البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢

البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢

41 0

٨٢ منذ عشرين سنة، في إحدى القرى الصعيدية البسيطة، قرية صغيرة تنسج حكاياتها بين المباني والخضرة، وُلد فتى اسمته أمه ضياء؛ نظرًا لنور وجهه، فقد كان كالقمر ليلة البدر، أبيض البشرة، وسيماً، تفوح من عينيه البنيتين براءة الطفولة ونقاء القلب. وقد تفوق على إخوته في جماله، فكان الأوسم بينهم، والعين لا تمل النظر إليه. كان يُدعى ضياء شعبان. كان لضياء إخوة كلهم أصحاب بشرة حنطية سمراء وبنية جسدية قوية، على عكس ضياء، وعلى الرغم من أنهم كانوا من نفس الأسرة، إلا أن ضياء كان دائمًا الأكثر تميزًا بينهم، سواء في مظهره أو في أخلاقه التي كانت تلمع كالذهب في ظلام الليل. كان ضياء محط إعجاب الكثيرين، لكن جماله وحسن خلقه لم يمرّا مرور الكرام دون أن يثيرا حسدًا في نفوس بعض أهل القرية، خاصة أولئك الذين رأوا في نجاحه وشخصيته المرموقة تهديدًا لصورتهم أو مكانتهم. جماله لم يكن نعمة له كما قد يتصور البعض، فقد أثار حفيظة أولئك الذين رأوا في وجهه انعكاسًا لما لم يحققوه في حياتهم، فتسللت الغيرة إلى قلوبهم كالسوس الذي ينهش الخشب. كانوا يطلقون عليه الألقاب، يلقون له الأحاديث الغامضة التي تحمل في طياتها لمحات من الحقد والشر، والقذف لأمه لأنه صاحب البشرة البيضاء الوحيد في العائلة، ولم تكن تلك الغيرة تقتصر على الشبان فقط، بل كانت تظلل العيون حتى بين الفتيات، فكل واحدة منهن كانت ترى فيه شيئًا يعجز قلبها عن إدراكه. تحمل والد ضياء تلك المضايقات التي طالت ولده وحتى وصلت إليه، فلم تتوقف ألسنة الناس عن التفوه والتشكيك في نسب ضياء لوالده، كان الأب يتجاهل، وكذلك أبناؤه الآخرون بقدر المستطاع. كان للأب وللإخوة أعمال شاقة، على عكس ضياء، فكان عمله أبسط من عملهم نظرًا لضعف بنيته الجسدية، لذلك كان يعمل في البقالة الخاصة بهم. كان ضياء، صاحب الخمسة عشر عامًا، يحب العمل في هذه البقالة، فقد كان هذا العمل يسمح له برؤيتها، رؤية سهام، الفتاة الجميلة التي كان يدور بينهما حب متبادل يفيض من نظراتهما لبعضهما منذ طفولتهما. كانت نظراتها كسهام تخترق قلبه وتستقر فيه بدون ألم. كانت سهام الوحيدة التي احتفظت بمشاعر نقية تجاهه. منذ اللقاء الأول بينهما، شعرت بوجود رابط بينهما، رابط لا يمكن أن يفسره أحد إلا القلب. ها هي تدخل البقالة ليتبادلا النظرات والابتسامات المشحونة بالحنين والإعجاب، وقبل أن تنطق، أخرج علبتين من السجائر وهو يقول: _سجاير بطعم النعناع أهي، يكش نَفَسُه يتعدل قبل دماغه. ضحكت سهام وهي تقول: _عيب، متقولش على بابا كده. _خلاص، أنا آسف، أنا بس حبيت أشوف ضحكتك، محتاجة حاجة تانية؟ _لا، كده خلاص. وقف ضياء في تردد، ثم أخرج نوعًا من الشوكولاتة الغالية التي طالما كان يلاحظ سهام تحدق فيها برغبة مكبوحة، وأعطاها لها وهو يقول: _خديها. اتسعت عينا سهام في دهشة وهي تقول: _أخد إيه؟ لا، ضياء، ماينفعش. _يابنتي، خدي، هتبقى من حسابي، متقلقيش، خدي بس، أنا عارف إن نفسك فيها حتى لو مش بتقولي، يلا خدي. عرضت ابتسامتها في سرور عارم، وشع وجهها بالحبور، وأخذت الشوكولاتة ووضعتها فورًا في حقيبتها، وهي ترفع عينيها لضياء الذي لطالما اهتم بها واهتم أن يراها في سعادة دائمة، لأنها في الحقيقة لم تكن في سعادة دائمة مطلقًا. هنا دخل والدها البقالة بخطوات مستشيطة، وهو يمسك بذراعها بقوة، ويصيح: _هو أنا مش قلتلك يا بت متجيبيش السجاير من هنا؟؟ أنا كلامي مبيتسمعش ليه؟؟؟ صرخت سهام متألمة، ليقول ضياء بنبرة صارمة وهو يدافع عنها: _حضرتك مفيش كشك هنا غيري، الكشك التاني بعيد عني بكيلومتر، وهي مينفعش تمشي المسافة دي كلها، لو مش عايزها تيجي هنا، ابقى جيب السجاير بنفسك، ومتعذبهاش. صرخ أبوها في وجهه محتدمًا: _إنت تخرس خالص يا ***، ليك عين تتكلم، وإنت أصلًا مشكوك فيك؟! والله لو كنت آخر راجل في الدنيا، ما أجوزك بنتي، عمري ما هجوز بنتي لابن زنا. جحظت عينا ضياء، وصرخ وهو ينقض على الرجل: _هو مين ده اللي ابن زنا؟؟؟ مين ده اللي ابن زنا؟؟؟ إنت اتجننت وكبرت وخرفت يا راجل إنت!!! حين سمع الرجال شجارهم، تدخلوا للفصل بينهم وإبعادهم عن بعضهم، وفي تلك اللحظة، عاد والد ضياء وأولاده من الحقول، وفور أن دخلوا البقالة، قالوا لوالد ضياء: _تعالى يا أبو فرج، لمّ ابنك، ميصحش كده. _آه يا أبو فرج، إنت مش مربي الواد ولا إيه؟ كأنك مش ابوه يعني، ينفع يضرب راجل قدك كده؟ ينفع؟ اعتذر لهم والد ضياء بشدة، وبعد عناء، ذهب والد سهام وهو يجرها من يدها، أما والد ضياء وإخوانه فظلوا يحملقون فيه باحتقار وامتعاض، ليصيح ضياء: _إيه؟ في إيه؟ بتبصولي كده ليه؟ قال أحد إخوانه: _دايمًا جايبلنا الكلام، وجودك خانقنا، وجايب لينا ولأمنا الكلام. _ليه يعني؟ أنا عملت إيه؟ عشان سهام بتيجي تشتري مني؟ طب ما إنت كنت بتبوس بنت عم حسين في الغيط، ومحدش قالك حاجة. قال فرج، الابن الأكبر والأرشد بينهم: _خلاص بقى، خلاص!!! كفاية فضايح، اسكتوا، إحنا راجعين من الغيط تعبانين، ومش ناقصين يعني، يلا ارجعوا البيت يلا!! عاد إخوانه إلى المنزل، ونظر فرج لوالده وهو يقول: _هتكلم معاه، وهحصلكم. بعد أن ذهبوا، نظر فرج لضياء الممتعض الساخط، وتقدم إليه وهو يقول مواسيًا له: _ياض، ما تصبر شوية لما تكمل ١٨ سنة، ونجوزك البت، اصبر شوية، ومتشوفهاش الكام سنة دول. _مش ده اللي مضايقني يا فرج، أنا معرفش إخواتي بيعاملوني كده ليه، كأني غريب، مش منهم، وأبويا دايمًا بيبصلي بنفور، وبيستخسر يبتسم في وشي زي ما بيبتسم في وشكم، أنا عملت إيه عشان كل ده؟ هما مصدقين كلام الناس بجد يا فرج؟ قال فرج مستنكرًا: _استغفر الله، يابني، أبوك وإخواتك مؤمنين، ميصدقوش الكلام الوسخ اللي عليك وعلى أمنا ده، الموضوع مش كده خالص، الفكرة بس إن أبو سهام راجل مهم شوية في البلد، فتلاقيهم متضايقين منك إنك دايمًا بتتخانق معاه، خلص شغلك وارجع البيت، واقعد معايا، سيبك انت منهم، ماشي؟ كانت نبرة فرج اللينة كفيلة بأن تكسر الصخور الشائكة في صدر ضياء، فتبسم ضياء لشقيقه وهو يقول: _تمام، ماشي. كان والد سهام رجلًا متسلطًا، يحمل في قلبه سخطًا شديدًا تجاه ضياء تحديدًا، لم يكن ليجد في هذا الفتى سوى تهديد لرجولته وقوته المزعومة. دائمًا ما يحيك المؤامرات، يزرع بذور الشك في نفوس من حوله بخصوص ضياء ووالدته، مما يؤدي إلى جعل عائلة ضياء بأكملها تواجه أقبح الكلمات والقذف للأم ولضياء. بعد دخول والد ضياء وأولاده المنزل، كانت الأم قد حضرت أزكى وأشهى الطعام لهم، وهي ترحب بهم بابتسامتها البشوشة، ابتسامة تخفف عنهم ثقل العمل والهموم. جلسوا سويًا وبدأوا بالأكل بشراهة نظرًا لإجهادهم الشديد. لاحظت الأم عبوس وجه الأب تحديدًا وصعوبة إدخال الطعام في فمه، فقالت قلقًا: _مالك يا حبيبي؟ في حاجة حصلت؟ قال والد ضياء وهو يزجرها: _مالكيش دعوة. سكتت الوالدة، ولم يطيل جلوس الوالد ونهض ممتنعًا عن الأكل، ودخل غرفته تاركًا إياهم. وقبل منتصف الليل، عاد ضياء إلى منزله ليتسلل إلى أذنه صوت والدته وهي تبكي بهدوء وتحدث عبير ابنتها: _بشوف في عيونهم يا عبير، بشوف في عيونهم وتصرفاتهم إنهم شاكين فيا، معرفش إزاي جالهم قلب يصدقوا، دا أنا مبخرجش من البيت، دا أنا أمهم! وياما وقفت مع أبوكي قبل جوازنا واستحملت شقاه، دا جزاتي يعني؟ يشكوا فيا ويعاملوني المعاملة دي؟ أنا مبقيتش قادرة أستحمل ومبقتش قادرة أتكلم معاهم، أنا تعبت يا عبير تعبت. كان قلب الأم مثقلًا بالقهر والحسرة على أولاد رحمها التي عانت في ولادتهم وتربيتهم، كان مثقلًا بالقهر والحسرة على زوجها الذي لطالما ساعدته وكانت معه في الضراء دائمًا. كانت الحقيقة تتلاشى في متاهات من الأكاذيب، وضاع ضياء في غياهب الشكوك، مما جعل العلاقة بينه وبين والدته تمر بحالة من الجفاء التي يصعب علاجها. كان ضياء في صراعٍ دائم بين قلبه وعقله، بين ما كان يراه في عيون والدته من حبٍ وحزنٍ، وما كان يكتشفه من أقاويل في جدران تلك القرية التي لا تعرف سوى الفضائح والنميمة. كانت الأيام ثقيلة عليه، كلما نظر إلى تلك الأعين التي كانت تحاول أن تخفي شكوكها، وكلما تذكر كلمات الناس التي كانت تزداد قسوة، حتى أصبح كل شيءٍ ضبابيًا، لا يستطيع أن يدرك الحقيقة الكاملة. كان يشعر بذنب قاتل، يحمل على كاهليه صخرة شائكة من الذنب، صخرة عبارة عن قهر والدته من ألسنة الناس القذرة التي لا تتوقف عن التفوه عن شرفها. وفي يوم من الأيام، حين اقترب منتصف الليل، كان ضياء ينظف البقالة ويرتبها لينهي عمله فيها ويغلقها، وأثناء ذلك وجد والد سهام يدخل إليه فجأة بخطوات هادئة. نظر ضياء إليه ببرود وهو يقول: _خلاص شطبنا. قال الرجل بنبرة هادئة وهو يحدق في ضياء بأعين ثاقبة نيتها رجزة: _كنت قاعد عن الترعة بشرب شاي وكنت بفكر فيك... رفع ضياء بصره للرجل في استفهام ليردف الرجل: _حسيت إن مينفعش يبقى بيننا عداوة كده... يعني بحس إنني وحش أوي لما أعادي واحد قمر زيك، سامحني. _مسامحك خلاص... ولو عايز أي حاجة اتفضل قبل ما أقفل. _أه عايز... أومأ ضياء برأسه وهو يكنس الأرضية غير مبالٍ بالرجل، منتظرًا منه أن يختار ما يريده ليأخذ حقه ويذهب، ولكن لم يتوقع ضياء تلك الخطوة من هذا المجنون، فوجد والد سهام يقترب منه بشدة ويمسك بخصره ليبعده ضياء مصدومًا وهو يصرخ: _مالك يا جدع إنت؟؟! إنت بتعمل إيه؟؟ _شششش وطي صوتك. بدأ الرجل يتحرش بضياء ويحاول كبح تحركاته عازمًا على اغتصابه، وضياء كان يصرخ ويقاوم حتى تخلص منه وفرّ راكضًا، وشعر الرجل أنه سيتم فضحه، ليهرول هو أيضًا مبتعدًا عن ضياء الذي كان واقفًا يحملق مصدومًا فيه وهو يبتعد. كان ضياء يتبعه بعينين التي لا تطرف من هول ما حدث الأن، يحاول إقناع عقله أن هذا لم يحدث ولكنه حدث. بعدها أجبر ضياء نفسه على أن يعود للبقالة ليغلقها ويعود لمنزله. كان ضياء يسير مترنحًا في الأزقة الضيقة، وكأن الأرض باتت رخوة تحت قدميه، يلفحه هواء الليل البارد دون أن يوقظ جسده المخدر بالذهول. شعر كأن جلده صار غريبًا عنه، كأن شيئًا دنيئًا قد التصق به ولا يمكنه نزعه. في صدره ثقل خانق، كأن قفصه الصدري ضاق فجأة ولم يعد يتسع لأنفاسه المرتجفة. انتفضت معدته في تمرد مقزز، لكنه لم يجد القدرة على التقيؤ، فبقي الغثيان ينهشه من الداخل كحيوان جائع. عيناه، الواسعتان من الصدمة، تحدقان في الفراغ، بينما إحساس بالخزي والنجاسة يسري في دمه كَسمّ زاحف. أراد أن يصرخ، أن يمحو ما حدث، أن ينسلخ عن ذاته، لكنه لم يكن قادرًا إلا على الاستمرار في المشي، هاربًا من شيء يطارده في ذاكرته، يتسرب إلى روحه كندبة لن تبرأ. وصل ضياء إلى المنزل لتستقبله والدته قلقة. _مالك يا حبيبي اتأخرت ليه كده؟ لاحظت والدته عينيه الجاحظتين لتقول وقد اشتدت قلقها: _ضياء...في إيه يا واد مالك؟ نظر ضياء إليها وهو يقول بتهدج: _ماما أنا عايز أمشي...أنا عايز أهرب. _ليه؟ عملت إيه؟ في إيه؟ قال ضياء واتضحت الغصة في صوته: _معملتش حاجة، محصلش حاجة، أنا بس...عايز أسيب المكان ده...مش هقدر أعيش فيه مش هقدر. _استنى يا حبيبي لما تخلص ثانوي وبعدها تروح القاهرة لكليتك زي فرج. قال ضياء وقد تعالى صوته: _لا ماما، عايز أهرب حالًا مش هقدر أقعد أكتر من كده. _يا ضياء اهدى، مالك في إيه؟! مالك يا حبيبي؟ لم يتحمل ضياء الحديث أكثر فتركها بخطوات سريعة ودخل غرفته ليقضي تلك الليلة دون أن ترمش عينه ولو للحظة. وفي صباح اليوم التالي، بينما كان والد ضياء في الحقول يعمل وكان واقفًا للاستراحة، أتى إليه أبيه والد سهام، ألقى على بعضهما السلام. ظهر على عيني والد سهام الخبيثتين أنه عازم على شيء، فقد قرر أن يتخلص من ضياء تمامًا لكي لا يفضحه في القرية أو يسوء سمعته. _إلا قولي يا أبو فرج، مجربتش تعمل اختبار الـ DNA ده لضياء؟ قال والد ضياء بتبرم وامتعاض: _إيه لازمته الكلام ده بقى؟ _يا راجل أنا بحاول أدافع عن شرفك، متبقاش قُرني كده، معقول تعيش مع واحد شاكك في إنه ابنك لمدة خمستاشر سنة عشان مش عايز تشك في مراتك؟ يا شيخ دا الرجولة نعمة. زفر والد ضياء بضيق وهو يقول: _عايز إيه يا عم؟ عايز تقولي إيه؟ _ألا هو أنت مش فاكر السائح الأجنبي اللي جيه البلد من خمستاشر سنة؟ اتسعت عينا والد ضياء في استيعاب وصدمة وهو يقول: _آه...آه فاكر... _معقول صدفة بعد ما هو يمشي مراتك تحمل في واد أبيضاني شبه الأجانب كده؟ كان والد سهام يلقي في أذن والد ضياء كلمات مسمومة. كانت الكلمات كالسيف يُطعن في القلب، ولكن بالأحرى يطعن في العقل، ففور أن سمع والد ضياء تلك الكلمات الخبيثة من فم هذا الرجل شل عقله عن التفكير، وقرر أن يعود إلى المنزل وهو عازمًا على إنهاء هذا العبث. تسلل الظلام إلى قلب الأب، تحول الشك إلى يقين مزيف وأخذ شكلًا قاتلًا في ذهنه. تجرأ الرجل على ما لم يكن يتخيله يومًا. كانت كلمات والد سهام وكأنها ضبع ينهش في لحم قلبه يهاجم. وحين رأى زوجته في هذا اليوم، كانت صورتها تزداد ضبابًا في عينيه، حتى فاضت مشاعره بالكراهية، لا يعترف بها حتى أمام نفسه. لم يعد يرى فيها تلك المرأة التي أحبها وتزوجها، بل تحول كل شيء في ذهنه إلى صورة مشوهة لامرأة خائنة. وفي ليلة حالكة، حين كان القمر محجوبًا بالسحب الكثيفة، ورياح الخريف تعوي كالذئاب الجائعة، وصلت الأمور إلى ذروتها. والد ضياء، الذي كان يعيش في دوامة من السخط والعار، لم يعد قادرًا على تحمل الضغط النفسي الذي أثقل كاهله. وما لم يتوقعه أنه وجد أولاده يتشاركون هذا السخط، وليس لديهم مانع في المشاركة لإنهاء عار هذه العائلة. بعد منتصف الليل نهض فرج ليتوضأ ويصلي التهجد، وحين مر أمام غرفة المعيشة سمع والده وأشقائه وشقيقاته يتهامسون: _هنهجم عليها بسرعة وإحنا نمسك ضياء لحد ما تخلصوا تيجوا لضياء. قالت إحدى الشقيقات تلك الخطة ليقول أحد الأشقاء: _تمام بس عبير وفرج هيمنعونا لما يسمعوا صوت صريخ أمهم، هنعمل إيه؟ قال الوالد: _ميقدروش يعملوا حاجة، امسكوهم إنتوا كمان دول اتنين بس وهتقدروا عليهم، هما هيعرفوا بعد كده إن اللي عملناه ده حق. فهم فرج ما يتحدثون عنه، جحظت عيناه في صدمة مكبوحة، وبخطوات خفيفة ابتعد واتجه مسرعًا لغرفة الشقيقات، ووجد عبير نائمة فبدأ يوقظها. _عبير، عبير، عبير اصحي اصحي اصحي بسرعة اصحي بسرعة!!! كان يهزها بعنف فاستيقظت مفزوعة وهي تقول: _في إيه يا فرج في إيه؟! _البسي عبايتك وخدي ضياء وهربيه، هيقتلوه وهيقتلوا أمنا. تحجرت عبير واتسعت عيناها من هول ما تفوه به شقيقها، ولكن كسر تحرجها صوت أمها وهي تصرخ، فوثبا بسرعة، وفرج يقول: _روحي لضياء بسرعة بسرعة. استيقظ ضياء على صوت صياح أمه الذي شق السماء وأزاح الغيور وزلزل النجوم، وفور أن قفز مفروعًا، أتت إليه عبير وهي تمسك بيده وتقول: _تعالى معايا بسرعة يا ضياء. _في إيه يا عبير؟ في إيه؟ ماما مالها؟ في تلك اللحظة حين نظرا من النافذة، وجدا أمهما تركض في الشارع، وخلفها يركض زوجها وأولادها الذين شربوا من حليبها وأخذوا من دمائها وصحتها وراحتها حين كانت تربيهم، كانوا أولادهم يركضون خلفها ويمسكونها ليكبحوا حركتها ويقتلوها، وهي تصيح قائلة: _أنا معملتش حاجة، والله العظيم ماعملت حاجة، أنا معملتش حاجة سيبوني يا حبايبي بالله عليكم سبوني أنا معملتش حاجة. كان كل من عبير وضياء يشاهدان هذا المشهد البشع المفجع، لا يقدران على الحراك، عقلهم ينكر ما يروه محاولًا إقناعهم أنه مشهد من فيلم كاتبه صاحب قلب قاسٍ وسادي، فقد رأوا بأم أعينهم أشقائهم وهم يمسكونها، ووالدهم يرفع السكين ويذبحها بين متفرجين يشاهدون دون التدخل، كما لو أنهم مستمتعين بما يرون. وحين تأكدوا من موتها التام بعدما طعنها الوالد عدة طعنات، ابتعدوا عنها، المرأة التي كانت دائمًا مصدر الحنان والأمان، ممددة على الأرض، والدماء تحيط بها كالهالة السوداء. أبوه واقف بجانبها، والسكين لا تزال في يده، وعيناه تلمعان، وأولاده يلهثون برضا وارتياح كما لو أنهم أزالوا همًا كبيرًا كان على كاهلهم. وقفت الحياة بأسرها في تلك اللحظة، وكان ضياء يحدق في أبيه وأشقائه. وكانت أعضاء ضياء كلها في حالة من الشلل كعقله تمامًا، رئتيه لا تتنفس، وشعر أنه قلبه قد توقف إثر الفجعة التي أصبح شاهدًا عليها، لم يستطع أن يحدد أيصدم لأنه شاهد أمه تُقتل؟ أم لأنه شاهدها تُقتل من قبل والده وإخوانه الذين كان يأكل معهم منذ ساعات على طاولة واحدة؟ فجأة دخل فرج بعدما نجح في حبس شقيقاته لكي لا يمنعانه، وأخذ ضياء وعبير وأخرجهما من المنزل، وبدرّاجته النارية انطلق بأقصى سرعة، وكانت عبير تنحب وتعول بحرقة شديد، على عكس ضياء الذي كانت صدمته مكبوحة إثر عظمتها، ويبدو أنه من تلك اللحظة لم يعد ضياء لديه القدرة على إظهار مشاعره، حبست مشاعره في سجن الصدمة بين قضبان صرخات والدته ودمائها. وصل فرج إلى الطريق السريع، ونزلوا من دراجاتهم، وأعطى لضياء مالًا وهو يقول له: _من هنا هتبدأ رحلتك لوحدك دلوقتي يا ضياء. قالت عبير معترضة: _لا، إحنا مش هنرجع يا فرج للمكان ده، مش هنرجع!!! _أنا وإنتِ هيجيلنا فرصة إننا نهرب بعدين، بس ضياء حاليًا لازم يهرب وميرجعش تاني. نظر فرج إلى ضياء وهو يقول له: _أنا واثق إنك هتنجو يا ضياء، احمي نفسك يا حبيبي، وهييجي اليوم اللي نشوف بعض فيه تاني. احتضنه شقيقه بدموع حارقة، كذلك عبير، بعدها أوقف فرج سيارته لتنقله إلى القاهرة لينجو فيها. وانتهى به المطاف صباحًا في دخوله لدار رعاية للمشردين أو ما شابه، وحين قررت إحدى الأخصائيين النفسيين التعرف عليه وسألته عن اسمه، سكت برهة في عدم رغبته في قول اسمه الحقيقي، فهو يريد أن ينسلخ عن ماضيه بشكل كامل حتى في اسمه، وقال هنا: _اسمي عمر... عمر التابعي. . . . . . وبعد عشرين سنة... فتح عمر عيناه على صوت السلاسل وأدهم يقوم بتفكيكها من قدميه، حيث كان عمر يعيش في منزل أدهم طيلة هذا الأسبوع في غرفة عادية ولكن قدمه مكبلة بسلاسل. حين رفع عمر رأسه، نظر أدهم إليه وهو يقول: _اصحى يلا، مثدرتش احبسك أكتر من يومين ووحشتني بصراحة. عايزك تجهز كدة برضو عشان عندي مفاجأة كبيرة ليك النهاردة بالليل. قك ادهم قيد قدمه ثم من الغرفة، وقام عمر جالسًا بحركة بطيئة واهنة: _مممممم... ممممممممم. سمع عمر صوت أنين في الغرفة ذاتها، وحين التفت حوله، وجد مراهقًا مربوط اليدين مكتوم الفم يحاول أن يلفت انتباهه. ظل عمر يحدق فيه ببرود، بعدها تقدم إليه ونزع اللصقة من فمه وهو يقول: _إنت مين؟ _أ... أنا وليد، ابن رفعت اللي اتقتل، أبوس إيدك، هربني، كاجويا أخدتني في طريقها. أومأ عمر برأسه ببرود، ونزع ربطة قدميه ويديه وهو يقول: _تعالى، متخافش. أخرجه عمر من الغرفة وأثناء انشغال أدهم في شيء ما في غرفة المعيشة، سار عمر وهو ممسك بيد وليد، وفتح الباب وأخرجه بكل سلاسة. بعدها عاد عمر من أمام غرفة المعيشة ليتوقف فورًا عندما قال أدهم: _هرَّبت وليد؟ أجاب عمر بلا مبالاة: _أيوة هرّبته. _يا خسارة، كنت بفكر أتسلى بيه شوية، شكلي هرجع أتسلى بيك إنت تاني بقى وخلاص.                           *********** في معسكر جيش ذود، اتخذت سعدية مكتب مصطفى وغرفته مثوى لها طيلة السبعة أيام، ممنوع أحد يدخل إليها سواه هو أو أحمد أو حمدي الطبيب الذي قام بعلاج تشوهات فمها، إذ إن بعدما نزعوا من فمها الضمادات اكتشفوا أن تم إغلاق فمها بالعديد من الغرز والخيط وتفكيكهم كان أمرًا عسيرًا حقًا. لحسن الحظ، أتت علا بتلك المادة المعالجة التي أعطاها سليم لها في حالة أن احتاجوها، وبحقنها شُفي فمها وأصبحت شفتاها سليمتين، ولكن ما صدم كل من أحمد ومصطفى أن... سعدية فتاة مصابة بالصمم منذ ولادتها مما جعلها بكماء من الأساس، سعدية فاقدة للنطق والسمع بطبيعتها، ومن يستطيع الكلام فيها هي روح قوتها فقط، مما يجعلها لا تتكلم البتة، فكل كلام روح قوتها على لسان سعدية يتحقق، نعم، فسعدية تمتلك قوة النطق، وهي القوة التي إذا نطق مالكها بأي شيء يتحقق في الحال. تذكره لقصة هند التي سردتها لفريدة من قبل، هند كانت فتاة تونسية تزوجت بشاب مصري كان لاجئًا لتونس، حين وجدا صعوبة في إنجاب الأطفال نصحه أحد أقربائه أن يأتي لمصر لتلقي العلاج لهند، وذلك "العلاج" كان الزار، ومن بعد الزار، كائن طويل أسود بقناع كلب مرعب، وخلف هذا القناع كان عصام. ومنها أتت سعدية كما أتى أربعة وأربعون طفلًا مثلها، وبما أن سردار يستهدف أولاد أدهم وأحفاده استهدفهم كلهم مما أدى لموتهم، الناجية الوحيدة صاحبة القوة هي سعدية، والتي تم خطفها من هند بعد موت زوجها وتم أخذ هند لسجن دارين وأكملت سعدية حياتها تتخبط بين ميليشيا وميليشيا وعصابة وعصابة إلى أن استقرت أمام أعين مصطفى لينجدها من هذا الجحيم. جلست سعدية سنين لا تأكل بسبب ربطهم لفمها، فقد كانت تعيش على التغذية الوريدية، فقد كان يتم نقل الغذاء وكل الاحتياجات الغذائية عبر أنبوب وريدي كبير تحت عظمة الترقوة، مما جعل جسدها واهنًا وصحتها أضعف من صحة الإنسان العادي، ولكن سرعان ما انتهى كل ذلك بفضل الله ثم بفضل مصطفى. فقد أتى مصطفى لحياتها ليغير مصيرها إلى الأبد. عمها، الذي لم تره من قبل، رغم ذلك فور أن رأته أمامها عانقته عناق المشتاق والعائد من غياب بعيد، ليصبح منذ تلك اللحظة حاميها ومعينها. كانت نظراته الحانية وكلماته الصامتة التي ترجمها بلغة الإشارة، بمثابة أول خيط من نور يربط بين قلبين كانا غريبين عن بعضهما. مع مرور الأيام، تطورت الرابطة بينهما إلى شيء أعمق من مجرد قرابة الدم. كان مصطفى يشرح لها آيات القرآن بلغة الإشارة التي كان يجيدها بالفعل، فيجلسان معًا في هدوء في ساعة من يومه الشاق، وتتحول حركات يديه إلى كلماتٍ سماوية تلامس روحها. كانت عيناها تتلألآن بالدهشة والإعجاب كلما فسر لها معنى آية، وكأنه يفتح لها أبوابًا إلى عالمٍ جديد من الحكمة والطمأنينة. كانت تلك اللحظات الهادئة، حيث يمتزج نور القرآن بحنان العم، تزرع في قلبها شعورًا بالأمان والحب الفريد من نوعه، لتصبح تلك الرابطة بينهما مثالًا للعطاء والصبر والإخلاص. بينما كان حاليًا مصطفى وسعدية جالسين ويشرح لها القرآن، كانت علا تعمل مهمتها. ومهمة علا هي أن تجلس في غرفة واسعة، في منتصف الغرفة حائط زجاجي، في وجهتها هو زجاج ترى فيه الجندي الذي تتحقق معه ولكن في وجهته هي مرآة حيث لا يراها ويرى انعكاسه فقط، كان نوع المرآة الذي يكون عاكسًا من جهة واحدة والجهة الأخرى زجاج عادي، إذ إن يشترط على قوة علا أن ترى من ستقرأ أفكاره. تأخذ علا في اليوم عشرات الجنود لتحقق معهم، وكان كل أسئلتها غير مباشرة ولا تخص التجسس أو الحرب البتة، فإن كان الجندي جاسوسًا وسألته أسئلة صريحة قد يتحكم في أفكاره رغمًا عنه وهي لا تريد ذلك. والمتابع لتلك التحقيقات يكون أحد من محارمها، يكون مصطفى تارة وأحمد تارة، وهذه المرة كان أحمد بسبب جلوس مصطفى مع سعدية، كان أحمد يراقب التحقيق، وحين انتهت علا من الجندي الذي أمامها قام الجندي وفتح الباب ليدخل قط بثلاث أقدام فجأة، لينادي الجندي على القط: _خد يا أبو شوقي تعالى هنا. استطاع القط المرور من فتحة بسيط بين الحائط والجدار الزجاجي ليأتي إلى علا، ابتسمت علا وشع وجهها حبورًا فور رؤيتها لهذا القط، قامت وأتت إليه وحملته وهي تقول بنبرة مبتهجة: _إيه دا! إزيك! انت صاحبهم هنا؟ في تلك اللحظة دخل جمال مسرعًا من الجهة الأخرى وهو يقول: _ه..هو جالك يا أستاذة علا؟ التفتت علا إلى جمال، ورأته خلف الجدار الزجاجي، تلك هي المرة الأولى التي تسمع صوته وتقترب منه لهذا الحد، اقتربت علا منه وهي تتأمله بأعين لامعة من شدة حنينها إليه، أما هو بالفعل لا يعلم أنها قريبة منه إلى هذا الحد فأمامه مجرد مرآة. _دا القط بتاعك؟ _أيوة.. معلش فلت مني، واضح إنه شم فيكي ريحة قطط أو حاجة. ابتسمت علا ابتسامتها اللطيفة العريضة التي لم تبتسمها منذ زمن بعيد وذلك القط في حضنها، تربت على رأسه وتداعبه، ليردف جمال: _لقيته متصاب في الشارع بتاعي لما الميليشيات قصفونا أول مرة... ومن وقتها مقدرتش أسيبه _آه يا حبيبي، يعني إيده راحت من إصابة مش مولود كده؟ واسمه إيه بقى؟ _أبو شوقي. ضحكت علا ضحكة قصيرة ولكنها كبحتها وانهتها بسرعة ليبتسم جمال من لطافتها وهي تقول: _إشمعنى أبو شوقي؟ قال جمال وهو يرفع منكبيه: _معرفش، إسماعيل هو اللي سماه، وهو وشه عريض كده ومكشر، تحسيه أب لواحد اسمه شوقي كده ضحكت علا ضحكة مكبوحة ثم قالت: _لما أرجع هخليه يتجوز ليزا بقى. ابتسم جمال وهو يومئ برأسه وهو يقول: _صحابهم بس يتجوزوا بعض الأول بعدين نبقى نجوزهم. عرضت ابتسامتها في استحياء، بعدها عادت للنظر إليه وهي تتأمله بعمق أكثر وأكثر، تتأمله بعينين امتلأتا بالشوق. إنه أمامها، أقرب ما يكون، لكنها تدرك أنه بعيد، ليس لأن المسافة تفصلهما، بل لأن قلبه نقيٌّ ومترفّع، محكومٌ بحياء نادرٍ في هذا الزمن، حياءٍ لم يكن عجزًا، بل كان صونًا، حصنًا يحفظه ويحفظها من أن يلتقيا قبل أن يجمعهما الميثاق الغليظ. عيناها لا تطرفان، ترفع كفها وتضعه على الزجاج على أمل تلمس وجهه وشعيرات لحيته. كان هذا الجدار الزجاجي من جهة، والمرآة من جهة، بمثابة علاقتهما سويًا بالضبط. هذا الجدار أشبه بما يفصل بين علا وجمال في حياتهما، حاجز شفاف يراهما كلاهما بوضوح، لكنه يمنع أي اقتراب حقيقي. كما كانت علا تستطيع رؤيته ولمسه دون أن يشعر بها، كانت في حياته دائمًا قريبة بروحها، لكنه لا يسمح لنفسه بأن يمد يده ليأخذها قبل أن يحين الموعد المشروع. جدار الحياء بينهما لم يكن عائقًا، بل كان سياجًا يحفظ نقاء مشاعرهما، تمامًا كهذا الزجاج الذي يمنحها رؤيته دون أن يتيح لها اختراق حدوده. عاشا على جانبي هذا الحاجز، يريان بعضهما دون أن يلتقيا حقًا، يشتاقان بصمت، ينتظران اللحظة التي يزول فيها الحاجز، ليس بكسره، بل بفتح بابه بالمفتاح الوحيد الذي يليق بهما: الزواج. نظرت إليه وهو يشيح بعينيه عن انعكاسه في المرآة، لم يكن جمال ممن يطيل النظر حتى إلى نفسه، فكيف لو علم أنها تراقبه الآن؟ كيف لو شعر بقلبها الذي يضطرب كلما حرّك يده أو تنهد بصمت؟ كانت تعرفه، تعرف كيف يغضّ طرفه عن كل ما لا يملكه بحق، حتى وإن كان قلبه يخفق له. كانت تعلم أن قلبه وعقله يذكرانها، تعلم أنه يدعو لها في سجوده، وأنه يتمنى لقاءً يكون حلالًا من البداية وحتى النهاية. لم تكن تريد منه شيئًا، لم تكن تنتظر منه نظرة أو كلمة، يكفيها أن يكون كما هو، ذلك الرجل الذي حفظها في غيابها، فكيف لو صارت يومًا في قربه؟ تنفست ببطء، لم تكن تريد أن تفارق هذا المشهد، لكنه كان محفورًا في قلبها منذ زمن، وستحمله معها حتى يحين ذلك اليوم الذي لن يكون بينهما فيه زجاج، ولا مرآة، ولا مسافة، بل لقاء لا يقطعه شيء. _بوسيه!!!! انتفضا كلاهما على صوت أحمد وهو يقول في المكبر أثناء مراقبته لهما، ثم أردف أحمد بنبرة متهكمة: _قصدي على أبو شوقي، يلا يا عمتي بوسي القط ورجّعيه لصاحبه بقا عشان نشوف شغلنا. احمرت وجنتاها حقًا، ولكنها على أي حال قامت بتقبيل القط حتى سمع جمال صوت قبلاتها، مما جعل وجهه يتحول إلى بندورة. بعدها وضعت القط أرضًا، فأتى القط إلى جمال، ثم حمله جمال وسلّم عليها وانطلق بخطوات سريعة. ظل يسير إلى أن وقف عند ممر فارغ، ورفع قطه أمامه وتبادلا النظرات. كان القط ينظر إليه بلا مبالاة، مما زاد جمال انفعالًا وهو يقول: _باستك!!! باستك يا محظوظ!! عارف لو نضفت بلسانك مكان البوسة هعمل فيك إيه؟! لازم تقدّر النعمة اللي انت فيها! وفي الوقت ذاته، يقف إسماعيل على بعد كيلومترات عن مقر ذود، ومعه هالة يقوم بتدريبها على الرماية. يقف خلفها ويقوم بتعديل وضعيتها في إمساك المسدس، ثم يجعلها تُطلق. وفور أن أطلقت، قال وهو يصفّق مشجعًا لها: _برافو عليكِ يا حبيبتي. قالت هالة عابسة ممتعضة من مستواها: _برافو عليّا إيه؟ أنا ما أصبتش الهدف حتى. قال إسماعيل بنبرة لينة مشجعة صادقة: _مش مشكلة الهدف دلوقتي، بس أنتِ بقيتي ماسكة المسدس صح جدًا، وجسمك نشف عليه وبقيتي قوية، وبانلي أنك بقيتِ تعرفي تستخدميه كويس. ده تطور حلو جدًا. تبدلت ملامحها، وأنير وجهها بسرور عارم من حديث إسماعيل المفعم بالطاقة الإيجابية، وفي تلك اللحظة سمعا صوت أذان العصر، والذي كان بصوت مصطفى. في العادة، كان إسماعيل هو من يؤذن، ولكن هذه المرة أذّن مصطفى، فقال إسماعيل وقد شعر بتورط: _يا ربي، ده الوقت جري بسرعة. أنتِ متوضية؟ نصلي هنا ونكمل؟ _آه يا حبيبي. تذكر إسماعيل أنه لم يتوضأ، والمعسكر بعيد جدًا عن مكانهما الحالي، فقرر أن يتيمم. اقترب إسماعيل من الأرض، وفور أن لمس كفه التراب تذكر شيئًا فورًا، ورفع رأسه إلى هالة وهو يقول: _صحيح يا هالة، تعرفي سبب نزول آية التيمم؟ قالت هالة بتلهف: _لا، معرفش، احكيلي. وقف إسماعيل وقرر أن يحكي لها الأمر إلى أن تأتي الإقامة، وبدأ يسرد لها بطريقة حديثه الجذابة: _فيه كتير شكّكوا في الموضوع ده رغم أنه ذُكر في صحيح البخاري، يعني صحيح تمامًا. بصي يا ستي، في يوم كان رسول الله ﷺ هو وجيشه راجعين من إحدى الغزوات، وكانت برفقته عائشة رضي الله عنها، ودي كانت من عادته ﷺ إنه في كل غزوة بيخرج، بيختار زوجة من زوجاته عشان تطلع معاه. بعد ما ارتاحوا الصبح، والليل قرب، أمر رسول الله ﷺ أنهم يبدأوا يقوموا ويجهزوا بقا عشان يمشوا، وكانت لعائشة رضي الله عنها قلادة بتلبسها للرسول عشان تتزين له، بس اكتشفت إن القلادة دي ضاعت. قامت تدور عليه في كل مكان، ملقيتهوش أبدًا، لحد ما قررت تقول لزوجها ﷺ. عايزك تقولي لي كده، ممكن يكون رده عامل إزاي؟ سكتت هالة برهة وهي تفكر، ثم قالت: _قال لها هجيب لك واحد غيره. حرك إسماعيل رأسه نافيًا ليردف: _رسول الله ﷺ كامل الأخلاق، وكامل العقل والقلب، وكامل الرجولة. ما قالهاش كده، لأن دي مش من شخصيته ﷺ. راجل أمين ومسؤول عن زوجته وحاجتها، خصوصًا لو هي أحب الناس إليه زي ما إحنا عارفين، فمش هيسيب الموضوع يعدي كده. أول ما الرسول ﷺ عرف، وقف جيشه، أو زي ما قالت عائشة رضي الله عنها في روايتها "حبسهم"، وأمرهم يسيبوا كل اللي بيعملوه ويدوروا على القلادة دي، ومش هيمشوا إلا لما يلاقوها. بعدها قرر رسول الله ﷺ إنه يرتاح شوية لحد ما هما يلاقوا القلادة، لأنه كان تعبان، فنام ﷺ على حجر عائشة وهي قاعدة على الأرض. هنا، أبو بكر رضي الله عنه ما عجبوش الحال، وظهر في السيرة النبوية أن شخصيته بطبيعتها حادة وطباعه عصبية شوية، فدخل عليهم وشاف إن الرسول ﷺ نايم بعمق على حجرها، فمحبش يعاقبها أو يعمل دوشة عشان ما يصحيهوش، فقرر إنه يكلمها بصوت خافت وهو متعصب، وبينغزها في جنبها، وفضل يضربها بصباعه جامد كده وهو بيقول لها: "حبستي الناس وحبستي رسول الله على قلادة؟؟" حين قال إسماعيل الفقرة الأخيرة، كان ينغز بإصبعيه على كتف هالة ليمثل لها المشهد، فتألمت هالة وأمسكت بكتفها وهي تئن مبتسمة، فقال لها: _وجعتك، صح؟ ما بالك بقى بقوة أبو بكر رضي الله عنه؟ فقد وصفت عائشة رضي الله عنها الألم اللي حست بيه من نغزة والدها بقولها: "فَبِي الموت"، يعني اتوجعت وجع قاتل من إيد والدها القوية، بس هي استحملت الوجع ده ومحبتش تتحرك حركة بسيطة عشان متزعجش نومه ﷺ، وكانت عايزاه يكمل راحته، وظهر اهتمامها ومراعاتها لتعبه في اللحظة دي. ولما دخل عليهم الفجر وهما لسه بيدوروا، جم بقى واشتَكوا لرسول الله ﷺ لأنه كان صحي خلاص، قالوله إنه مفيش مية يتوضوا بيها عشان يصلوا الفجر. وهنا بقا يا هالة، نزلت آية التيمم، وكانت آية فرج ليهم ورفع الحرج عنهم وعلى الأمة الإسلامية كلها. اتسعت أعين هالة دهشة من جمال ما يقوله إسماعيل، فأردف إسماعيل بقوله: _وقال أُسيد بن حُضير رضي الله عنه لما عرف سبب نزولها: "ما هذه بأول بركاتكم يا أهل أبي بكر، لأجل عقد عائشة نزلت آية التيمم، فكان فيها فرج على الأمة كلها". ولعائشة رضي الله عنها أفضال كثيرة على الأمة الإسلامية، منها هذه الآية، هي وعائلة أبي بكر كلهم، رضوان الله عليهم. _الله يا إسماعيل! أنا عمري ما توقعت أن سبب نزولها يكون جميل قوي كده، وبسبب عائشة رضي الله عنها! وأكتر حاجة جميلة في الرواية دي أن رسول الله ﷺ كان أحن عليها من والدها رضي الله عنه، وهي برضو استحملت الوجع عشانه. فيه احترام وحب متبادل تلقائي كده، جميل أوي! أومأ إسماعيل برأسه وهو يقول: _كل التفاصيل دي لازم المسلم يتعلم منها والله، لأنها لو كانت بلا قيمة، ومجرد رواية وخلاص، ما كانتش ذُكرت.                          ************ قرابة المغرب، كان نوح في عيادة طبيب المخ والأعصاب، يخرج الطبيب أشعة رنين مغناطيسي وهو يقول له متمعنًا في تفاصيلها: _قولتلي إنك كنت مصاب بإلتهاب في المخ عند الحصين، مش كده؟ _اه... يعني مش متأكد من المعلومة دي أوي، لأني يعتبر شوفتها في حلم أو حاجة زي كده، يعني معرفش، فقلت أتأكد. أومأ الطبيب برأسه ثم قال: _انت فعلاً كان عندك التهاب شديد في الحصين لكنه اتعافى بنسبة مش قليلة، التهاب شكله غريب، أول مرة أشوفه الحقيقة. بس الشيء اللي ميطمنش إنك طلعت مصاب بالـ Encephalitis. ده التهاب في المخ برضو، بس ده شائع أكتر من التهاب الحصين، وبيصيب الفص الصدغي أو الفص القذالي. عندك موجود في الفص الصدغي، ومن شكل الالتهابات الغريبة واضح إن لما الالتهاب انتقل من الحصين للفص الصدغي بشكل غريب... أكنه كائن حي مثلاً. سكت نوح برهة وهو يحاول أن يفهم، ثم قال: _وده أنا مصاب بيه من إمتى؟ _من شكله واضح إنك مصاب بيه من سنين. الإصابة بالمرض ده بتخلي الواحد يجيله أعراض زي حمى شديدة، تغييرات في الوعي والإدراك زي الهلاوس، نوبات صرعية، ضعف في العضلات أو الشلل، صعوبة في الكلام أو التفكير. فأنت قولتلي إنك اتعالجت تمامًا من الهلاوس النفسية ومستغرب إنك لسه بتشوف هلاوس، وقلقك كان في محله، المشكلة عضوية فعلًا. أنا هكتبلك علاج تمشي عليه لمدة ست شهور، بعدين تشرفني مرة تانية بعد ما تعمل الأشعة وتوريهالي. خرج نوح من العيادة وركب سيارته، وهو يحدق في الفراغ والأفكار تترابط في ذهنه شيئًا فشيئًا عن نور الصاوي، واختفاء عمر. أخرج نوح هاتفه واتصل بنور، ولكنه لم يُجب. بدلاً من أن يُجيب، أرسل رسالة: <خير يا نوح؟> <عايز أشوفك ضروري النهاردة، هبعتلك لوكيشن تيجيلي عنده، أخرك الساعة عشرة بالليل.> <قولي ليه؟ عشان اللي عملتهولك المرة اللي فاتت؟> <أيوة.> <ماشي يا عم.> وضع نوح هاتفه وفتح درج السيارة، والتقط مسدسًا، سبب وجوده معه مجهول، ثم دسه خلف ظهره وانطلق ليقابل نور الصاوي، والتي ستكون المقابلة الأخيرة. ليست لنوح فقط، فهناك احتمال كبير أن يختفي نور الصاوي عن وجه الأرض بعد ذلك اللقاء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة