضاع أحد الصغار الذين تكفلهم من بين اثنان، بينما تجلس إلى جوارها خادمتها هدير التي تعمل مرضعة لهم ايضًا. كانت الغرفة يلفها دفء الأجساد الصغيرة، وصوت أنفاسهم المنتظمة يملأ المكان بسكونٍ حنون، فقطعته هدير بصوتها المتعب وهي تقول: _خلاص بقا يا مدام، سيبيلي أنا البيت وقومي اجهزي عشان متتأخريش، دا انتِ أكلّتي الكلاب والقطط وعيالك، أومال سايباني أنا أعمل إيه؟ ضحكت سهام بخفوت، في تلك الضحكة التي تحمل مزيجًا من الإرهاق والود، ثم قالت: _أصل أنا هغيب يا هدير كام يوم، فقولت أشيل عنك شيلة كده بالمرة وأنا موجودة في البيت. اختفت ابتسامة هدير شيئًا فشيئًا، وحل محلها قلق خافت ارتسم على وجهها، ثم قالت ببطء وقد خيم على ملامحها ظل اضطرابٍ صادق: _هتقعدي كام يوم هناك؟ _آه. ساد الصمت لحظةً قصيرة، شعرت فيها سهام بالتحول في نبرة هدير، ذلك الامتعاض الخفي الذي فضحه ارتباكها، فأودعت الطفل فراشه برفقٍ، واقتربت منها بخطوات هادئة، وقالت بصوتٍ مطمئن: _معلش.. هزودلك مرتبك. أجابت هدير بسرعة وبصدقٍ بدت ملامحه على قسماتها: _لا يا مدام، مش عشان كده والله، أعوذ بالله، انتِ خيرك مغرقني، أنا بس... مش حاباكي تقعدي هناك كتير.. انتِ كل ما بترجعي من عندهم حالتك بتبقا وحشة. ابتسمت سهام ابتسامة غامضة خفيفة، كمن تخفي يقينًا ما، ثم قالت: _عندي إحساس إن المرة دي هتكون أحسن من اللي قبلها. ابتسمت هدير هي الأخرى ابتسامة واهنة، تنمّ عن عدم تصديقها لما قالته سهام، ثم مضت الأخيرة خارج الغرفة بخطوات هادئة واتجهت إلى غرفتها لتبدل ملابسها. وما إن فتحت الباب حتى وقعت عيناها على ابنها المكفول الآخر، "أنس"، ذلك الطفل ذو الأعوام الستة والمصاب بمتلازمة داون وكان ممسكًا بهاتفها. ارتسمت على وجه سهام ابتسامة عريضة بحنانٍ غامر، وتقدمت نحوه وهي تقول برقةٍ أمومية: _إيه يا أنس يا حبيبي.. مش قولنا منمسكش موبايل ماما من غير استئذانها؟ رفع أنس عينيه البريئتان إليها بنظرة تنضح بالصفاء، وقال ببساطةٍ مدهشة: _عمو... عمر. نظرت سهام إلى الهاتف الذي كان بين يديه، فإذا بصورة عمر تملأ الشاشة في الصفحة التي فتحها. أخذت الهاتف منه بلطف، وخرجت من الصفحة لتجد أن مصدرها رسالة واردة من بنك الجينات، حيث كانت قد أرسلت لهم منذ فترة عينة تحليل الحمض النووي الخاص بحبيبة. فقد كانت سهام، على عادتها الدؤوبة في التنظيم والحرص، ترسل عينات الحمض النووي لكل طفلٍ تكفله إلى بنك الجينات، لتتعرف على هوية والديه الحقيقيين في حال استدعت الظروف يومًا التواصل معهم لأي سببٍ كان. ويبدو أن سهام، هذه المرة، قد أخذت العينة من حبيبة خلسةً، من لعابها الذي مسكته بمنديل، دون علم غادة أو نوح. فتحت سهام الرابط مجددًا، وعيناها تتنقلان بين الأسطر والأرقام والرموز الوراثية، حتى توقفت أنفاسها للحظةٍ حين ظهرت أمامها صورة عمر ضمن نتائج التطابق، وإلى جواره صورة شيماء. كانت النتيجة قاطعةً، صارخةً في وضوحها.. أن هما الوالدان البيولوجيان لحبيبة. ظلت سهام تحدق في النتائج بصدمةٍ صامتة، نظراتها ثابتة، فيما كانت شاشة الهاتف تعكس ملامح وجهها المتجهمة في ضوءٍ خافتٍ بارد. استنشقت نفسًا عميقًا، محاولةً أن تهيئ نفسها لما هو قادم، وأن تجمع شتات أفكارها لتفكر في الطريقة التي ستسرد بها هذا الأمر لعمر. ثم التفتت نحو أنس، وارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، قبل أن تمد يدها نحوه قائلة برقةٍ: _يلا يا حبيبي ننزل نقعد مع إخواتك تحت عشان تستنوا عمر؟ أمسكت بيده الصغيرة، وهبطت معه الدرج إلى الطابق الأرضي، حيث كان مشهد الدفء العائلي يملأ المكان. هناك، كان ابنها البيولوجي زين، من طليقها السابق، يلعب مع آية، أخته بالرضاعة والتي كفلتها سهام أيضًا، والبالغة من العمر ثمانية أعوام كزين تمامًا. وإلى جانبهما فاطمة، الطفلة المكفولة المصابة بمتلازمة داون، ذات الأعوام التسعة، تجلس تضحك بصوتٍ عذب وهي تلاعب إحدى القطط الأربعة التي تربيهم سهام في منزلها كأفرادٍ من عائلتها. حين نزلت سهام مع أنس، لمحها خالها كمال، مدير أعمالها الذي يعيش معها في البيت ويعتني بشؤونها منذ سنوات، فتقدم نحوها بنبرةٍ تجمع بين العتاب والدهشة وهو يقول: _إيه يا بنتي، انتِ لسه ملبستيش؟ تركت سهام يد أنس برفق، وتركته ينضم إلى إخوته، ثم التفتت إلى خالها، وقد غلب على ملامحها سكونٌ جادّ، وقالت بصوتٍ هادئٍ لا يخلو من التوتر: _تحاليل حبيبة وصلتلي. تنهد كمال ثم قال بنبرةٍ فيها ضيق أبوي مألوف: _برضو يا سهام بتعملي موضوع التحليل دا؟ ما دام انتِ كفلتي العيال، لازمتها إيه تعرفي أهلهم؟ ردت سهام بجمودٍ يشفّ عن ثقل المفاجأة التي لم تهضمها بعد: _لازمتها إني عرفت أبو حبيبة يا خالو... أبوها هو عمر. عمر لما ماتت مراته، مماتتش معاه بنته.. بنته اتخطفت، وبقت مع نوح في الآخر. ساد الصمت لحظةً ثقيلة، بدا فيها كمال مأخوذًا بالذهول، وقد عقد حاجبيه في دهشةٍ عميقة لم يتوقعها أبدًا. بقي واقفًا محدقًا في وجهها دون كلمة، بينما تابعت هي بصوتٍ متماسكٍ يختبئ خلفه اضطراب داخلي واضح: _لازم أقول لعمر لما ييجي.. قال كمال أخيرًا بعد لحظة تفكيرٍ قصير، محاولًا احتواء الموقف: _طب اطلعي البسي الأول قبل ما ييجي، ونبقى نشوف الموضوع دا. وبعد مرور نصف ساعة، وصل عمر إلى فيلا سهام، وقد استرعى انتباهه مشهد غير مألوف أمام البوابة: ثلاث شاحنات نقل مصطفة على الطريق، وعدد من العمّال يقفون في انتظارٍ صامتٍ كأنهم ينتظرون إشارة البدء. ألقى عليهم نظرةً عابرة دون أن يتوقف، ثم تابع قيادته بالسيارة نحو الفيلا حتى توقف وارتجل. سار وما إن تجاوز البوابة الحديدية حتى باغتته ثلاثة كلاب من حديقة المنزل، تقدموا نحوه بحذرٍ واستطلاع، فوقف عمر في مكانه بثباتٍ هادئ، ناظرًا إليهم بعينٍ مطمئنة، ثم انحنى قليلًا يربت على أحدهم وهو يقول بنبرةٍ دافئةٍ مرحة: _متخافوش، أنا صاحب العيلة.. أكيد حكتلكم عني، متخافوش. وما إن شموه حتى تغيرت حالتهم على الفور، أخذوا يلوحون بذيولهم بحماسٍ وودٍّ واضح، يدورون حوله كأنهم يستقبلون صديقًا قديمًا طال غيابه. ضحك عمر بخفة، وأكمل طريقه نحو الباب الرئيسي، حيث كبس زر الجرس. لم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب، فظهر كمال، خال سهام، ينظر إليه بدهشةٍ امتزجت بابتسامةٍ عريضة، وقال مدهوشًا من تغير شكل عمر بين الماضي والحاضر: _ضياء؟ _إزيك حضرتك يا أستاذ كمال؟ ضحك كمال بودٍ صادق، ومد يده مرحبًا وهو يدخله بحفاوةٍ إلى داخل الفيلا. دخل عمر الصالة الواسعة، ليجد أربعة أطفالٍ يجلسون هناك، وما إن وقعت أعينهم عليه حتى انتبهوا جميعًا، فابتسم كمال وهو يقول بصوته الجهوري الدافئ: _تعالوا سلموا على عمكم عمر يا ولاد. نهض الأطفال سريعًا وتقدموا نحوه بفضولٍ طفوليٍ جميل، فسارعت الابتسامة لتستقر على وجه عمر وهو ينحني قليلًا لمستواهم، يصافحهم واحدًا تلو الآخر لا يقانهم ولا يقبلهم، مُبادلًا حماسهم بلطفٍ ودفءٍ ظاهرين، وقد لاحظ من لهفتهم أن سهام كانت تذكره كثيرًا أمامهم. وفي أثناء ذلك، نزلت سهام من الدرج بخطواتٍ رزينةٍ بعد أن أتمت ارتداء ملابسها وحجابها، وحملت حقيبتها استعدادًا للخروج. رفع عمر رأسه نحوها، فابتسم لها، فردت ابتسامته بابتسامةٍ خافتةٍ وودية، ثم تقدمت نحوه لتسلم علين وتبدأ في تعريفه بالأطفال واحدًا تلو الآخر، حتى انتهت قائلة: _وفيه فاطمة ويوسف فوق، لسه بيبيز بيرضعوا. _ما شاء الله. ثم أشارت إلى القطط الأربعة التي كانت تسرح في الصالة، قبل أن تدله على الكلاب الثلاثة في الخارج، فقهقه كمال وقال وهو يلتفت إلى عمر ضاحكًا: _شوفت بقى يا عمر؟ أهي دي سهام، ما تسيبش كائن إلا لما تاخده في حضنها وتهتم بيه! ثم اقترب كمال من عمر، وربت على كتفه وهو يبتسم بمزاحٍ خفيفٍ قائلاً: _لا، بس أنا أول ما شوفته ما صدقتش يا سهام إن دا ضياء! ما شاء الله، كِبر وبقى طول بعرض، وعضلات، ووشه ولا وش الممثلين الأجانب! فعلا ضياء حاجة وعمر حاجة تانية خالص. انتِ لازم تتجوزيه بجد، عشان تحسني النسل بقى! انفجر كمال ضاحكًا على نُكتته، بينما اكتفى عمر بابتسامةٍ خفيفةٍ، وبدت على سهام ابتسامة صغيرة على استحياءٍ لم تلبث أن اختفت سريعًا. عندها قال عمر بنبرةٍ هادئة: _سهام، استأذنك، محتاجك في موضوع قبل ما نسافر. _وأنا كمان.. تعالى نتكلم برا. خرجا كلاهما إلى الحديقة، ووقف عمر أمام سهام، وقد همّ بأن يسألها عن مقصد أدهم، وما الذي يمتلكه نوح ويخصّه، ولكن سبقته سهام بخطوةٍ من الكلمات، قائلة بنبرةٍ هادئةٍ تتخللها جدّية ثقيلة: _أنا في موضوع مهم عايزة أقولكهولك.. أنا متأكدة إنك هتستقبله بثبات، لأنك واجهت أصعب من كده. ظل عمر واقفًا بثبات، ثم قال بهدوءٍ حذر: _قولي يا سهام، متقلقيش. أخذت سهام نفسًا عميقًا، ورفعت بصرها نحوه، ثم قالت بنبرةٍ متزنةٍ يغلفها الوعي بما ستفعله كلماتها: _أنا عندي عادة إني بعمل تحليل DNA لأي طفل بكفله.. وحبيبة.. اللي كنت هكفلها، مسحت بقها بمنديل، ومنه حللت الDNA بتاعها. ظل عمر يحدق فيها بصمتٍ متيقظ، نظراته تتصلب شيئًا فشيئًا كمن بدأ يترجم مقصد أدهم تدريجيًا في ذهنه، يدرك ما تؤول إليه كلماتها دون أن تكتمل بعد. عندها، أخرجت سهام هاتفها، واعطته إياه وهي بنبرةٍ خافتةٍ مشوبةٍ بثقل المعنى: _نتيجة التحليل طلعتلي امبارح بالليل، ولسه شايفاها دلوقتي... وهي دي النتيجة. أعطته سهام الهاتف.. وبيدٍ بالكاد تخفي ارتجافها امسكه عمر بصمتٍ ثقيل، ودقات قلبه السريعة العالية كالطبول تكاد تسمعها سهام. بدأ يقرأ ببطءٍ ما كتب أمامه، وسارت عيناه بين الأرقام والنسب والصور، حتى توقفتا عند صورته وصورة شيماء الحكومية، وإلى جانبهما نتيجة التطابق مع حبيبة. هناك، في تلك اللحظة، انكشفت الحقيقة التي راودت ذهنه منذ دقائق كوميضٍ خافتٍ خافٍ، فإذا بها الآن تتجلى أمامه صريحةً قاطعةً.. هو والد حبيبة. الطفل الذي ظنه ولدًا ميتًا متحللًا في قبرٍ بعيد، لم يكن إلا ابنةً حيّة، تنبض في أحضان صديقه السابق، في حضن العائلة ذاتها التي قرر يومًا أن يبتعد عن شرّها إلى الأبد. شيماء... التي ظن أنه فقد كل شيءٍ يمتّ إليها بصلة، كل شيءٍ من رائحتها وصوتها وظلها، ها هي تترك له أثرًا خالدًا، جزءًا من لحمها ودمها، من ريحها التي يعرفها قلبه قبل أنفاسه. تترك له ابنةً تحمل ملامحها لتُثبت أن بقاءها لا يُمحى، وأنها، وإن غابت، لن تزول من حياته أبدًا. وقف عمر متجمدًا، لا يعرف ما الذي ينبغي أن تكون عليه ردة فعله الآن. لم يجد في داخله سوى دوامةٍ صامتةٍ من الصدمة والارتجاف الداخلي الذي تسببه ضربات قلبه القوية وانفاسه السريعة، بينما ذهنه يعيد شريط الأحداث كله، قطعةً قطعة، كأن الحياة تعيد ترتيب مآسيها أمامه. أدهم هو من أنقذ ابنته... ثم سلمها إلى نوح.. وهو، عمر، ظل يعيش معذبًا بالوحدة، ممزقًا بخسارةٍ ظنها مطلقة، في حين كانت ابنته بين أيدٍ أخرى، تنمو وتضحك وتُرعى دون أن يعرفها. أيعلم نوح أنها ابنته؟..أهذا يهم حقًا؟ لم يعد شيء من ذلك ذا أهمية، فكل ما يهم الآن، كل ما استحوذ على روحه واشتعل في صدره كوهجٍ طاهرٍ مفاجئ، هو أنه يملك ابنة من ريح شيماء، وهي حية. شعر عمر أن الوقوف قد صار عبئًا لا يُحتمل، كأن كاهليه قد ثقلوا بثقل الحقيقة التي هوت عليه دفعةً واحدة، فجلس على أقرب كرسيٍ في صمتٍ مطبق، وقد أعاد الهاتف إلى سهام دون أن ينبس بكلمة. وظلت هي واقفة تراقبه في سكونٍ حذر، ملامحها بين الترقب والرهبة، كأنها تخشى أن يتشظّى أمامها من وقع الصدمة. وبينما كانت تحدق فيه، رأته فجأةً يرفع رأسه قليلًا، ثم يأخذ شهيقًا عميقًا طويلًا، شهقةً أربكتها. لم تكن شهقة غريقٍ نجا من الغرق، بل كانت شهقة إنسانٍ عائدٍ إلى الحياة بعد مواتٍ طويل. بيديه ظل يحك عينين ثم فتحها، وهو يلهث في بطءٍ كمن يتعلم التنفس من جديد، يملأ صدره بأكبر قدرٍ من الهواء، كأن كل خليةٍ فيه تستعيد وعيها. ارتبكت سهام وتقدمت نحوه بخطواتٍ مترددة، وقالت بصوتٍ يقطر قلقًا: _عمر، إنت كويس؟ محتاج أطلبلك الإسعاف؟ هز رأسه نافيًا، وارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة مفعمة بالسكينة، ثم قال بصوتٍ واهنٍ تتهدج نبراته بالعجب والامتنان: _لا.. لا متقلقيش، أنا بس... أول مرة... أول مرة أحس إني بتنفس بجد. صمتت سهام، وقد تجمدت الكلمات في حلقها، فيما بدأ عمر ينظر حوله ببطءٍ كمن يكتشف العالم لأول مرة.. إلى الخضرة الممتدة أمامه، إلى السماء المتسعة الصافية فوقه. رفع يده ببطءٍ نحو ضوء الشمس المتسلل بين الأغصان، يتلمس دفأه بأنامله كأنه يختبر حقيقته، ورويدًا رويدًا تمددت ابتسامته حتى غمرت وجهه بأكمله، وقال بصوتٍ مفعمٍ بدهشةٍ هادئة: _أنا بقيت بشوف الألوان... بقيت بحس بالشمس... وبقيت بشم ريحة الهوا... أنا مكنتش أتوقع إني هرجع أحس بالحياة من تاني أبدًا. ابتسمت سهام، وهي تتفهم مقصده جيدًا.. إذ أدركت أن ما حدث لعمر لم يكن مجرد لحظة انفعال أو نوبة شعورية عابرة، بل يقظة روحٍ غابت طويلًا تحت رماد الفقد. لم يكن عمر يومًا عاجزًا عن رؤية الألوان، لكنه كان يمر بينها كالأعمى الذي يعرف أسماءها ولا يعرف معناها. لم يكن غريبًا عن دفء الشمس، لكنه كان يتلقى حرارتها كمن يتلقى عقابًا لا دفئًا.. كان يعيش في عالمٍ يُرى بعينٍ مطفأةٍ وبقلبٍ لا يضخ إلا الوجع. وفي اللحظة التي قرأ فيها الحقيقة، تلك الجملة البسيطة التي غيرت كل شيء، انفتق داخله ما يشبه الانفجار؛ أدرك أن في مكانٍ ما من هذا الكون تعيش ابنته، ثمرة شيماء، ظلها الباقي في العالم بعد أن غابت هي. في تلك اللحظة رأى عمر العالم يتبدل لونه، رأى السماء أكثر زرقة، والهواء أكثر طُهرًا، والضوء أكثر نعومة. شعر أن صدره يتسع لما لم يعد يتسع له منذ زمن؛ للحياة، للدهشة، للدموع التي أصبحت أخفّ وطأة. كان كمن خرج لتوّه من قبره، يتلمس الضوء بيده المرتعشة، ويستعيد وعيه بالحياة بعد طول سبات. أخيرًا... عاد إلى عمر شعور أن يكون إنسان حي بحق. مسح عمر دموعه الهادئة بكفه المرتجف، محاولًا أن يثبت صوته الذي خانته الرهبة وهو يقول بنبرةٍ واهنةٍ يكسوها ثقل الإدراك: _نوح عارف بدا؟ قالت سهام بصدقٍ يشفّ عن حيرتها وصدق نيتها: _الحقيقة معرفش.. بس لو هو عارف.. ولو هو عارف إني بتواصل معاك.. أكيد كان ادهالي عشان اديهالك.. لأنه أكيد مش هيحب ياخد بنت من حضن أبوها. أومأ عمر برأسه في صمتٍ، ثم نهض ببطءٍ، وقد بدا عليه مزيج غريب من الثبات والاضطراب، وقال: _تمام.. خلينا دلوقتي نروح سفريتنا، ولما نرجع بإذن الله نشوف الموضوع دا. _لو حابب اتواصل معاه و... قاطعها عمر على الفور بنبرةٍ هادئةٍ تحمل يقينًا خفيًّا: _لا لا، خليها... خليها دلوقتي، أنا متطمن وهي معاه، أنا بس محتاج اسافر السفرية دي. نظرت إليه سهام في قلقٍ حذر وهي تقول: _محتاج؟ عمر انت هتعمل حاجة؟ فابتسم ابتسامة غامضة، تلك الابتسامة التي تشبه بابتسامة أدهم حين يُخفي وراء هدوءت نيةً عظيمة، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل وعدًا بشيءٍ قادم: _هبقا أفهمك في الطريق. وفي تلك اللحظة، بدا كأن شيئًا في ملامحه تغير؛ لم يعد عمر الأب المكلوم ولا الرجل الذي أرهقه الحزن، بل شخص آخر استعاد غايته ووجهته... *********** صوت طرقٍ على الباب.. بسببه فتحت هند جفونها وهي تشهق مفزوعة، كأن الطرق طبول قرعت في رأسها بعنف. في نبراس، في غرفة هند الواقعة ضمن قسم النساء ذوات الحالات الحساسة والخاصة، دوّى الصوت كصفعةٍ أيقظت صمت المكان. _هند.. أنا تقى.. أنا هدخل ومعايا فطارك.. تمام؟ كانت هند ممددةً على الأرض كجثةٍ أنهكها الوجود، اعينها مفتوحتان بنشاطٍ غريبٍ يُناقض مظهرها الميت، كأنها لم تعرف النوم أصلًا، ولم يزرها النعاس منذ دهر. كانت الممرضة تعلم أن عليها أن تنبهها قبل الدخول، فقد صار فتحُ الباب المباغت كفيلًا بأن يُفجر في هند نوبة هلعٍ كاملة؛ فبات كل شيءٍ حولها سببًا للذعر، وكل شيءٍ تتجنبه لأنه يذكرها بما كانت عليه.. بما لم تعد قادرةً على احتماله. دخلت الممرضة بهدوءٍ، تتقدم بخطواتٍ محسوبةٍ كي لا تُحدث في الغرفة ارتجافًا جديدًا، فرأت هند ممددة على الأرض كما لو الأرض قد ابتلعتها من فرط استسلامها. ارتسمت ابتسامة هادئة على وجه الممرضة، وضعت صينية الفطور على المنضدة القريبة، ثم اقتربت منها بحذرٍ ولطفٍ قائلة: _ينفع تقومي عشان تفطري؟ ظلت هند تحدق فيها بعينين خاليتين من البريق، والممرضة واقفة بصبرٍ جمٍّ، لا تبدي استعجالًا ولا تُفكر في امساكها لتساعدها على الوقوف؛ فهي تعلم أن ابسط لمسة قد تُفجر في هند رعبًا لا يطاق. وبعد لحظاتٍ من التيه، بدأ عقلها بستوعب الأمر بعد عناء، نهضت ببطءٍ ووهنٍ شديدين، واتجهت إلى الطاولة لتجلس. جلست تقى إلى جوارها قائلةً بنبرةٍ ودودةٍ لا تخلو من الحذر: _الأخصائية ساعدتك إنك تنامي على السرير المرة اللي فاتت... منمتيش ليه عليه؟ قالت هند وبدأت تلقائيًا تمزج اللهجة المصرية بلغتها التونسية بصوتٍ ميتٍ، واهنٍ كأنه يخرج من جوفٍ خاوٍ: _عايزين ترقدوني عليه باش تجيبوا رجالة يغتصبوني... _انتِ عارفة إن مفيش رجالة هنا صح؟ _لا، ثمّة... بسمع في صوتهم برا البناية. ساد الصمت.. ونظرت الممرضة إلى ذراع هند فرأت على جلدها آثار سلخٍ حديثة، فهزت رأسها بأسى وقالت: _حاولتي تسلخي نفسك تاني؟ أمسكت هند بالشطيرة، ورفعتها بجمودٍ إلى فمها قائلةً بنبرةٍ خاليةٍ من الحياة: _جلدي ولى ثقيل على لحمي... ما عادش اتحمل الإحساس متاعه... احس بيه يضيق عليا كل يوم على لحمي وعظمي. سكتت الممرضة، وظل الصمت معلقًا بينهما.. حتى فتحت هند فمها لتأخذ قضمةً من الشطيرة، لكنها سرعان ما أغلقت فمها وأبعدتها عنها، إذ باغتتها ذكرى مقززة، تعيدها إلى أساليبٍ جنسية كانوا يُرغمونها عليها عنوة. وضعت الشطيرة على الصحن بخفوت، فعرفت الممرضة على الفور أن هند لن تقدر على تناول الطعام بهذه الطريقة، فقالت بلطفٍ متردد: _تحبي أقطعهولك حتت صغيرة وتاكليه؟ حركت هند رأسها نافية، بعينين مطفأتين، فقالت الممرضة محاولةً التماس سبيلٍ آخر: _طب اشربي العصير طيب على الأقل... ما إن سمعت هند أسلوب الأمر هذا وتلك الكلمة تحديدا حتى ارتجف جسدها ارتجافًا خفيفًا، غير إرادي، كأن الذكرى سرت في عروقها دفعةً واحدة. ارتعش كتفها ثم نهضت في صمتٍ مفاجئٍ قائلةً بنبرةٍ مرتجفةٍ متماسكة في ظاهرها: _ينفع تخليني وحدي شوية؟ _هند.. ممكن تقعدي تاكلي؟ أنا معاكي وبحاول أساعدك أهو، لازم تاكلي كويس عشان النهارده هتتكلمي مع الدكتورة. رفعت هند وجهها فجأة، وعلت نبرتها بنفاد صبرٍ وامتعاضٍ مكتوم: _أتكلم مع الدكتورة، أتكلم مع الدكتورة، أنا ليا شهرين نحكي معاها ومفيش حاجة بتتغير فيا! قالت الممرضة في محاولةٍ لاحتواء انفعالها: _عشان انتِ مش بتساعديها تساعدك يا هند... انتِ بترفضي كل حاجة بنقترحها عليكي، انتِ لازم تثقي فينا ويبقى عندك الرغبة إنك تبقي أحسن. صمتت هند لحظة، تنفست باضطرابٍ متسارع، ثم قالت على عجالةٍ وكأنها تهرب من شيءٍ في داخلها: _طيب خلاص، وديني لها تاو، أنا مش هاكل... خليني نمشي لها تاو. كانت حالة هند، ومن مثلها من الناجيات من شبكات الدعارة والاتجار الجنسي، من أشد الحالات تعقيدًا التي شهدتها مؤسسات نبراس. خلال الشهرين الأولين، انعزلت هند ومن هنّ في حالتها عن رؤية سائر الناجين والناجيات، كأن بينهن وبين العالم حائطًا من الزجاج المعتم. كانت هند ترفض النوم على السرير، إذ كان ملمسه وحده كفيلًا بإعادة سيلٍ من الذكريات البشعة إلى ذاكرتها. ذلك السرير، الذي كانت تنطلق عليه فصول الانتهاك وتنتهي على الأرض، صار في وعيها رمزًا للذل، بينما باتت الأرض ملاذًا أخيرًا، إذ عندها كان الألم يبلغ نهايته. ولهذا كانت تميل للنوم عليها، حيث تنتهي الكارثة لا حيث تبدأ. مر الشهر الأول عليها مثقلًا بالعذاب الجسدي والنفسي؛ فقد أصيبت بمشكلات في المثانة نتيجة حبسها المتعمد للبول خوفًا من خلع ملابسها لقضاء حاجتها، ذلك الفعل البسيط الذي صار في ذهنها فعل تعرٍّ قسريٍ أمام أشباح الماضي.. انقضى الشهر الأول دون أن تستحم مرةً واحدة للسبب ذاته. لكن مع بداية الشهر الثاني، وبفضل الجلسات العلاجية والإرشادية المكثفة، بدأت تخرج من دائرة الرعب شيئًا فشيئًا؛ تخطت حاجز الخوف، واستطاعت أخيرًا أن تغتسل وأن تتبول دون أن ينهار عالمها الداخلي كل مرة، وكانت تلك التفاصيل الصغيرة في ظاهرها، علامات انتصارٍ صامتٍ على ذاكرةٍ لا ترحم. ما زالت هند تعاني من أدق تفاصيل الحياة التي تُعيد إليها، قسرًا، كل ما مرت به من ممارساتٍ جنسيةٍ قهريةٍ على مدار سنوات. فالأكل، وإدخال أي شيءٍ إلى فمها، والبلع، والشرب كلها صارت طقوسًا مثقلة بالذكرى، توقظ في أعماقها صورًا جنسية قذرة لما كانت ترغم عليه، ولطرق تخديرها وإعطائها المخدرات في جلسات التصوير الجنسية التي كانت تُساق إليها كسلعة. كذلك أصبح يصيبها هلع شديد كلما وقف أحد خلفها، ولو على مسافةٍ بعيدة. كانت تشعر وكأن الوجود خلف ظهرها استدعاء مباشر لتلك اللحظات التي سُلبت فيها إرادتها، وكأن الأنفاس التي تقترب من خلفها تُعيد إليها أنفاس المعتدين نفسها. لم يعد الأمر مجرد خوفٍ، بل فزع غريزي يتفجر في جسدها دون إنذار، يجعلها تلتفت بعنفٍ أو تبتعد في ذعرٍ لا تعرف له تفسيرًا إلا أن الماضي ما زال واقفًا وراءها، لا يريد أن يزول. حتى كلمة "جلسة" وحدها حين تقال للجلسات العلاجية كانت تثير فيها هلعًا مباغتًا، فإذا نطقتها الممرضة ارتجف قلب هند كما لو سمعت صفارة إنذارٍ في صدرها تذكرها بجلسات التصوير الإجبارية. كل أمرٍ يُقال، كل صوتٍ يُسمع، صار مرادفًا للرعب؛ بكاء النساء يذكرها بأنين من سبقنها إلى المصير ذاته، وضحكهن يعيد إلى ذهنها صدى الليالي المجبولة بالإكراه. كانت تكره اللمس إلى حد الموت، فكل تماسٍّ يعيدها إلى تلك اللحظات التي فقدت فيها حقها في أن تكون إنسانًا. حتى جسدها نفسه لم يعد مأمنًا لها؛ فما زالت تشعر بثقلٍ خانقٍ على جلدها كأن أياديهم ما زالت تُمسك بها بقسوة. وما زالت تشعر بشد خفي في شعرها من أثر جذبه العنيف، وببصماتهم مطبوعةً في كل شبرٍ من جسدها.. خارجًا وداخلًا.. شُخِّصت هند بإصابتها باضطراب ما بعد الصدمة المعقد (Complex PTSD)، ذلك الاضطراب الذي يفتك بالروح قبل الجسد.. كانت تسترجع في كل لحظةٍ ما مرت به من أذى جنسي، اغتصابًا كان أو انتهاكًا، وكأن عقلها حقل يعيد بث الألم صورةً وصوتًا في كل تفصيلةٍ تراها أو تسمعها. تطاردها الكوابيس ليلًا، ويغيب عنها الإحساس بالزمان والمكان، تعيش في فرط يقظةٍ ينهش أعصابها، وهلعٍ مباغتٍ من أي حركةٍ أو صوتٍ ولو كان خفيفًا حتى فتحة الباب العادية كانت كفيلةً بأن تسقطها في ذعرٍ كامل. كما شُخصت بإصابتها باضطراب فقدان الهوية الجنسية واضطراب صورة الجسد؛ إذ غدت ترى جسدها مجرد أداةٍ لا تخصها، غريبة عنها كشيء استعاره العالم منها عنوة. هذا الشعور عزز نزعتها إلى إيذاء نفسها وجسدها، بعدما لم تعد تراه كيانًا إنسانيًا، بل دمية استُخدمت مرارًا حتى استُهلكت، وأصبح الوقت، في نظرها، قد حان لإتلافها إلى الأبد. وبسبب الاغتصاب المتكرر والانتهاكات الجنسية التي لا تُعد، أصبحت تُصاب بنوبات ألمٍ جسديٍ حقيقيٍ يعصف بكل أجزائها وفي تلك النوبة تشعر بكل الأحاسيس والآلام الجسدية وردات الفعل أثناء الاغتصاب، كأن هذا الفعل الوحشي يحدث الآن. تلك الحالة تعرف طبيًا بالارتجاع الجسدي الصدمي (Somatic Flashbacks)، وهي إحدى أقسى صور استرجاع الألم الجسدي واحياءه التي تصيب الناجيات من الاغتصاب، إذ يتجسد فيها الماضي داخل الجسد ذاته. ووسط هذه الدوامة القاسية من الاضطرابات والعلاج ومحاولات التأقلم، غابت هند عن نفسها تمامًا، حتى نسيت أنها أم... نسيت أن لها ابنة تُدعى سعدية من الأساس. ها هي هند الآن تسير بجانب الممرضة في ممرٍ خالٍ، لا يسير فيه أحد. طوال الشهرين الماضيين كانوا يتعمدون أن تبقى معزولة عن البقية، فلا ترى من شاركوها المصير نفسه، ولا ترى وجهها في المرآة أصلًا، خشية في رؤيتها للوشم على وجهها أن يعدها إلى جحيمها القديم، فكانوا يحاولون أن يهيئوا لها بيئةً جديدة لا تشبه دارين في شيء. لكن الأمور لا تسير دائمًا كما يُخطط لها؛ فبينما كانت تسير إلى جانب الممرضة في سكون الممر الطويل، دوى فجأة صوت ركضٍ قادمٍ من آخره، تلاه صراخ حاد جعل هند تلتفت في هلعٍ خاطف، فتقول الممرضة على عجلٍ وهي تحاول تهدئتها: _متخافيش يا هند، تعالى، مفيش حاجة. كان الصوت يتقاطع مع بكاءٍ هستيري متقطع، وصوت أنثوي يصرخ من بعيد: _سيبوني في حالي!! سيبوني في حالي!!! وفجأة، خرجت إحدى الناجيات من آخر الممر، تتعثر بخطاها وتقف أمام هند في صدمةٍ جمدت المكان. اتسعت عينا هند، جاحظتين من الفزع، وهي ترى وشمًا داكنًا يعلو وجه الفتاة. في تلك اللحظة ظهرت ممرضة أخرى من خلفها، تمسك بالناجية محاولةً تهدئتها، بينما كانت الأخيرة تصرخ بحرقةٍ مرتجفة: _سيبوني أرجوكم! مش عايزة أروح! أبوس إيديكم، مش عايزة! شميت ريحة برفانه! مش هقدر! شميت ريحته والله! سيبوني أجري! سيبوني أهرب! أخذت الممرضة تطمئنها وتبعدها عن هند، بينما ظلت هند واقفةً تحدق في المشهد بعينين متسعتين وتعاينه بشدة. التفتت نحو تقى، فقالت الأخيرة بصوتٍ هادئ: _هي برضو بتتعالج زيك.. متخافيش. سألتها هند بصوتٍ مبحوحٍ تغلفه رجفة الخوف: _اللب على وجهها هذا... راهو على وجهي أنا زادة؟ ساد الصمت، وترددت تقى في الرد، وقبل أن تنطق رأت هند تبتعد بخطواتٍ متسارعة. حاولت الاقتراب منها لاحتوائها، لكن هند بدأت تركض فجأة في نوبة هلعٍ عارمة، فترددت تقى في اللحاق بها، ثم أخرجت جهاز اللاسلكي مسرعةً تنذر بقية الممرضات. واصلت هند الركض حتى خرجت من قسم الحالات الخاصة إلى قسم مخصص للحالات الأخف، حيث تمتد قاعة واسعة للاستراحة. دفعت الباب بقوةٍ، فانفتح على مصراعيه، لتجد أمامها ممرضتين تقفان في هدوءٍ وابتسامة تملأ وجهيهما، قالت إحداهما برقةٍ حذرة: _هند حبيبتي.. ينفع نرجع ونروح للدكتورة؟ لكن هند لم تجب، كانت عيناها متشبثتين بما وراءهما بضع ناجياتٍ جالسات؛ إحداهن تقرأ وتكتب، وأخرى تخيط، وثالثة تتحدث بهدوءٍ مع صديقتها. إلا أن ما جذب أنفاسها لم يكن سلوكهن، بل الوشوم المنقوشة على وجوههن... التفتت هند ببطءٍ نحو زجاج نافذة الباب بجانبها، فوقع بصرها على انعكاسها، ورأت وجهًا لم تعرفه... وجهها هي، الذي فقدته منذ زمن، عاد إليها غريبًا، مشوهًا، كأنها تنظر إلى أنقاض إنسانةٍ كانت يومًا تدعى هند. وجهها يحمل آثار معركة طويلة مع الألم والقهر، نظراتها غارقة في شيءٍ أبعد من الأسى، تحدق في فراغٍ لا يرد النظر، فراغٍ سُلبت فيه إرادتها وطمأنينتها، حتى باتت عيناها تشبهان بحيرتين هادئتين في ظاهرهما، تخفيان في العمق صخب الغرق وصراخًا مكتومًا. جسدها نحيل على نحوٍ يشي بأن الحياة نزفت منها أكثر مما أعطتها. بشرتها الشاحبة تخونها فتفصح عن سهرٍ قاسٍ، ووجعٍ دفينٍ ظل يتردد في خلاياها حتى وهي صامتة. ورأت الوشم تحت عينيها... ذلك الأثر الداكن الذي بدا لها كختمٍ وُسِم به عارها الأبدي، علامة على إذلالها، وعلى استحلال جسدها الذي لم يعد ملكًا لها منذ زمن. وحين رأته في هذه اللحظة اعادها إلى لحظة السقوط الأولى... كيف يمكن لها أن تُشفى، وهي كلما نظرت إلى وجهها وجدت الجريمة مطبوعةً عليها بوضوح الشمس؟ كيف تُقنع نفسها بالعافية، والندبة تصرخ في وجهها كلما لامست المرآة بنظرتها؟ لم يكن وشمًا فحسب، بل شهادةً قاسيةً على ما فعل بها، ختمًا على أنوثتها المسلوبة، وصكّ إذلالٍ لا يمحوه ماء ولا زمن. لا.. لن تسمح بذلك.. لن تستطيع أن تواصل رحلة علاجها وهذه القذارة مطبوعة على وجهها. عندها، بدأت تمسك بجلدها بأصابع مرتجفة وتشده بعنف وهيستيرية، تحاول سلخه عن ملامحها محاولة أن تنتزع الخزي ذاته من تحت بشرتها. كررت فعلتها مرةً بعد أخرى، حتى اندفعت الممرضتان وقاما بإمساكها، وما إن لمساها حتى صاحت في هلعٍ هستيري، دفعت إحداهن بعنف وركضت نحو الفتيات، عيناها تائهتان، تتشبثان بالهواء كمن يبحث عن مهربٍ من ذاته. لمحت قلمًا على المنضدة، فخطفته وبدأت تحفر أسفل عينيها به لتشوه مكان الوشم، تجرح نفسها بلا وعيٍ ولا رحمة، والدماء تنساب بغزارة. اجتمعن عليها جميعًا، الممرضات والإخصائيات، يمسكنها بأذرعٍ مرتعشة وهي تصرخ وتقاوم وتستغيث من شيء لا يُرى. حتى اندفعت إحدى الممرضات بحقنة المهدئ، وغرزتها في عنقها المرتجف، لتتراجع أنفاسها شيئًا فشيئًا، وتغيب عيناها في غشاوةٍ كثيفة، قبل أن تستسلم بصمتٍ خانعٍ كطفلٍ أنهكه البكاء. *********** قبيل الظهيرة، كان موريس يجلس في إحدى حدائق شوارع النورية، تحيط به أشجار وارفة الظلال ونوافير تتلألأ تحت وهج الشمس الناعمة، فيما كان عقله غارقًا في مراجعة الخطة، يعيد ترتيب تفاصيلها بدقةٍ متناهية كمن يضبط تروس آلةٍ معقدة. كانت منار قد منعت عن نور حليبها ثلاثة أيامٍ كاملة، بعد أن ضحت بصحتها متعمدةً إدخال مادةٍ سامة إلى جسدها، لتُضعف غددها وتوقف إفراز الحليب الذي يتغذى عليه نور، فينقطع عنه مصدر قوته الأصلي، ويتبدد توازنه الداخليّ شيئًا فشيئًا. كان هذا جزءًا أساسيًا من الخطة، وقد اتفق موريس مع جمال ومهاب على أن يُحقن جسد منار بالترياق فور تنفيذهم الهروب، لتستعيد عافيتها بعد أن تكون قد أدت الدور الأخطر في العملية. فوق ذلك ما جعل موريس يزداد يقينًا بنجاح خطتهم، هو ما علمه مؤخرًا من حقيقةٍ كبرى صادمة.. أن جميع خدام نور الديب، المقنّعين، والحاملين لعرشه، والحارسين لأبوابه ومعابده، والذين يحملون عصيّ الطاعة والخضوع كلهم دون استثناء ليسوا بشرًا، بل روبوتات "اندرويدز". كانت منار وحدها تملك جهاز التحكم فيهم، تستطيع أن تعطلهم كلهم دفعة واحدة من خلاله. جلس موريس هناك في صمتٍ متأمل، يراقب المارة من حوله، الأطفال يلعبون والنساء يضحكن والهواء يمر خفيفًا بين الأشجار، وكل شيءٍ في المشهد يبدو عاديًا، لولا أن في قلبه نارًا لا تهدأ. يفكر في هؤلاء الناس الذين يعيشون دون أن يدروا أنهم مسلوبو الإرادة، مسحورون بنورٍ كاذبٍ ينهش أرواحهم باسم الخلاص. وها هو يرى نفسه من أُرسل ليكسر هذه الدائرة، ليحررهم من قبضة القوة الناعمة المهلكة التي صاغها نور، وليضع نهايةً لذلك الشر الذي حاربه مصطفى لأعوامٍ طويلة. وفيما هو غارق في تفكيره، ظهر أمامه عيسى. شاب في أواسط العشرينات، بشوش الوجه، طويل القامة، في غاية الوسامة.. وسيم إلى حدٍ يلفت الأنظار دون تكلف. كان محبوبًا بين الناس في هذه المدينة، الكل يشهد له بصفاء قلبه وطيب معشره، يعرفونه بابتسامته التي لا تفارقه، وبميله الدائم لمساعدة الآخرين. في تلك اللحظة، كان يقف عند طرف الحديقة، يطعم القطط الصغيرة وينحني نحوها مبتسمًا كعادته، في مشهدٍ يفيض بالسكينة والوداعة. كانت بينه وبين موريس معرفة سطحية لا تتجاوز التحايا العابرة، غير أن شيئًا في هذا الشاب كان يثير في موريس طمأنينةً نادرة. كلما رآه، أحس بشعور ناعم مألوف، كأن في ملامحه ظلًا من مصطفى، ذلك النقاء الصافي الذي لم يلقَ له نظيرًا. وكان الاسم ذاته، عيسى، يثير في نفسه استبشارًا غريبًا، ففي هذا الاسم امتدادًا لذلك الإنسان الأعظم الذي عرفه موريس منذ ولادته في هذا العالم. حين لمح موريس عيسى، ارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية لم يخطط لها، ثم قام بمناداته ليلتفت عيسى إليه فورًا، وابتسامة واسعة طيبة أشرقت على ملامحه وهو يخطو نحوه قائلًا: _موريس، يسلمك النور. اكتفى موريس بإيماءةٍ خفيفة من رأسه دون أن يرد سلامه، ثم قال بصوتٍ هادئ: _اقعد يا عيسى، اقعد. جلس عيسى إلى جواره، يرمقه بعينيه البنيتين الواسعتين اللتين تشعان دفئًا نادرًا، ثم قال في نغمةٍ مرحة خفيفة: _أول مرة تندهلي كده وتبقى عايز تتكلم.. مش من طبيعتك الانطوائية دي. ابتسم موريس ابتسامةً باهتة، وقال وهو يزفر بخفة: _حاسس بتوتر شوية، فمحتاج أتكلم معاك عشان أهدى. أومأ عيسى برأسه متفهمًا، وظل ينظر إليه في سكونٍ قبل أن يقول: _هتتعبد بالارتقاء النهاردة.. مش كده؟ أومأ موريس ثانيةً بصمتٍ متحفظ، فقال عيسى متأملًا تعابير وجهه: _ملاحظ إنك... مش مرحب بالموضوع. رفع موريس منكبيه في لا مبالاةٍ مصطنعة وقال: _معنديش حد أرتقي بيه... واللي قررت أرتقي بيه مش عايز ييجي معايا. قال عيسى مبتسمًا بثقةٍ مطمئنة: _متقلقش، مولانا نور هيقدر يجيبه لحد هنا غصب عنه. ساد الصمت بينهما برهة، وكان موريس خلالها يهز رأسه ببطء، ثم أردف عيسى مبتسمًا في بساطةٍ عفوية: _والله أنا مستعد أخليك ترتقي بيا، بس... في حد هيرتقي بيا بالفعل. قطب موريس حاجبيه، واستدار نحوه بحدةٍ مستنكرة، قائلاً بنبرةٍ مشوبةٍ بالقلق: _نعم؟ إنت هتضحي بنفسك؟ ضحك عيسى ضحكةً قصيرة وقال متعجبًا: _أضحي بنفسي؟ مسمهاش كده يا موريس، حرام. وبعدين مالك اتخضيت كده ليه كأني هتقتل مثلًا؟ ظل موريس صامتًا لحظات، يحاول أن يجمع أنفاسه ويكبح ارتباكه، ثم قال بنبرةٍ واهنةٍ مترددة: _طب مين اللي هيرتقي بيك؟... حاجة تستحق يعني؟ صمت عيسى طويلاً، كأنه يرتب الفواجع على طرف لسانه قبل أن يُطلقها. كان ينظر إلى البعيد بعينين ثابتتين، ثم قال بصوتٍ خافتٍ ينزف وجعًا دفينًا: _أختي... اغتصبوها حوالي خمستاشر من الميليشيات.. جالها تشوهات ونزيف وأمراض كتير خلتها تشيل الرحم.. غير الضرب والتعذيب اللي أخدته اللي اثارهم ملهاش علاج... وكل دا فوق تعبها النفسي. بإرتقائها بيا.. نور هيعالج أمراضها النفسية والجسدية، وهيرجعلها رحمها كمان. ظل موريس يحدق فيه طويلًا، تتوتر ملامحه شيئًا فشيئًا، قبل أن يقول بجمودٍ لا يخفي ما تحته من غليان: _عيسى، انت عارف الميليشيات اللي عملت كده في أختك كانت تحت قيادة مين؟ قال عيسى دون أن يلتفت إليه، كمن يحاول أن يتخلص من ثقل الأسئلة: _معرفش يا موريس، ومش مهتم أعرف... فيه بيقولوا مصطفى عبدالباقي، وفيه بيقول مولانا نور الديب، بس أنا مقدرش أشوف إن حد منهم بالشر دا، إنه يقود وحوش بالشكل دا... وفيه رأي غالب، وهما إنهم تبع أدهم داغر، وده الصح. ازدادت ملامح موريس توترًا وامتعاضًا، وكأن اسمه الأخير أشعل في صدره نارًا مكتومة، ثم قال بصوتٍ خانقٍ فيه كبت يُحتمل: _عيسى، انت... انت ليه دخلت الديانة دي؟ نظر عيسى إليه، وظل يتأمله لحظةً قبل أن يبتسم ابتسامةً تدل على فهمه لكل شيء، وقال في هدوءٍ أقرب إلى السخرية اللطيفة: _انت شكلك مش مننا... شكلك مش معتنق الديانة دي فعلًا... انت هنا ليه؟ قال موريس بصرامةٍ متماسكة: _جاوب على سؤالي الأول، بعدين هجاوبك على سؤالك. ظلّ عيسى صامتًا قليلًا، كأنه يحاور نفسه، ثم أشاح ببصره نحو الأشجار المترامية في الحديقة وقال: _أنا دخلت الديانة دي عشان أرتاح من التفكير يا موريس... أنا مش عايز فلوس، ولا عايز نعيم، ولا عايز حاجة... أنا بس عايز أعيش من غير تفكير زايد، من غير ما أتعذب عشان أوصل لأتفه حاجة في الحياة دي. وعموماً، لو مش عايز ترد على سؤالي متردش... أنا مش شخص متطرف عموماً... ظل موريس صامتًا، تغلي في صدره مرارة القهر والخيبة، وهو يرى شابًا بهذا النقاء، وبهذه الروح المضيئة، يُلقي بنفسه إلى هاوية الخداع باسم الخلاص. يرى فيه قلبًا طاهرًا يُلطخ بوحل الوهم، وعقلاً نقيًا يُستدرج إلى نعيمٍ زائفٍ عابر، لا يورث سوى الفناء. لم يكن ثمة مجال للكلام أو الإقناع، فاللحظة لم تعد تحتمل أكثر مما تحمله الصدور من وجع. ظل موريس غارقًا في صمته، حتى قال أخيرًا بنبرةٍ وادعةٍ تفيض صدقًا: _تعرف إني معجب بإسمك جدًا... ومعجب بقدرتك إنك تفضل شايل اسم بالجمال دا... أنا لو مكانك، واتسميت بالاسم دا، كنت هعمل اللي يناسبه. ابتسم عيسى ابتسامةً خفيفة وهو يقول بهدوءٍ وشيءٍ من الحيرة: _وأنا بعمل إيه غلط يخليني ما أناسبش الاسم دا؟ قال موريس بصوتٍ منخفضٍ فيه وجع الحقيقة: _عيسى، إحنا بنعمل حاجات كتير غلط في المكان دا... وأنا متأكد إنك حاسس بكده... وأختك ممكن حالتها تتحسن من غير ما تخسرك وتخسر نفسك... أرجوك يا عيسى، راجع الموضوع في بالك. _انت مقتنع إن الارتقاء خسارة؟ قال موريس بثقةٍ وصرامةٍ لا تعرف التردد: _أيوه خسارة! ظل عيسى ينظر إليه في حيرةٍ وصمتٍ طويل، لا يفهم تمامًا ما يقصده، لكنه يشعر أن وراء كلماته صدقًا أعمق مما يبدو. عندها تنفس موريس ببطءٍ، وهدأ صوته قليلًا وهو يقول برجاءٍ خافتٍ يختبئ وراء تماسكه: _بص... تعالى نتفق اتفاق. عايزك بس تحاول تتجنب الارتقاء، وتنجو بنفسك بقدر الإمكان، وتجيلي... وتخليك معايا. في حاجة هتحصل النهارده هترجعك لوعيك، وترجعنا لوعينا كلنا... وانت إنسان ذكي جدًا، ما تستحقش تبقى ضحية لده... ينفع تسمع كلامي؟ أرجوك. ظل عيسى يحدق في عين موريس التي انبعث منها صدق نادر ورجاء خالص، كأنه يرى فيها وعدًا بالخلاص الحقيقي، لا الوهمي. بدا عليه التردد، ثم قال بصوتٍ خافتٍ متأثر: _تمام يا موريس... هبقى معاك... وهبقى أكلم أختي... بس دا بشرط إنك تشوف طريقة تعالجها بيها غير الارتقاء. ابتسم موريس وهو يومئ بثقةٍ مفعمةٍ بالأمل: _فيه... فيه، صدقني. في تلك اللحظة، سمع عيسى أحدهم يناديه من بعيد، فاستأذن موريس ونهض متجهًا نحو المنادي. أما موريس، فبقي جالسًا للحظاتٍ متثاقلة، قبل أن يمد يده إلى هاتفه يفتحه في شرودٍ متعب. لمح إشعارًا قديماً، رسالةً من هيثم أرسلت قبل ساعة تقريبًا. فتحها وقرأ ما فيها: <يامن اتواصل معايا وهو بعد ما يخلص هيجيلي يشوف موضوع الميموري كارد.> تجمد موريس للحظة، ثم شعر بوخزٍ حادٍ يعصف بعينه المفقودة، وكأن الألم القديم بعث من سباته. وضع كفّه عليهما لا إراديًا، وتشنجت أنفاسه، وهو يحدق في الرسالة بعينٍ خيالية تتقد صدمةً ورعبًا. نعم... لقد تذكر. تذكر تلك اللحظة التي أُطفئ فيها نور بصره إلى الأبد، حين ظهر ذلك الرجل ذو القناع الاسود والعينين الخضراوتين، محاولًا قتل سعدية... وكانت تلك الكارثة بسببه.. بسبب يامن. كيف لم يحذرهم؟ كيف لم يخبرهم بالحقيقة بعد ان تعافى؟ أكان انشغاله المحموم بالبحث عن العقيدة الصحيحة وبالانتقام لأخته قد أنساه من اصابة بتلم الإصابة؟ أم أن قوةً خفية غامضة جعلته يغفل عن هذا الأمر، فقط ليبقى يامن بينهم بلا شك؟ ارتعشت أنامله وهو يكتب بسرعةٍ مرتجفة لهيثم: <لا، لا، يامن ميجيش! إياك تفتحله يا هيثم، إياك.> ظل يراقب الشاشة في توترٍ خانق، لكن الرسائل لم تصل... شعر موريس ببرودةٍ تسري في أطرافه، فقبض قبضته بقوةٍ وكأنه يكبح بها خوفه عن جسده، وبدأ يدعي في صمتٍ خافتٍ أن يحفظ الله هيثم من أي مكروه. ثم عقد العزم بثباتٍ يختلط بالرهبة على أن يخبر جمال وإسماعيل بحقيقة يامن بعد أن ينتهي هذا اليوم... *********** في الوقت ذاته.. كانت سهام قد وصلت برفقة عمر وخالها كمال إلى إحدى محافظات الصعيد، ترافقهم ثلاث شاحنات محملة بالطعام والملابس والمستلزمات الصحية، وأدوات النظافة الشخصية، والعناية النسائية، وحاجات الأطفال... لتوزعهم على المساكين والمحتاجين من خلال رجال وكلتهم بهذه المهمة. كانت القافلة تتحرك بانتظامٍ وهدوء، تتوقف أمام مناطق فقيرة معينة ويوزع العمال الخاصين بسهام ما بها، وتكمل سهام بصحبة عمر وخالها لتهذب دور الأيتام وبيوت النساء ومؤسسات تأهيل ذوي الهمم، حيث تنزل سهام بنفسها وتدخلهم، وتجلس بين الصغار والنساء، تلامس وجوههم بابتسامةٍ وادعةٍ كبلسم يسكب الطمأنينة على أرواحهم المتعبة، فترسم على الوجوه المتغضّنة راحةً وعلى القلوب الجافة دفئًا نادرًا. كان عمر يسير خلفها وهو مأخوذًا بهذا المشهد الذي لم يره من قبل، يرى في حركاتها نبلًا صافياً، نبلًا لا يتكلف ولا يتزين له، بدا أن الرحمة تسكن فيها على طبيعتها، لا كفضيلةٍ تتفاخر بها بل كهواءٍ تتنفسه دون وعي. كانت تمتعض كلما امتدحها أحد من شدة تواضعها، ثم تترك كل ذلك وتجلس أرضًا بين الأطفال، تمدّ يديها الصغيرة لتصنع لهم ألعابًا من أي شيءٍ حولها، وتضحك معهم بصدقٍ يجعلهم ينسون كل ما عرفوه من فقرٍ أو حرمان. تحتضن الأطفال بلا نفور، تمسح على رؤوسهم، تواسي النساء المكسورات بكلمةٍ رقيقة أو نظرةٍ مشبعةٍ بالحنان، كأنها أم للجميع. وكان عمر، وهو يراقبها، يشعر بشيءٍ داخله يتحرك لأول مرة منذ زمن، فراح يقلدها دون وعي؛ يشاركها اللعب مع الصغار، ويمازحهم، ويقدم الهدايا بنفسه. لم يكن يفعل ذلك بدافع الواجب، بل لأن وجودها جعله يتذكر إنسانيته التي ظنها اندثرت. شيئًا فشيئًا، صار الاثنان يعملان كروحٍ واحدة، ينتقلان من مكانٍ إلى آخر، يتركان خلفهما أثرًا من البهجة والسكينة. حتى أن المحافظة بأكملها تنتظر قدوم سهام كما ينتظر المرء العيد. فحين وصلت، امتدت الأيادي للسلام، وانهالت التحايا من كل صوب، واقيمت لها الاستقبالات البسيطة المفعمة بالحب، فالجميع يعرف أنها لا تأتي لتأخذ بل لتعطي، لا تزور لتُرى بل لتُفرِح، وقد اعتاد أهل المحافظة على زيارتها الدورية التي تحولت مع الوقت إلى يومٍ استثنائيٍ في رزنامة الفقراء والمحتاجين. كانت تلك هي سهام.. المرأة التي ترعى خمسة من الحيوانات وتكفل ستة من الأطفال بجانب ابنها البيولوجي، وتخرج من بيتها في كل مرة وهي تحمل في قلبها نيةً صافية لإسعاد من لا يملك شيئًا. جعل الله المال بين يديها لا ليختبر حبها له، بل ليختبر بها رحمته على عباده، إذ لم يُعرف في الأغنياء من يفعل ما تفعل، ولا في القلوب الثرية من تفيض كما تفيض هي عطاءً وإنسانية. حين فرغوا من إحدى المهام الإنسانية، خرج عمر من الدار تاركًا سهام تنهي ما تبقى من عملها بالداخل، بينما كان كمال واقفًا عند سيارته ينتظرهم، يتأمل المشهد بعينٍ هادئة خالية من الانفعال. _ايه رأيك؟ سأله كمال بنبرةٍ رصينة، فابتسم عمر وهو يقول بنبرة صادقة يغمرها الارتياح: _اعتقد دا من أجمل أيام حياتي من سنين كتير، الواحد بيحس بجمال الدنيا لما يشوف ناس بالمعاناة دي بتضحك من قلبها. أومأ كمال برأسه ببطء، وقد بدت ملامحه جامدة لا تحمل نفس الحماسة، ثم قال بنبرة متزنة يغلب عليها التحليل: _وانت كدكتور نفسي بقى... مش حاسس إن فيه حاجة غلط في سهام ناحية الموضوع دا؟ تلاشت ابتسامة عمر تدريجيًا، وبدت عليه الحيرة، فحرك رأسه متسائلًا: _لا.. ليه؟ مش فاهم. صمت كمال لحظة، كأنه يختار كلماته بعناية، ثم قال وهو ينظر أمامه: _مش حاسس إنها... عندها نوع من الإدمان؟ عقد عمر حاجبيه مستفسرًا، وقال بجديةٍ مهنيةٍ هادئة: _حضرتك اللي عايش معاها من سنين، فانت اللي تلاحظ دا... فإيه نوع الإدمان اللي لاحظته فيها؟ أخذ كمال نفسًا قصيرًا وقال: _يعني... بحسها متعطشة للعطاء والاهتمام بشكل مبالغ فيه... لدرجة إنها أحيانًا كتير بتفقد السيطرة في دا. عايز أقولك إنها كانت عايزة تكفل ييجي تلتاشر طفل، وأنا رفضت.. دا غير الحيوانات، بقت أي حيوان في الشارع تاخده تهتم بيه. كان عندنا تمن قطط، أدينا معظمهم لشلتر محترم لأننا مكناش عارفين نهتم بيهم، ومعظم فلوسها بتصرفهم على الناس، مش على شغلها وتطويره. أنا لحد دلوقتي معرفش إزاي أصلاً شغلها وشركاتها لسه واقفين على حيلهم، دا أكيد من دعاوي الناس اللي بتدلعهم دي. ظل عمر صامتًا يتأمل حديثه، كأنه يوازن بين علم النفس والعاطفة، حتى استأنف كمال الكلام ليوضح مقصده أكثر: _وأنا أكتر واحد عارفها، سهام مبتفكرش في نفسها ولا واخدة الموضوع رياء أبدًا أبدًا. أنا عارف إنها نقية في عطاءها وإنسانيتها... بس... بس تحس إنها مش قادرة تعيش غير لما تعملهم، يعني عادي ممكن تقعد شهر من غيرهم صح؟... لا، لازم يوميًا ألاقيها بتصرف على الناس. أنا لولا إني مدير أعمالها كانت حرفيًا هتفلس. وفي تلك اللحظة خرجت سهام إليهما بخطواتٍ خفيفة، وعلى وجهها ابتسامة تعبٍ راضٍ، فقطع كمال حديثه، والتزم عمر الصمت مؤقتًا مؤثرًا أن يحتفظ بتأملاته لنفسه. اقتربت سهام وهي تقول بحماسٍ بسيطٍ معتاد: _كده خلاص.. هنروح القرية بقى عشان نلحق المرماح. قال كمال وهو يركب السيارة: _تمام، يلا الطريق مش هياخد ساعة. فركبوا جميعًا، وانطلقت السيارة في طريقٍ تتهادى عليه أشعة الشمس، بينما ظل في الأجواء أثر خفي من ذلك الحديث الذي لم يُكمل بعد... وبعد مرور ما يقارب الأربعين دقيقة، وصلوا إلى مشارف القرية، فتوقف كمال عند المدخل، وترجلوا ثلاثتهم. اقترب عمر بخطواتٍ بطيئةٍ مترددة... ووقف عند بوابة القرية صامتًا، وعيناه تجوبان المكان كمن يعيد شريطًا من الجحيم. الهواء ذاته بدا مألوفًا، مشبعًا برائحة الخوف القديمة، والطرقات الساكنة تتهامس بما دفنه الزمن ولم يدفأ بعد. ظل واقفًا يحدق في كل زاويةٍ وحجرٍ، كأنه يستجوب المكان عن تلك الليلة المشؤومة. كل خطوةٍ على التراب كانت توقظ رعشةً نائمة في صدره، كل نسمةٍ تمر كانت تُذكره بأنفاس الهلع التي اختنق بها وهو يفرّ من بيتٍ غمرته الدماء. رأى بعين خياله ظل أبيه في البعيد، وصدى صراخ إخوته، وصوت أمه الأخير وهي تُذبح على مرأى الجميع. تذكر لحظة التيه المهلكة حين هرب، مكسور الروح، لا يحمل سوى ذعره وندمه، يركض في ليلٍ بلا وجهةٍ ولا أمان. كان ذلك المدخل نفسه، الفاصل بين الجحيم والنجاة، بين من كانه ومن صار عليه. توقف عمر طويلًا أمامه، تتنازع داخله الأزمنة، بين الصبي الذي مات في تلك الليلة، والرجل الذي يقف الآن يحمل رماده. وهنا وضع كمال يده على ظهر عمر في لمسةٍ هادئة، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل مزيجًا من الحنوّ والاحترام: _معندناش مانع لو حبيت ترجع. حرك عمر رأسه نافيًا بعزمٍ خافت، وقال: _لا لا.. هدخل. _طب لما تدخل.. هتدخل على إنك عمر ولا على إنك ضياء؟ ظل عمر صامتًا لحظة، بعدها قال بعد تفكيرٍ قصيرٍ بنبرةٍ حاسمة: _هدخل على إني كريس. عقدت سهام حاجبيها باستغرابٍ تلقائي، فيما قال كمال متسائلًا وهو يحدق فيه: _على إنك إيه؟ ابتسم عمر ابتسامةً خفيفةً وقال: _كريس... أصل هعمل نفسي أجنبي، لأن محدش هيعرفني في القرية دي بعد مرور السنين دي وبعد ما كبرت وشكلي اتغير، خصوصًا إني بدقن دلوقتي، فمستحيل يعرفوني. نظر كمال إلى سهام التي كانت تبتسم في صمتٍ، وهي تتفهم الأمر وتحرك رأسها بكمال إشارةً إلى أن يتركاه على سجيّته، ثم قال كمال مبتسمًا وهو يربت على كتف عمر: _ماشي يا كريس.. يلا بينا. دخلوا القرية، ومع توغلهم بين المساكن والدكاكين، كان أهلها والمارة يرحبون بسهام وكمال بحرارةٍ لافتة، تعكس مودةً قديمةً ومعرفةً راسخة. أما عمر، فكانت النظرات تلاحقه في تأملٍ متفحص، خليطٍ من فضولٍ واستغراب، كأنه غريب يحمل ملامحًا لا تنتمي تمامًا لهذا المكان. توقفت سهام عند مقهى شعبي صغير اعتادا الجلوس فيه، فهبّ صاحبه مرحبًا بهما بحرارةٍ صادقةٍ تكشف عن علاقةٍ ودودةٍ جمعته بهما منذ سنين. _مش تقولنا يا أستاذ كمال إنك جايب معاك ضيف؟ أجنبي دا ولا إيه؟ ابتسم كمال وهو يقول محاولًا أن يبدو عفويًا: _آه، دا كريس... تلعثم قليلًا وهو يحاول أن يختلق سببًا مقنعًا، فسارعت سهام لتلتقط خيط الحديث قائلة بلطف ولباقة: _دا رجل أعمال ومشارك معايا في مشاريع معينة، وبيّن إنه متحمس يشوف صعيد مصر، فجيبته معايا السفريّة دي. أومأ صاحب المقهى برأسه في حماسٍ وقال لعمر بلهجةٍ متكسرةٍ وهو يبتسم بانبهار: _آه هلو هلو سير، نايس تو ميت يو. بادله عمر الابتسامة، وأومأ برأسه مرددًا الإنجليزية بطلاقةٍ واحترافٍ طبيعي، قبل أن يجلس معهم على الطاولة التي أُعدت خصيصًا لهم خارج المقهى، وهي نفسها التي اعتاد كمال وسهام الجلوس إليها في زياراتهم السابقة. ما إن وضعت المشروبات أمامهم حتى اقترب النادل وكان صديقًا قديمًا لهما وقال مبتسمًا ممازحًا: _لامؤاخذة يا مدام سهام، الأجنبي دا هيعملنا دعاية بقى وكده؟ ضحكت سهام بخفةٍ وقالت: _دا هيعمل دعاية لمصر كلها. ابتسم النادل في حماس، ثم مال قليلًا نحو كمال مترددًا قبل أن يقول بصوتٍ منخفضٍ: _بس عايز أقولكم حاجة بيني وبينكم كده... بس إياكم تترجموهاله. قال كمال بهدوء: _قول يا محمد، أنت عارف مدام سهام مبتردش طلب حد. تردد محمد لحظة ثم قال بنبرة حذرة : _ما تخلهوش يحتك بأي واحدة من عندنا يا بيه لو سمحت... يعني... مش عايزين نكرر الحادثة اللي من عشرين سنة... حضرتك عارف ضياء وامه اللي خلفته من واحد أجنبي. تجمدت ملامح عمر شيئًا فشيئًا، واختفت ابتسامته كأنها لم تكن، فيما امتعضت سهام بشدة، أما كمال فقال سريعًا بنبرة حاسمة: _خلاص يا محمد، ماشي... روح شوف شغلك يلا. أومأ محمد برأسه مبتعدًا ليخدم الزبائن، بينما نظرت سهام إلى عمر الذي بدت على وجهه غمامة ضيقٍ خانقة. فقالت له بصوت رقيق مفعم بالاعتذار: _معلش يا عمر... دي البداية بس. زفر عمر بتنهيدة ثقيلة وقال بمرارة: _ذاكرة الشعوب ساعتين... ما عدا ذاكرتهم على الست اللي بيخاض في شرفها. ساد الصمت بعد كلماته للحظاتٍ، ثم نهضوا بعد أن مكثوا قرابة نصف ساعة، وقرروا أن يتوجهوا إلى المرماح، حيث ينتظرهم هناك والد عمر وإخوانه. أثناء سيرهم بين الأزقة المؤدية إلى ساحة المولد، كانت الأنظار كلها تنجذب نحو عمر، تتبعه كظلٍ ثقيلٍ أينما خطا. تزايدت تلك النظرات كلما توغلوا أكثر وسط المولد، حتى بلغوا ساحة المرماح، حيث اشتد صهيل الخيول واختلطت الأرض بنقر حوافرها ورذاذ التراب المتطاير. رجال يعتلون صهواتها بمهارةٍ مهيبة، يتبارزون بعصيٍّ خفيفةٍ تنثني في الهواء كأنها أجنحة، بينما يدوي حولهم صوت المزامير والطبول في نغمةٍ بدائيةٍ آسرة. ومع دخول سهام وكمال، ارتفعت أصوات الترحيب بهما، وامتدت إليهما الأيدي في حفاوةٍ مألوفة، ولكن العيون ما زالت تُلاحق الغريب الذي يسير بينهما.. ذلك المجهول الذي لا تشبه ملامحه أهل المكان رغم أنه من بني جلدتهم، ولا تشي عيناه بالطمأنينة التي يعرفونها في وجوه أبناء الصعيد. وفي خضمّ الزحام والتلويح والعزف والفرح الصاخب، وقع بصر عمر فجأة على وجوهٍ بعينها... وجوهٍ لم تزل محفورة في ذاكرته كوشم من نار. هناك، عند طرف الساحة، كان أبوه واقفًا، وحوله أربعة من إخوته.. أولئك الذين شاركوا في قتل أمهم. توقف عمر في موضعه والعالم تجمد حوله. لم يعد يسمع الطبول ولا يرى الخيول، كأن الساحة ضاقت حتى لم يتسع فيها غير وجوههم. حدق فيهم بعينين جامدتين كالصخر، تسكنهما عزيمة غامضة لا يُعلم مرادها. كانت تلك النظرات تحمل في عمقها جحيمه القديم، الجحيم الذي فرّ منه طفلًا مذعورًا، وها هو الآن يعود إليه.. لا كضحية، بل كمن نجا من النار ليعود إليها أقوى مما خرج منها. ************ قد اقترب وقت العصر وبدأت الاحتفالية التي أُعِدت لها مسبقًا في ساحة مؤسسة نبراس، حفلة لطيفة أقيمت بعناية تحت إشراف الأطباء والأخصائيين النفسيين وإدارة المستشفى التي حرصت على أن تكون كل لحظة فيها محسوبة بدقة، لتناسب فئة من الناجين، وتُسهم في مساعدتهم على التأقلم واستعادة حسّهم بالحياة. كانت الساحة غارقة في دفء الشمس، وقد انتشرت الزينة الملونة بين الأشجار وأركان الساحة، تتمايل بخفة مع النسمات المنعشة، بينما تصدح في الخلف موسيقى ممتعة تنسج في الأجواء خيوط طمأنينة ناعمة. هناك من يرسم بألوان الماء على الورق وجوهًا وأماكن يتمنى العودة إليها، وهناك من يشارك في جلسات لعب ورقص فلكلورية جماعية صُممت لتشجيع التواصل والضحك بعد الصمت الطويل ومشاركة الثقافات في كل بلد مع تغير الأغاني لكل ثقافة، فيما وقف بعضهم أمام ركنٍ للعلاج بالفن يضعون فيه رموزًا تعبر عن ذواتهم الجديدة، وتُعلق على حائط أبيض كأنها شهادات ميلاد ثانية. وخلال ذلك، كان بعض الأطباء يتجولون بينهم بابتسامات ودودة وكلمات تشجيع، والممرضين يقدمون العصائر الطبيعية والمأكولات الخفيفة التي أُعدت بعناية لتكون صحية ومريحة. كانت الضحكات تتعالى شيئًا فشيئًا، تتشابك مع نقرات النغمات وقد ارتفعت أصوات الأطفال بالغناء وضحكاتهم الصارخة اثناء اللعب الممتع، وامتزجت فرحتهم بخجل النساء الذين بدؤوا يتحررون ببطء من قيود الصمت والخوف. كان المشهد كله كلوحة لشفاءٍ جماعيٍ بطيء، تتنفس فيها الأرواح بعد اختناقٍ طويل، ويغتسل فيها الحاضر من غبار الماضي شيئًا فشيئًا... كانت رشا واقفة بين مجموعة من الأخصائيين أمثالها، يتبادلون الأحاديث حول تنظيم الفقرات، حين التقط سمعها حديثًا جانبيًا بين ممرضين يقفان غير بعيد عنها. _أومال مستر إسماعيل فين؟ _خرج برا. _ليه؟ دول الأطفال بيحبوه جدًا وبيسألوني عليه. _ما أنت عارف.. كل حفلة بيبعت مقترح لمدير المؤسسة عشان يلغوا الأغاني في الحفلة، بس مقترحه بيترفض. سكت الممرض الآخر لحظة، ثم قال متعجبًا: _طب ما بقية الفريق من المرشدين الدينيين موجود أهو، اشمعنى هو؟ رفع الممرض كتفيه في صمت، وفي تلك اللحظة أحست رشا بشيء يعتريها.. كرغبة خفيفة ظلت تلحّ في داخلها حتى دفعتها إلى التحرك. استأذنت زميلتها قائلة بنبرة هادئة: _بقولك، أنا هخرج برا أشم شوية هوا، لو حد طلبني اتصلي بيا. أومأت لها زميلتها بالموافقة، فابتعدت رشا بخطوات متزنة نحو البوابة. وما إن تجاوزت العتبة الخارجية حتى أبطأت السير فجأة؛ هناك، على بُعدٍ غير بعيد، كان إسماعيل واقفًا وحده، غارقًا في عزلته، يحدق في الأرض بعينين ساكنتين، بينما يدس يده ببطء إلى جيبه ويخرج شيئًا.. بخطواتٍ خفيفةٍ مترددة اقتربت رشا منه قليلًا، حتى باتت المسافة بينهما تقارب السبعة أمتار. شعر إسماعيل بوجودها، فالتفت تلقائيًا، ليجدها واقفة تنظر إليه، وما إن التقت عيونهما حتى أشاحت ببصرها سريعًا، كأنها لم تكن تقصِد النظر إليه أصلًا. بدا وكأنها لا ترغب في التواصل معه، إنما أرادت فقط أن تشاركه صمته وعزلته.. لا حديث، لا نظرات، فقط وجود موازٍ لوجوده، كأنها تحاول أن تقترب من عالمه الصامت، أو تلامس بطريقتها مستوى الورع الذي يحيط به حياته. ظل هو يتأملها برهة، يتساءل في نفسه عن سبب مجيئها، ثم خفض بصره إلى الشيء الذي كان يحمله في كفه الذي أخرجه من جيبه، نظر إليه بتمعنٍ قصير، ثم بدا كمن اتخذ قرارًا، فخطا ببطء في اتجاهها. كانت رشا لا تزال واقفة تنظر إلى الفراغ، حين جاءها صوته فجأة، ذلك الصوت الهادئ العميق الذي يحمل في نبرته وقارًا خاصًا، يقول: _كان فيه رواية صحيحة مشهورك عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه بتقول: "سمعَ ابنُ عُمرَ مِزمارًا فوضعَ أصبُعَيْهِ في أذُنَيْهِ، وَنَأَى عَن الطَّريقِ وقالَ لي: يا نافعُ هل تسمَعُ شَيئًا؟ قلتُ: لا، فرَفعَ أصبُعَيْهِ مِن أذُنَيْهِ وقالَ: كُنتُ معَ النَّبيِّ ﷺ وسمعَ مثلَ هذا وصنعَ مِثلَ هذا"، وفيها هنا سنة مهجورة عن الرسول ﷺ عرفهالنا عبدالله بن عمر رضي الله عنه، وهي إن في حالة سماعه للمعازف بيسد ودانه عشان ميستمعش ليها. رفعت رشا عينيها إليه بدهشةٍ لم تستطع إخفاءها، فقد فاجأها اقترابه منها وبدءه الحديث على غير عادته. غير أن اندهاشها سرعان ما انزاح أمام رغبتها في أن يدور بينهما حديث، فبادرت بسؤالٍ يحمل اهتمامًا صادقًا: _هو في فرق من السماع والاستماع؟ _الأمر والنهي بالنسبة للموسيقى في الدين هو لاستماعها بالقصد مش بمجرد سماعها صدفة، عشان كده عبدالله رضي الله عنه ما أجبرش نافع إنه يسد ودانه، لأن نافع سمع المزمار في لحظة وخلاص بعدوا عنه، فالسماع من غير قصد ممكن مناخدش عليه إثم... بس القيام بأبسط السنن المهجورة بيبقى أحسن بكتير. ثم بسط إسماعيل كفه نحوها، فوجدت فيه سدادات أذنٍ صغيرة، تمامًا كتلك التي أعطتها لها رحمة من قبل، وقال بصوته الهادئ: _عندي عادة أسد وداني في المواقف اللي زي دي.. ومش بس عن الأغاني.. عن أي ضوضاء فيها إثم.. زي الغِيبة والنميمة.. والشتايم والخناق في الشارع.. هي اه مبتكتمش بشكل كامل بس بتفي بالغرض. أنا معرفش انتِ خرجت ووقفتي هنا ليه.. بس لو عشان الأغاني.. فخدي دا بنية القيام بسنة مهجورة. ظلت رشا تنظر إلى كفه ثم رفعت بصرها إليه، تتأمل وجهه بعينيها اللامعتين، كأنها ترى فيه طيف صديقتها رحمة النقي يفيض بهدوءٍ مألوف لم تشعر به مع أي أحد. وحين لاحظ ثبات نظرتها قال مبتسمًا برفق: _أنا لسه جايبهم جديد.. متقلقيش، ماستخدمتهمش. _طب.. وانت؟ معندكش واحدة تانية؟ _لا عندي بديل، متشيليش هم. ابتسمت رشا في امتنانٍ عميق، وانشرح صدرها بحبورٍ عارمٍ كنسمةً منعشة مرت في داخلها، ثم التقطت السدادات منه قائلة بعينين ضاحكتين: _شكرًا.. معرفش لو هبقى هبلة بس... أنا فرحت أوي، لأن كان عندي زيهم وضاعوا مني.. هستخدمها دايمًا بعد كده. ابتسم إسماعيل بصدق، وأومأ برأسه، ثم استأذنها بهدوء والتفت ليسير مبتعدًا. ولكن هنا ابتسامتها ما لبثت أن تلاشت سريعًا، وهي تناديه بنبرةٍ خافتةٍ مترددة: _ر.. رايح فين؟ _هتمشي شوية كده وراجع تاني. لم يبتعد كثيرًا حتى تباطأت خطاه فجأة، وعلت وجهه نظرة حذر حادة؛ فقد استوقفه مشهد عربة صغيرة تتقدم ببطءٍ مريب نحوهما. وبحدسه الذي صُقِل عبر شهور الحرب الطويلة، أدرك أن ثمة أمرًا غير مألوف... ذلك الإحساس الغريزي الذي لا يخذله أبدًا حين تقترب الخطر. اما رشا فبدا أن روحها استشعرت ذات الخطر، رأت رشا السيارة ذاتها، فتجمدت في مكانها، وعاد إليها ذلك الحدس الغريزي الذي علمته إياها سنواتها في العصابة، اقتربت منه في حذرٍ وهي تقول: _العربية دي مش عادية... تعالى نرجع بسرعة. أومأ إسماعيل برأسه، وفي اللحظة نفسها، كأن السائق قرأ حركتهما، دوى صوت المحرك واندفعت الحافلة نحوهما بسرعةٍ خاطفة. لم يمهلهما الموقف لحظة تفكير، إذ انفتح الباب الجانبي واندفع منه رجال ضخام الجثة لإمساكهم. حاول إسماعيل المقاومة، وقبضته تنقض على أحدهم بقوة، لكن كثرتهم غلبت قوتهه، فاستلّ أحدهم صاعقًا كهربائيًا وصعقه في عنقه، فارتجّ جسده للحظة قبل أن يسقط فاقد الوعي. في الوقت ذاته، كتم آخرون فم رشا التي كانت تصرخ محاولة الاستغاثة، وجروها بقسوةٍ نحو السيارة. وفي لمح البصر، كانا قد أُلقي بهما داخل الحافلة، أُغلقت الأبواب بإحكام، وانطلقت العربة كالسهم تشق الطريق مبتعدة، تاركة خلفها صدى ارتطام العجلات بالأرض وصمتًا ثقيلًا يغمر المكان. ********** في تلك الأثناء، كان هيثم في منزله، وقد عاد على وجه الخصوص من العيادة البيطرية ليقابل يامن ويتناقشا بشأن تلك الشريحة الغامضة. رن جرس الباب، فنهض هيثم من مجلسه وفتح، ليجد يامن واقفًا أمامه بابتسامته الهادئة المعهودة. رحب به بحرارة وأدخله، ثم جلسا معًا في غرفة المعيشة التي تعبق برائحة البخور والسكينة. _ازيك يا يامن.. طمني عليك، أنا مشوفتكش من ساعة الحرب. _أنا تمام يا هيثم، الحمد لله. _وأخبار زياد أخوك؟ ارتسمت على وجه يامن ابتسامة امتنان وهو يقول: _الحمد لله، اتعالج من الكانسر. تهللت ملامح هيثم وانفرج وجهه في ابتهاج صادق: _والله العظيم؟ الحمد لله والشكر لله، ربنا يحفظه يا رب. ابتسم يامن بإيماءة خفيفة، ثم صمت لحظة يتأمل فيها هيثم قبل أن يقول مداعبًا: _بس إيه الحركات دي؟ شكلك بدأت تخس شوية، أهو كده واحلويت. ضحك هيثم وهو يرد بخفة: _آه ما أنا قريت فتحتي خلاص الحمد لله، وخطوبتي كمان أسبوعين كده. رفع يامن حاجبيه في دهشة صامتة، فبادره هيثم موضحًا: _أيوه أنا.. اكتشفت إن إعجابي بعلا كان بس علشان كنت قليل الاحتكاك بالبنات في العموم، الحمد لله ربنا رزقني بواحدة أحلى منها في الشكل والشخصية... عقبالك. ظل يامن مبتسمًا، لكنه حرك رأسه ببطء وهو يقول بنبرة هادئة تحمل بين طياتها شيئًا من الحنين: _معرفش يا هيثم... علا برضو صعب حد يتخطاها بالسهولة دي. _لا صعب ولا حاجة يا عم، انت بس ركز في نفسك وفي حياتك، وهتلاقي ربنا رازقك من حيث لا تحتسب. أومأ يامن برأسه في شرودٍ صامت، كأنه غير مقتنع تمامًا بما قاله صديقه، إذ كان يؤمن في أعماقه أن لا امرأة تضاهي علا في الجمال والجوهر معًا.. حتى لاحظ هيثم ذلك الشرود الذي أفصح دون كلام عن أن يامن لم يتجاوز عشقه بعد فابتسم في حنوٍّ خفيف، ثم نهض قائلًا: _تمام، أنا هقوم أعملنا كبايتين شاي كده، نقعد شوية ونشوف حوار الميموري كارد ده. _انت شوفت اللي فيها؟ _آه، شوفت بلاوي، معرفش أعمل بيهم إيه، فكويس إنك جيت تساعدني نفكر فيهم. كم معلقة سكر؟ _معلقة. دخل هيثم المطبخ بخطوات هادئة، وبدأ يعد الشاي بعناية كما اعتاد دائمًا. كان الصمت يخيم على المكان، لا يُسمع سوى خرير الماء وهو يتصاعد في الغلاية، حتى اخترق السكون صوت خطواتٍ خلفه... خطواتٍ وئيدة، لكنها واثقة، تقترب شيئًا فشيئًا من موضعه. التقطها هيثم بسمعه، ومع ذلك لم يلتفت، بل قال مبتسمًا على سجيته: _ألّا صحيح يا يامن، ما ينفعش تستغل شغلانتك وتفضح نور بالمعلومات اللي في الميموري دي؟ ولا دا هيأثر على مهنتك مثلًا أو يطردوك؟ ثم التفت هيثم بتلقائية وهو يكمل بنبرةٍ ودودة: _لو خايف على شغلك مش مشكلة، أنا بس... لكن الكلمات انكسرت في حلقه، وانطفأ صوته قبل أن يتمّها... تجمد مكانه، إذ وقعت عيناه على ما لا يُصدق؛ يامن يقف أمامه ممسكًا بمسدس أسود يلمع تحت ضوء المطبخ البارد، ووجهه مغطى بقناعٍ أسود تتوهج عيناه الخضراوان كوميضٍ جاثمٍ من عالمٍ آخر. لم يُمهله يامن لحظةً واحدة ليستوعب ما يرى، إذ رفع المسدس بثباتٍ قاتل، وضغط على الزناد. ودوى صوت الرصاصة كصفعةٍ على جدار الهدوء، واخترقت الرصاصة رأس هيثم، لتُفني حياته في لحظةٍ واحدة، ويسقط جسده بلا حراكٍ على أرض المطبخ. ومات هيثم.. أما يامن... فقد ظل واقفًا في مكانه، كتمثالٍ بلا روح، لا يُرى من ملامحه شيء تحت ذلك القناع الغامض. وبكل سلاسة وبرود لا يليقان بمشهدٍ كهذا، التفت يامن بعد جريمته، ثم أعاد المسدس إلى حقيبته بخفةٍ هادئة، لا اضطراب فيها ولا تردد. سار بخطى ثابتة نحو غرفة هيثم، ودخلها وعلم موضع الميموري بسهولة، فتح الدرج، التقطها، وضعها في جيبه، ثم خرج إلى الصالة في صمتٍ تام، لا يُسمع سوى أنفاسه المنتظمة كآلةٍ تعمل دون روح. لكنه توقف فجأة، حين وقعت عيناه على شاشة التلفاز المضيئة بخبرٍ عاجلٍ يتصدر النشرة. ظهرت أمامه صور وجود يعرفها جيدًا؛ نوح، عصام، علا، مصطفى، هاجر، سليم، وفياض... جميعهم في صورةٍ واحدةٍ، وتحت عنوان عريض بالقبض عليهم باللون الأحمر. والمذيعة تقول: «بعد تحليل الحمض النووي للمجرم العالمي أدهم داغر، أخطر رجلٍ في العالم، تم اكتشاف تطابقٍ في الجينات المسجلة ببنك الجينات، يؤكد أن له ستة أبناء وأخًا، من بينهم المستشار القانوني والمجاهد رئيس حركة ذود مصطفى عبدالباقي، ومعلم الرياضيات المعروف الذي أنقذ طالبًا من الانتحار وقتل شابًا بغير عمد نوح داغر، والمحقق الشهير عصام شرف الذي قبض على أدهم نفسه، كذلك الصحفية المثيرة للجدل علا مرزوق... وجميعهم أسماء ووجوه معروفة في العالم العربي، بل ربما في العالم أجمع. وتشير النتائج إلى أنهم جميعًا أبناء لأدهم داغر، مما يرجح تورطهم في جرائمه، وأنهم مجرمون كأبيهم تمامًا. وبناءً على ذلك، صدر القرار بالقبض عليهم فورًا والتحقيق معهم تمهيدًا لإعدامهم حال ثبوت التهم عليهم.» ظل يامن، بوجهه المحجوب تحت القناع الأسود، يشاهد الخبر حتى نهايته بثباتٍ جليديٍ لا يشي بأي انفعال، ثم تحرك بهدوء، أغلق التلفاز، سار نحو الباب، فتحه وخرج، وأغلقه خلفه بتلقائية تامة. خرج يامن إلى الشارع بخطًى ثابتة، خلع قناعه ببطء، ثم القاه على الأرض. بعدها أشار إلى سيارة أجرة توقفت على الفور، فتح بابها وجلس في المقعد الخلفي وقال للسائق بنبرةٍ واهنة على مكانه. تحركت السيارة وسط الطريق الصامت، ولم تمضِ سوى دقيقتين حتى أغمض يامن عينيه، فغفا كمن غرق في أعماقٍ بعيدةٍ لا يدرك قرارها. نصف ساعةٍ مضت، حتى انتفض فجأة، يفتح عينيه وهو يلهث بشهقةٍ حادةٍ، وجسده يرتجف بقوة، وعيناه جاحظتان مستيقظًا من كابوس عظيم، فانتفض السائق بدوره فزعًا وقال بصوتٍ مضطرب: _بسم الله الرحمن الرحيم... إيه يا باشا؟ اهدا كده، ولا كأن حد دبحك! ظل يامن يلهث، عينيه تجولان في المكان كأنه يراه لأول مرة، مبهوتًا، مذعورًا، لا يعرف أين هو، ولا ما الذي يحدث. قال في لهاثٍ متقطعٍ وهو يمد يده نحو المقعد الأمامي: _لو سمحت... لو سمحت رجعني بسرعة، أرجوك! _أرجعك إيه يا أستاذ؟ لا طبعًا، مينفعش! هو إيه الجنان ده؟ لم يسمع يامن شيئًا. كان وجهه غارقًا في العرق، وصدره يعلو ويهبط ثم همس لنفسه بصوت مخنوق، يحاول أن يطمئن روحه المرتجفة: _أكيد مجرد حلم... أكيد حلم يعني... أكيد... أخرج هاتفه على عجل، وبدأ يتصل بهيثم مرةً تلو أخرى، أكثر من عشر مرات متتابعة، دون مجيب. بدأ الخوف يتكاثف في صدره كسحابٍ أسودٍ، والوعي المزلزل يضربه ببطء. شعر بجفاف حلقه فابتلع ريقه بصعوبة، ثم إتصل بجمال، وحين أجابه، خرج صوته مرتجفًا، محشرجًا من شدة القهر والصدمة، وعيناه تفيض بالدمع المكبوت: _ألو... أيوه يا جمال... حاول تشوف هيثم في أسرع وقت... لأن أنا متأكد إنه مش بخير دلوقتي. *********** في ذلك الوقت، ولم تكن شمس العصر قد مالت بعد إلى المغيب، كان الإخوة الستة يجلسون في حديقة الفيلا، تحفهم سكينة ما قبل الغروب، بينما دار بينهم حديث عميق عن اللقاء الذي جرى بين مايا والسيوم لحظة انهيار مصطفى. بدا أن مايا، في تلك اللحظة المصيرية، قد اكتشف وسيلةً فريدة للتواصل مع روح قوةٍ أخرى مثلها كما فعلها مع ايديكا رغمًا عنه، فكانت تلك المرة الأولى التي يتصل فيها بأرواح القوى الأخرى بإرادته منذ أن وُجدوا على كوكب الأرض. كان نوح يروي لهم تفاصيل ما جرى، حتى قال مصطفى بعدما انتهى نوح: _نجلاء حكيتلي إن عينينا نورت أصفر تقريبًا. رفع سليم نظره إليه متسائلًا بفضولٍ حقيقي: _وانت مشوفتش لحظة لما مايا قابل السيوم؟ هز مصطفى رأسه قليلًا وقال بنبرةٍ متروية: _الحقيقة لا... أعتقد لو كنت في حالة أحسن كنت شوفت زي ما نوح شاف. قال نوح وهو يجلس على الأرض فوق النجيلة: _المرة دي إن شاء الله هتشوف... لأن مايا قال نجرب تاني مع مصطفى وعلا عشان يشوفوا أرواح قوتنا ويتواصلوا مع بعض. ابتسمت علا بسخريةٍ خفيفة وهي تجلس بجانبه على الأرض قائلةً: _اللي جوايا نايمة دلوقتي، مظنش إن الموضوع هينفع. اقترب مصطفى وجلس إلى جوارهم، عاقدًا العزم: _خلينا نجرب ونشوف. جلس الثلاثة نوح وعلا ومصطفى على الأرض على شكل دائرة، وأمسك كل منهم بيد الآخر في هدوء تركيز، فقال عصام الجالسة امامهم ساخرًا: _انتوا هتلعبوا فتحي يا وردة ولا إيه؟ التفتت إليه هاجر متسائلةً بعفويتها الجادة: _إيه فتحي يا وردة دي؟ نظر إليها عصام بدهشةٍ لا تخلو من استغرابٍ وقال: _متعرفيش فتحي يا وردة؟ تدخل سليم وهو يقول في دهشةٍ خفيفة: _هو عادي إنها متعرفش فتحي يا وردة، بس اللي مش عادي إنك انت تعرفها. قهقه عصام قائلًا: _لا يا عم أعرفها طبعًا... لما كنت بنام في الجنينة كنت بروح للبنات الصغيرة اللي في سني، وكانوا بيلاعبوني معاهم عشان عيوني الزرق. قالت هاجر بنبرةٍ جافةٍ ووجهٍ خالٍ من التعابير، لكن في صوتها نغمة غريبة لا يُدرى أهي رغبة أم سخرية: _طب ما ينفعش ألعبها معاكم بعد ما يخلصوا؟ نظر كل من عصام وسليم إليها في ارتباكٍ طفيف، لم يدركا هل تسخر أم تتحدث بجدّ، فتبادلا النظرات في حيرةٍ مضحكةٍ لولا الموقف الجاد أمامهم. وهنا لمح سليم شيئًا أثار فزعه، فصفع ذراع عصام بخفةٍ وهو يهمس في انفعالٍ حاد: _ولا انت وهي! بصوا... بصوا! التفت الجميع نحوهم، فإذا بنوح ومصطفى وعلا جالسون في سكونٍ مطبق كالتماثيل، وأعينهم متوهجة باللون الذهبي الساطع. تجمد الجميع في أماكنهم، وقد علت وجوههم رهبة وذهول، والدهشة تخترق الصمت رغم سكونها. وهناك، في سكونٍ كثيفٍ وظلمةٍ أرجوانيةٍ حالكة، عند النقطة التي صارت موضع اللقاء، وقف مايا شامخًا كما لو كان نُحت من جوهرٍ غامض. كان يحمل ملامح نوح، غير أن جسده جاوز الثلاثة أمتار طولًا، وجناحان عظيمان مطبقان على ظهره، وبشرته أرجوانية ذاكنة تومض بلمعٍ عميق، وعيناه ذهبيتان كالشمس الغاربة، وشعره الفضي الطويل يتدلّ حتى صدره، تعلوه لحية فضية تزيد هيبته سحرًا. وقف هناك بهدوءٍ مهيبٍ ينتظر ظهور الأرواح الآخرين. ولم يطل الانتظار حتى بزغ من الظلال السيوم من جديد، وهو يحمل ملامح مصطفى، وصفاته مماثلة لصفات مايا، غير أنه بلا جناحين ولا شعر طويل. تقدم السيوم بخطواتٍ وئيدةٍ حتى وقف أمام مايا، وانحنى له انحناءةً خفيفة وهو يقول باحترامٍ جليل: _جلالة الملك.. أنا سعيد إني قدرت أشوفك تاني. رد مايا بنبرته الهادئة التي تشوبها مسحة استياءٍ عميق: _ملك إيه بقى يا السيوم؟ مبقاش فيها ملوك... كلنا بقينا واحد دلوقتي، مش لازم الحركات دي. صمت السيوم لحظةً، ثم قال بابتسامة خفيفة ليطيب خاطر مايا: _على الأقل الجناحات لسه موجودة. وفي تلك اللحظة انشق الصمت عن صوت تثاؤبٍ عالٍ، فالتفتا في الوقت نفسه ليجدا تاجيتي تنهض من نومها، وهي تُزيح شعرها الفضي الهائل الذي يتدلى كالشلال حتى جاوز الأربعمائة متر. ظهر وجهها المشابه لوجه علا، في جسدٍ أنثويٍ مهيبٍ يحمل صفات مايا والسيوم نفسها. أزاحت خصلات شعرها المتلألئة بنعاسٍ واضح، وحدقت أمامها لترى مايا والسيوم يتقدمان نحوها، فظلت تحدق بهما بعينين نصف مغمضتين وهي تقول بخمولٍ: _انتوا إيه؟ قال السيوم بصرامةٍ توحي بالاعتياد على النظام: _قومي واحترمي حضرة الملك! رمقت تاجيتي مايا ببرودٍ وهي تقول: _آه... دا انتوا... ثم نظرت حولها في ضجرٍ وقالت بنبرةٍ متبرمةٍ: _المكان دا تاني؟ إحنا موتنا تاني ولا إيه؟ انزعج السيوم من أسلوبها، لكن مايا أشار له أن يهدأ، وقال لها بصوته الواثق الهادئ: _لا يا تاجيتي، إحنا ماموتناش... أنا بس شوفت طريقة تخلينا نتقابل ونتكلم سوا. ابتسمت تاجيتي ابتسامة تهكمٍ وهي تنهض ببطء: _والله؟ ماشي يا سيدي... عايزنا نتكلم في إيه بقى؟ كاد مايا أن يتحدث، لكن السيوم قاطعه قائلًا بجديةٍ طفيفة: _معلش يا فخامتك بس... أنت اتأكدت من طريقة نطق إسم "السيوم" لما سمتني؟ لأن نطقها طلع غلط ودا عصبني شوية. ضحكت تاجيتي بسخريةٍ خفيفة وقالت: _إنت لسه بتضايق وبتتعصب من اتفه حاجة ومهووس بالحاجات المثالية دي زي ما إنت متغيرتش... كويس إنك في جسم مصطفى، أكتر واحد مثالي فيهم. قال مايا بهدوء: _فكرة إن فيه لغة تانية على الكوكب دا كانت صعبة عليا شوية، ومش متعودين عليها، فنطقت اسمك غلط... متركزش كتير. قالت تاجيتي وقد ارتسمت على وجهها ملامح دهشةٍ خافتة: _لا، أنا اللي اتصدمت منه إنهم بيشوفوا لوننا بنفسجي! وبيشوفوا عالمنا كله نفس اللون بس بدرجات مختلفة، رغم إن عالمنا فيه أكتر من مليون لون... بس هما مبيشوفوش غير اللون دا ودرجاته. قال مايا بنبرةٍ تحليليةٍ عميقة: _لأن ألواننا غير ألوانهم، فطبيعي إن عقلهم يعجز عن ترجمة اللون دا بالضبط... فطلع عندهم زي نوع من عمى الألوان في أي حاجة تخصنا. المهم... خلونا نتكلم في اللي عايز أتكلم فيه. سكت الاثنان ليستمعا، فتنهد مايا وصمت لحظة يرتب فيها أفكاره المتزاحمة في صدره.. امتدت أنفاسه ببطء، ثم قال بصوتٍ عميق تتخلله نبرة خفية من الإرهاق: _كل كائن مننا لما دخل جوا جسم إنسان في الكوكب دا... وهو تم إجباره يتعايش.. ويحط هدف لنفسه، وتختلف الأهداف دي.. فيه اللي بيحاول يتأقلم، وفيه اللي بيقاوم، وفيه اللي بيحاول يرجع لأصله، وفيه اللي بيستغل الجسم اللي هو فيه. ودا كلامي كملوك.. إنما شعبنا، فمعظمهم تم استبعادهم.. وأُجبروا يبقوا خدامين للإنسان.. حتى أنا قتلتهم بإيديا. ضمت مايا برهة، وابتلع الصمت ليخرج مرارته بعدها بقوله: _كل هدف من كل ملك فينا مش هيغير حاجة.. ومش هيفيد بحاجة، إلا هدف واحد بس.. وهو الخلاص والفناء. ظل كل من تاجيتي والسيوم صامتين، يترقبان أن يكمل مايا شرحه، إلى أن قال، وصوته يقطر مرارةً ثقيلة: _أرواحنا وأرواح شعبنا كلها مربوطة بتلاتة، أدهم، نور الديب، وأيًا كان اللي بيتقال عليه البروفيسور دا. التلاتة دول لما يموتوا.. إحنا هنرتاح، وهنفنى من العالم دا كله، لأن بوابة كوكبنا متجزأة على تلات بوابات، وهما دول. قالت تاجيتي، والحيرةُ تتقافز في عينيها: _يعني.. دول لما يموتوا إحنا كمان هنموت؟ ومش هيبقى لينا وجود خلاص؟ ولا هنرجع لكوكبنا ونرجع زي ما كنا عادي؟ _أيوة.. هنموت.. ومش هيبقى لينا وجود.. ولا حتى كوكبنا هيبقى ليه وجود. ساد الصمت بينهم، وغصة حارقة بدأ تعلو صدورهم، قبل أن تنطق تاجيتي بصوتٍ مرتجفٍ تائهٍ بين الذكرى والقهر: _إحنا إزاي وصلنا للمرحلة دي؟ بعد ما كنا بنقود شعوب.. كنا ملوك، لينا مكانتنا، لينا أرضنا وشعبنا، لينا قوتنا اللي الكل بيعيش منها بفضل ربنا.. بقينا في أجسام ضعيفة، ضئيلة، تحت رحمة قوانين غريبة، وعالم ضيق وخانق.. وفي الآخر هنموت كده ببساطة؟! شعبنا وكوكبنا وأشجارنا وبحارنا وبيوتنا وحيواناتنا.. كل دا هتنفى عشان إيه؟ إحنا بنضحي عشان مين؟ وليه نهايتنا تكون كده؟ إحنا عملنا إيه؟ بنتعاقب عشان إيه؟ ظل مايا صامتًا، شاخص البصر في الفراغ بنظرةٍ ثابتةٍ مكسورة، كأنما انطفأ بريقها الأخير في محجرٍ من رماد. لم يتحرك منه سوى دمعةٍ ثقيلة انسابت ببطءٍ على وجنته، فالتفت عنهم في عجلٍ كي لا يروها، كمن يخجل من انكساره أمام التاريخ. غير أن دموعه، في جوهرها، كانت أصدق ما في المشهد.. فقد استحق البكاء حقًا؛ مايا الذي قاد الملوك الستة في نشأة أراضيهم، ورسم للشعب نظامًا قائمًا على الفن والثقافة والعراقة، مايا الذي حمل شعبه في قلبه ورعاهم كالأب، حتى صاروا أمةً تُضاهي النور في سموها. رأى بعينيه كيف يُباد شعبه مرةً بعد مرة، إرضاءً لنزوات بشرٍ دنيءٍ من كوكبٍ آخر. رأى كيف أُهينوا، كيف سُحقت كرامتهم، وكيف غُمس الملوك أنفسهم في أجسادٍ واهنةٍ لا تليق بمجدهم. كان مايا واقفًا، مطأطئ الرأس، يضع كفه على عينيه، في محاولة منه أن حجب انكسار كوكبٍ بأكمله خلف راحةٍ واحدة.. في تلك اللحظة كان القهر فيه أعمق من اللغة، والأسى أثقل من الدموع. لقد انتهى كل شيء؛ انتهت قوتهم ومكانتهم ووظيفتهم الجليلة، انتهى كوكبهم وثراؤه الحضاري، تلاشت أراضيهم وتاريخهم وثقافتهم، وفُني شعبهم المنظم القوي. كل شيءٍ ذاب في العدم... كأنه لم يكن يومًا. حين لمح السيوم ذلك الانكسار الصامت الذي غلف ملامح مايا، قطع الصمت بصوته الهادئ المتماسك: _اعتقد إن ربنا رزقنا بالنعيم والقوة الكفاية في السنين اللي فاتت، وجه الوقت اللي نواجه فيه بلاء حقيقي.. مش هنقدر ننسى كل النعم اللي هو رزقنا بيها ونعترض أول ما يبتلينا. رفعت تاجيتي رأسها قليلًا، وقالت: _إحنا مش هنقدر ننسى فعلًا.. ودا اللي قاهرنا.. إحنا مش بنعترض بس، التحول مرعب يا السيوم.. مرعب! أجابها السيوم بنبرة محملة بإيمان يحاول التشبث بما تبقى من أمل: _سيدنا أيوب عليه السلام غضب على مراته لما قالتله يدعي ربنا علشان يشفيه.. كان شايف إن تمنتاشر سنة مرض قاتل زي دا مش حاجة كبيرة مقارنة بعشرات السنين اللي عاشها في نعيم. إحنا لازم نبص للموضوع بنظرته كده برضو. لكن تاجيتي هزت رأسها وهي تقول: _بس في الآخر ربنا رجعله كل النعيم تاني... إنما إحنا مش هنرجع لنعيمنا.. إحنا هنموت موته حقيرة ما تناسبش تاريخنا ولا مكانتنا. هنا ارتفع صوت مايا فجأة، حادًا قاطعًا كالسيف، لينهي جدلهم: _خلاص! سكتا في اللحظة نفسها، وبعد صمتٍ قصيرٍ أثقله الألم، قال بصوتٍ هادئ لكنه مشدود كوترٍ على وشك الانقطاع: _دا قدرنا.. ومعندناش حل غير إننا نعمل اللي هقولكم عليه. أومآ برأسيهما على مضض، مستسلمين على حكم يعلمون قسوته، ثم قال السيوم بنبرة خافتة لكنها ثابتة: _هننفذ أمرك يا جلالتك، وإحنا معندناش مانع نستخدم قوتنا الكاملة وننهي التلاتة دول في ساعتها، لأني عارف إننا نقدر. بس اللي بيمنعنا إن إحنا مش لوحدنا.. إحنا جوا أجسام ناس ليهم روح وحياة وعيلة، فاعتقد.. الموضوع هيبقى صعب. _إحنا هننفذ المهمة دي من أول ما نوح يموت.. ودي أول مهمة أنا بحاول عشانها. الراجل دا مش عايزنا نخلص ونموت علشان أقدر آخد راحتي وقوتي الكاملة، بالذات إن أول ما يموت احتمال يقعد من تلات لخمس سنين ميت لحد ما يرجع تاني بقوتي الكاملة. قالت تاجيتي، مذهولة: _من تلات لخمس سنين؟ وإحنا هنستناكم؟ _المفروض. قال السيوم محتارًا: _ولو إحنا هنستناكم.. نور وأدهم وسردار هيستنوكم؟ ظل مايا صامتًا لحظة طويلة، ثم قال في استسلامٍ يقطر مرارة: _مفيش غير الحل دا.. نوح صحته العقلية في الأرض.. ميقدرش يستحمل قوتي ولا يتحكم بيها صح من غير ما يتجنن ويقتل اللي حواليه.. لازم يموت.. لازم! هنا، بينما كان كل من عصام وهاجر وسليم يراقبون مصطفى وعلا ونوح في سكونهم المطبق داخل الغرفة، مرت نحو نصف ساعة أثقل من الجبال، حتى قالت هاجر بضجر: _يكونش ماتوا وإحنا مش عارفين؟ قال عصام، وقد بدا التبرّم واضحًا على ملامحه هو أيضًا: _والله لو ماتوا كنا عرفنا وارتاحنا من اللي إحنا فيه دا. أنا مش فاهم إحنا مستنيين إيه. قال سليم: _طب تيجي نصحيهم؟ في تلك اللحظة بالتحديد، اجتاح عصام شعور غريزي مفاجئ، إحساس مبهم بأن شيئًا يقترب. التفت خلف أسوار الحديقة، فرأى من بعيد شاحنة نقل المساجين تتقدم ببطء نحو هذا المكان الراقي، يحيط بها عدد من السيارات المدرعة التابعة لقوات الأمن. نهض عصام ببطء، وقال لإخويه بهدوءٍ: _خليكم هنا، هرجع لكم تاني. اتجه بخطواتٍ ثابتة نحو باب الفيلا، يراقب الموكب يقترب حتى توقف أمامه تمامًا.. وقف شامخًا، واثقًا، لا يخشى شيئًا. وما إن بدأ عناصر الأمن يترجلون من المركبات حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرحبة، وقال بتلقائية وود: _إيه خير؟ جايين تبلغوني عن حاجة مهمة تخص أدهم؟ لإن لو كده ماكانش ليها لازمة الموكب دا... لكن فجأة، ودون إنذار، اندفع أحد العساكر وركله بقوة في قدمه، فسقط عصام على ركبته، وما لبث الجنود أن التفوا حوله من كل جانب، يصرخون بأصواتٍ حادة اخترقت صمت المكان: _ارفع إيدك! وإياك تقاوم! وإلا هنقتل أهلك كلهم! اندفع عشرات الجنود الملثمين إلى داخل الحديقة كالسيل الجارف، مدججين بأسلحتهم، يصرخون أوامر حادة تشق الهواء، قبل أن يهجموا على الإخوة بقسوةٍ خاطفة. كان نوح ومصطفى وعلا قد استفاقوا بالفعل، وما إن حاولوا النهوض حتى أحاط بهم الجنود يمسكونهم من الأذرع والكتفين، يضغطون عليهم ويأمرونهم بالخضوع التام. وحين لمح نوح هاجر وسليم يحاولان المقاومة، علا صوته بصرامة: _متقاوموش! متقاوموش! كان يعرف أن أي مقاومة مستمرة قد تجرّ مأساةً فورية. وفي لحظات معدودة، أُمسك بالجميع، واستسلم الإخوة واحدًا تلو الآخر، حفاظًا على من بالداخل... أولئك الذين بدأوا يسمعون الضجة ويخرجون مذعورين، يصرخون ويسألون ويتخبطون بين الصدمة والهلع. وحين خرج فياض من الفيلا، اندفع إليه الجنود وأمسكوه هو الآخر، بينما اصطف صف من العناصر المسلحة كجدارٍ من الحديد، يمنع العائلة من الاقتراب أو حتى محاولة الدفاع عنهم. انهارت يمنى وملك ومريم بالبكاء، أصواتهن تتكسر بين الذعر والعجز. أما غادة وإبراهيم فحاولا مخاطبة الجنود بعقلانية، يسألان عن السبب، عن الاتهام، عن معنى هذا الهجوم الوحشي، لكن لم يجبهم أحد. ومن نافذة الطابق العلوي، كانت ياسمين ونجلاء تحدقان بصدمة وقهر جامد. وفي الأسفل، وقف رجب وديميت خلف النافذة الأرضية، تحتضن الأخيرة ريان الصغير، وقد اتسعت عيناه بصدمةٍ طفولية بريئة لم تستطع روحه فهمها بعد، بينما تحاول ديميت أن تتماسك لأجله، أن تكون عمودًا لا ينكسر أمام خوفها. التفت نوح نحو غادة، نظر إليها نظرة قصيرة لكنها مليئة بالرغبة في طمأنتها قبل أن تُعصب عيناه بالقماشة السوداء. وقامت هاجر بنظرة أخيرة تبحث فيها عن إبراهيم لتطمئن لسلامته، بينما كان سليم يدور بعينيه في فزع باحثًا عن ريان. كانت وجوه الإخوة الستة كلها مشدودة مضطربة، عدا مصطفى… الذي ظل ثابتًا كصخرة باردة، لا يزحزحه إلا صوت بكاء ابنته الذي اخترق قلبه كطعنة صوتية لا تُقاوم. قُيدت أيديهم جميعًا إلى الخلف، وسيقوا واحدًا بعد آخر إلى حافلة نقل المساجين، يدفعهم الجنود ويمسكون بهم بقسوة مدربة. وبعد إغلاق الأبواب الثقيلة، انطلقت الحافلة وسط هدير محركها، يتبعها الموكب المدرع، بينما بدأ الجنود الآخرون ينسحبون تدريجيًا من الحديقة، يركبون سياراتهم بزخمٍ منظم، حتى اختفى الجميع خلف بوابة الحي الراقي، تاركين وراءهم صمتًا ثقيلًا ووجوهًا مبللة بالدموع. وهكذا... تم القبض على كل من.. نوح داغر، عصام شرف، علا مرزوق، مصطفى عبدالباقي، هاجر، سليم السمان، وفياض أشرف…بتهمةٍ واحدة: قربهم من أدهم بالدم.
ROMISAA