حفل رفاف ٢

حفل رفاف ٢

43 0

٢٦ بعدما انتهوا من رقصهم وحماسهم على الأغاني الشعبية، جاء موعد تقطيع الكعكة، وبعدها ذهبا نوح وغادة لتناول الطعام، ودخل النادل لتوزيع المشروبات، أما البوفيه المفتوح فقد تم فتحه لأخذ الطعام. أثناء ما كان كل من علا وعصام وسليم جالسين، رن هاتف علا وقالت: _الو... أيوة يا هيثم... أيوة تعالى أنا شوفتك هنا تعالى. رفعت علا يدها لشاب دخل القاعة الآن، شاب في الثلاثينات من عمره طويل وبدين قليلاً، لديه لحية خفيفة وشعر خفيف وملامح حادة وجادة، ولكن شخصيته لا تليق بملامحه أبداً. جاء لعلا وسلم عليها وجلس بجانبها، وقالت علا لعصام وسليم: _دا هيثم... أخويا بالتبني. قالت عصام وهو ينظر إلى جسد هيثم: _واضح عليك أنك من اللي بييجوا عشان ياكلوا بس. هنا قالت علا غاضبة: _عصام... أقسم بالله لو قلت كلمة عليه لأقطعلك لسانك. ابتسم هيثم وهو ينظر لها بإعجاب شديد، ثم قال سليم: _أنا آسف ليك... هو كده راجل متخلف. _ولا يهمك. هنا أتى نادل ووضع المشروبات لهم، وبحرك لا إرادية نظر سليم لوجه النادل فإتسعت عيناه بدهشة وأمسك يده بسرعة وهو يقول: _أنوبيس؟؟.... يخرب عقلِك. كانت أنوبيس متنكرة بشكل نادل، فإرتبكت بشدة وأمسكت يده وابتعدت عنهم. _بس هتفضحني. قال سليم وهو يضحك بشدة: _إيه اللي إنتِ عاملاه في نفسك دي... ما كنتي تيجي عادي لازم الفيلم الهندي بتاعك دا؟ _أنا مش هخلي رفعت يشوفني. _رفعت؟؟ ليه؟ _مش هينفع أقولك دلوقتي. نظرت أنوبيس لنور الذي كان ينظر لهم بتمعن شديد: _شايف الراجل اللي هناك دا؟ اللي عمال يبحلق فينا دا؟ _آه شايفة. _اسمه نور... دجال مشهور الكل بيشهد بقوته الخارقة كأنه نبي ماشي على الأرض... غاب سنتين ورجع دلوقتي أقوى من الأول. _نور؟ دا أخونا الصغير؟ _معرفش لسه... أنا شاكة فيه ولما جه الفرح أنا شكيت أكتر... هو مالوش أي علاقة بنوح. _بتهيألي ليه علاقة بمصطفى. _ليه؟ _معرفش... أول ما دخل مصطفى اتحول تماماً وبقى مرعوب وأخذ مراته وبنته ومشي وهما بيجروا حرفياً. _طب ارجع اقعد وخلي عينك عليه. عاد سليم لهم وذهبت أنوبيس، وقال عصام هنا: _مين دي؟ نظر سليم لهيثم ولم يرد وكأنه يقول له إنه لا يستطيع أن يتكلم في حضوره، فصمت عصام هو الآخر، ونظر ووجد رحمة واقفة تضع الطعام، فنهض بسرعة البرق متجها إليها ووقف بجانبها وهو يضع الطعام: _إزيك؟ لم ترد عليه. _تعرفي أنك أجمل واحدة في الفرح دا؟ لم ترد. _ما تحطيلي أكل على ذوقك كده. انتهت رحمة من وضع طعامها، بعدها ذهبت وتركته كأنه غير موجود تماماً... تجاهلته كأنه ذبابة، حتى الذبابة كانت ستهتم لأمرها اكثر. _مستعد أخليها تقع في حبك. نظر عصام تجاه القائل ليجده نور. _انت مين؟ _أنا نور الديب... أشهر معالج روحاني في الوطن العربي. _آه... سمعت عنك زمان... كنت بحسبك مت. _لا أنا مش بموت. _عايزني أدفعلك كام؟ _أنا مش بتاع فلوس... أنا بتاع بني آدمين. _يعني إيه؟ ظعايز إنسان... أو عيل صغير... _هتعمل بيهم إيه؟ _هعمل اللي هعمله بقى... بس أنا مش هرجعه طبعاً. _أنا ليا ابن بس هو دلوقتي ضايع للأسف... لو كان معايا كنت أديتهولك. صمت نور قليلاً ثم قال: _تعرف مصطفى صح؟ _آه. _"تعرف مراته؟ _مراته؟؟ لا معرفهاش. _ياريت تعرفها... وبعد ما تعرفها تجيبهالي... ووقتها مستعد أخلي رحمة تبقى تحت رجليك. _عايزني أديك مرات مصطفى؟ _أيوة ودي أهم من أنك تجيبلي ابنك. صمت عصام قليلاً وهو يفكر ومتردد ويحاول اتخاذ قرار، الى ان قال: _لا... مش هعمل كده... _غريبة... ماكنتش أعرف أن عندك مبادئ. _معنديش مبادئ بس... أنا مش عايز مصطفى يرجع زي ما كان زمان. _وهو كان إيه زمان؟ _مش عارف... بس أكيد لو حد لمس مراته... ممكن يتحول لشخص أسوأ منك انت شخصيا. ابتسم نور ابتسامة باردة مستفزة ثم نظر لصحن عصام وهو يقول: _أنا عايز طبقك. _نعم؟ ما تعملك طبق الأكل قدامك اهو خد اللي أنت عايزه. هنا دب نور بقدمه على الأرض بعنف وهو يصرخ غاضبًا: _لا أنا عايز طبقكك ماليش دعوة. انتفض عصام ونظر الناس لهم فأعطاه الصحن وهو يقول: _خد يا عم إيه أنت هتعمل فيلم عشان طبق؟ خد. أمسك نور بالصحن وهو يضحك بشكل طفولي وذهب وجلس مكانه وبدأ يأكل بشكل غريب، حركات فمه وطريقة مضغه لم تكن مثل رجل بالغ أبداً... وكأنها طريقة طفل يبلغ من العمر سنتين أو أكثر. أثناء ما كان يحدق عصام فيه بحيرة واستغراب شديد، نظر نور له واخرج لسانه لإستفزازه ليستغرب عصام أكثر وقرر ان يعود لمقعده حتى دون أن يأتي بطعام آخر. بعد قليل عادا نوح وغادة وبدأوا في الرقص الهادئ مجدداً، وقال من يحيي العرس إن كل ثنائي يرقص كما يرقصان. قاما عمر وشيماء ورقصا، وهنا قامت تاليا بسرعة وذهبت لسليم وهي تقول: _س... سليم... _أيوة؟ _ينفع... نرقص سوا على الأقل؟ صمت سليم وقد سئم منها حقًا وحين نظر لعلا وجدها تشير له أن يرقص معها، فتنهد وقام ورقصا سوياً لكي يجبر بخاطرها، فقام عصام وذهب لرحمة: _تسمحيلي برقصة؟ نظرت له ولم ترد عليه أيضاً، فنظر عصام لرشا وقال: _طب وانتِ؟ ابتسمت رشا له وهي تقول: _معلش مينفعش، عايزة أحافظ على سمعتي. سكت عصام وتنهد بنفاذ صبر وعاد لمقعده، وهنا قال هيثم لعلا: _بقولك... ما تيجي نرقص؟ قال عصام: _هترقص مع عجل زيك إزاي؟ غضبت علا بشدة فأمسكت يد هيثم وهي تقول: _يلا يا هيثم هرقص معاك. قامت علا وهيثم ليرقصان، وظل عصام جالساً وحده في مطاولته، ورأى هنا نور يقوم ويذهب لشهد التي كانت جالسة تنظر لكل من يرقص ولا يوجد أحد يرقص معها: _استأذنك برقصة؟ نظرت شهد إليه بإندهاش: _أ... أنا؟ _شكلك جميل اوي... تعرفي أنك أجمل من العروسة؟ فرحت شهد بشدة ومدت يده لها، وأمسكت بيده ووقفت وهي تقول: _والله إنت راجل بتفهم... _أكيد.. تعالي نرقص سوا بقى. ذهبا كلاهما وبدأا في الرقص، وأثناء رقصهما قال نور لها: _إنتِ مرتبطة؟ _بصراحة لا. _كويس... اسمي نور. _وأنا شهد. _أنا اندهشت بجمالك الحقيقة... وشكلي أعجبت بيكي. _إيه دا في إيه؟ _أصل أنا صريح مبحبش اللف والدوران. _والله دي أحسن حاجة... أنا بحب الصريح برضو. هنا لمح نوح نور... لم يعلم من هذا الشخص... ولكن فور التقاء أعينهم ببعض، شعر نوح بضيقة في صدره غريبة.                            ******* دخل مصطفى بسرعة هو ونجلاء ومريم المنزل، والتفت لنجلاء وهو يقول بنبرة صارمة: _إنتِ هتسيبي شغلك... وهتفضلي قاعدة في البيت ومتخرجيش منه نهائي إلا لما أكون معاكي. خافت مريم من نبرته ودخلت غرفتها وظلت تراقبهم من خلف بابها. خلعت نجلاء نقابها وخمارها وهي تقول: _في إيه يا مصطفى؟ أنا عملت إيه عشان كل ده؟ _معملتيش حاجة، اسمعي الكلام وخلاص. _فهمني إيه اللي حصل، أنا مش هسيبك إلا لما تفهمني. صمت مصطفى قليلا وعقله يشاجره وكأنه متردد، ولكن في نهاية المطاف قال: _نور رجع... تحولت ملامح نجلاء تمامًا ونظرت له بصدمة وفزع شديد. _هو ماماتش؟؟؟ _لا... جلست نجلاء على الأريكة وكأنها فقد الاحساس بركبتيها وبأعصاب قديمها من هول الصدمة، وأكمل مصطفى بقوله: _لقيته في فرح نوح... كأنه جاي عشاننا. _يعني إيه؟ يعني هيعمل فينا كل اللي عمله ده تاني؟ هنرجع نعيش في الدوامة دي تاني؟ مش هقدر يا مصطفى، مش هقدر... أبوس إيدك، خلينا نهرب. ظل مصطفى واقفًا ويفكر ثم قال: _ده اللي بفكر فيه، بس الموضوع مش سهل كده. المهم خليكي الفترة في البيت، متطلعيش منه نهائي مهما كان السبب... حتى لو بتموتي متطلعيش منه... حصني نفسك وحصني البيت وحصني بنتك، وأنا هبعت للمستشفى قرار استقالتك وهجيبهولك تمضي عليه. _حاضر... حاضر... حاضر. بدأت نجلاء بالبكاء وهي تمسك برأسها وتردد هذه الكلمة، وقد طفح كيلها من كل هذا. فجلس مصطفى واحتضنها وبدأت تبكي بكاء هيستيريًا وهي في حضنه، ومريم تراقبهما من خلف بابها وهي تتساءل بقلق: من نور هذا؟ ولماذا هو يرعبهما إلى هذا الحد؟                               ****** في منتصف الليل، عادا نوح وغادة من عرسهما. دخلت غادة شقته هذه المرة وهي مستوعبة تمامًا أن هذا أصبح منزلها... وهذا أصبح زوجها... أو بالمعنى الصحيح، أنه أصبح عائلتها. دخلت وهي متوترة للغاية، وأغلق نوح الباب وهو يقول: _اليوم كان متعب جدًا، يا ساتر. خلع سترته وربطة عنقه وجلس على الأريكة وهو يتنهد متعبًا، بينما كانت غادة لا تزال واقفة. فنظر إليها وقال: _مالك يا حبيبتي؟ متسمرة كده ليه؟ _أنا خلاص كده؟ هعيش معاك طول حياتي لحد ما أموت. _المفروض، إيه ندمتي ولا إيه؟ _لا، بس... مكنتش مستوعبة أن الموضوع يكون بالهيبة دي. _لا هيبة ولا حاجة... ادخلي بس انتي الأول اقلعي وريحي لحد ما أنا أرتاح، وهبقى أقلع بعديكي. _ماشي... دخلت الغرفة، وهنا نظر نوح للغرفة المغلقة وقرر خلع ملابسه فيها بما انه مرتبه ونظيفة على اي حال. إتجه اليها وامسك المقبض وهو متردد ليجرب فتح الباب وفتح بالفعل. وحين دخلها وأضاءها، صدم ورأى مشهدًا لم يتوقعه أبدًا. الغرفة مبددة مليئة بالتراب، أثاثها هالك، ضوءها ضعيف، مصباحها يرتعش، رائحتها مكتومة والتراب يتطاير في المكان... هذه الغرفة بالطبع تم هجرها منذ عشر سنوات... ولكن كيف له أن يراها في حال نظيف، مرتب، لامع، وجديد من قبل؟ كاد أن يجن نوح وأغلق الباب بسرعة وبعنف وهو مرعوب، حاول أن يمالك نفسه وعاد وجلس وهو يحدق في الغرفة بأعين لا ترمش. شعر أنه بدأ يلاحظ ضوءًا خفيفًا أرجوانيًا كما رآه من قبل يخرج من فراغ الباب. قام بسرعة ليفتح الباب ولكنه لم يفتح، فبدأ يحاول فتحه بعنف، يضربه بقوة ويركله، ولكنه لا يتزحزح كالحائط... _نوح... في حاجة؟ التفت نوح ووجد غادة مرتدية منشفة وكأنها انتهت من استحمامها الآن، وشعرها مبتل، وكانت مفزوعة. _إيه صوت الرزع ده... في إيه؟ ارتبك نوح وقال: _لا، يا حبيبتي، مفيش حاجة... مفيش... أنا آسف. _طب... أنا هلبس وهخليك تخش... مش هطول. _خدي راحتك. عادت لغرفتها وهو ظل جالسًا منتظرًا إياها، عقله لا يتوقف عن التفكير، إلى أن سمعها تنادي. قام ودخل ووجدها تسرح شعرها. وبعدما دخل الحمام وتحمم بشكل سريع وارتدى ملابسه وخرج، وجدها جالسة أمام المرآة متزينة وتضع لنفسها المكياج. كانت جميلة حقا، فإقترب وجلس على السرير وهو يحدق في وجهها ويتاملها بشدة وقال: _ينفع احطلك الروج؟ ابتسمت غادة بحرج وقالت: _ماشي. أخذت احمر شفاهها واتت وجلست بجانبه وموجهة رأسه اليه، وهو بدوره بدأ يضع لها احمر الشفاة وهو سعيدة بجمالها، كانت محرجة بشدة وسعيدة في نفس الوقت. هنا قال فجأة: _أنا بشوف حاجات غريبة... وبهلوس كتير... بشوف بنت صغيرة في الشقة دي وصوتها مبيفارقش مخي... والأوضة دي مرة تفتح ومرة متفتحش... مرة تكون نظيفة ومرة لا... مرة يكون جواها حد ومرة تكون فاضية... أتمنى الحاجات دي متخليكيش تبعدي عني. ظلت غادة تحدق فيه غير متوقعة أن يقول لها شيئًا كهذا في هذا الوقت، وهو يحدق في شفتاها ويضع لها احمر الشفاة غير مبالِ برد فعلها، توقف من وضعه ثم قالت: _مستحيل ابعد عنك، انا محتاجاك اكتر ما انت محتاجني....فأتمنى انت اللي متبعدش عني. نظر لها وهو يقول: _انا مش عايزك تفكري بمين محتاج مين...احنا تعدينا المرحلة دي، احنا عيلة خلاص...ولو العيلة فكرت بالشكل دا...في اقرب فرصة العيلة دي هتتفكك زي ما حصل لعيلتك...ولعيلتي اعتقد. صمت قليلًا واكمل بقوله: _واضح ان ابوكي اتجوز على امك من زمان قبل ما ابراهيم يختفي حتى...واكيد سبب جوازه التاني هو اللي دمر عيلتكم، هو عمل كدة لما حس انه مبقاش محتاجها ولا محتاجكم، اللي بيبني عيلة لغرض احتياجه...هيهدمها لغرض احتياجه برضو. _طب ايه اللي يخلينا منبعدش عن بعض؟ ايه اللي يخلينا نتمسك ببعض من غير ما نفكر في احتياجات بعض؟ _العيلة ملهاش سبب، نتمسك ببعض عشان احنا عيلة...من غير سبب العيلة هي العيلة...إنتِ عيلتي عشان إنتِ عيلتي ومش هبعد عنك عشان إنتِ مراتي مش لازم يكون فيه سبب او احتياج عاد لصمته مجددا تم اكمل قائلًا: _إنتِ مهمة في حياتي يا غادة من غير سبب، رغم ان فيه اسباب كتيرة...بس انا لو ركزت في الاسباب هنساكي...وهحبك حب مشروط...وانا مش عايز كدة. شعر ان الليلة اصبحت كئيبة نوعا ما وشعر انها اصبحت قلقة والجو اصبح جاد، فقال لها مبتسما: _تحبي نشوف فيلم سوا؟ قالت متحمسة: _ماشي بدأا سهرتهما سويًا ويبدو ان تلك الليلة ستكون ممتعة لهم.                                 ******** ما قبل الفجر في هدوء الليل وسكونه. نرى مصطفى الآن يفتح المسجد ويدفع بابه الذي كان يصدر صريرًا قويًا عند غلقه وفتحه. دخل وأعاد غلق الباب بشكل جزئي وأذن أذان الفجر. وبعدما انتهى من صلاة النافلة، بدأ في التسبيح والاستغفار، ثم أذن الإقامة وبدأ يصلي الفرض وكان يقرأ السور بجهر، وفور انتهاءه من سورة الفاتحة...سمع من خلفه ما يشبه بمجموعة من مائة شخص يقولون: _آمييييين. لم يخف ولكنه أكمل صلاته وهو يفكر متى دخلوا وكيف لم يسمع صوت الباب،  تجاهل الأمر حتى انتهى من الصلاة تمامًا، وبعدما استغفر الله ثلاثًا وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير" عشر مرات كذكر ثابت بعد صلاة الفجر ثم قرأ آية الكرسي وحين انتهى التفت ليجد أمامه... نور. كان نور يبتسم إليه ابتسامته المستفزة المعتادة، ومصطفى ينظر إليه ببرود وتحدٍ. _تقبل الله. قال نور هذا ومصطفى يحدق فيه، ثم قال مصطفى: _ربنا هداك؟ ظأنا ربنا هاديني من زمان... مش فاهم قصدك. _اللي أعرفه أنك... كافر... أو كنت كافر، الله أعلم. _لا، أنا مش كافر، ولا كنت كافر، ولا هكون كافر. نظر مصطفى خلف نور وحول المسجد وكان فارغًا، فقال نور: _هما كانوا بيصلوا معاك... _جميل... أنا كنت إمام للجن يعني. _جن؟ ضحك نور بشدة ثم قال: _جن؟ أنت لسة مقتنع أني اللي بيشتغلوا معايا جن؟ _نور... أنت رجعت ليه؟ _مش عايزك تقلق أنا اتغيرت عن زمان... مش هرجع أجري ورا نجلاء، متقلقش أنا رجعت عشان أعمل حاجات أهم من كده وأركز في شغلي أكتر. قال مصطفى ساخراً ببرود: _لا والله؟ _أيوة... صدقني، أنا مش هقرب منك، ولا من نجلاء، ولا من مريم... وأنا بقولها هنا في بيت ربنا، وهو شاهد على كلامي، مستحيل أكدب. بس... لو حاولت تضايقني يا مصطفى... صدقني أنا مش هرحمك. _على أساس إني ضايقتك أول مرة؟ _لا... أنت كنت بريء وأنا ظلمتك في الأول. ورجعت عشان أفتح معاك صفحة جديدة. أنا بعيد عنك خلاص... بس إنت كمان... متحاولش تقرب مني عشان هزعل. _وأنت هتعمل إيه يخليني أقرب منك؟ _ده شيء مخصكش... خليك في حالك، وأنا مش هقرب من نجلاء أبدًا... ها، اتفقنا؟ ظل مصطفى يحدق لنور ببرود وثبات ولم يرد. قال نور مجددًا: _اتفقنا ولا لأ؟ _أنا مستحيل أعمل اتفاق بيني وبينك... أنت راجل مالكش عهد ومخادع. _أظن أنت بتوصف نفسك بس ماشي... أنا حذرتك، متضايقنيش عشان لو ضايقتني انت اللي هتندم. وقام نور وخرج تاركًا إياه.                                 ******* صوت معزوفة كمانجا جميلة تتسرب إلى آذاني نوح، تلك المعزوفة ذاتها التي سمعها من قبل... كان مصدر الصوت من الصالة. فتح نوعينيا مستيقظًل عليها وحين استوعب مصدرها قام من نومه ببطء ونظر بجانبه لغادة، فوجدها نائمة نومًا عميقًا. قام وارتدى سرواله وخرج من الغرفة وصوت المعزوفة يتعالى ويقترب... ووجد أحدهم واقفًا في الصالة ممسكًا بالكمانجا ويعزف بعمق وإحساس شديد ومهارة خارقة. كانت المعزوفة جميلة حقًا جعلت جسد نوح يقشعر من حلاوتها، وكأنها تلامس روحه وقلبه بذبذبات أوتار الكمانجا، إنه يعلم من هو هذا الرجل، ولكنه ينسى معظم ذكرياته معه. _خالو؟ توقف الرجل عن العزف والتفت إلى نوح ونظر إليه بإبتسامة لطيفة، ابتسامة أب جميلة وحنونة. إنه خاله وائل. _فاكر المعزوفة دي يا نوح؟ صمت نوح وهو يحدق في الكمانجا، فقال وائل: _مكانش المفروض دا يحصل لك... مكانش المفروض تنسى كل اللي نسيته دا. _المعزوفة دي كنت بتعزفهالي؟ _إنت اللي كنت بتعزفها بنفسك، كنت بتحبها اوي، كنت تدندن المعزوفة دي وتسمعها دائمًا ليل نهار. نسيتها؟... نسيت كنت بتعزف إزاي على الكمانجا؟ حرك نوح رأسه بيأس وحزن شديد وهو يقول: _ناسي... أنا ناسي كل اللي بتقوله دا. _ يا خسارة... إنت ناسي كتير اوي يا نوح، حتى انت نسيت بنتي نجلاء، نسيتوا حياتكم سوا...كنتوا مبتفارقوش بعض في المدرسة والتمرين والدروس والفسح، بس دا مش بإرادتك. هو نجح في إنه يشيل نص ذكرياتك، وعايزك تعرف...اللي خلاك تنسى نجلاء يخليك تنسى اللي اهم من نجلاء. _هو مين؟ عاد وائل إلى عزف المعزوفة وتجاهل سؤال نوح. وهنا فتح باب غرفة أمه بعنف، مما جعل نوح يلتفت إليها بسرعة. المعزوفة مستمرة، ولكن وائل اختفى. كان الضوء الأرجواني يخرج من الغرفة بشدة. _بص في المراية يا نوح، بص في المراية يا نوح، بص في المراية يا نوح. كان صوت شخص جهوري عالٍ يشعر أن الأرض تهتز من حديثه يخرج من الغرفة. الغريب أن هذا كان صوت نوح من الأساس، لقد خاف نوح من صوته. مما زاد خوف وفزع نوح، رجل عملاق طوله فوق الثلاثمئة سنتيمتر وله جناحان يخرج من الغرفة، فور خروج هذا الكائن غطت اجنحته العملاقة المنزل كله من ضخامتهما ولم يلاحظ نوح شيء سوى ضخامة اجنحتهم ولون بشرة الكائن الارجوانية واعنيه الصفراء المضيئة، لم يتحمل نوح هذا المشهد ليصرخ بفزع شديد وهو يغمض عينيه ويحمي نفسه بذراعيه. _إيه يا نوح في إيه؟؟ فتح نوح عينيه وهو يلهث، وجد نفسه واقفًا في الصالة في مكانه وأمامه غادة، ونور الشمس ساطع تتسرب أشعته من النوافذ إلى الصالة. _إيه يا حبيبي، اتخضيت اوي ليه كده؟ شكلك كنت مندمج قوي وأنت بتعزف. أنا آسفة إني قاطعتك، بس ماكنتش أعرف إن عندك الموهبة دي. ازاي ماتقوليش؟ قال نوح لاهثًا من الصدمة: _إيه؟ موهبة إيه؟ أشارت غادة إلى ما بيديه ليستوعب أنه ممسك بشيء بيديه الاثنتين. كان ممسكًا بالكمانجا وعصاتها. ظل نوح يحدق فيهما بإرهاق وحيرة وقد تعب من التفكير والتساؤلات حقًا. _ينفع تعزفها تاني؟ نظر إليها ثم نظر للكمانجا. ولسبب ما، تذكر كيف كان يعزفها فجأة وكأنه لم ينسى من الاساس. وضع الكمانجا تحت ذقنه وبدأ بالعزف عليها بمهارة شديدة، وغادة تشاهده وتستمع إليه بإستمتاع شديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة