مجزرة الحي الذهبي ٢

مجزرة الحي الذهبي ٢

41 0

٦١ "إن كنتِ في الشباك أطلَّ فأراكِ، وإن كنتِ على السطح آتيكِ مع الصبح، وإن كنتِ مع الأطفال آتيكِ في الزوال، وإن كنتِ مع النساء آتيكِ في المساء، أحملكِ وأطير." يرى عصام نفسه وهو يسير بين شوارع قرية بدائية بعض الشيء، يتوغل بين أزقتها الضيقة وهو يهتف ويصيح بتلك الكلمات، يصيح بها بنغمات كالأغاني وهو يسير بخطوات متراقصة، يرى نفسه معلقًا حول كتفه طبلة كبيرة الحجم، وبيده يضرب فيها. وخلفه أطفال يضحكون ويلقونه بالحصى، يسخرون منه، يتهمونه بالجنون وهم يلقبونه بـ "بوسعدية" ويرددون هذا الاسم عليه. كان لا يبالي بهؤلاء الأطفال، فهو يبحث عنها، عن من؟ لا يعلم. ولكنه شعر في الحلم أن قلبه ينصهر قهرًا، ويشعر بحرارة دموعه التي تنهال من عينيه بغزارة، كان كالمجنون المختل، يغني ويرقص وهو مغموم مكروب القلب. لم يكن هذا أغرب ما يفعله، فهيئته الخارجية كانت أغرب مما يتخيله أحد. كان يرتدي قناعًا من الجلد غريبًا مزينًا بأصداف بحرية، وعلى رأسه جمجمة طائر. يرتدي بعض جلود الحيوانات مقصوصة بشكل غير مرتب وملتف حول جسده العديد من الفرو والريش. كان الحلم قصيرًا وخاطفًا، ولكنه شعر عصام بكل تفاصيله كما لو كان واقعيًا. استيقظ على صوت رنين هاتفه، استيقظ وهو يتنهد متعجبًا من ذلك الحلم الغريب، ولكنه لم يعره اهتمامًا وأجاب بسرعة على المتصل، ليصمع صراخ أحد ضباط العاصمة الإدارية مستنجدًا بعصام بسبب أدهم.                              ********** قبل أن تأتي طائرات ومسيرات أدهم الحاملة آلاف الصواريخ، كان أدهم يقتل كل من بالحي وحده، كان من ذعرهم يهرعون خارج بيوتهم راكضين بأقدام عارية وهو يطلق عليهم الرصاص بشكل عشوائي، وإن إلتزم بعضهم المنزل كان يدكّ المنزل فوق رؤوسهم، كان لا يترك شارع إلا وقد تأكد أن كل من به قد مات، رجل، إمرأة، شيخ، مسنة، طفل، طفلة، كان يبيد كل من في الشوارع حولة وكل من في المربعات السكنية. قتل أدهم وحدة ما يقارب الالف وعشرون فرد، إلى أن أتت المسيرات بعد ساعة من إتصاله بتريسا وبدأت تقصف بصواريخها في كل مكان، قد توعد أدهم أنه سينسف حي المربع الذهبي عن بكرة أبيه ويمحيه من على الخريطة كما لم تكن. هو ورفاييل الآن واقفين أعلى إحدى البنايات يشاهدون ما يحدث بإستمتاع، يسمعون أصوات الصواريخ وهي تضرب بالارض فوق رؤوس المواطنين، يسمعون صياح الناس المفزع واصوات سعيهم وركضهم محاولين النجاة وكأنها قد وقعت الواقعة، يهربون من اهوالها الشنيعة، ويركضون دون الالتفات لأرقبائهم كل منهم يقول نفسي نفسي، والبعض من يتشبث بأهله كما لو كان بتشبث بقلبه لكي ينجوا به، يدهسون فوق بعضهم وفوق اشلاء جيرانهم، كل منهم يهرب ظنًا منه أنه سينجو ليأتي صاروخ بغته ويبخر وجوده ويموت في الحال. لم ينجو أحد من تلك المجزرة الموحشة الشنيعة، وإن نجا أحدهم بإعجوبة من صواريخ المسيرات يظهر أدهم من اللا شيء ليقتله، كانت ليلة من الجحيم، تعدي ضحياها عشرة آلاف فرد. وهذا كان جزء من قوة أدهم المطلقة. يقف رفاييل بجانب أدهم وقال بلغته الروسية: _ألم تمل من تلك المشاهد؟ قال أدهم بإبتسامة عريضة: _لا، بالعكس أنا دلوقتي أسعد بكتير من قبل كدة، كل اللي إنت شايفهم دول عمرهم ما واجهوا صعوبات في حياتهم، بالعكس...دول كانوا بيكتسبوا نعيمهم من صعوبات اللي أقل منهم في الطبقة، جه الدور إنهم يواجهوا صعوبات شوية. هنا رن هاتف ادهم وكان يوسف فأخرج وهو يجيب: _أيوة يا يويو، ايه رأيك في الجمال دا؟ _وقف إللي بتعمله دا يا أدهم. _وإلا إيه؟ هتبعتلي جيش من ورق الأمريكي بتاعك؟ _مش هبعتلك حاجة بس كدة كفاية أوي، لو موقفتش إللي بتعمله دا...هاجي بنفسي وهوقفه بطريقتي، وتريسا وعصابته وقتها هيتشالوا من على وش الارض! زفر ادهم بلا مبالاة وامتعاض وقال: _ماشي ياعم، ماشي خلاص. أغلق أدهم الخط وعاد وإتصل بتريسا _أيوة يا تريسا، خلاص كدة كفاية. وبعد ربع ساعة توقف هبوط الصواريخ وعادت الطائرات والمسيرات من حيث أتت، كان من المفترض أن يتم سماع صراخ الضحايا من ضل حيًا، ولكن لم يضل أحداً حيًا أبدًا، كانت تلك الصرخات تتوالى من الاحياء الاخرى التي لم يستهدفها أدهم بعد، أما الاحياء التي استهدفها...فقد تم إبادة كل من فيها بنجاح ساحق بدأ أدهم في استنشاق الهواء الممزوج برائحة البارود والنيران والدماء ثم قال: _من زمان مشميتش الريحة دي، وحشتني اوي. قال رفاييل: _استعود الآن أم ماذا؟ _لا إرجع أنت، أنا قاعد في مصر حبة حلوين. _ما خطبك؟ لقد جلست فيها طيلة شهر حتى الآن، لم تجلس فيها أبدًا تلك المدة من قبل؟ _مالكش دعوة بقا، إمشي دلوقتي وإرجع بلدك. ذهب رفاييل تاركًا إياه، ومع الوقت دخلت الاسعافات وطواقم وسيارات الدفاع المدني والشرطة وأصبحت تحوم في المكان، مع صراخ الطواقم فزعًا من كل ما يروه من بشاعة. على أي حال فقرر أدهم الذهاب وبدأ يسير في الشوارع بين الناس دون ملاحظتهم له كالعادة، ظل يسير إلى أن وصل إلى إحدى الازقة، التي فور دخولها وجد سيارة تدخل فيها وتقف أمامه، إنه يعلم تلك السيارة جيدًا، فقد كانت سيارة عصام. وقف أدهم وهو يحدق إلى عصام بنظرات تحدٍ وعصام في سيارته يحملق فيه بتحفز واحتدام، مواجهة أدهم لا تحتاج مخططات ولا إستراتيجيات خارقة الذكاء للقضاء عليه، فأدهم إنسان عبثي ولا يتم مواجهته سوى بعبثيته، هذا ما كان عصام مقتنع به. في ثانية بكل سرعة كبس عصام الفرامل لينقض على أدهم بسيارته، ولكن بكل سهولة قفز أدهم وهبط على عليّة السيارة، ولكنه لم يكن يعلم أن العلية مفتوحة وفور أن وقف عندها خرج عصام له وتشبث بقدميه وسحبه لداخل السيارة ليكبح حركته وألا يعطيه حرية التوغل. فور أن سحب عصام أبيه لداخل السيارة وسقط في المقعد الخلفي قفز عصام فوقه وهو ينهال عليه بوابل من الضربات القوية المستمرة ولكن أدهم كان قوي كالصخر، وإن كان يستقبل ضربات إبنه القوية فلم تكن قوية كفاية كضرباته لعصام، كان عصام يتألم بشدة من ضربات أدهم ولكنه كان متشبث به يحاول خنقه بكل الوسائل، وفي بغته فتح أدهم باب من الابواب والقى عصام بخارج السيارة ومن ثم خرج هو أيضًا. نهض عصام واقفًا وهو يترقب أبيه يتقدم إليه بخطوات ثابته هادئة إزدادت من استفزاز عصام، ليهجم على أبيه بسرعة وتدور بينهم معركة وجدال قوي لم يكن لصالح عصام ابدًا، قوة أدهم الجسدية كانت غير آدمية بالمرة، ولم يستوعب عصام أن أدهم بهذه القوة في حياته إلا الآن، وحين شعر أدهم بضجر من تلك المعركة التي لا طائل منها قرر أن يضرب إبنه ضربه حاسمه، وبكل قوة لكم أدهم بطن عصام بقوة جسيمة، شعر عصام من تلك الضربة كما لو كان صاروخ يخترق معدته من شدةا الألم، وطار عصام مرتطمًا بالأرض من شدة تلك الضربة وهو يصيح متألمًا يتنفض ويتلوى ارضًا وأدهم ينظر إليه ببرود وهو مبتسم بلا مبالاة، وبكل هدوء إلتفت وتركه مطروح ارضًا وهو يتألم وحده.                            ********** _ياسر!!! قوم يا ياسر قوم!!!! استيقظ ياسر منتفضًا من صياح هدى، زوجته، وهي توقظه. _بسم الله الرحمن الرحيم، في إيه يا هدى؟ خير؟ _أدهم ضرب حي المربع الذهبي يا ياسر، بسرعة تعالى نشوف الملجأ بتاعنا بسرعة. وثب ياسر في صدمة وهو يقول مفزوعًا: _نعم؟؟ إنتِ بتقولي إيه؟؟ _بسرعة يا ياسر، مش وقت اندهاش، يلا. سرعان ما ارتديا كلاهما ملابسهما وخرجا يهرعان لسيارتهما، وينطلق ياسر بسرعة قصوى للحي الذهبي في العاصمة الإدارية. وأثناء قيادته، كانت هدى تسرد له الأخبار من هاتفها، أخبار عن إقامة أدهم لمجزرة عملاقة في الحي الذهبي أدت لمقتل معظم من فيه وتدمير ما به بصواريخه ومسيراته من صناعة عصاباته الخاصة. ولكن لم يكن هناك أي خبر عن اغتيال فاروق بعد. وصل ياسر للمربع الذهبي، دخله كما لو كان دخل لمربع الجحيم. الكل يصرخ ويصيح باكيًا. النيران تحوم في كل بقعة. رجال الإسعاف والدفاع المدني يعانون في استخراج الناس تحت الأنقاض وتجميع جثث من حولهم، التي كانت منها أشلاء ومنهم السليم. كان ياسر وهدى يذكران الله من هول ما تراه أعينهما. هدى تحبس دموع عينيها، تحاول ألا تنهار، وياسر يحاول جاهدًا المرور في الشوارع المزدحمة من الناس المفزوعين المقهورين ليتوجه لملجأ الأيتام الخاص بهما. فإن ياسر دائمًا ما يقوم ببناء مؤسسات مجتمع مدني، ومن تلك المؤسسات ملاجئ أيتام وملاجئ للنساء وبعض المؤسسات الداعمة للفقراء والشباب. وكانت هدى هي المسؤولة عنهم، وتقوم بالإشراف على كل منهم. كان ملجأ الأيتام الخاص بهما في المربع الذهبي هو أكبر ملاجئ الأيتام في مصر، مليء بكل أنواع الرفاهية للأطفال ومميزًا بأعلى الأنظمة الطبية والتعليمية والتربوية لهم. كان ممتازًا من كل الجهات، وكانت هدى تأتي بأطفال الشوارع والأيتام له دائمًا ليعيشوا أجمل أيام حياتهم فيه. ولكن ذلك الملجأ لم يعد كذلك، ففور وصولهم للملجأ، وجدوه غارق بلهيب النيران الحارقة في كل مكان فيه، وقد تم دكة من قبل المسيرات قبلها، خرجا من سيارتهما وأعينهما جاحظتان من هول وشناعة ما يروه أمامهم، يرون المسعفين ورجال الدفاع المدني يخرجون أطفال اجسادهم سوداء متفحمة وأطفال مقطعين لأشلاء هذا بجانب من ظلوا تحت الانقاض. مأساة وطامة لا يتحملها عقل، سقطت هدى على ركبتها وهي تصيح باكية على أطفالها التي لطالما كانت تزورهم وتلعب معهم وتعتني بهم، وياسر واقف عينه لامعة من الدموع المحبوسة لا تطرف من تلك الفاجعة الكاتمة للانفاس والذي ينتفض منها القلب هلعًا ويشل فيها العقل لعجزه على استيعاب كل تلك الأهوال. أكثر من مئة وخمسون طفل لا يملكون خطايا ولا د ذنوب في الحياة كان يتم التخطيط لمستقبلهم بكل دقة، لم يعد لهم وجود، وكل الجهود التي فعلاها كل من ياسر وهدى لجعل مجتمعهم افضل تذهب هباءًا منثورًا يوم بعد يوم. وبسبب ماذا؟ بسبب متعة رجل اخرق كأدهم.                          *********** بعد المجزرة بحوالي ساعة، استيقظ كل من عمر وشيماء منتفضين من طرق الباب في هذه الساعة المتأخرة من الليل. قالت شيماء، وهي تضع يدها على قلبها محاولة تهدئة ضرباته المفزعة السريعة: _مين اللي بيخبط دلوقتي؟ ممكن يكون الراجل أبو الماسك الأسود ده؟ قال عمر وهو يهدئها: _لا لا، متقلقيش... هروح أشوف، يمكن حد من الجيران محتاج مساعدة. خرج عمر من الغرفة برفق، وتتبّعته شيماء بحذر وخوف. اقترب عمر من الباب ونظر من العين السحرية، ولكنه لم يجد أحدًا. في تلك اللحظة، عاد طرق الباب يتكرر، فانتفضت شيماء وهي تقول هامسة: _مين؟ مين يا عمر؟ _معرفش، مش شايف حد. _طب خلاص، متفتحش عشان خاطري، ألاقيه الراجل ده وهيخش يقتلنا ولا حاجة. قال عمر محاولًا جعلها تفكر بشكل أكثر حكمة: _يا حبيبتي، مهو اللي عايز يقتلنا مش هيخبط الأول. هنا سمعوا صوتًا ضعيفًا من خارج الباب يتحدث بمنازعة من شدة التعب الذي يكتم في أنفاسه: _افتح يا عمر... افتح... يا عمر. ذلك الصوت كان صوت نوح. ركضت شيماء لغرفتها بسرعة لتستر نفسها، وبدون تردد فتح عمر الباب ليرتطم نوح بالأرض بعدما كان متكئًا على الباب. انتفض عمر فور سقوط نوح، وجلس بجانبه وهو يقول بقلق شديد: _نوح، نوح، انت كويس؟ انت جيت إزاي؟ حصل إيه؟ لم يجيبه نوح نظرًا لفقدانه الوعي مجددًا، فحمله عمر ويدخله داخل إحدى غرف بيته، وهو متردد بشدة من وجوده في منزله وهو سليم تمامًا بهذا الشكل. ولسبب مجهول، فضل يوسف أن يرجع نوح لمنزل عمر عوضًا عن منزله.                              ********** في الصباح، حيث قصر شارلوت ابنة الملك ويليام ملك بريطانيا، تبلغ الآن الأميرة شارلوت السابعة والعشرين من عمرها. ترفض الزواج نظرًا لعشقها الشديد بإبراهيم. دائمًا ما تطلبه لها وليست لأغراض الدعارة فقط، فهي تراه صديقًا وحبيبًا وأخًا. تطلبه ليكون بصحبتها في كل حفلاتها وخططها، تحب أن تشاركه كل شيء في حياتها. ولكن دائمًا ما كان الملك ويليام يعترض على علاقتهم، وإن زاد مكوث إبراهيم معها عن الأسبوع يعيده ويليام إلى المبنى مجددًا. في غرفتها الفاخرة، صاحبة الديكور المنسق المريح للعينين، المتميز بالألوان الناصعة، تتسرب أشعة الشمس إلى الغرفة في جو مسالم وساكن مع أصوات الطيور والعصافير التي تتغزل في آذان إبراهيم النائم على سريرها. ذلك هو اليوم الثالث على التوالي منذ أن ذهب إليها بعد لقائه بفريدة. يسمع صوت شارلوت تتحدث إليه باللغة الإنجليزية وباللكنة الخاصة بهم المميزة: _استيقظ يا إبراهيم، سنتأخر عن الحفلة. فتح إبراهيم جفونه واستقبل بصراها وجهها المشرق الجميل، ليبتسم إبراهيم بتلقائية ويقول لها بلغتها: _أبدأت بالفعل؟ _لا، ستبدأ خلال ساعتين. هيا قم لتختار معي الزي الذي سأرتديه، ولقد اخترت لك زيك، سأجعلها لك مفاجأة. ابتسم إبراهيم ونهض واتجه للحمام، وفور دخوله الحمام وتأكد من وحدته اختفت ابتسامته ورفع بصره وهو يحدق في ذاته. يشعر أن الأمور تفقد سيطرتها يومًا بعد يوم. سماعه لإسم غادة بعد كل تلك السنين جعله مشتتًا، متحفزًا للهروب في أسرع وقت بتهور، ولكن عقله مشلول عن وضع خطة وعاجز عن إتمام أمر كهذا. أغمض إبراهيم عينيه بإنهاك، متعبًا من التشتت والبلبلة التي تثوى في عقله دون خروج. تمنى لو كان الياس معه الآن. الياس... لم ينسه إبراهيم أبدًا. لم ينسَ صراخه ولا جسده المتفحم، ولم ينسَ حديثه الرشيد الحكيم معه. لا يتفوه الياس إلا بالحق دائمًا، الحق الذي يريح قلوب المظلومين. وكل يوم يتمنى إبراهيم لو كان الياس ما زال على قيد الحياة ليهدئ من الصراع الذي يخوضه عقله. في تلك اللحظة دخلت شارلوت فجأة، فابتسم بسرعة وهو يناظرها. ولكنها اقتربت منه وقالت: _لقد سئمت من رؤيتك تدعي السعادة، لا أريدك أن تجبر نفسك على ذلك يا إبراهيم. اختفت ابتسامته في ربكة لتردف وهي تحاول أن تبث الطمأنينة في قلبه: _إبراهيم، أريدك أن تشعر بالطمأنينة فور أن تكون معي، أن تشكو لي أحزانك وهمومك. أنا أعشقك يا إبراهيم، وحقًا أعمل على وضع حد لهذه المهزلة التي تخوضها طيلة كل تلك السنين، ولكن الأمر صعب. أبي يرفض رفضًا قاطعًا إنهاء تلك المشاريع، ويرفض الزواج بك أيضًا. لكنني امرأة متمردة ولن أخضع له. سأفعل أي شيء مقابل راحتك وسعادتك يا حبيبي. عرضت ابتسامته وقال وهو يمرر يده على وجنتها: _أنتِ مستعدة أن تكوني ضد والدك وضد العالم لأجلي؟ قالت شارلوت بنبرة ثقة دون تردد: _بالطبع مستعدة!! ضحك إبراهيم وقبلها، ثم قال: _حسنًا، أريدك أن تنفذي لي طلبًا واحدًا هذه المرة. _اطلب يا عشقي. _أن تُظهري للعالم من هو حبيبك بحق. استفسرت شارلوت في دهشة: _تريدني أن أعلن عن هويتك؟ _لا، ليست هويتي، فقط وجهي لا أكثر. _حسنًا، هذا سهل. عادا بعدها إلى الغرفة، ووقفت شارلوت أمام خزانتها وهي تخرج قطعًا من ملابسها لتأخذ رأي إبراهيم في ارتدائها أم لا، وهو بدوره يعطي رأيه في كل قطعة في ملابسها، حتى استقرا على زي جميل يناسب الحفلة. ثم أخرجت له زيّه وارتداه، ثم انطلقا إلى مكان الحفلة. كانت الحفلة صباحية جميلة تجمع الكثير من أصحاب النفوذ والبرجوازيين. وعينت شارلوت على أن إبراهيم سيكون طباخ الحفلة. نعم، فإبراهيم طباخ ماهر قد ينافس أمهر الطباخين البريطانيين. فقد جلس ثلاثة عشر عامًا يطبخ للموظفين الأجانب ويطبخ لشارلوت وعائلتها، وبهذا قد اكتسب مهارة فذة ومميزة في الطبخ. تلك المهارة اكتسبها إبراهيم لغرضه الأساسي. البعض قد يتساءل لماذا لم يسمم الأجانب منذ البداية؟ وهذا لأن كسب ثقة العدو هو أهم خطوة نحو الهروب والوصول للحرية التي لطالما حلم بها. جلس إبراهيم ثلاثة عشر عامًا في طاعة تامة وأمان تام ليكسب ثقتهم، وبالفعل قد نجح في ذلك. هم الآن في ساحة حمام سباحة حيث مقر الحفلة الصباحية. يقف إبراهيم على طاولة ويطبخ أمامهم بحركات سريعة مرنة تظهر تضلعه وبراعته في تلك المهنة الدقيقة، حيث يمتعهم بحركاته أثناء طبخه لوجبة زكية المذاق في النهاية. _أرى لماذا أنتِ متمسكة بحبيبك المصري، إنه حقًا بارع في الطبخ. _إنه ليس بارعًا في الطبخ فقط. ضحكن الفتيات وابتسم إبراهيم لشارلوت ابتسامة ساحرة جعلت عينيها تتحجران عليه، تتأمله دون كلل بهيام شديد. ترى أمامها رجلًا لن تحب ولن تعشق من بعده أبدًا. بعدما أكلوا جميعًا ووزع عليهم مشروباتهم الكحولية، بدأوا في الرقص على الأغاني المرحة والقيام ببعض الأعمال الأخرى غير القانونية. أثناء ذلك، قامت شارلوت بتصوير نفسها مع إبراهيم، وأطاعته حيث نشرت الصورة معه وكتبت تحتها "حبيبي". وبعد نشر تلك الصورة بدقائق، جاء مجموعة من رجال الحراسة لشارلوت وهم يقولون: _حان الوقت لعودة إبراهيم إلى دياره. نهضت شارلوت وهي تقول معترضة بصرامة: _لا، لن يعود. أريده معي مدة أطول. _هذا أمر من والدك يا سمو الأميرة، نحن نعتذر. وضع إبراهيم يده على منكب شارلوت وقال لها بابتسامة مطمئنة: _لا تحزني، سأعود لكِ مجددًا إن أردتِ. يبدو أنهم يحتاجونني في عمل مهم، لا بأس. ودعها إبراهيم وسار مع الحراس، بابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يشعر برضا وأمل، وقد أيقن أن المسؤول عن هروبهم ستكون شارلوت بلا شك.                         *********** صباح هذا اليوم، استقبل الشعب المصري خبرًا زلزل أرضهم وقلوبهم من الفرح والأسى في آن واحد، وهو اغتيال الرئيس فاروق الألفي، ويليه إقامة مجزرة مروعة بحق سكان المربع الذهبي، والتي راح ضحيتها عشرة آلاف مواطن. ما زاد من الصدمات التي كانت تنهال على الشعب كالسيل، هو نشر أدهم وعصابته لملفات فاروق وأسراره القبيحة التي كانت سببًا لكل هذا على موقع (ريديت). وما نشره كان كالآتي: "فاروق الألفي رجل ليس من أصول مصرية وأصبح رئيسًا بمصلحة كبيرة، وأطفال الوزراء ونسائهم قد اغتصبهم فاروق من قبل برضا الوزراء أنفسهم، وكان تقام حفلات غير قانونية يجلب فيها الفقراء للاستمتاع بهم بكل الأشكال غير الآدمية، وكان شرط أي وزير ليتم تعيينه هو تقديم نساءه وأطفاله قربانًا لفاروق ليستمر في الاستمتاع بهم مدى الحياة. فاروق مرسل من الحكومة الأمريكية لمصر ويظهر أنه فرنسي الأصل يجيد اللغة المصرية بطلاقة." ليس هذا فقط ما جعل الشعب المصري يجن من شدة الصدمات، بل هناك خبر ثالث جعل الشعب في حالة ذعر وبلبلة شديدة، وهو اقتحام الميليشيات ورئيسها للقصر الجمهوري، والإعلان عن تمسكهم بالحكم واحتلالهم الكامل لمصر وحكومتها. مما أدى إلى حنق الجيش والوزراء واستشاطهم غضبًا. وكلما حاولوا مواجهة رفعت، كانوا يقفون الميليشيات لهم بالمرصاد دون التردد في قتل أهم رجل في الجيش أو الحكومة. وقد دخلت مصر في هذه الآونة لأحداث عبثية قوية قد تُكتب في تاريخها الأبدي. يدخل يامن الآن على المكتب المشترك بينه وبين علا وهو يتحدث على الهاتف بربكة وعجلة. _تمام... حاضر، حاضر. أغلق الخط بسرعة وهو يقول: _الحقي، جهزي نفسك عشان هنروح للقصر الجمهوري نحقق مع رفعت. _إيه دا؟ ازاي هنخش وسط الميليشيات ونحقق معاه بنفسه؟ _معرفش، نقابة الصحفيين اختارتنا بالذات لأن رفعت مسمحش بحد يحقق معاه غيرك. نهضا بسرعة متجهين إلى سيارة يامن، وبعد ما يقارب الساعتين من القيادة، وكان يامن يحمل مشاعر سلبية مشحونة بالحنق والامتعاض والتوتر بسبب أنه سيرى الميليشيات مجددًا، وهو يخشى ما قد يفعلونه بهم. وصلا كلاهما إلى شارع بعيد عن القصر الجمهوري، وكان المشهد من على بعد أمتار عبارة عن مجموعة كبيرة من جنود الجيش واقفين أمام القصر، بينما توجد مجموعة أكبر من الميليشيات واقفة أمام باب القصر لمنع الجيش من الدخول. وهنا قالت علا وهي تصور: _وقوفهم الهادئ يدل على أن رئيس الأركان ورفعت بيتفاوضوا جوا، منتظرين أي علامة للهجوم أو للانسحاب. قال يامن وما زالت المشاعر السلبية مستحوذة قلبه، يكظمها بصعوبة: _دا مجرد تخمين... لازم نتأكد. _طب يلا ننزل. _متأكدة من الخيار دا؟ _وهو في خيار تاني؟ سكت يامن قاطبًا وجهه ثم تنهد محاولًا إزالة الضيق في صدره، وخرجا كلاهما وتقدما إلى المكان المقصود. وفور اقترابهم، التفت إليهم كل من الجيش والميليشيات، وهم يرمقونهم بنظرات تعجب وتحفز، متسائلين كيف لاثنين مدنيين أن يأتوا إلى مكان كهذا في هذه الحالة. رفعا يديهما لإثبات سلامهما، ويامن يقول: _إحنا اتنين صحفيين، أمرنا أن إحنا نيجي ونحقق، ورفعت طلبنا بالاسم. هنا نظر ضابط جيش برتبة عالية إلى قائد تلك الفرقة من الميليشيا: _لو فكرتوا تعملوا فيهم حاجة، هنبدأ الحرب... سيبوهم يحققوا ويعرفوا وساختكم. قال قائد الميليشيا الذي كان هندي الجنسية ولكنه يتحدث بالمصري بلهجته: _مش أنا اللي أخد منك أمر، أنا هتصل برفعت وهتأكد منه. أخرج القائد هاتفه واتصل برفعت ليسأله، فأجابه رفعت بسؤال: _منهم؟ بنت بيضا وحلوة كدة؟ _بيضا وبطل أوي يا ريس، وحلوة أوي يا ريس... حلوة أوي. _يبقى دي علا. خلاص، خليهم يحققوا براحتهم، وياريت لو تدخلهم عشان يحضروا القاعدة اللي مع رئيس الأركان وينشروها للناس، ويعرفوا قوتنا وسلطتنا الحقيقية. أغلق القائد الخط وسمح لهما بالتحقيق معهم. وبعدما انتهيا منهما، دخلا القصر وأرشدهما القائد إلى طريق الغرفة حيث رفعت ورئيس الأركان. وفور دخولهما، سجلا الحديث بينهما، والذي كان غير مطمئن، مليئًا بالمشاحنات. ولمحاولة تهدئة تلك المشاحنات، كانت علا تشارك بطرح أسئلة قد ترضي الطرفين، بينما كان يامن يصور، ولكن بلا فائدة. وانتهت المفاوضات برفض رفعت الانسحاب وتمسكه بحكم مصر رغمًا عن أنف الجيش. وقرر رئيس الأركان هنا إعلان الحرب على الميليشيات بشكل رسمي. ازداد الموقف رعبًا ورهبة، فامسك يامن بيد علا بسرعة لينفذا بجلدهما وينجوا مما سيحدث الآن، وقد اكتفيا بتحقيقات هذا اليوم. خرجا كلاهما وهم يهرولان، وقبل أن يبتعدا عن الغرفة ببضع خطوات، سمعا طلقة نار داخل الغرفة، ليكتشفا أن رفعت قد قتل رئيس الأركان بالفعل. ثم سمعوا ضجة وطلقات نار مستمرة خارج القصر، دلالة على بدء الاشتباكات بين الجيش والميليشيات. شعرا أن ضلوعهما ستشرخ من شدة ضربات قلبهما وفزعهما من الموقف الذي هما فيه الآن، والحبسة القاتلة التي يعيشانها جعلتهما لا يفكران في أي شيء سوى النجاة. أسرعا في هرولتهما وبدأا في الركض باحثين عن طريق للهروب، والتوتر والهلع يعتليهما، ليظهر فجأة أمامهم مجموعة من الميليشيات، أحدهم يقول لعلا: _رايحة فين يا حلوة؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟ لبدا مكانهما في صدمة وأمسك يامن بيد علا وجذبها لخلفه محاولا حمايتها، يلهثون من شدة الرعب ليس من ركضهم المستمر، ولكن للاسف إنقض ما يقارب الثلاثون نفر على يامن عليه وعشرون آخرين قاموا بحمل علا ليهتكوا عرضها وهي تصيح بفزع تحاول أن تخلص نفسها منهم بأي وسيلة، فور أن دخلوا العشرين بعلا لإحدي الغرف قال أحد الثلاثين الذين كانوا يكبحون يامن: _لما تخلصوا قولولنا عشان ييجي دورنا. وتبدلت مهمة علا الآن من أن تنجو بحياتها، إلى أن تنجو بشرفها حتى لو أدى ذلك لفقدان حياتها، فالمرأة الحرة تفضل فقدان حياتها على أن تفقد شرفها، كذلك يامن الذي كانوا ينهالون عليه بالضرب المبرح كان لا يكف عن المقاومة فقط ليذهب لعلا وينقذها وينقذ شرفها. لطالما منظور هذا الفعل كان يرعب علا ويفزعها مثل بقية النساء، أن ترى استمتاع شخص وسعادته العارمة وابتهاجه المطلق في تعذيب من هو أضعف منه فقد لنيل منه رغبه قذره قصيرة المدى، إنه لجنون وشيء لا يغتفر ابدًا ولا يستطيع عقل الراشد استيعابه البتة، الانكماش في قلب علا يزداد ويتقلص قلبها أكثر فأكثر من شناعه ما تمر به، تشعر أن روحها تحترق وتخرج من عقلها المنصر على هيئة لهيب قوي، لهيب يحمل كل المشاعر من فزع واحتدام وسخط ورعب، إنسحاب روحها، وإكتواء قلبها وعقلها، أوصلاها لأعلى مراحل الصدمة والادرينالين والذى أدى إلى استيقاظها، وقبل أن يلمسها أحد الرجال. اخيرًا، اسيقظت تاچيتي روح قوتها، لتستلم جسد علا وتفتك بكل من حولها وتنهش في لحومهم قطعة قطعة. كان يامن يقاوم الرجال بكل ما أوتيه من قوة، جسده منغمر بدماءه بسبب إصاباته الشنيعة من الضرب المبرح الذي تلقاه، كان لا يشعر بالألم الجسدي أكثر من ألم قلبه على علا وهمه الشديد على محاولته في انقاذها، فإن تكرر ما حدث لرباب أخته أقسم ان لن يسامح نفسها ابدًا، في تلك اللحظة دب صياح قوي صدر من تلك الغرفة حيث علا والرجال، مما جعل من حول يامن يتشتتون، وفي الثانية الذين شتت انتباههم نهض يامن بسرعة وامسك بسلاح احدهم وقتله بسرعة وظل يطلق رصاص عشوائي على الثلاثون رجل إلى أن قتل معظمهم واصاب المتبقين. هنا رأى ما يقارب خمسة رجال يهرعون من الغرفة وهم يصيحون بفزع، لم يتركهم يامن وأمسك بسلاح آخر وإنهال عليهم بالطلقات المتتالية إلى أن اتأكد من قتلهم بشكل كامل، ألقى بعدها بالسلاح وهرع للغرفة حيث علا، ليجد مشهد أمامه شديد الغرابة. علا واقفة في منتصف الغرفة، حولها خمس عشر رجلا مقطعة اجسادهم بوحشية، وجسد علا مغمور بالدماء دليل على هي من قتلتهم بتلك الطريقة، أعين يامن ثابته حاجظة، متهيع مصدوم مما يراه، وقال بنبرة مرتجفة متعجبة: _انتِ اللي عملتي فيهم كدة؟ كانت لا تفعل شيء سوى التحديق فيه، لا تتحدث، لا تجيب، لا تتحرك، وبعدها اغمضت عينيها وسقط ارضًا مغشيًا عليها ليتقدم يامن بسرعة اليها ليحملها، ليأت صوت خلفه يقول: _كويس إنكم قتلتوهم عشان لو مكنتوش قتلتوهم كنت هقتلهم أنا، إنت مصاب جامد، متقلقش هساعدك في إنك تهرب. التفت يامن للقائل ليجده رفعت.                         ********** ~اصحى بقى يا عم، انت هتقضيها نوم ولا إيه؟ فور أن سمع نوح صوت مايا، والذي كان هو نفسه، ولكن باختلاف نبرات بسيطة، فتح جفونه بسرعة، وقلبه يخفق بقوة، ترجف ضلوعه، وثب بسرعة وهو ينظر حوله في غرفة لا يعرفها. ابتلع لعابه في توتر شديد وخشية من كونه قد عاد إلى المصحة أو لأي ماضٍ آخر. _م.. مايا؟ دا أنت؟ ~أيوة أنا، صباح الخير. تغلغل السرور بداخله وبدأ يتضخم كما لو كان قلبه يقوم بضخه مع دماءه، وشعر أن رئتيه تخلصتا من تحجُّرهما وعاد يأخذ أنفاسه بإنشراح شديد، وقال ضاحكًا: _أقسم بالله؟! معايا، أنت معايا! ~أيوة يا عم، بص في المراية. التفت إلى مرآة في الغرفة ليجد انعكاسه هو مايا، لينقض نوح في ابتهاج عارم، وهو يقهقه من شدة سعادته. _أنت موجود! أنت موجود! الحمد لله، الحمد لله يا رب. قال مايا مبتسمًا بدهشة: ~أول مرة أشوفك سعيد بوجودي جدًّا كدة، أتمنى علا تكون سعيدة لما تشوف تاچيتي، لأني أخيرًا جات لي الفرصة إني أتكلم معاها أول ما لقيتها صحيت. قال نوح مبتسمًا ابتسامة عريضة، واضعًا كفيه على المرآة: _والله مش مصدق نفسي! أنا عايز أحضنك بجد، بجد! قال مايا بنبرة صارمة ليخفي إحراجه: ~م.. مخلاص بقى يا عم، بتكسف. في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة، ليلتفت نوح بسرعة. وجدها غادة، التي فور رأته قائمًا، شهقت بابتهاج عظيم، وركضت لحضنه، وتعانقا عناقًا قويًا بشدة وهي تبكي من سعادتها. _صحيت يا حبيبي أخيرًا، أخيرًا يا حبيبي! _أنتِ كويسة يا حبيبتي؟ أنتِ كويسة؟ أنتِ حقيقية؟ أنتِ مش وهم! _أنا كويسة، وأنت كويس، وكلنا كويسين. نظر لها وهو يتسائل: _ه... هو إحنا فين؟ _إحنا في بيت عمر. عقد حاجبيه في تعجب، ثم سمعوا طرق الباب في تلك اللحظة، فابتعدت غادة عن نوح وهي تسمح بالدخول. دخل عمر، ليبسط نوح ذراعيه له، فيتقدم عمر بسرعة لعناقه، وهو مسرور يحمد الله على سلامته. بعدها، نظر إليه نوح متسائلًا في حيرة: _أ.. أنا مش فاهم، أنت جيبتني لبيتك إزاي؟ _أنت يا حبيبي اللي جيت عندي البيت وخبطت عليها قرب الفجر. ازداد عقد حاجبيه وعقله عاجز عن التذكر: _و.. وأنا كنت فين قبليها؟ قالت غادة: _دا اللي كنا عايزين نسألك عنه. الميليشيات عملوا فيك إيه وودوك فين؟ _ميليشيات؟ _أيوة، لما كنت في المستشفى، الميليشيات جم وخطفونا، بعديها رجعوني وأخذوك أنت. كانت العملية عسيرة على عقل نوح في التذكر، مما أدى لجلوسه والتحديق في الفراغ، محاولًا التذكر بإجهاد جسيم. سمع مايا يقول له هنا ليقوم بمساعدته: ~كل حاجة مرت بسرعة، عقلك الضعيف ملحقش يستقبلها. الميليشيات أخدوك وقعدوا يكهربوك لمدة يومين بحالهم، لحد ما صحيت بدأوا يعذبوا فيك أبشع عذاب. علموا كدة طاعة لفاروق عشان يهددوك بأدهم عشان الصفقة بتاعتهم. فاكر؟ أنت شوفت أدهم بالفعل؟ تقدر تفتكر اللي حصل؟ تقدر تفتكر الوجع اللي حسيت بيه ويوسف بيحقنك بالمادة المعالجة؟ نعم، نعم، بدأ يتذكر تدريجيًا، بعد أن عاد من وهمه الكبير بالصعقة الكهربائية العظيمة التي انتفض جسده فور تذكرها من شدة الألم الناتج عنها. ثم نظر ليديه وتذكر ما قطعها ونماها. بدأ يتذكر كل شيء بشكل تدريجي، ويا ليته لم يتذكر، وسيقضم نوح أنامله من شدة الندم على تذكر ذلك الجحيم الذي مر به. تحولت ملامحه إلى ملامح أسى عارم، واختفت ابتسامته وبهت وجهه تمامًا. فجلست غادة بجانبه، وهي تقول: _خلاص يا حبيبي، لو مش عايز تحكي متحكيش، أهم حاجة إنك جنبنا وكويس. قال عمر هنا: _يلا يا نوح، شيماء حضرت الفطار، يلا عشان ناكل سوا. قال نوح بنبرة منهكة على عكس نبرته تمامًا قبل ما يتذكر كل هذا: _أنا عايز أروح. قال عمر: _لا مش هتروح، أنت في أمان دلوقتي. بلاش لا أنت ولا غادة ترجعوا للبيت في الوقت الحالي. قال نوح متعجبًا: _ليه؟ محدش عارف إني كنت هناك. قال عمر له عن اغتيال الحاكم والحرب التي دارت بين الجيش والميليشيات، وانتهى بقوله: _أنا عارف إن قدومك لهنا مكانش منك، وحد جابك هنا لمصلحتك، فالأحسن تفضل موجود هنا كام يوم بحيث لو حد من الميليشيات أو الحكومة ميكونوش عارفين وجودك الحالي. _أنت كده هتتأذي يا عمر. _لا، مش هيحصل حاجة، يلا بس قوم اغسل وشك كده وفوق، واطلع لنا برا. خرج عمر لشيماء وساعدها في وضع الطعام. وفي عينيها ارتجاف خفيف، وقبضة في ملامحها تظهر توترها العارم. ليقول لها وهو يربت على ظهرها محاولًا تهدئتها: _مالك يا حبيبتي؟ متخافيش، مفيش حاجة هتحصلنا. _الأحداث اللي بتحصل في مصر مش طبيعية يا عمر، وجايبلنا السلاح النووي دا في بيتنا مستني إنه ينفجر في أقرب وقت؟ _سلاح نووي؟ _قصدي على نوح، غادة قالت إنه كان مخطوف من الميليشيات، إيش ضامنًا إن الميليشيات تيجي تخطفه تاني ويعرفوا إنه هنا؟ _شيماء، مفيش حاجة هتحصل، هما مشغولين بحربهم مع الجيش دلوقتي، مش هيركزوا مع نوح. _لو مش هيركزوا معاه رجعه لبيته. _هيرجع ماشي، بس مش دلوقتي، معلش، اصبري شوية يا حبيبتي، هما يومين بس. سكتت شيماء واُجبرت على بقاء نوح معهما. وأثناء تجمعهم سويًا لتناول وجبة الإفطار، كان نوح يأكل بعسر من شدة الغصة التي تكتم حلقه وتمنعه عن الابتلاع. كذلك، كانت شيماء تجد صعوبة شديدة في الأكل بسبب التوتر الذي يشغل عقلها عن القيام بالأعمال الطبيعية الغريزية مثل الأكل. وبعد مرور الوقت، وانتهائهم من الطعام، وقفت كل من غادة وشيماء لغسل الصحون. وانتهزت شيماء عدم وجود عمر معهم، وقالت لغادة: _ب.. بقولك، أنتِ تعرفي مريم بنت الشيخ مصطفى؟ _آه. _أ.. أصل هي عميلة عن عمر، وحبيت أزورها أطمئن عليها وكده. _هو دا ينفع؟ _أيوة، عمر مش هيقابلها، أنا بس اللي هقابلها. _خلاص، مش مشكلة، تعالي نحدد يوم ونزورهم سوا، لأني أنا كمان عايزة أزورهم. كان ذلك وشيكًا، ما حدث فجر هذا اليوم جعلها تحسم الأمر في مريم وعمر. ظنت أنه صاحب القناع قد أتى للقضاء على عمر بالفعل، ولكن لم يكن كذلك، ولن تنتظر أن يكون كذلك. وستأتي بمريم، هتمًا، لتجعل ذلك المقنع يتركهم وشأنهم.                          ********** قرابة العصر، كان ياسر يقود لزيارة صديق قديم، خاضا نضالهما سويًا وثوراتهما سويًا. والثورة التي خاضوها سويًا منذ البداية هي ثورة ٢٥ يناير سنة ٢٠١١ وما بعدها في نفس السنة، حيث كان ياسر في السادسة عشرة من عمره بينما كان صديقه في الواحد والعشرين. "جدع يا باشا، جت في عينه!" تلك الكلمات لن ينساها ياسر أبدًا التي تفوّه بها ضابط الشرطة فور أن أطلقوا على عين صديقه في أحداث محمد محمود سنة ٢٠١١. إنه لأمر بالغ الأسى أن يُقتل شباب ويُصابون إصابات بليغة لأجل حريتهم ولأجل العيش بأسلوب إنساني بسيط. ولكن في نهاية المطاف لم ينل الشعب أيًا من هذا أبدًا حتى الآن. وصل ياسر إلى المصحة النفسية، حيث يثوى صديقه فيها منذ عشرة سنوات. فكلما يرى ما يحدث في مصر ويتذكر عينه التي ذهبت هباءً، يزداد قهره وغمه الذي يؤثر على تصرفاته وسلوكه مع من حوله. ولا يلومه ياسر، لا يلومه أبدًا. في الحديقة حيث مكان الزيارة، أتى إليه وسلّم عليه. _إزّيك يا ياسر يا حبيبي، والله واحشني. _وإنت كمان يا محمود والله، أخبارك إيه؟ _أنا تمام الحمد لله، الحمد لله. _في حد بيضايقك هنا ولا هنا؟ _لا، لا خالص، خالص. لاحظ محمود شحوب وجه ياسر وعينيه الباهتتين، ليقول محمود بقلق: _مالك؟ شكلك تعبان ومعيط. _آه، عيطت كتير الفجر كدة، الراجل منا بيحتاج يبكي بقى، إنت عارف. بس أنا جيت بقى عشان أقولك خبر حلو. ابتسم محمود بفضول وقال: _إيه؟ قولي. قال ياسر بابتسامة متواضعة: _مش فاروق مات؟ _فاروق مين؟ _الريس. اندهش محمود بشدة وقال بعينيه المتسعتين وحاجبيه المرتفعين: _مبارك مات؟ أخيرًا؟ الحمد لله يا رب، الحمد لله. اختفت ابتسامة ياسر من رده الغير متوقع ليردف محمود: _والله أنا كنت عارف إن عيني دي ما راحتش على الفاضي، الحمد لله، الحمد لله. بقولك إيه، متخليش الناس ينتخبوا أي من عيال جمال ولا علاء، ماشي؟ أومأ ياسر برأسه والأسى ينهش في قلبه: _لا لا مش هنختارهم، متقلقش. _طب مين المرشحين اللي بعده بقى؟ _ل.. لسة ما نعرفش يا محمود. _طب أول ما تعرفوا تعالى قولي، ماشي؟ _ماشي يا محمود. مر الوقت والحوار كالعادة، كان محمود لا يتذكر أي شيء من بعد أحداث يناير. ما زال ماكثًا فيها بلا خروج. لا يتذكر أطفاله الذين أنجبهم بعد تلك الأحداث بخمس سنوات. لا يتذكر عمله بعد تلك الأحداث. لا يتذكر علاقاته المهنية بعد تلك الأحداث. لا يتذكر أن أمه ماتت بعد تلك الأحداث بعشر سنوات. ما زال يعيش في سنة ٢٠١١ ولا احد يعلم كيف سيخرج منها سوى الله. وبعد أن انتهت وقت الزيارة، نهض ياسر والدموع تنهال من عينيه من القهر الذي يشعر به تجاه صديقه، يبكي مشفقًا عليه وعلى شبابه الذي أُفني في اللا شيء، والذي عاش هو طيلة حياته يحاول تحسين وضع البلاد فقط لأجل عين محمود الذي ضحى بها وأرواح الشباب من مثله. ولكن هذا كان بلا فائدة. دخل ياسر سيارته مستكملًا بكاءه الهادئ وهو يردد: _وبعدين يا مصر، وبعدين يا مصر، وبعدين يا مصر.                             ********* وفي عالم موازي، في قرية قريبة من قرية مصطفى، وفي منزل نور الذي قُتل فيه من قبل مصطفى، يوجد تمثال عملاق تم نحته لنور الديب، وأتباعه من حوله يمجدونه ويعبدونه ويبكون من شدة حزنهم عليه. يدعونه ويطلبون منه العودة، يقرؤون من كتابه العبثي مؤمنين بعودته من الموت. علم كل من جمال وإسماعيل وهشام بوجود هذا التمثال في المكان ذاته. بعد العشاء، وصلوا إلى ساحة ذلك المنزل، وفور وصولهم شعروا أنهم دخلوا في بوابة زمنية أوصلتهم إلى العصر الجاهلي قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. مصدومين بالحشود المتجمعة حول تمثال نور الديب وعبادتهم له، يتمسحون بأيديهم عليه ويتبركون منه ويدعون به، قال إسماعيل بشجب: _هو اللي بيحصل في البلد دي مخليهمش يفوقوا من العتة اللي هما فيها دي؟ قال هشام: _والله أنا لما شوفت المنظر من على الإنترنت مصدقتوش، قولت لازم أجيبكم تشوفوه بنفسكم. قال جمال بنبرة هادئة حازمة: _إحنا لازم نكمل اللي مصطفى كان بيعمله، مش معنى إنه مبقاش موجود يبقى ما نعملش حاجة. تقدم جمال نحوهم أكثر، وبدأ يقول بصوت عظيم مرددًا تلك الآيات: _{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ}، فوقوا يا ناس، فوقوا! مينفعش ترجعوا للجاهلية تاني! ارجعوا للقرآن، هو فيه الهدى والمنطق، وسيبكم من الدجال اللي مات وشبع موته دا. ومجددًا القي على جمال صخرة كادت أن تضرب بوجهه، ولكنه تجنبها في آخر لحظة، وهم يقولون في سخط: _مولانا ماماتش! مولانا! مولانا راجع! مولانا راجع! في تلك اللحظة، حدثت هزة أرضية خفيفة أدت إلى سقوط التمثال وصياح أتباعه في هلع. ليضحك إسماعيل وهشام من بلاهتهم، ولكن توقفوا عن الضحك فور أن رأوا قاعدة التمثال تفتح، ويخرج منها نور الديب بنفسه. كان مشهدًا غريبًا جعل كل من يراه مشلولًا من غرابته، كما لو كان يخرج من قبره مبعوثًا بعد موته. خرج الديب باسطًا ذراعيه بابتسامة عريضة على وجهه مع هتافات أتباعه وسجودهم له من سعادتهم العارمة، وقال بنبرة عالية عظيمة: _مش أنا اللي أموت بالسهولة دي! واللي يقول إني مت فهو كافر! بيكفر بقدراتي العظيمة!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة