٦٦ عصام الآن في إحدى غرف المختبر المصري، بعدما قام نوح بتعذيبه جزاءً لما فعله بسلمى وخيانته لعلا، أدخله سليم إلى المختبر المصري لكي يتلقى العلاج المناسب له. نائمٌ على سرير في حالة ثبات تام، وحوله تلاميذ يوسف إمام يتأملون تفاصيل إصاباته في جسده، بوجوه عابسة وعيون متحيرة، مصدومين بكل تلك الإصابات. وقد سأل أحدهم بنبرة يغلب عليها الحيرة والتعجب الشديد: _إيه نوع الحادثة اللي هو مر بيها؟ خمن أحدهم بنفس النبرة: _عربية نقل مشيت عليه؟ خمن ثالثهم: _ولا وقع من الدور التلاتين؟ ظل سليم صامتًا، ممتنعًا عن الإجابة لعجزه الشديد عن وصف ما حدث، وبقوا في هذه الحالة من الاضطراب والتخمين وهم يقومون بالكشف عليه. وبعد دقائق، دخل يوسف عليهم بعدما أرسلوا له بلاغًا بقدومه. وفور أن دخل ورأى حالة عصام المزرية، تعجب بشدة. يوسف، الرجل صاحب الهدوء والأفعال الباردة، رغم ثبات صوته وبرودة ملامحه، إلا أن الصدمة والحيرة الخفيفة بدت على عينيه وهو يقول: _هو لسه عايش؟ قال سليم وهو يشعر بالورطة: _آه... هو للعلم شايفنا وسامعنا دلوقتي. نظر يوسف لإحدى طلابه وهو يسأله: _كشفتوا عليه؟ أجابه الطالب وهو يسلمه بعض صور الأشعة المقطعية والسينية: _آه يا بروفيسور، مفيش عضمة في جسمه سليمة غير عموده الفقري تقريبًا و٧٠٪ من جمجمته، وكمان فيه رصاص متوقف وناحية جبهته وسبع رصاصات منتشرين في جسمه. كان يوسف يستمع لطالبه، عاقدًا حاجبيه من فظاعة الكسور في جسد عصام. وازدادت عقدة حاجبيه وقطب وجهه فور أن سمع بأمر الرصاص ورآها في جسده بالفعل. فالتفت إلى سليم وسأله: _رصاص؟! رفع سليم منكبيه ليظهر قلة حيلته، ثم أردف الطالب: _إحنا قدرنا نشيل الرصاص من جسمه، فيه قوة غريبة في عضلاته ولحمه خلت الرصاص ميغرزش أكتر. الراجل ده معجزة نوعًا ما. ده غير حروق الدرجة التالتة اللي لما حللنا سببها عرفنا إنها من ماء نار. أظن دي حالة تعذيب؟ أومأ يوسف برأسه ثم أمر الطلاب بالخروج، وتركهم وحده مع سليم. وبعدما خرجوا، عاد ونظر إلى سليم بعينيه الطيبتين رغم برودهما. _في إيه بقى؟ أجابه سليم وهو مضطرب من هيبة يوسف: _خناقة بين إخوات. _أنوبيس اللي عملت فيه كده؟ _قصدك هاجر؟ لا، لا، مش هي. ده نوح. لم يُبدِ يوسف أي رد فعل مما سمعه، ثم قال بعدما فحص عصام أكثر: _مروحتش لبيتي أحسن ليه عشان ناخد راحتنا؟ _ما أنا اتصلت بنور قال إنه في تركيا وإنك مش موجود، فقلت أجي هنا. توقف يوسف عما يفعله ثم التفت إلى سليم متسائلًا: _نور؟! ارتبك سليم من نظرة يوسف الثاقبة وأجابه: _أ.. آه؟، نور الصاوي تلميذك اللي ربيته. تنهد يوسف وهز رأسه باستياء، كما لو كان قد نفذ صبره من شيء محدد في حديث سليم. تحير سليم من رد فعله، فاستفسر: _ه.. هو في حاجة؟ الموضوع كان سر ولا إيه؟ هو اللي قالي والله. كنت بحسب إن الموضوع عادي. _خلاص يا سليم، خلينا نركز في عصام دلوقتي. سكت سليم فور أن أمره يوسف بذلك، فور أن رأى عقدة حاجبيه الغريبة التي لم تكن تُظهر سوى الاستياء والقلق الطفيف. وبعد صمت دام برهة، قال يوسف ما صدم سليم: _المادة مش هتنفع معاه. لو حقنته بيها وهو في الحالة دي، ممكن الخلايا تلتئم بشكل غلط وتنتج عنه تشوهات أبدية. سأله سليم وقد بدأ يشفق على عصام نوعًا ما: _يعني إيه؟ مش هينفع يتعالج خالص؟ نموته بقى على طول الموت الرحيم ده؟ لم يجبه يوسف من شدة انشغال عقله وتفكيره المفرط، حيث كان يتمعن في إصاباته وفي الأشعة، يخطط ويرسم ويتفكر، إلى أن قال: _عدد الذرات في جسم الإنسان هي ٦٧٠٠ تريليون تريليون... يعني الموضوع هياخد وقت، ممكن ساعات. الذرات، هي التي توجد في كل ما هو مادي حولنا، أصغر الجسيمات التي تتكون منها كل العناصر. فكل ما نراه ونلمسه يتكون من عناصر، وكل عنصر يحتوي على عدد معين من الذرات بعدد بروتونات محدد، مثل الأجسام الصلبة والسوائل والغازات والحيوانات وحتى الإنسان. على عكس الأشياء الأخرى غير المادية، مثل الطاقة والمجالات والقوى والجسيمات دون الذرية، فهي لا تتكون من ذرات. وهذه هي قوة يوسف إمام المعقدة: الذرات. قال سليم له والحيرة ما زالت تسيطر على عقله بعدما سمع المعلومة الأخيرة: _مش فاهم يا بروفيسور، دا ليه علاقة بتركيبة المادة؟ _لا، هعالجه بالذرات. مكنتش عايز ألجأ لده بس أنا مضطر. المفعول هيبقى زي المادة، لكن قوتي هتبقى أقوى من المادة بأضعاف. وممكن الألم اللي هيحس بيه يكون أقوى من ألم المادة. اتسعت عينا سليم في دهشة خارقة: _إنت عندك قوة الذرات؟! إزاي؟! إن سليم يعلم بأمور القوة، فقد شرح له نوح في يوم شراء فريدة وأخبرهم أنهم يجب أن يأخذوها لمنطقة دارين، وأن من يمتلك القوى يجب أن يكون من جينات آدم فقط. وحين لم يجبه يوسف، سأله مجددًا: _إنت عندك جينات أدهم؟ إنت تقرب أدهم؟ _مش شرط عشان يبقى عندي قوة، يبقى عندي جيناته. القوة مش مخلوقة لجيناته فقط. فيه طرق مختلفة لاكتساب القوة لو مش من جيناته. خلع يوسف سترته، وشمر أكمام قميصه إلى مرفقه، وفك أزراره عند عنقه ليتيح لنفسه فرصة أكبر لأخذ الأكسجين. وكل هذا وسليم يحدق فيه بريبة. وكأن يوسف شعر بالريبة التي تسيطر على عقل سليم، فالتفت إليه قائلًا ليشرح له: _عشان أستخدم قوتي في حالة زي دي، هحتاج أتذكر كل عنصر من عناصر الجسم وعدد الذرات اللي فيه وعدد البروتونات، ومنها أقدر أصنع ذرات وخلايا جديدة للعظام أو الجلد أو أي منطقة مصابة. بالتالي كده هو هيتعالج. والموضوع ده، صدقني، أصعب من إني أعمل عملية جراحية لقلب مفتوح. أومأ سليم برأسه وهو يقول: _ف...فهمت. لو محتاج أي مساعدة أنا تحت أمرك. _عايزك تربطه كويس وتمسكه جامد. ولو عندك سدادة ودان، حطها لأنه هيصرخ صراخ عالي جدًا. شرط تفعيل قوة الذرات هو لمس المادة باليد. فوضع يوسف بيده اليمنى على صدر عصام، حيث القلب، وباليد اليسرى على رأس عصام، حيث العقل. ثم أغمض عينيه ليتعمق في عدد الذرات المطلوبة لصنعها لعلاج كل إصابة في جسده. بدأت الجولة الثانية من تلقِّ عصام أبشع الأوجاع والآلام غير الممكنة. آلام في عظامه، آلام في لحمه، آلام في عضلاته وأوتاره. لم تكن آلامًا عادية، بل شعورًا جديدًا لا وصف له في المعجم، ولكنه بكل تأكيد ألم يضاعف جميع أنواع الآلام. عاد عصام للصراخ من شدة عظمته، حتى شعر سليم أن الأرض تهتز بسبب صراخه. صراخ مصحوب ببكاء وعويل، وتوسّل بأن يقتله أحدهم. كان عصام ينطقها بلسانه، طالبًا الموت بدلًا من هذا العذاب. اشتد عليه الألم النفسي والجسدي الذي لم يواجهه أحد في الدنيا أبدًا، أوجاع نفسية وجسدية لا تُوجد إلا في جهنم. كان ينتفض ويقوم بحركات عنيفة، وكان سليم يثبّته بصعوبة. بينما كان يوسف مغمض العينين، قاطبًا حاجبيه، مركزًا بشدة. استمرت هذه العملية ساعتين. كل نصف ساعة يتوقف يوسف للراحة لمدة خمس دقائق، لاسترجاع طاقته بدواء معين يعيد له قوته الجسدية. فقوة الإنسان في هذه القدرات الخارقة محدودة إلى أقصى حد، ومن المستحيل أن يستمر في تفعيلها إلا بوجود راحة وشروط محددة لكل قوة. وفي كل خمس دقائق، كان عصام يفقد الوعي كالقتلى، وكان يتفوه بكلمات غير مفهومة وأسماء كل من أذاهم في حياته. ثم يعود وهو يصرخ بفزع من الألم المتكرر من قدرة يوسف على شفائه. وفي الساعة الأخيرة، فور أن انتهى يوسف من علاج إصابات عصام من كسور وحروق وكدمات وجروح، أخذ شهيقًا عميقًا وطويلًا، وبدأ يلهث، وكل مسام جسده تتصبب عرقًا. بينما عاد عصام وفقد الوعي. ظل سليم يلهث هو أيضًا من محاولات إمساك عصام المستمرة لمدة ساعتين. جلسا نصف ساعة في صمت وهدوء، بينما كان سليم يتأمل يوسف: ذلك الرجل المدهش الغامض، صاحب النفوذ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، الغني، الذكي ذكاءً خارقًا، وصاحب قلب طيب نوعًا ما. _إنت ليه بتحمينا وبتساعدنا دايمًا، رغم إن والدنا عدوك؟ سأله سليم هذا السؤال بحيرة، ليبتسم يوسف ابتسامة خفيفة وهو يجيب: _أنا مش بحميكم ومش بساعدكم دايمًا. أنا اللي بقدر عليه بعمله عشان انتوا ما ينفعش تموتوا أبدًا. أنا مش بعمل كده حبًا فيكم، بس أنتوا فعلًا مهمين. وممكن أكون بحبكم شوية. ابتسم سليم وهو يومئ برأسه، ولكن اختفت ابتسامته تدريجيًا، واتسعت عينه أكثر فأكثر فور أن خطرت في باله فكرة. انتفض وهو يقول بلهفة: _ب...بروفيسور، ينفع أطلب منك خدمة؟ ومستعد أعمل أي حاجة عشانها. ابتسم يوسف ابتسامته الطيبة المرهقة، وقال بنبرة مطمئنة: _قولي إيه الخدمة يا سليم، من غير ما تعمل حاجة، هعملهالك متقلقش. *********** _خمستاشر سنة!!!! طفلة عندها خمس عشرة سنة!!! . . _خلاص يا نوح، أُقْسم بالله، مش قادر أستحمل أكتر، خلاص. . . _عملت كده في واحدة عندها خمستاشر سنة يا ابن الكلب!!!! . . _خلاص يا نوح، أنا آسف، أنا آسف، أنا آسف، أنا آسف. لا يزال صدى صوت نوح المتكرر يتردد في أذن عصام. وفي كل مرة يسمعه، يشعر بآلام عظيمة تدك جسده. ولا يزال يرى وجه نوح أمامه، وتحديداً يرى عينيه الغائرتين اللوزيتين الناعستين، تماماً كعيني والده المميزة، مما جعل عصام يرى أمامه للحظة أن الذي يعذبه هو أدهم وليس أخاه الرحيم والحساس نوح. حاول إقناع نفسه بأن من أمامه أدهم، ولكنه يعود ويتألم كل مرة يسمع فيها صوت نوح الذي يدحض قناعته، وكانت آلام جسده تزداد عند استيعاب أن من يعذبه هو أخوه بالفعل وليس والده. إن الألم يزداد. الألم لا يحتمل. صرخاته كادت أن تخرق طبلة أذنه من عظمتها. لا يعرف أيعاني من ألم التعذيب أم من ألم أذنه من علو صراخه أم من ألم حلقه من شدة صراخه. لا يرى أحداً حوله، كان يواجه تلك المعاناة وحده، يواجه تلك الأوجاع وحده. كيف لك أن تفعل هذا بي يا نوح؟ كيف لك أن تجعلني أشعر بأبشع ألم في الوجود؟ كيف جعلتني أهوي إلى بئر من جحيم لا مخرج منه؟ إلى متى ينتهي هذا العذاب؟ _طب ومحسيتش بألم علا لما عذبتها أنت برضو؟ فجأة يتوارى تردد صوت نوح واختفت كل أوجاعه في لحظة، ليليه صوت إيمان وهي تسأله هذا السؤال بصوت ثابت وبارد، فور أن سمع عصام صوت إيمان زوجته السابقة التي أقدمت على الانتحار بسببه شعر بانتقاله لمكان مختلف، وزمان مختلف، وطقس مختلف، وأصوات مختلفة. فتح عينيه وهو يتشنج وينتفض بقوة مع شهقة قوية جعلت رئتيه تنكمشان ذعراً، بعدها ظل يلهث، يلهث بقوة وعسر كالكلاب الظمأى، يلتفت حوله بفزع محاولاً التعرف على المكان حوله ولكن لا يرى شيئاً. المكان مكفهر شديد العتمة، مكان غاطس في السواد الحالك. ابتلع عصام لعابه كما لو كان يبتلع زلطاً لشدة جفاف حلقه من كثرة الصراخ ثم قال وأسْنانه تتقفقف كذلك نبرة صوته: _إ..إيمان؟، إيمان دا أنتِ؟ أجابته إيمان بالنبرة الثابتة الباردة ذاتها، تماماً كنبرة الأموات: _أه، ما وحشتكش؟ ازداد لهثه القوي وهمعت عيناه وهو يقول بنبرة مرتجفة والعرق يملأ وجهه: _وحشتيني، وحشتيني أوي، وعايز أعتذر لك، أنتِ فين؟ أنتِ فين عشان أعتذر لك؟ _الله أعلم أنا فين، ممكن أكون في جهنم عشان انتحرت وسيبت مسؤولية ابني، أو في الجنة عشان ربنا رحمني ونقل ذنبي ليك، بس أظن في الوقت ده، المناسب إنك تعمله هو إنك تعتذر لناس عايشة مش لناس ميتة. سكت عصام برهة وما زال جسده ينتفض بقوة كالمصاب بالحمى. _أحمد...و..وعلا...وأهلها،..و..ونوح. _وسعدية. فور أن قالت إيمان ذاك الاسم رأى عصام أمامه باباً وأردفت إيمان بسؤالها هنا: _تعرف مين سعدية؟ قال عصام وهو يحدق بالباب بنبرة استسلام وأسى ممزوجة بثقة وندم: _بنتي. _اتفضل، ليك الفرصة إنك تدور عليها، وتنقذها وده يكون اعتذارك لها، بس بطريقته. _بطريقة مين؟ _هتعرف لما تخرج من الباب. اقترب عصام من الباب بتردد، وقطرات عرقه تنهمر بغزارة من وجهه وترتطم بالأرض، وبيد متعرقة ترتجف توترًا وإنهاكًا يمسك عصام بالمقبض ويفتح الباب ليغمض عينيه بقوة فور أن انقضت عليه أضواء الشمس الحارقة. حمى عينيه بيديه وهو يغمضهما من شدة الضوء الساطع وظل دقائق على هذا الوضع. _بوسعدية، جا بوسعدية، جا بوسعدية. أصوات أطفال، منهم الضاحكون الساخرون، ومنهم الخائفون المذعورون، ومحل تركيزهم كله على عصام، الذي فور أن فتح عينيه يجد نفسه مجددًا مرتديًا ملابس ذلك المدعو أبو سعدية. وأمامه، مكان أشبه بالقرية العربية البدائية كما لو كانت ما زالت في عصر ما بعد الصحابة. حينما استوعب عصام الأمر قالت إيمان له: _بنتك جميلة، عيونها زرقاء وشعرها بني وبشرتها بيضاء وطويلة، وعندها خمستاشر سنة. سنها ده مفكركش بسن حد معين؟ قطب وجهه بشجب وأغمض عينيه من فظاعة ما قالته وهو يقول لها متحسرًا: _خلاص...خلاص... لم يكن عصام يتحكم في جسده أبدًا، إرادته لم تعد ملكه. فبدأ يسير وهو يدق طبلته وبصوت جهوري ينادي على سعدية باحثًا عنها بين النساء في الأسواق لعله يراها بصحبة أمها، ويتوغل بين الأزقة والطرقات لعله يجدها مشردة، يرهف أنظاره في نوافذ البيوت لعله يراها تخدم سيدها. الدموع تنهال من عينيه بأسى بينما جسده لا يتوقف عن الحركة ودق الطبل. كان يتجاهل الأطفال الذين يرجمونه بالأحجار ليزعجوه ويسخروا منه، كان لا يهمه إلا سعدية. _عمرك مرّيت بمعاناة كده؟ واحد وسيم وأشقر زيك من النوع اللي بيعشقوا إنهم يدوسوا على الناس حواليهم، عمرك مريت بمعاناة الزنوج؟ في الحقيقة، فأبو سعدية وبنته كانوا من أصحاب البشرة السمراء، واحتمال يكون ده سبب اختطاف تجار العبيد لها، بس يا ترى هما خطفوا بنتك ليه المرة دي؟ قاوم عصام تغيرات الطقس العنيفة طيلة بحثه عن ابنته، قاوم لفحات الشمس الحارقة في الصباح والهاجرة، قاوم طلقات الرياح القارصة الباردة في زمهرير الليل التي تخترق روحه. تمزقت نعلاه من كثرة السير المهلك، اهترأت ملابسه، فقدت ريشها، فقدت أصدافها، والجلود انشقت. أما هو، فروحه مهترئة كملابسه وحذائه، لم يعد يشعر بمشاعر سوى العار والندم، لم يعد ينطق بكلمات سوى اسم ابنته "سعدية"، لم يعد يفعل شيئًا سوى السير بلا توقف. مر عليه ثلاث ليالٍ وهو يبحث عن سعدية، وبدأ يصدق أنه أمر واقع وليس وهماً أو كابوساً. ثلاثة أيام لم ينزع فيها قناعه أبدًا وتلك كانت رغبة منه. فأخيرًا نهش العار والخزي روحه بالكامل بسبب ما فعله في حياته ليفضّل أن يستمر بارتداء قناع أبو سعدية المرعب. نعم، هذا مقام عصام، أن يختبئ خلف الأقنعة. أول مرة ارتدى فيها قناعًا مرعبًا كهذا فليُقيم العار، أما المرة الثانية فهو للاختباء بسبب هذا العار. لا يعرف حتى في أي بلد هو، من شعبها، ما هي لغتهم، من حاكمهم، ما هي عملتهم، ما هو طعامهم، لا يعرف شيئًا مطلقًا. كل ما كان يريد معرفته هو مكان وجود سعدية، ومعرفة من خطفها. وبعد ثلاثة أيام سيره قادته قدماه إلى صحراء زينها الله بجبال وفيرة، شاهقة ومهيبة، يخرج من كهف أحد الجبال ضوء أرجواني، وفور أن أبصر عصام هذا الضوء هتف بلهفة وصدمة: _سعدية! بدأ عصام يهرع بكل قوته وسرعته، وأثناء ركضه كان ينزع الطبل، والقناع، والريش المعلق حول عنقه، والأصفاد المحيطة بقدميه وذراعيه، كما لو كان يتحرر، كالفراشة التي تتحرر من يرقتها بعدما حققت مرادها وتبدأ في التحليق بكل حرية. كان عصام كذلك. وصل عصام لسعدية، أخيرًا وصل لمراده، لذلك قرر أن يتخلص من كل ما عليه دون العودة لهم. كان متأكدًا من وصوله لسعدية لسبب ما، مما جعله يشعر بالحرية. لقاؤها سيغيره تمامًا ويجعله كما لو كان وُلد من جديد. وأثناء صعوده للجبل عن طريق الطرق الممهدة لصعوده، سمع صوت إيمان في رأسه مجددًا تقول له: _أول ما خطفوا سعدية خيّطوا بُقّها بخيط جراحة بغرز كتيرة وقوية، ولزّقوا شفايفها ببعض تمامًا، وبعدها لزّقوا بُقها بشريط لزق بتاع الفيران مرتين. وأخيرًا لفّوا نص وشها التحتاني كله بشاش عشان يضمنوا إنهم يكتموا بُقها كويس. يضمنوا إنها مش هتقدر تنطق بأي كلمة. عارف ليه؟ فور أن انتهت إيمان من حديثها وصل عصام إلى الكهف. كانت بوابته عملاقة، لا يوجد بداخلها سوى سواد ممتزج بذلك الضوء الأرجواني. ووجدها جالسة أمام بوابة الكهف. وجدها. وجد سعدية. كانت جالسة متربعة في هدوء تام تحدّق في الفراغ بأعين شاردة. يظهر على نظرات عينيها الإنهاك والغم العظيم، تجلس في ثبات كأنها تخشى الحركة. وأردفت إيمان في تلك اللحظة: _لأنهم خايفين، خايفين من كل اللي بتنطقه. نطق سعدية... مش زي نطق أي إنسان عادي. كان عصام يحدّق في ابنته وأعينه مغرورقة وجاحظة. تبلبلت مشاعره لأقصى درجة فور أن رآها. مشاعر كثيرة كانت تفيض من عينيه التي لا ترمش: لوعة، صدمة، حسرة، حب، ندم. كان يفتح فمه محاولًا التحدث إليها، ولكن لا توجد أي كلمات تستطيع وصف ما يشعر به حاليًا، ولا توجد كلمات تصف أعذاره وندمه الشديد على تركها كل تلك المدة. وفي الثانية التي رفعت عينيها لتنظر إليه فجأة، تم سحبها إلى داخل الكهف ليصيح عصام بأعلى صوته مناديًا إياها وهو يركض إلى داخل الكهف، ولكن فور أن خطت قدمه داخله... فتح عينيه وهو ينهض صارخًا: _سعدية!!!! انتفض سليم والتفت هو ويوسف إلى عصام. عاد عصام لوعيه حيث المختبر، وعاد لهاثه المستمر القوي وتفيض من عينيه الذعر والأسى وهو يردد: _سعدية... سعدية... هي فين؟ سعدية... تقدّم يوسف إليه وهو يقول: _عصام... حاسس بإيه دلوقتي؟ كان جسد عصام يهتز وينتفض بقوة، جسده ينهمر منه العرق كالشلال، قطرات العرق تتزاحم على وجهه، ورئتاه تصارع شللهما محاولة أخذ النفس بعسر. ظل صامتًا في حالة اضطراب قوية لا يفهم أين ومتى وكيف. ولكن سرعان ما بدأ في استيعاب حالته. ما فعله بسلمى، ما فعله بعلا، ما فعل نوح به، وما فعل يوسف به، ثم سعدية. لم يتحمل عصام، وانفجر باكيًا. لم يكن بكاءً عاديًا، بل كان يعول، يبكي بصياح عالٍ كالأطفال. مما جعل سليم يصدم بقوة لدرجة فتح فمه وقال مندهشًا: _عصام بيعيط؟! أخرج سليم هاتفه بسرعة ليقول يوسف له: _هتعمل إيه؟ أجابه سليم وهو مبتسم بحماس: _هصور اللحظة الأسطورية دي. ظل عصام يبكي لفترة طويلة، وهو لا يعلم لماذا. قد تكون دموع الندم، أو دموع اليأس، أو دموع الحسرة. ولكن في كل الأحوال، نطق عصام بجملة واحدة أثناء بكائه: _ب... بابا. أنا عايز بابا... عايز عم رجب... عايز أرجعله، عايز أرجعله. *********** مرت سبعة أيام، أسبوع مليء بالزيارات المستمرة لمواساة علا ونجلاء. تأتي علا لنجلاء مرة، وتذهب غادة لعلا مرة، ويذهبان كلاهما لنجلاء بصحبة شيماء. كل منهن كانت تحتاج إلى المواساة واستقبال الصبر بمن حولها. فما زال مصطفى في المعتقل، وأصبح عصام في حالة اختفاء غريبة، وأصبح نوح ذا طبع حاد لم يؤثر على جانبه اللين والرحيم. ولكن غادة كانت ترى خلف بعض نظراته شخصًا آخر لا يريحها ولا تشعر بالاطمئنان. وفي صباح يوم جديد، يستيقظ إسماعيل على صوت المنبه الخاص به لصلاة الفجر. نهض مسرعًا وتوضأ ثم صلى ركعتي النافلة، وبعدما انتهى منهما خرج من غرفته ليطمئن على والده ويتأكد من استيقاظه ليذهبا سويًا إلى المسجد قبل أذان الإقامة. طرق الباب ودخل ليجده جالسًا بوجه عابس شارد. _يلا يا حبيبي عشان نصلي الفجر. هز أبيه رأسه وهو يقول: _انزل انت يا بني... أنا مش قادر. وياريت تقف في محل العطارة النهارده برضو.. حاسس إني تعبان. قلق إسماعيل على والده؛ فلم تكن تلك المرة الأولى. كان والده طوال الأسبوع يشعر بالتعب والإنهاك المستمر غير المبرر. تقدم إسماعيل وجلس أمام والده: _طب يا بابا لو حاسس بتعب أوي كده ما نروح لدكتور يكشف عليك؟ رد والده بنبرة باردة بيأس: _معرفش والله يا بني أنا عندي إيه... حاسس إني مش قادر أعيش، مش قادر أصحى من النوم، مش قادر آكل، مش قادر حتى أعمل عباداتي بشكل نشيط زي زمان. ابتسم إسماعيل ابتسامة لطيفة برأفة وهو يقول لوالده: _انت عندك اكتئاب يا حج؟ _أنا مبهزرش يا إسماعيل. _ولا أنا بهزر والله، عادي الناس الكبيرة بيجيلها اكتئاب برضو. _طب روح يلا الحق الصلاة وأنا هبقى أصلي هنا، يلا. أومأ إسماعيل برأسه في صمت وسلم عليه وقام إلى المسجد. إن لوقت الفجر جوًا روحانيًا في الطقس وفي النفس، جوًا يفيض بالسكينة والسلام، حيث كل المنافقين وأصحاب النفوس الدنيئة نيام في غفلة عميقة، وكل مؤمن تقي أواب مستيقظ أو يحاول الاستيقاظ لينفرد مع خالقه بصحبة المؤمنين مثله. مؤمنين ذوو طابع هادئ، لا صخب في جلساتهم أو أحاديثهم أو أفكارهم. وبأذكارهم وذكرهم وصلاتهم للودود الكريم المستمرة في هذه المدة من الزمن، يتحول وقت الفجر تدريجيًا إلى جزء بسيط دقيق الحجم من الجنة. حيث تجلس نجلاء بعد صلاتها للفجر مع مريم لقراءة القرآن سويًا. مريم نائمة في حضن والدتها بكل راحة واطمئنان، تتغلغل السكينة في عقلها المليء بالبلبلة، تسمع دقات قلب والدتها المتزن، وبالأذن الأخرى تستمتع لقراءة القرآن بصوت جميل وتلاوة رائعة من نجلاء. وتجلس خارج الغرفة هاجر، تستمع لتلاوة نجلاء أيضًا. فكانت تلك عادتها فور أن مكثت عندهم أن ترهف السمع في كل مرة تتلو فيها نجلاء القرآن. وجمال وإسماعيل وهشام جالسون في المسجد يذكرون الله إلى مطلع الشمس، ومعهم مجموعة من الرجال الصادقين التقيين. كل منهم لا يهتم بشؤون الآخرين، رجال بحق، لا غيبة، لا نميمة، لا بهتان، ولا خوض في أعراض النساء. كلهم في حضرة الخالق الجبار الرحيم، يحاول كل منهم ترميم نفسه، وتنقيتها وتنظيفها بتلك الجلسة العظيمة. رجال تختلف همومهم وتتفاوت، ولكن المؤكد أنهم كانوا يتشاركون همًّا واحدًا ظلوا يعانون منه طيلة أسبوعين، وهو فقدان حبيبهم. _ما تعرفش أي أخبار عن الشيخ مصطفى يا جمال؟ تلقى جمال هذا السؤال من أحد الرجال الذي تقدم إليه سائلاً بنبرة متثاقلة مغمومة، ليجيب جمال بالنبرة ذاتها: _للأسف مفيش أي أخبار، والمحامي بتاعه عمال يسأل يوميًا عنه، وبيرفضوا يردوا عليه. سأل رجل آخر بحسرة: _يعني اختفى قسريًا؟! أجابه جمال بثقة رغم ملامحه وصوته الباهتين: _لا! مصطفى هيرجع، بس محتاجين نصبر ونحتسب، وندعيله. قال شاب من الشباب: _والله كلنا دعيناله في صلاتنا، والله مستحيل ننساه ولا نقدر على فراقه أبدًا. هنا قال هشام بعدما بدأ يتأمل وضعهم ويتفكر فيه: _سبحان الله... سبحان الله اللي وهب للرجال الصالحين حب الناس بالشكل القوي ده. إذا كان إحنا مش قادرين نستحمل فراق مصطفى العبد الصالح، أمال الصحابة استحملوا فراق النبي ﷺ اللي نفديه بأبونا وأمنا إزاي؟ قال إسماعيل بعدما قطب جبينه فور ما شعر بمرارة الأمر: _والله العظيم، لو ربنا مرزقهمش بالثبات النفسي الخارق كانوا ماتوا من الحزن والصدمة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال هشام بنبرة مرتجفة: _مستحيل أقدر أتخيل إن مصطفى ممكن يموت قبلينا. تنهد جمال حين شعر أن الاكتئاب والغم انتشرا في هذا المكان الطاهر، ثم قال: _إسماعيل، ادعي بصوتك لمصطفى. خلينا نقعد خمس دقايق ندعيله كده سوا. كان إسماعيل صاحب صوت جهوري، صوته قوي ويتسم بصفاء الطبقة ووضوحها في حروفها وعلوها. على عكس جمال، صاحب الصوت الهادئ الممزوج ببحة قوية نوعًا ما. وبالفعل بدأ إسماعيل بصوته الواضح العالي بدون أي مجهود يدعو: _اللهم يا قوي يا عزيز يا ناصر المظلومين، هوّن على مصطفى غربته، وكن معه في وحدته، ونوّر بنورك ليالي الاعتقال الموحشة. ليتبعوه كلهم بصوت واحد: ^^آمين^^ _اللهمّ أنت حسبه فيمن ظلمه، وأنت حسبه فيمن خذله، وأنت حسبه فيمن آذاه وعاداه وظلمه، وكفى بك وكيلاً. ^^آمين^^ _اللهمّ قد أُغلقت الأبواب إلّا بابك الواسع، وانقطعت كافّة السّبل إلّا السّبيل إليك، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم، فارفع الظّلم عنه وفكّ أسره عاجلًا غير آجل. ^^آمين^^ ارتجفت نبرة إسماعيل وكاد أن يجهش بالبكاء لكنه منع نفسه. لكن ما حدث لإسماعيل جعل بعض الرجال والشباب من حوله تهمع دموعهم من أعينهم ويبدأون بالبكاء. يبكون بقهر على أصلح رجل قد رأته أعينهم، يبكون على من لا يكل ولا يضجر من مساعدتهم والتبسم في وجوههم، يبكون على الوحيد في مصر الذي يدافع عن الدين بأسلوب الرسول ﷺ بدون عوج، يبكون على من يزرع الأمل في قلوبهم في زمن انقطع فيه شعرة الأمل الرقي الوحيد. يبكون على القمر الذي لطالما حاولوا الأعداء إخفاء نوره، إخفاء نور الحق الذي يعظ به الناس دائمًا. *********** _سامعهم يا السيوم؟ ~سامع مين؟ _صحابي... سامعهم بيدعولي، ونجلاء... سامع صوتها وهي بتقرأ القرآن وكنت سامع صوت عياطها وهي بتدعيلي في صلاة الفجر وقيام الليل. يجلس مصطفى في منتصف أرضية زنزانته، خلفه نافذة عالية بقضبان حديدية يتسرب من بينها ضوء الشروق الخافت ليضرب في ظهره ومنكبيه العريضين وينيرهم، بينما تطغى العتمة على وجهه وبقية جسده. فقد نقلوه إلى زنزانة انفرادية أفضل مع توقف تعذيبه، ولكن بعد ماذا؟ بعدما كسروا ساقه وشوّهوا جسده وألقوا البراز على وجهه وأهانوه وذلّوه بأقبح الطرق الممكنة؟ لم يعد لديه الطاقة والقدرة لاستخدام قوته الجسدية أو قدرته الخارقة، فقط يجلس في صبر تام، يذكر الله دائمًا وهو يستشعر حضوره عند الثلث الأخير من كل ليلة، يقرأ قرآنه، يحدثه بذل وعبادة تامة. رغم عسر عيشته حاليًا، ومحنته المهلكة، إلا أنه في هذه اللحظات كان يشعر بالله بشكل لا يوصف، يشعر بنظره له، واستماعه له، ومواساته له في الآيات التي ينطقها مصطفى بلسانه. ذلك الشعور كالضوء الساطع الذي ينير قلبه، والماء البارد الذي يتغلغل بين رئتيه الحارقتين، والذي يعطي المجال لدخول الهواء ويزيح الغصة ليتنفس بشكل أنقى. سعادته بذلك الشعور لم تمنعه عن ندمه الشديد وتفكره المستمر في تقصيره في بعض العبادات، وعزم على أنه سيكثر من العبادات فور عودته دون السماح للظروف القاسية بالمساس بعلاقته بربه، ودون السماح بجعل حب الناس له يمحو كل عباداته. أثناء جلوسه، بدأ يتحدث بصوت ضعيف خافت مهلك: _أعوذ بالله من فتنة حب الناس، أعوذ بالله من الرياء، أعوذ بالله من إرضاء الناس، أعوذ بالله من شر الناس، أعوذ بالله من شر نفسي. ~أول مرة أشوف حد بيخاف من حب الناس بالشكل دا، المفروض تفرح. ابتسم مصطفى وهو يقول: _أكيد فرحان، فرحان إن ربنا بيظهر حبه ليا في حب الناس، بس الخوف الحقيقي هنا مني، خايف أفقد السيطرة، خايف أنسى ربنا، خايف أظل فاكر الدين وأمشي عليه وأنا ناسي ربنا. ~الدين هو ربنا، إزاي هنسي واحد وتفتكر واحد؟ هز مصطفى رأسه بوهن ثم قال: _لا، ربنا أولًا ثم الدين. من غير ربنا مفيش دين. الدين ممكن يتنسى وده شيء عادي جدًا ما دام اللي ناسي الدين ده لسه عارف بوجود ربنا، فمش كل العباد مأمورين بعلم كل تفصيله في الدين، ولكنهم أكيد مأمورين بمعرفة وجود الله وتوحيده. فنسيان الدين مش أبشع من نسيان ربنا نفسه، وهيبقى الموضوع أبشع لما الشخص يظل فاكر كل تفصيله في الدين وهو ناسي ربنا. قال السيوم بفضول: ~طب إزاي بقى؟ ما هو كل تفصيله في الدين هي عبارة عن ربنا، مستحيل الشخص ينسى حاجة وهو شايفها قدامه. _لا مش مستحيل. الشخص يقدر ينسى ربنا وهو بيقرأ القرآن، وهو بيدرس الشريعة، وهو بيحفظ الأحاديث، وهو بيقوم بالعبادات، عارف ليه؟ ~ليه؟ _لأنه مبيعملش كده عشان ربنا، بيعمل كده عشان الناس، وهنا تبدأ السقطة العظيمة لكل حاجة الشخص كان بيعملها، ويتضح إنه بالفعل ناسي ربنا في كل حاجة حتى في دينه. ~بس أنت مش كده، أنا عارف إنك مش كده. أنا بشارك أفكارك، وبشارك مشاعرك، وأقدر أشهد قدام ربنا إنك مش كده. عرضت ابتسامة مصطفى وهو يقول: _أسأل الله الإخلاص، أسأل الله الإخلاص. تصدق إني بدأت أحبك. قولي يا السيوم، أنتم هتروحوا فين بعد ما تموتوا؟ سكت السيوم برهة ثم أجاب: ~زي ما قولتلك، إحنا غير عاقلين زي الحيوانات، بقينا عاقلين وقت ما دخلنا أجسامكم، فأظن نهايتنا هتبقى نفسها نهاية الحيوانات، تراب. اختفت ابتسامة مصطفى وبدأ الحزن الطفيف على عينيه ليقول السيوم متعجبًا من رد فعله: ~إيه؟ زعلت؟ كنت عايز تشوفني في الجنة معاك ولا إيه؟ عاد مصطفى ليبتسم وهو يقول: _نوعًا ما، أنت تستحق الجنة، على عكس قوة نور ونوح وكده، فأنت أكتر حد محترم ومش مؤذي. يظهر السيوم أنه صمت تلك المرة صمتًا طويلًا، لا نراه ولكن كان صمته يفيض بالشعور بالأسى على ما قاله مصطفى. كيف مصطفى يرى السيوم بتلك النظرة البريئة دون علمه أنه من قتل أم نجلاء وصديقها مروان؟ وبعد هذا الصمت قال السيوم: ~م... مصطفى... _أيوة. وعاد لسكوته الطويل مجددًا إلى أن قال: ~ل..لا، ولا حاجة. ********** تطورات الحرب في هذا الأسبوع كانت فارقة إلى حد كبير، بسبب تدخل نور الديب. فبسبب الديب، انسحب الجيش المصري عن المقاومة في معظم الاحيان، وانسحبت كذلك الميليشيات عن الهجوم في العاصمة وبقية المحافظات، وعوضًا عن ذلك اتجهوا إلى القرى الريفية، وتم احتلال ما يقارب المئة قرية خلال أسبوع واحد فقط. بعدما احتلت الميليشيات أغلبية قرى الصعيد، قرروا الاتجاه إلى الريف. وإن احتلت الميليشيات الريف المصري، فستكون تلك الطامة العظمى لتاريخ مصر، لأن منها ستكون مصر قد تم احتلالها رسميًا، والجيش يقاوم بوهن. رفع الآن في إحدى غرف نور الديب الخاصة آتيًا زيارة له، جالسان ويتناقشان. وقال نور لرفعت هنا بعدما شرب من كوب حليبه: _مش حاسس إن رجالتك حنيينين شوية مع الشعب؟ أجابه رفعت: _أنت شايف كل القتل والتهجير والاغتصاب ده حنية؟ _مهو أنا مش عايز دول يا رفعت، أنا عايز تعذيب... مجازر.. محارق، يعني الحاجات الحلوة دي. قال رفعت بلا مبالاة: _الحاجات دي مش شغلتي، ده شغل تريسا، لو عايز تدخل، اتدخل في شغل الميليشيات، معنديش مانع. وضع نور كوب الحليب على الطاولة وهو يقول: _أكيد طبعًا هتدخل، أنا أقدر أتدخل في أي حاجة وقت ما أحب. ظل رفعت يتأمل في كوب الحليب ذلك لترتسم بسمة خبيثة على شفتيه، ثم يعود بالنظر إلى نور وهو يقول له: _ألف مبروك. أجابه نور وهو يزجره: _مالكش دعوة. _أنت عارف بباركلك ليه؟ _آه، ومالكش دعوة. ضحك رفعت ضحكة قصيرة بتهكم، ثم عاد وسأله نور بضيق وغضب: _قلت للبروفيسور يسيبها من شيماء، لأن ملهاش لازمة، لقيته رفض.. مش عارف هو عايز يصعب الدنيا عليه ليه؟ ما أقدر أخطف مريم في لمح البصر، لازم المسلسل التركي بتاعه ده؟ _متصدقش نفسك أوي كده، أنت آه تقدر تعمل أي حاجة بقوتك... بس هتفضل طفل في الأول وفي الآخر، وطاقتك على القد، وبعدين أنت شغلك مع نجلاء مش مريم، وأهو مصطفى مسجون وأنت قاعد زي قلتك مش عايز تقرب من نجلاء. قال نور وازداد غضبه في نبرة صوته: _أنا مش غبي عشان أكرر أخطائي، وأنا زهقت في كل مرة أروح لها بنفسي، لازم يا أما هي تجيلي بنفسها، يا أما مصطفى يدهالي، وفي الحالتين ده مش هيحصل إلا بمريم... قال رفعت وهو يومئ برأسه: _آه، عشان كده مستعجل على موت مريم. تبدلت ملامح نور تمامًا، اختفت ملامحه الحادة الحانقة إلى نظرات لينة مصدومة ونبرة مرتجفة: _ه... هو هيموت مريم؟... دار رفعت عينيه في تبرم وهو يقول بضجر: _بدأنا... أردف نور بانتفاضة في نبرته وهو يهز برأسه بأعين متسعة في ذعر وصدمة: _لا، لا، مش هقدر أقتلها، مش هقدر، دي طفلة، مش هقدر، مش هقدر، لا، لا، مينفعش، مينفعش! ووثب من مكانه بسرعة، وسار مسرعًا وخرج من إحدى الغرف تاركًا رفعت وهو يضرب كفًا على كف ضائقًا منه ذرعًا. وبينما كانت منار في غرفتها، دخل نور الغرفة بسرعة مقدمًا عليها في سرعة أفزعته، وهو يقول: _الحقي يا منار، الحقي، دول هيقتول م... قبل أن يكمل ما ينطقه، صرخ وصفع وجهه بقوة، زادت من فزعها وانتفضت مبتعدة عنه وهي تشاهد حالة الانهيار التي دخل فيها بجسد مشلول، شل من رعبها. نظر نور إلى المرآة ليرى انعكاس روح قوته، الذي كان كائنًا مثلهم، بوجه نور الديب، طوله ما يقارب المئة وستون سنتيمترًا، وكان هذا طول أطفالهم. فور أن رآه نور قال بنظرات مستشيطة، وهو يقول بنبرة صارمة محتدمة: _أنا مش هسمحلك تدخل في شغلي تاني!!! ~وأنا مش هسمحلك تقتل مريم، مستحيل اسمحلك! صاح نور ووصل حنقه عنان السماء، وأمسك بجسد صلب وألقاه على المرآة ليحطمها لمئات القطع، ولكن هذا لم يسكت حديث روح قوته المستمر في عقله. بدأ في ضرب رأسه باستمرار وهو يصيح: _اسكت بقى، اسكت! أنا جيبتهالك، اطلع من دماغي بقى، أنا جيبتها لك، اسكت بقى، وسيبك منّي، اطلع من دماغي! انهيار نور في هذا الوقت يدل على أنه لم يعد يطيق روح قوته أبدًا، تجاوز الأمر حد الاحتمال. إنه لكابوس مكفهر أن يستمر في استماع ثرثرة أحدهم بداخل رأسه دون التوقف، أن يتحكم أحد بجسده كدمية الماريونت هي لعنة عظيمة. كان يشد شعره ويضرب وجهه ورأسه، وهو يطوف حول الغرفة كلها محاولًا الفرار منه، ولكن دون جدوى. لقد ضاق ذرعًا، وشعر أن نهايته لن تكون على يدٍ سواه. أثناء انهياره، نظر لنور وانقض عليها وهو يصرخ وكان جسده يرتجف من عنف صرخاته: _إنتِ مبتعمليش حاجة ليه؟؟؟ خليه يسكت!!! خليه يسكت!!! خليه يسكت!!! كانت منار في موقف لا تحسد عليه، وفزعها المكتوم كاد أن يفجر قلبها من شدة امتلائه به. كانت مرعوبة ومذعورة، ولكن رغم ذلك حاولت أن تتحكم في الأمر، وقالت: _خلاص، خلاص، خلاص، هسكته والله هسكته، خلاص. أمسكت منار بيدي نور وجعلته يجلس معها على الأرض، ثم وضعت رأسه بين سحرها ونحرها على صدرها ليستمع ذلك الطفل لدقات قلبها، واحتضنته في تلك الوضعية وهي تردد بكلمات حنونة رؤوفة لكي تهدئ من روعه، بينما كانت تحسس على شعره الطويل الذي تجاوز شحمة أذنه. وصوت منار الرخيم اللين المختلط بصوت دقات قلبها جعل السكينة تتغلغل في قلب نور وروح قوته كلاهما. _خليه يسكت... خليه يسكت... نور يردد هذه الكلمات بصوت منهك وهو يلهث، ورويدًا رويدًا شعر بالسكون التام، حتى أغمض عينيه وغط في نوم عميق.
ROMISAA