مصارعة الوهم ٣

مصارعة الوهم ٣

48 1

١٤ نجلاء الآن في المستشفى. انتهت من عملية قيصرية صعبة خرج منها المولود بصحة جيدة، والأم كذلك. كل من في المستشفى يشهد على مهارة نجلاء في مجالها وأنها طبيبة بارعة حقًا، بل يشهد على ذكائها وبشاشة وجهها وطمأنتها للنساء وتعاملها اللطيف مع الأطفال. إنها امرأة ذكية وفطنة. أثناء ما كانت تسير بالقرب من العناية المركزة، سمعت رجلًا وامرأة يتشاجران نوعًا ما بصوت ليس عاليًا، ولكن حديثهما جذب انتباهها. _أنت معادش ليك فايدة يا محمد، أقسم بالله، إحنا معناش فلوس ناكل، حرام عليك الواد هيروح مننا... لازم حد يتباع فينا. _أنا مش هبيعكوا ولا هبيع بناتي يا آمال انسي. _ومين قالك إني عايزة أبيع بناتي؟ أنا عايزة أبيعك أنت، يا محمد. _إنتي بتقولي إيه؟ _خسرت شغلك وبقيت عاطل ولا حد فينا عارف يعيش بسببك... كمل جميلك بقى وبيع نفسك عشان نستفيد منك ولو مرة واحدة. _يا ستي، قولتلك أنا بدور على شغل، والله العظيم أنا مستعد أشتغل أربع شغلانات عشان ابننا يعيش، وبعدين إيه ولو مرة واحدة دي؟ معقول طول حياتكوا مستفدتوش مني؟ دا مفيش حد بيشتغل غيري وبيتعب غيري. _تعب وشغل عالفاضي، يا محمد. أقولك أنا خلاص هبيعك والعيال هيوافقوا. خلاص، انسي. هنا تدخلت نجلاء وأتت إليهم قائلة: _أقدر أساعدكوا في حاجة؟ قالت المرأة: _لا، مفيش حاجة، يا دكتورة. قال الرجل: _لا، فيه، يا دكتورة. يرضيكي، مراتي عايزة تبيعني... _يا دكتورة، بقاله أسبوع مبيشتغلش، وجوده زي عدمه، وإحنا قرفنا. مفيش مرة شوفته راجل وبيجيب أكل يشبع عياله، وأهو ابنه محتاج عملية ومعندناش فلوس نعملهاله. قالت نجلاء: _اصبري، يا حاجة. لا تنسوا الفضل بينكم، مينفعش تبيعيه، مينفعش. _فضل إيه يا دكتورة؟ هو دا ليه فضل علينا في إيه؟ حتى الشغلانة اللي كان بيشتغلها مكانتش بتكفينا، بس أنا كنت ساكته وصابرة. بس لحد هنا، وإحنا مش محتاجينه، مالوش لازمة في حياتنا، مش هيبقى ليه لازمة إلا بعد ما يتباع ونأخذ فلوسه. _وبعد ما تاخدي فلوسه؟ مش الفلوس دي هتخلص؟ يا حاجة، اللي بيتباع بيروح ومبيرجعش... مبنعرفش هو بيروح فين ومبيبقاش فيه أي وسيلة اتصال توصله. إنتي مش خايفة على جوزك؟ _لا، مش خايفة. _مش مستاهلة الخوف دا كله، يا نجلاء. التفتوا ثلاثتهم، كان القائل الطبيب علي، جراح في هذه المستشفى. _اللي بيتباعوا بيروحوا مكان بيتعلموا فيه، وبيشتغلوا فيه في شركات عالمية، وبيشتغلوا في مزارع وهكذا... مفيش حاجة تقلق في كده. قالت نجلاء: _يا سلام؟ ولو الموضوع مش مقلق... ليه مبيبقاش فيه أي تواصل بين الشخص وعيلته؟ وليه الرضيع والطفل اللي مكملش عشر سنين بيتباع؟ _الأطفال بيتباعوا عشان يتم رعايتهم في مكان أحسن وعائلات أحسن يتكفلوا بيهم أو يتبنوهم... مفيش أي قلق عليهم. أما بخصوص حوار الاتصال... ففكرة البيع في كده... نقل الشخص من مكان فقير ومن عيلة سيئة لمكان أحسن وعيلة أحسن وشغل أحسن... فبالتالي الشخص لما يروح للمكان الأحسن دا، مش هيحتاج يتواصل بماضيه. نظر عليّ للرجل: _بيع نفسك يا حاج ومتقلقش. _لا، مش عايز... مش عايز أبعد عن بناتي وعيالي... مش عايز. أنا معنديش مانع أروح بس يخلوني أتطمن عليهم وأكلمهم. _مهو انت تقدر، يا حاج... أكيد لو احتاجت هيخلوك تكلمهم... بس المعظم مبيحتاجوش من جمال الأماكن اللي راحواها بعد ما اتباعوا. _بجد يا دكتور؟ _آه والله. هنا قالت نجلاء: _كلامك مش منطقي... _لا، منطقي يا دكتورة. وياريت تبطلي وتهدي بقى، لأن مشروع كبير زي دا مبيأذيش الشعب ولا بيضر العالم. بالعكس... بعد ما المشروع دا طلع، اقتصاد العالم اتحسن، وأعداد السكان بقت في توازن جميل، والأشجار كترت، والشوارع بقت شكلها أحلى. ياريت متحاربيش مشروع بالنجاح دا، لأنك أنت اللي هتتأذي. _ومين بقى صاحب المشروع دا؟ مين صاحب الفكرة دي؟ _حكومة العالم، يا دكتورة... ظلت نجلاء تحدق في الطبيب بإنكار واستغراب شديد، وهنا أتت لها مكالمة من المدرسة، فأجابت بسرعة: _ألو، السلام عليكم. _وعليكم السلام... دكتورة نجلاء، محتاجينك تيجي المدرسة عشان بنت حضرتك...                                   ****** . . . منذ سته سنوات نوح يعود إلى منزله وهو في عمر الثلاثين، يعود بعد المغرب وهو متعب بشدة، فهو يعمل حدادًا في أحد المصانع ذات الأعمال الشاقة. عاد وتحمم، وحين خرج من الحمام وجد رشا في غرفته وكانت في كامل زينتها وكانت تصور نفسها صورًا كثيرة. رشا هي زوجته الثانية... كانت صديقته في الكلية، ولكن بعد التخرج قطع اتصالهم ببعض. وبعدما تزوج نوح بشيماء وطلقها بعد سبعة أشهر من زواجهما فقط، بالصدفة وجد حساب رشا... ودار بينهما قصة حب الكترونية انتهت بالزواج. ابتسم نوح من جمالها وأتى واحتضنها من الخلف وقبل رقبتها، فأمسكت يده وأبعدته برفق وهي تقول: _أنت جيت. _آه قولتلك هاجي... مسخنتيش الغدا؟ _لا، نسيت. ابقا سخن أنت بقى _طب... ما تخليني أبدأ بيكي... إنتِ وحشاني أوي. _لا، معلش، مش عايزة. _أومال عاملة كل دا لمين؟ _ليا مثلاً؟ _رشا، أنا بجد عايزك... إنتِ هتخليها مرة في الأسبوع ولا إيه؟ _وأنت عايزها كل يوم ليه؟ إحنا مش جواميس يعني. _طيب، طيب، خلاص، خلاص. _هو إيه اللي طيب طيب إيه، مش مستحمل كلامي؟ تركها نوح وذهب إلى المطبخ لكي يسخن أكله ويأكل. وأثناء ما كان يأكل في الصالة، أتت رشا إليه وقالت: _الشتا داخل يا نوح، ومحتاجة أجيب هدوم جديدة. صمت نوح قليلاً وكأنه تورط، ولكن حاول أن يخفي ذلك وقال: _ماشي... قولي عايزة كام وهديهولك. _عايزة ألفين جنيه. نظر نوح إليها لتقول له: _إيه؟، معاكش ألفين جنيه؟ ظل نوح ينظر لها وقال بنبرة صارمة وكأن طفح كيله: _لا يا رشا، معاييش ألفين جنيه. _وبعدين بقى في أم العيشة دي... هو أنا هفضل أصرف من فلوسي كده كتير؟ أنا خلاص فلوسي خلصت، ومحتاجة فلوس تاني. أعمل إيه دلوقتي؟ _طب، أنا عندي فكرة حلوة يا حبيبتي... ما تبطلي تجيبي حاجات كتير مثلاً؟ _حاجات كتير إيه؟ هو اللي أنا بجيبه دا حاجة؟ دي كلها أساسيات كنت بجيب أضعافها لما كنت عايشة مع أبويا. هو أنت لازمتك إيه يا نوح، من أول ما اتجوزنا بجد؟ قولي، بتعمل إيه؟ كل يوم ترجع من الشغل تعوز تنام معايا شوية، بعدين تاكل تقولي معنديش فلوس وتقوم نائم، مش فاهمة فلوس شغلك بتروح فين؟ _بتروح على الأكل والبيت، وليكي يا رشا. رشا، أنا من أول ما اتجوزنا ومجيبتش حاجة لنفسي، وبلبس هدوم من عشر سنين... الفلوس اللي بتبقى معايا بديها لكِ عشان تجيبي اللي انتِ عايزاها. أنا بحاول على قد ما أقدر والله. _الفلوس اللي بتبقى دي، كام؟ ألف جنيه ولا خمسمية جنيه؟ دا إيه القرف دا؟ أنا قرفت منك، أقسم بالله، وأنا اللي كنت مفكراك راجل... أمال لما نخلف هنعمل إيه؟ هنشحت في الشوارع؟ ظل نوح صامتاً لا يرد عليها. _مبتردش عليا ليه؟ شعر نوح أن دماغه تنبض من الألم والضغط الذي كان يشعر به من رشا. منذ سنتين من بداية زواجهما وهي دائماً هكذا... تشتكي من قلة المال وتهينه بسبب قلة ماله... كل مرة يصبر ويقنع نفسه أن مزاجها قد يكون معكراً أو شيء من هذا القبيل... ولكن هذه هي شخصيتها... امرأة وقحة بكل بساطة، فليس لده مانع ان اشتكت بشكل مناسب دون اهانات...ولكنها تفضل اهانته دائما _إنتي مش شايفاني راجل عشان... معنديش فلوس؟ _أيوة... مستغرب ليه؟ هو إنت مفكرني بقى هقول ياعيني دا بيتعب في شغله فهراعيه والجو دا... هاخد إيه من مراعاتي ليك بقى؟ مش فاهمة، لا بتصرف عليا ولا بتبسطني بهدايا ولا خروجة ولا أي حاجة... لازمتك إيه في حياتي؟ قال نوح ونبرته ونظراته الباردة لم تتغير: _غريبة... رغم إن قبل جوازنا كنتي بتحبيني جداً... _كنت غلطانة وغبية. نظر نوح إليها وقال بكل هدوء: _خلاص يا حبيبتي... إنتي ليكي كامل الحرية في إنك تصلحي غلطك... إنتي طالق. . . . استفاق نوح أثناء ما كان سارحاً بشدة بماضيه مع رشا على صوت... رشا. _إيه يا مستر... قاعد لوحدك ليه؟ نظر نوح حوله، وجد نفسه في غرفة المدرسين. _إيه، نسيت إنت قاعد فين؟ إنت لسه بتنسى كتير كده؟ _شوية وهقوم... أنا بس مصدع شوية. ذهبت وجلست بجانبه وقالت: _تعرف يا نوح... مكنتش متوقعة إني هقول كده بس... إنت وحشتني فعلاً. صمت نوح قليلاً ثم قال: _هو مين المدير الجديد دا؟ لاحظت إنكوا خايفين منه شوية. _مش خايفين اوي... هو بس... راجل مهم في البلد... مهم جداً. _آه... ماشي. _إنت أخبارك إيه؟ طمني عليك. _إنتِ مهتمة ليه؟ صمتت رشا قليلاً ثم قالت: _إنت كنت صاحبي زمان في كل الأحوال... لازم أتطمن عليك. متقولش إنك شايل مني عشان إنت طلقتني... المفروض أكون أنا اللي زعلانة مش إنت. _لا، مش زعلان أنا بس... مش حابب يكون بينا أي زمالة أو صداقة. _ليه يعني، هو حصل إيه بيننا؟ مش فاهمة. _ولا حاجة... كنتي بتهينيني بس، مش أكتر. حاجة تافهة يعني، متتذكرش. _أنا ماكنتش بهينك... هو أنا غلطانة إني كنت عايزة أعيش عيشة مرتاحة؟ _إنتِ صح. ونهض نوح وخرج من الغرفة.                                ********* تخرج علا الآن من مقر جريدتها بصحبتها يامن صديقها الصدوق... الذي هو لا يراها صديقة بل هو واقع في حبها منذ المرة الأولى التي دخلت فيها مقر الجريدة، أما هي فبالطبع تراه صديقاً مقرباً لا أكثر. بعد بضع خطوات عن مقر الجريدة، وجدت أمامها ماجد... طليقها. توقفت وهي منزعجة بشدة وقالت ليامن: _يامن خليك هنا لو سمحت. توقف يامن وذهبت علا لماجد. _علا... إزيك؟ _مبسوطة الحمدلله. _بجد؟ طمنتيني والله الحمدلله... أصل أنا... دايماً بفكر فيكي. _آه... لدرجة إن دي المرة التالتة في الشهر دا تيجي وتكلمني. _عادي يعني... بتطمن عليكي. _في حاجة اسمها تليفونات. _مستحيل الوش الجميل دا يكون موجود ومرحلوش بنفسي. تنهدت علا بنفاذ صبر ليقول ماجد: _إنتِ ليه بتعامليني كده؟ أنا ماليش ذنب في موضوع طلاقنا. _ماجد... هو ربنا أدى العصمة لمين؟ للزوج ولا لأم الزوج؟ يعني إيه مالكش ذنب في طلاقنا... إنت اللي بتاخد القرار يا حبيبي مش أمك. _والله العظيم يا علا... دا أسوأ قرار أنا عملته في حياتي... والله إنتي مش متخيلة بفكر فيكي إزاي... مش متخيلة أنا بحبك إزاي وعايزك ليا تاني... أنا بجد مكانش ينفع أقلل من قيمتك بالشكل دا. ظلت علا تحدق فيه باستغراب واستحقار شديد ثم قالت له: _أنا مش قادرة أصدق إن الراجل اللي بيقول الكلام دا متجوز ومخلف اتنين. _لو دا اللي مانعك إنك ترجعيلي... أنا ممكن أطلقها، معنديش مانع. _يابني إيه اللي بتقوله دا؟؟؟ أخذت علا نفساً عميقاً لكي تهدئ من روعها. _ماجد... صمتت علا مدة طويلة ثم قالت: _أنا مش عايزة استخف بمشاعرك تجاهي... إنت كنت راجل طيب... بس إنت وامك ظلمتوني... وأنا مسامحاك بس مش مسامحة أمك... بس مش عشان أنا سامحتك يعني كده هرجعلك... حتى لو مكنتش متجوز خالص مكنتش هرجعلك خالص يا ماجد. إنت راجل طيب بس عبيط... وبصراحة أنا شخصياً معنديش مانع مع الراجل العبيط... بس ميكونش جوزي. ظل ماجد ينظر إليها ثم ابتسمت له ابتسامتها اللطيفة. _انساني يا ماجد... انساني لو سمحت. _ممكن أنساكي لو لقيت واحدة شبهك... بس مفيش حد شبهك نهائي يا علا... مفيش خالص... إنتي عملة نادرة. _شكراً... بس مفيش حاجة اسمها كده... ركز مع مراتك هتلاقيها أحسن مني... وركز مع عيالك لأنهم محتاجين أب وراجل في حياتهم... سلام. ذهبت علا وتركته وسار معها يامن. حين ركبا إحدى الباصات وجلسا قال يامن: _بقولك يا علا... هو أنا عبيط؟ نظرت إليه وهي مستغربة. _إيه دا ليه؟ _يعني... لو حطوا قدامك خيار إنك تتجوزيني... هتقولي لا دا عبيط مبتجوزش الرجالة العبيطة وكده؟ ضحكت علا ولم ترد عليه فابتسم وقال: _دي آه ولا لا؟ _عندك أم؟ _الله يرحمها. _خلاص يبقى مش عبيط. _هو أي حد يبقى عنده أم يبقى عبيط؟ _يعني مش كلهم. ضحك يامن وهو مستغرب بشدة. مر الوقت ووصلت علا لمنزلها، كان منزلاً كبيراً بعض الشيء من دور واحد. وفور دخولها ساحة المنزل، تجمع حولها الكثير من القطط. ضحكت علا وهي تقول: _حاضر حاضر اصبروا. أخرجت كيس الطعام المجفف لهم وافرغته في أماكن مختلفة في الساحة، وتوزعت القطط لكي تأكل. دخلت بعدها المنزل ووجدت خالد جالساً. _إزيك يا خالد؟ _الحمدلله... هو كل لما أجي أزور أبويا ألقاه بيطبخ هو وإنتِ سايباه كده؟ _سايباه عشان بكون في الشغل مثلاً؟ هنا خرج معتز من المطبخ وهو يقول: _بقولك إيه يا خالد، سيب علا تعمل اللي هي عايزاه. دي بتخدمني وتريحني طول اليوم. مش عشان الساعتين اللي بقف فيهم في المطبخ دول تقولها الكلمتين دول. أنا أساساً بحب أطبخ مالكش دعوة. ضحكت علا وذهبت لمعتز وقبلت رأسه وهي تقول: _هغير هدومي وأجي أساعدك. أكّلت ليزا؟ _آه يا حبيبتي، أكلّتها ونايمة في سريرك مرتاحة. صعدت علا إلى غرفتها ووجدت قطتها العزيزة التي تبنتها منذ ثلاث سنوات نائمة على سريرها على ظهرها. وكعادتها، حين تراها علا، تبدأ في إصدار بعض الأصوات غير المنطقية من فمها: _ييكووتتييسععسللستهصتصريريَسربرثنس يروحييي يروحخيي. ظلت علا تقبل قطتها، قبلتها في بطنها، وفي يديها، وفي فمها، وفي عينيها، وفي رأسها، وأخذت جرعة سعادة من قطتها. بعدها عادت لطبيعتها وبدأت تغير ملابسها. _أنت هتفضل كده يا بابا؟ حاببها أكتر مننا؟ أمال لو كانت بنتك بجد؟ _أنا مش حابب حد أكتر من حد يا خالد. بس أنا ما بحبش الاستعلاء اللي بتبقى في معاملتكم ليها. هي زيها زيكوا. متنسوش أمكم كانت بتحبها قد إيه، الله يرحمها. صمت خالد ونظر إلى الدور الذي فوقه ليجد علا تنظر إليه بابتسامة عريضة مستفزة.                            ******** ^^ على الطالبة روان عزت متولي التوجه لمكتب المدير فوراً ^^ ^^ روان عزت متولي ^^ ^^ روان عزت متولي ^^ هذا ما كانوا الطلاب والأهالي يسمعونه في نهاية اليوم الدراسي من سماعات المدرسة. اختفت تلك الطالبة التي تدعى روان اختفاءً مفاجئاً، ونرى مريم وهي ممسكة بيد أمها نجلاء يخرجان من المدرسة. وكانت مريم تنظر إلى أهل روان، ولأمها التي كانت قلقة للغاية لدرجة البكاء، وللمدرسين والعمال الذين يبحثون عن تلك الطالبة التي اختفت فجأة. كان هناك حالة قلق شديدة تعم المكان. عادت نجلاء من عملها ومعها مريم ابنتها، وحين دخلتا الشقة، وجدتا أم مصطفى، التي تدعى ريهام، تخرج من المطبخ. _مريم، إزيك يا حبيبتي؟ لم تنظر مريم إليها ودخلت غرفتها مباشرةً. فنظرت ريهام إلى نجلاء التي كانت تريد البكاء بشدة. _تعالي يا بنتي اقعدي وفهميني إيه اللي حصل. جلست نجلاء مع حماتها، وقالت لها ريهام: _مصطفى اتصل بيا وقال لي أجي هنا أعمل الأكل عشان إنتِ هتكوني مشغولة بمريم وهي تعبانة جداً. مالها مريم؟ حصل إيه يا بنتي؟ _روحت المدرسة، لقيتها بتعيط في أوضة الأخصائي. مبطلتش عياط إلا لما حطيتها في حضني. حكولي إنها في الحصة الثانية نزلت الحمام ومن ساعتها ما رجعتش. دوروا عليها في كل مكان حرفياً، مش موجودة كأنها فص ملح وداب. دوروا في كل الفصول، وفي كل الحمامات، وفي كل الأوض، حتى فتحوا المخازن وملقوهاش. ملقوهاش إلا قبل المرواح بشوية، سمعوا صوت صريخها في حمام البنات، حمام البنات اللي دوروا فيه مليون مرة وملقوهاش فيه. لقوها حاطة إيديها على عينيها مرمية على الأرض وبتصوت. بنحاول نفهم منها إيه، مبتتكلمش خالص يا ماما. بدأت نجلاء بالبكاء وقالت: _بنتي بتعاني وإحنا مش عارفين نساعدها يا ماما. الشعور ده وحش أوي. ظلت ريهام تهدئ نجلاء واحتضنتها. _اهدي يا بنتي، اذكري ربك. كل حاجة هتتحل بإذن الله. اهدي يا حبيبتي. وهنا نرى مريم في غرفتها تكتب كل شيء رأته وكل شيء قالت عنه تلك الفتاة لها. مريم غير بارعة في الرسم مطلقاً، ولكنها رسمت وجه هذا الرجل الأخير الذي رأته يشرح جثة تلك الفتاة بشكل احترافي. بعد قليل، نرى مصطفى يخرج من سيارته ويصعد بسرعة إلى شقته ويدخلها. ووجد أمه ونجلاء جالستان، ولاحظ أن نجلاء تبكي. أتى إليها بسرعة ووقفت له، وقال وهو يمسح دموعها: _بس بس، اهدي يا حبيبتي، إيه اللي حصل؟ _ما حصلش حاجة بس... بنتنا تعبانة أوي يا مصطفى... صمت مصطفى واتجه إلى غرفة مريم وطرق الباب ودخلها. وجدها جالسة واضعة رأسها على المكتب نائمة ممسكة بقلمها الرصاص. اقترب منها لكي يوقظها، ولكن لاحظ بدفترها مفتوحاً وبها تلك الرسمة لذلك الرجل. برفق، سحب الدفتر وظل ينظر لتلك الرسمة. كان متعجباً بشدة أن مريم لديها تلك الموهبة وبمهارة عالية. لم يراها ترسم قط، بل يتذكر أنها لا تحب الرسم من الأساس. ليست الرسمة فقط ما جعلته يتجمد من الصدمة، فقد قرأ ما كتبته ابنته: لم يفهم مصطفى فعاد للصفحات الأولى وقرأ من بداية الجثث المعلقة بالخطاطيف، إلى غرفة السلخ، إلى غرفة اقتلاع الأعضاء، إلى غرفة التقطيع واستخراج العظام، إلى غرفة ذلك الرجل. شعور مصطفى كان لا يوصف. حيرته، وصدمته، وقلقه وخوفه كانوا في أعلى مراحلهم. هل هذا كان كابوساً كتبته مريم؟ كيف يكون كابوساً بهذه التفاصيل؟ هل هذا شيء من عمل شاهدته من قبل؟ لم يتحمل مصطفى أن ينتظر أكثر، فأخرج هاتفه واتصل بعمر وخرج من غرفة مريم وهو يحمل الدفتر. _السلام عليكم. _وعليكم السلام. _دكتور عمر؟ _أيوة، اتفضل. _لو سمحت، عايز أحجز جلسة لبنتي. _حضرتك تعرف نوح داغر؟ _آه... ليه؟ _أصل ده رقمي الشخصي، أكيد هو أداهولك. _أنا بعتذر والله، ماكنتش عارف. _لا، ولا يهمك يا فندم. تحب الجلسة تكون إمتى؟ _ينفع بكرا بالليل؟ _تمام. بكرا الساعة ستة. هبعتلك لوكيشن العيادة على الواتس لو متعرفهاش. _تمام، اشكرك جزاك الله خيرًا. أغلق مصطفى وصور الصفحات التي في الدفتر ليرسلها لعمر ثم دخل الغرفة وأرجع دفترها إلى مكتبها. بعدها حملها وخلع ملابسها وجعلها ترتدي ملابسها البيتية وغطاها وقبل جبهتها. جلس بجانبها وهو ينظر إليها ويمسح على شعرها. وهنا بدأ في تلاوة القرآن. مصطفى صاحب صوت جميل جداً وتلاوته للقرآن بارعة للغاية. أتت نجلاء وجلست بجانب ابنتها أثناء ما كان يتلو القرآن. فهي تحب أن تسمعه جداً. ظل مصطفى يتلو القرآن بصوت هادئ وجميل إلى أن شعر أن السكينة سكنت قلبه وقلب نجلاء ومريم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة