مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢

مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢

40 0

٩٠ على منتصف الليل... تتدلّى يد رفيعة، يبرز من عروقها الوهن، وتسكن أناملها في خمولٍ يُجسِّد عجز صاحبها. كان نور الديب ممدّدًا على سريره، يلهث، محدّقًا في السقف بعينين منهكتين شاخصتين، يظهر ضعف جسده كما لو أن المرض ملازمه بقوة ينهش طاقته وجسده بلا رحمة، مرضًا عصيبًا وصل نخره حتى إلى روح قوته التي سكنت وعلى حافة الموت. كان يلتقط أنفاسه بعسر، مهموم إلى حد الانصهار. شعر أن كل فكرةٍ تعبر رأسه تُبخر ما تبقّى من طاقته، كبخار الماء حين يتلاشى في الهواء. وسط هذا الخواء، طُرق الباب، ثم انفتح، ليدخل خادم يمدّ ذراعه قائلًا: _اتفضل يا بروفيسور، اتفضل، اتفضل. دخل سردار بخطواتٍ سريعة باردة في الوقت ذاته، حاملًا حقيبةً فضية مربعة الشكل، ثم أشار للخادم بأن يخرج. استند نور على ذراعيه المصطكّتين محاولًا الاستقامة بصعوبة، وقال بصوتٍ ضعيفٍ واهن: _إيه الشنطة دي؟ أنا مبحبش أشوفها معاك. قال سردار ببروده المعتادة: _نوح قتلهم كلهم. اتسعت أعين نور في صدمة واستنكار: _نعم؟ قتل مين بالضبط؟ _النوفريين. هذا هو الاسم الذي أسماهم به سردار لساكني كوكب (Gilese 12b): النوفريين. تضخمت أعين نور في استدارة جاحظة واعتدل في جلسته محاولًا القيام مستشيطًا: _يعني إيه قتلهم كلهم؟! يعني خلاص بَادهم كلهم ولا إيه؟ _لا طبعًا، لسه فيه عايشين، بس هو قتل كل اللي قدرت أجندهم وأروضهم تحت إيدي، مفضلش غير واحد اللي معاهم في الوادي الجديد. رغم نبرة سردار الباردة اللامبالية، بدا عليها استياء وغضب خفي وهو يردف: _أنا كنت مخليهم كلهم يحرسوا شقتي اللي تحت شقته، بس متوقعتش إنه هيقدر عليهم كلهم ويطلع غادة بجد... يبدو أن حالة الضعف الخارق التي فيها نور بسبب قتل نوح للنوفريين الذين يروضهم سردار، ليتضح أن قوة نور ليست موصولة بروح قوته فحسب بل موصولة لجميع الأرواح الخاصة بتلك الكائنات. نهض نور بصعوبة وهو ساخط، لديه رغبة في الصياح عاليًا ولكن ضعفه يكبحه، وقال: _وأنت إزاي تخلي كل النوفريين في حتة واحدة؟! وبعدين داخل كده بتعرفني هزيمتك؟ ما تجيب ٨٠ ألف تانيين ولا ١٠٠ ألف حتى!!! _متشغلش بالك، أنا هعمل كده فعلًا، عشان كده جايلك. كان العرق يتصبب من جميع أنحاء جسده من شدة إجهاده في وقوفه على ساقيه، رغم ذلك قال نور معترضًا: _مالكش دعوة بيا! أنت بوابة زيي وتقدر تجيب وتستخدم نفسك، مش لازم تستخدمني أنا!! أهو بعد ما استخدمتني وعذبتني عشان تطلع ٨٠ ألف وعقلتني بروحهم، ماتوا كلهم بسببك!! مش هرضى تستخدمني تاني. أجابه سردار ببرودٍ متزن: _لازم أستخدمك لأن دي هتكون لطاقتك وقدرتك أنت مش أنا، أنا مبستخدمتش نفسي إلا للضرورة ولحاجات أوسع بكتير من مجرد إن قدرتك وطاقتك ترجعلك! أمسك سردار بحقيبته وفتحها ليظهر بداخلها جهاز أشبه بهيكل خوذة بها مئات الأشواك التي توضع داخل الرأس موصله بأسلاك رقيقة، تلك الأداة التي رآها مصطفى في ماضيه حين كان يعيش مع نور حين كان طفلًا والزهير. وفور أن وقع بصر نور على تلك الآلة، اشتد ارتجاف جسده مع طرقات قلبه السريعة محدقًا بنفور واحتدام عارم وهو يقول لسردار بغضبّ متوجس: _أنت رجعت البتاع دي تاني ليه؟! هو مش خلاص؟! _أنت لو اتسبت كده، فهترجع لنقطة الصفر، وقت لما مكانش جواك روح قوة وقوتك وطاقتك كلها بتاخدها من دي...، مفيش دم عشان تجدد طاقتك وطاقة روحك...، ولا مؤاخذة مفيش لبن أم عشان يجدد طاقة روح قوتك وقدرته، فمفيش غير الحل ده حاليًا لوقت مؤقت لحد ما منار ترجعلك وأجيب نوفريين أكتر. قال نور ممتعضًا، ناظرًا إليه بعينين مستشيطتان: _وهي منار هترجع إزاي؟! حاولت معاه السلام رفض ومتمسك بيها! مش همه القصف ومش همه إننا انسحبنا، هو عايزني أنا مش عايز ينقذ الشعب! قال سردار وهو يخرج الآلة من الحقيبة ويعدّها بنبرة الجفاء واللامبالاة التي لم تتغير: _عشان كده بقولك اقصف المعسكر. قال نور، وكاد يجن من شدة سخطه: _ومنار فيه؟! أنت اتجننت؟! ما هي لو منار ماتت هخسر! وهو زي الطفل بالظبط، مبيرضاش إلا بنوع لبن معين، أومال أنا اتجننت على ما وصلت لواحدة زي منار ليه؟! التفت ناظرًا سردار إلى أعين نور، أعين باردة متشبعة بهيبة قاتمة، وتبرّم خفي من شكوى نور المستمرة، ثم قال بنبرةٍ هادئة تكبح الضيق الجامح: _مش هتموت، اعمل اللي بقولك عليه من غير رغي كتير، وكل اللي عايزه هيحصل، واسكت بقى عشان بدأت أزهق. صمت نور وجلس على سريره مستندًا بيديه، شاخصًا ببصره للأرض، أعينه لا تطرف؛ فعقله كان مشغولًا إلى الحدّ الذي لم يملك فيه رفاهية أن يغمضهما. لولا ضعفه الشديد، لكان قد أحرق الشرق الأوسط بأسره بسخطه المتقد، الذي أُجبر على ابتلاعه حتى تحوّل إلى رمادٍ في رئتيه. لم يكن الأمر مجرد خسارةٍ عادية. ما فعله مصطفى ونوح لم يكن سوى حطام شامل، تعاونا بشكل غير مقصود أدى إلى وقوفه على حافة الانهيار مترنحًا. لقد سلبا منه كل شيء، يبدو ان الله قد جمعهما فقط ليقفا على أنقاض مجده. لكن لم تكن تلك النهاية. كان يدرك أنه إذا سقط الآن، فلن يُذكر اسمه إلا كحكايةٍ من الماضي. لكن نور الديب لا يُمحى. سيعود. وسيستعيد كل شيءٍ... وأكثر. هذه المرة، لن يترك مجالًا للرحمة. التقط هاتفه وأتصل على إحدى قادات الميلشية وحين أجاب قال نور: _جهزوا جنودكم كلهم، كلهم بدون استثناء هنقتحم معسكرهم.                             ********** في الوقت ذاته، بداخل إحدى غرف فندق مترف في الإسكندرية، حيث قضى كل من غادة ونوح ليلة جميلة بعد غياب طال خمسة أشهر. كان السكون يلف الغرفة كوشاح حريري، لا يحركه سوى أنفاس هادئة تتردد بين جسدين غارقين في طمأنينة نادرة. الهواء مشبع بأثر الشوق الذي تبدد بين أذرعهما، حيث لا يزال الدفء عالقًا في الفراغ بينهما. الليل كان في لحظاته الأخيرة، لكن في الداخل، كان الزمن متوقفًا بينهما، في مساحة صغيرة ممتلئة بالحنين، حيث لا وجود لأي شيء سوى أثر العناق العميق، وراحة الحب حين يُستعاد بعد فقدان. بعد دقائق من راحتها، قامت غادة لتستحم، بينما كان نوح ممددًا على الفراش، قطرات عرق باردة تنساب ببطء على جبينه، متأرجحة بين إرهاق وراحة لم يشعر بها منذ زمن. أنفاسه عميقة، ثقيلة نوعًا ما ومتزنة، وعيناه نصف مغمضتين، بين يقظة هادئة ونوم متأخر. وبدا عليه أنه منهك بشكل غامض ومقلق. حين انتهت من اغتسالها وخرجت من كابينة الاستحمام، رأت ملابسها التي دخلت البحر بها في سلة الملابس، ووقع بصرها على بنطالها، فتذكرت فورًا الورق الذي وجدته في تلك الغرفة، الورق الخاص بنوح الذي كتبه لنور أخته. انتفضت وأمسكت بالبنطال وأخرجت الورق من الجيوب بسرعة. كان رطبًا لكنه لم يتأذَّ أو يتلف لحسن الحظ. كانت ثلاث ورقات، قرأت اثنتين منهما حين دخلت الغرفة أول مرة، لكن الثالثة وجدتها في يوم من بين السبعة أيام، ومحتواها مجهول لنا حتى هذه اللحظة.. تلك الأوراق بالغة الأهمية؛ ففهمت غادة حكاية نور بشكل شبه كامل بعدما حدثها نوح عما يراه وعما يتذكره، وعن نجلاء وخاله وأمه وتغريد عكرمة، وأيقنت أن هذه الأوراق التي في يدها لن تعيد ذاكرته فقط، بل ستزيد من صدمته وجنونه، لذلك قررت أن تحتفظ بسرها إلى حين الوقت المناسب. خرجت غادة من الحمام، ووجدت نوح ما زال مستلقيًا، فقالت له: _يلا يا حبيبي قوم بقى. ارتدت ملابسها، وبينما كانت تسرح شعرها قالت: _صحيح يا نوح، بما إننا في إسكندرية افتكرت الجثة اللي إحنا شفناها، عرفت هي لمين؟ قال نوح بصوت واهن وعينين شاردتين تُظهران إنهاكه: _جثة إيه؟ _يابني مش لما كنا في البحر، وإديتلي الهدية، واتكلمنا وبتاع، قلتلي إنك افتكرت مكان معين وروحنا له؟ كان بيت تبع نور الص... قصدي أدهم، ولقينا في السرداب هيكل عظمي. _آه آه، افتكرت، صح. _أنت بقى أخدت حتة من صباعه وحطيتها في جيبك... عملت بيها إيه؟ عقد نوح حاجبيه محاولًا التذكر، وكان مصدومًا من نفسه، فهو منذ أن عاد لم يتذكر أن يخرج العظمة ويحللها أبدًا، فقال: _والله يا غادة، أنا فعلًا نسيتها خالص، حتى ماعدتش بلبس البنطلون دا، وناسي حطيته فين في الشقة... _معقول يا نوح؟ خمس شهور ومفكرتش تطلعها؟ _والله ولا جه في بالي، معرفش إزاي بجد. انتهت غادة، ونهضت متجهة إلى خزانة الملابس، وأخرجت مفرشًا جديدًا نظيفًا للسرير، ثم التفتت وأتت لنوح وهي تربت على كتفه. _طب قوم يلا يا نوح عايزة اغير السرير وننام بقا. _مالك يا بنت مستعجلة ليه؟ _يا حبيبي، عايزة أنام!، أنا راجعة من حبس مش من رحلة! ضحك نوح وهو يقول: _طيب طيب، هقوم. لاحظت غادة بحرارة شديدة تنبعث من جسده حين لمست كتفه، فوضعت يدها على رقبته ثم جبهته، وقالت بقلق: _نوح، أنت سخن أوي، حرارة جسمك عالية وغريبة، شكلك أخدت برد. _أنتِ اللي نزلتي البحر مش أنا، أخد برد على إيه؟ _معرفش يا نوح بس شكلك أخدت برد، شكلك تعبان أصلًا وبتتكلم بصعوبة. _يابت متكبريش الموضوع، طبيعي أبقا كدة بعد غياب خمس شهور عليكي. _لا يا نوح، أنت صحتك حلوة ومكنتش كده، اللي أنت فيه دا مش طبيعي، اسمع كلامي، قوم يلا خد دش سخن وتعالى نام واتدفى كويس، وأنا هعملك حاجة سخنة تشربها، يلا. جذبت ذراعه لتجعله يجلس، فجلس بعسر بحركة بطيئة، شعر أنه في عمق البحر على مركب غير مستقر من شدة الدوار التي ارتطمت برأسه من تلك الحركة البسيطة، فأردفت غادة قائلة: _هتلاقي دا عرض من أعراض التهاب المخ اللي عندك، فعايزين نلحق الحمى دي كده من الأول ونعالجها، عشان لا قدر الله ميحصلش حاجة، يلا قوم. نهض نوح بحركة عاجزة وصعوبة في استقامة جسده، حاولت غادة مساعدته فرفض، مستنكرًا ما تقوله ويشعر به. اتجه إلى الحمام، وفور أن دخل، ~كلامها صح. التفت نوح للمرآة، فرأى مايا يحدثه: ~زي ما جالك عرض الصرع، والهلاوس، وصعوبة الكتابة، والصداع الشديد، هيجيلك عرض الحمى، ومش بعيد تكمل ويجيلك ضعف في العضلات أو الشلل، وصعوبة في الكلام أو التفكير، ولو فضلت تهمل نفسك كده، هما أكيد هيجولك. قال نوح ممتعضًا: _أهمل نفسي إيه؟ ما أنا منتظم على الدوا! ~هو أنا مش قلتلك كتر استخدامك للقوة هيزود التهابات مخك، والأعراض هتكتر؟ دا أنت مكتفتش إنك تحارب تمانين ألف كائن، لا دا أنت سفرتنا إسكندرية كمان! كل دا بياخد من مخك! _طب بس بس، أنا مبسوط، مش عايزك تعكنن عليّا.                             ********** في الصباح كانت هاجر تجلس في الصالة، هاتفها بين يديها. تتفحص الأخبار المتداولة التي تنغص حياتها عن أخيها، أخبار تقلب الحقيقة، تشوه صورته، وتلبسه ثوب الوحش الذي لم يكن يومًا. شعرت بالعجز والسخط أمام هذا السيل الجارف من الأكاذيب. كيف ينقلب الناس بهذه السهولة؟ كيف يتعامون عن الحقائق الدامغة التي رأوها بأعينهم؟ كأن الدماء المسفوكة، والصيحات المستغيثة، والجثث التي ملأت الطرقات لم تكن إلا سرابًا، وكأن قاتليهم لم يكونوا إلا أبطالًا يُنادى بهم منقذين! اثناء تحديقها لهاتفها بهم أتت مريم من المطبخ: _طفيت على البيض يا عمتو. نظرت هاجر لها وقالت مبتسمة: _ماشي يا حبيبتي يلا نحضر سوا. اثناء ذلك، استيقظت نجلاء على صداع ضاغط يطوق رأسها كطوقٍ من الحديد المنصهر. نومها واهٍ كالعادة، لم يمنحها راحة، بل يغرقها أكثر في إرهاق لا ينتهي. رفعت يدها المرتجفة إلى بطنها المنتفخ، متلمّسة ذلك الحمل الذي يثقل جسدها وروحها معًا. شعرت بوخزة فزع متسائلة إن كان لا يزال حيًا، إن كان لا يزال بخير. وسوسة الشيطان لا تتوقف لتذكرها بأطفالها الذين ماتوا، ليلقي اللوم عليها وعلى مرض النهم العصبي الذي لا تستطيع أن تتحكم به، كلها وساوس تبتر روحها مرة بعد مرة. حاولت النهوض بعسر لتدخل إلى الحمام وتتوضأ، وحين رفعت رأسها إلى المرآة، شاهدت وجهًا منهكًا، عينين غائرتين يغلفهما السواد، وملامح فقدت وهج الحياة منذ زمن،لم تتحمل ان تحدق أكثر فأشاحت ببصرها وخرجت للغرفة لتصلي الضهر. بعدها خرجت إلى المطبخ، والخواء ينهش أحشاءها. فور أن وصلت إليه، وجدت هاجر ومريم يعّدان الفطور سويًا. ابتسمت نجلاء ابتسامة باهتة رغم صدقها، فأتت مريم إليها راكضة وهي تحدث بطنها: _صباح الخير يا إسحاق، عامل إيه؟ عاملين لك الفطار اللي بتحبه. تبسمت نجلاء ضاحكة وهي تمسح على رأس صغيرتها وقالت: _سميتيه إسحاق؟ _أيوة، عشان ربنا بشر إبراهيم عليه السلام بإسحاق. قالت هاجر هنا: _مريم دي نخليها تسمي عيال العيلة كلهم بقى، سميتني هاجر، ودلوقتي سمت أخوها إسحاق، لازم توافقوا إنه يبقى إسحاق غصب عنكم. احتفظت نجلاء بابتسامتها نظرًا لإنهاكها الشديد. وبعد مرور الوقت، انتهت هاجر من تحضير الفطور، وجلستن أمام الطاولة، فقالت هاجر: _الكام يوم دول بحاول أخلي الفطار زي حلاوة فطار غادة، كويس إن نوح فهمني كل حاجة في رسالته، لأنه عارف إني مبصبرش وهبهدل الدنيا. بدأن في الأكل، ونجلاء تحدق في الطعام بتردد. كانت تعلم أنها يجب أن تأكل… لكنها كانت تعلم أيضًا كيف سينتهي الأمر. مدّت يدها إلى قطعة خبز، ثم الفول، ثم البيض، ثم الفلافل، ثم انهمكت تلتهم الطعام بشراهة، وكأنها تحاول ملء فراغ لا ينتهي. لقمة بعد لقمة، دون تفكير، دون توقف، حتى شعرت بمعدتها تنتفخ بألم، وجسدها يصرخ طالبًا الرحمة. ابتسمت هاجر وهي تقول: _واضح إن إسحاق جعان أوي، كُلي يا نجلاء، كُلي، أنا مبشوفكيش بتاكلي كده من زمان. اختفت ابتسامة مريم وقالت بملامح تتشرب بالقلق: _ماما... مترجعيش عشان خاطري. انتِ زعلانة عاللي بيقولوه في بابا؟ اختفت ابتسامة هاجر، وتذكرت مرض نجلاء من رد فعل مريم، فابتسمت نجلاء بصعوبة وهي تقول: _أنا كويسة يا مريم، متشيليش هم، مش هرجع.. ولا مش زعلانة لأني عارفة ان كل دا كدب. ما إن انتهت نجلاء من الأكل حتى تسلل إليها الشعور اللعين، ذلك الندم الثقيل الذي يخنقها كل مرة. أمسكت بطنها بيد مرتجفة، وشعرت بالغثيان يزحف إلى حلقها، ليس بسبب الحمل، بل بسببها هي… بسبب ذلك الإحساس المتجذر في أعماقها، الإحساس بأنها أذنبت. مرت دقائق ساكنة وهي تحاول أن تمالك نفسها، ولكن لا فائدة. نهضت بسرعة، سارت نحو الحمام، وانحنت فوق المرحاض. حاولت أن تتقيأ، فأدخلت إصبعيها داخل حلقها، لتتخلص من كل شيء، من الطعام، من الشعور، من ثقل هذا العالم بأسره. واستفرغت نجلاء كل ما التهمته. بالطبع سمع كلاهما صوت استفراغها، فجاءت هاجر أمام باب الحمام وهي تقول: _مينفعش كده يا نجلاء! اللي بتعمليه ده غلط! دي مش أول مرة، وإنتِ حامل! ابنك مش هيلاقي حاجة تغذيه! إنتِ اتجننتي؟! أجابتها نجلاء وهي تمسح فمها ودموعها: _مش قادرة يا هاجر... من غير قصدي والله، بقالي أسابيع ماسكة نفسي، مش قادرة بجد. زفرت هاجر، وتبادلت هي ومريم نظرات الشفقة والعجز، ملتزمتين الصمت نظرًا لعدم تحمل نجلاء أي لوم أو توبيخ. فشعور الندم المصاحب لمرض النهم العصبي اشتد عليها كلما اشتد عليها البلاء. تتذكر زوجها العزيز في الحرب فتندم، تتذكر المجازر فتندم، تتذكر غادة التي تعاني فتندم. الهم يتضخم لا في قلبها فقط، بل في معدتها التي تتحامل بكل المشاعر السلبية طيلة حياتها. واحتد مرضها وشعورها تجاه زوجها تحديدًا؛ فالأخبار عنه كانت تضخم غضتها حتى توسعت من حلقها إلى معدتها، تقلب الكلمات في عقلها وهي تستعيد وجه مصطفى، ذاك الرجل الذي حمل على عاتقه مسؤولية لا تحتمل، فكيف يكون جزاؤه أن يُتهم بما لم يرتكبه؟ إن العالم حقًا يضيق عليها، والحقيقة تُغتال أمام عينيها. لكن بين هذا الألم، لم يكن قلبها يعرف التردد، بل امتلأ يقينًا أن الزمن وحده كفيل بكشف الغطاء عن كل زيف، وإن تأخر.                           *********** في شقة أدهم في العاصمة الإدارية، يجلس عمر في غرفته وهو يقرأ القرآن الذي ابتاعه بواسطة برنامج توصيل طلبات، نظرًا لعدم وجود قرآن في منزل ذلك الكافر. كان عمر جالسًا في صمته المألوف، يقرأ المصحف، مستشعرًا في كلماته رحمة الله التي لا تغيب في عالمٍ اندثرت فيه رحمة الأنام. بعد ثلاثة أسابيع من حبسه في هذا السجن، لم يعد عمر يبحث عن مخرج؛ بل بدأ يحاول البحث عن معنى وتفسيرٍ لما يحدث له، عن أملٍ في أن يغفر الله له على أشياء لا يستوعب حتى الآن أنها حدثت له أو فعلها بنفسه. ثلاثة أسابيع فقط كانت كافية لتُحدث كسرًا لا يُجبر في نفسيته. كان عمر يتذكر كل ما رآه من اشنع الجرائم والعذاب. أيقن هنا أنه فقد جزءًا من إنسانيته بغير إرادته، لكنه يحاول السيطرة على نفسه، تلك النفس التي تترقب لحظة الانكسار لتطلق أبشع ما تهواه من الشرور. لن يسمح لنفسه بأن يتحول إلى أدهم...؛ فكونه ضحية ليس مبررًا لنشر الفواجع والفواحش بين الناس. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} وفي طريقه لختم القرآن، كان يشتد به التفكير المؤرق. وما يزيد إيمانه ويقينه بالله أن كل ما يفكر فيه يجد إجابته بين آيات الله، فيوقن أن الله يخاطبه بها، ليحذِّره من أن يدسّ نفسه، وليفلح في تزكيتها. لكنه، بلا إرادة منه، كانت روحه تذبل شيئًا فشيئًا، حتى الآيات لم تعد تؤثر في عزيمته. فبدأ يدرك أن العذاب الذي يعيشه يوميًا لم يعُد شيئًا طارئًا أو شاذًا، بل أصبح شيئًا اعتياديًا أو جزءًا من نظامه الحيوي، كالتنفس ونبض القلب مثلًا. لم يعد عمر يقاوم الألم، بعدما استوعب أنه يعيشه باستمرار. استحال جسده ساحة مفتوحة لبطش أدهم، وسكنت روحه في زنزانةٍ بلا جدران. ولكن، حتى وإن لم تعد آيات الله تؤثر في عزيمته، فإن إيمانه بها وبالله لم يتزحزح قيد أنملة. لم يستشعر أهمية أن يكون الإنسان مؤمنًا قطّ إلا في هذه الفترة. يتذكر مقولات للفيلسوف الدنماركي سورين كيركغور، الذي قال: "الإيمان هو أعلى شغف في الإنسان. الإيمان هو العظمة الوحيدة التي لا يمكن للمنطق ان يدركها. الإيمان هو أن تثق حتى عندما لا ترى." كان يعلم أن إيمانه هو ما يبقيه على قيد الحياة، فالإيمان هو وسيلة الإنسان الوحيدة الأبدية في تحديد المبادئ وضبط العزم والإرادة، وبدونه سيصبح الإنسان خاويًا لا معنى لوجوده. مع تعمقه الشديد في القرآن وإيمانه وتفكيره، لاحظ فجأة أدهم يقف أمامه في صمتٍ تام وهو يرمقه بثبات. وما إن رفع عمر بصره إليه، حتى قال أدهم: _شكلك نسيت إنك جناح من عصابتي. رجالتك متورطين عشان في كتير طالبين كوكايين ومش عارفين يوصلولهم البضاعة، محتاجينك معاهم عشان تقولهم الخطة. أغلق عمر المصحف برفق، ووضعه جانبًا، وهو يقول بهدوء: _وأنا قلتلك مليون مرة ماليش دعوة. على جثتي إني أشتغل معاك. زفر أدهم بضيق، ثم جلس أمامه على السرير وهو يقول: _أنا مش عارف أعمل معاك إيه أكتر من كده. أول مرة أتعب في تعذيب حد. هو أنت متعبتش؟ قال عمر وهو يحرك رأسه نافيًا: _لا، متعبتش. انفلتت ضحكة صاخبة من أدهم، ثم قال: _والله شكلك بقيت حابب الحوار، شكلك مازوخي ومكسوف تقول. ظل عمر يحملق في أدهم بعينيه الميتتين، وببرود ممزوج بسخطٍ مكبوح. ابتلع ريقه، ثم قال: _أدهم... هو أنت مش مؤمن؟ _لا والله؟ هو اللي أنا عملته المرة اللي فاتت حاجة يعملها راجل مؤمن في نظرك يعني؟ _الإيمان مش مشروط بدين بس. فيه ناس كتير مؤمنين بحاجات برا الدين محددين بيها أسلوب حياتهم وسير خطاهم. أبراج، كواكب، حظ، طبيعة، علم، اساطير، سياسة، او حتى نظام هما مبتكرينه بنفسهم... ممكن الإيمان يختلف بين الفترة والتانية بحاجة جديدة، لكن في نظري الإيمان الحقيقي مستحيل يختلف، ودي حاجة نادرة ما بيحسش بيها غير المسلم الحقيقي. أنت بقى مش مؤمن بأي حاجة في حياتك؟ قال أدهم بدون تردد: _مؤمن بنفسي، مؤمن بالمساواة. ابتسم عمر ابتسامة خفيفة متهكمة، ثم قال: _لا.. أنت عمرك ما كنت مؤمن بالمساواة. لو كنت مؤمن بيها بجد، كنت قتلتني أنا وليلى. اختفت ابتسامة أدهم وهو يتأمل نظرات عمر. عمر الذي فهم جيدًا علاقة مشاعر أدهم حياله بليلى. فقد تذكر حديثهما الأول سويًا، حين أظهر له أدهم أن علامة تردده في القتل هي برهان لعدم خوف الضحية منه، وأول من فعل ذلك معه كانت ليلى. بالتالي، نما بداخله عشقه لها. أيقن عمر أن أحلك كوابيس أدهم هي أن يتكرر هذا الأمر، لكنه تكرر، تكرر حين تقابلا، وهذا ما يجعل الاحتدام يشتد في رأس أدهم كنيرانٍ ملتهبة. _طب قولي، أنت ممكن أكون مؤمن بإيه بما إنك عامل نفسك فاهمني أوي كده يا دكتور؟ سأله أدهم هذا السؤال هازئًا، فأجاب عمر: _أنت مؤمن بحاجة... بس أنت رافضها ورافض تعترف بإيمانك لها. مؤمن بالحب. رفع أدهم حاجبيه في سخرية: _حب؟ _لو مكنتش مؤمن بالحب، كنت آمنت بالمساواة بتاعتك. بس فكرة إنك مش مؤمن بالمساواة ده دليل إنك مؤمن بالحب. أنت ما تقدرش تموت اللي بتحبهم، وما تقدرش تتقبل حب من حد أنت ما بتحبوش، عشان إيمانك الشديد بالحب مخليك رافض إنك تمثِّل الحب ده. إيمانك الشديد بالحب مخليك مش حابب عيالك حتى! لأنك مقتنع إن مش أي حد في العالم ده يستحق حبك! سكت أدهم في لحظة استيعابٍ عميقة، وتذكر غضبه حين احتضنه عصام حين كان نور الصاوي، والمشاعر الحانقة التي شعر بها. وللمرة الثانية على التوالي، يتفوه عمر بحديثٍ يجعله في حالةٍ من الشلل الفكري والذهول المكبوح، حتى أصبح أدهم يهاب التحدث معه. فقد سئم من شعور التعري المخزي الذي يشعر به في كل مرة ينطق فيها عمر، لكنه سمح لنفسه بعدم المقاومة وقال: _تعرف يا عمر...، إن عمري ما حبيت أتحكم في حد في كل مرة باغتصبه فيها، لأني بحب أسمعهم بيصوتوا وبيقاوموا ويبينوا رعبهم ناحيتي، إلا ليلى، الوحيدة اللي كنت بتحكم فيها عشان أنا بجد كنت بحبها.. كان نفسي أشوفها مبسوطة معايا في كل حاجة، لما تشوفني تضحك، تحضني، تتكلم براحة معايا، والعلاقة تبقا في رومانسية وحنينة جميلة. ممكن اللقاء معاها حصل مرتين بس... بعد كده اكتشفت إنها عملت مادة تمنع القوى إنها تأثر عليها، وأول ما عرفت ده... مقدرتش أشوف نظرات البغض والكره في عينيها ناحيتي ولا مقاومتها ليا... ومقدرتش أجبرها على الحب... فسيبتها في حالها. عاد أدهم لصمته الطويل ثم أردف: _من وقتها ماعدتش بتحكم في أي حد بحبه، وماعدتش بستنى من اللي بحبهم حب متبادل، بقيت بكتفي بوجودهم معايا، وبقيت بكتفي بإني بتبسط معاهم وخلاص، مش مهم يكونوا هما مبسوطين، بس بكلامك شكلك هتخليني أرجع زي زمان.... ابتلع عمر ريقه في محاولة منه لزحزحة لهفته العارمة، وقال بنبرة هادئة مرتجفة: _هترجع زي زمان يعني... هتسيبني زي ما سيبت ليلى، صح؟ ص.. صح؟ صمت أدهم صمتًا طويلًا حتى شك عمر أنه سمعه من الأساس، إلى أن قال وهو يطرق على فخذ عمر: _قوم البس وجهز نفسك، هنطلع سوا فسحة أخيرة.                              ********** وفي الوقت ذاته... في منزل فلوريان، تناولت هالة وفلوريان الإفطار معًا وسط حديث خفيف ينعش روحهما بألفة مريحة. وما إن انتهيا، نهضا فورًا ليستعدا لحضور المؤتمر الخاص بمشروعهما. أخذت فلوريان تنتقي من خزانتها أزياءً مختلفة، تستدير بعد كل اختيار نحو هالة بعينين متسائلتين، منتظرة رأيها الصادق، وهالة بدورها كانت تنظر إليها بتمعن، تقيّم كل زي بعناية، في أجواء لينة بين صديقتين لا تخفيان عن بعضهما شيئًا. حتى ارتدت فلوريان زيًّا رسميًّا جميلًا وهي تقول: _ها يا هالة، إيه رأيك في السوت دي؟ لسه جايباها جديد ومكنتش عارفة ألبسها إمتى، وحاسة إن ده الوقت المناسب. قالت هالة مازحة: _إيه يا بنتي ده، إنتِ رايحة إنترفيو للبنك الاهلي؟ قالت فلوريان بضجر: _يووه يا هالة، طب أنا لبست حاجات كتير أوي، مش عاجبك حاجة؟ _ما كل حاجتك ضيقة يا فلوريان، وأنا بغير! ضحكت فلوريان، فضحكت هالة هي الأخرى، ثم أردفت: _طب خلاص، البسي الطقم البيبي بلو، ده أحسن واحد ما بينهم، بس خلصي عشان نلحق هدى مستنيانا بعربيتها. قامت فلوريان بارتداء ملابسها والانتهاء من تجهيزاتها، وبعدها خرجتا سويًا. فور أن خرجتا من البناية، وسارتا بين أزقة الحارة المتواضعة، سمعتا إحداهن تناديها: _بت يا فلوريان! التفتت فلوريان إلى إحدى النساء المسنّات اللاتي يعملن في أحد المتاجر المتواضعة. ابتسمت فلوريان وأتت إليها وهي تسلم عليها: _إزيك يا ست مريم؟ عاملة إيه؟ _أنا كويسة يا حبيبتي، الحمد لله، بس أنا زعلانة منك إنتِ وأخوكي. أومأت فلوريان برأسها وهي تُظهر رأفةً وعلمها بتقصيرهما: _أنا عارفة والله، بس الفترة دي فيه مشاغل كتير أوي أوي. _ولا حتى بقيت بشوفك في الكنيسة يا بت.. _والله غصب عني، عندي ضغط كبير في الشغل. _وهو شغلك أهم من ربنا؟ التزمت فلوريان الصمت في استحياء، فتنهدت مريم في حسرة وهم، ثم نظرت إلى هالة وقالت: _يابنتي انا مش معترضة على شغلكم معاهم، بس انا خايفة عليكم خصوصا موريس اللي عايش مع حركة ذود، يابنتي الكلام والأخبار اللي عليهم تشيب الراس، هيبقوا داعش في المستقبل وهيحتلوا البلد بعد الحرب بعد ما احتلوا الصعيد كله، وقتها مش كنيسة ولا تلاتة ولا عشرة اللي هتتفجر بس، دول هيفجروا كل كنايس مصر وهيبيدوا كل المسيحيين!، متنسيش جدك الله يرحمه مش عايزين الموضوع دا يتكرر! _يا ست مريم متصدقيش كل الكلام دا أنا وموريس بنأكد عليكي إن مفيش حاجة من دي هما بيدافعوا عن البلد ووطنهم مش أكتر. _وأنا إيش عرفني إنكوا مش متهددين؟ يابنتي سيبيهم انتِ واخوكي وروحي على سانكتوريا هترتاحوا هناك، أنا وجوزي بنجمع فلوس عشان نروحها لأن وضع البلد بقا صعب صعب. أدارت فلوريان بؤبؤ عينيها في ضجر، ثم أومأت برأسها بحركة سريعة تُظهر نفاذ صبرها، وقالت وهي تربت على كتف مريم: _ماشي يا حبيبتي، متقلقيش، هبقا اقول لموريس... يلا يا حبيبتي مع السلامة عشان هتأخر. تركتها فلوريان واتجهت لهالة، وأكملتا سيرهما سويًا. لاحظت هالة الامتعاض والغم في ملامح فلوريان، فقالت الأخيرة: _أكيد سمعتي اللي هي قالته، أتمنى متكونيش اتضايقتي. حركت هالة رأسها وهي تقول: _ولا يهمك، إحنا متعودين على الكلام ده... ربنا يصبرك على موت جدك. التزمت هالة الصمت، وأكملتا سيرهما، بينما شعرت فلوريان بغصة قوية بمجرد أن تذكرت والدها. شعرت براحة مع هالة، فقررت أن تستغل وقت السير في أن تبوح بمكنون صدرها لها. _امي دايما كانت بتقولي ان أبويا من عادته شخص جميل وطيب بس بعد ما جدي مات في انفجار كنيسة، وهو اتحول خالص. بقى من اللي بيعادوا المسلمين كلهم. وكان نفسه ينضم لأي مجموعة أو ميليشيا مسيحية عشان ينتقم من المسلمين، بس مكانش الموضوع بينجح معاه. سكتت فلوريان برهة، ثم أردفت: _مشافش قدامه غير طريق عصابة أدهم. وقتها، رفعت كان بيلم أي حد مهمّش ومستضعف، أي حد قليل حيلة، أي حد عنده أحلام صعبة تتحقق في مصر، كان بياخدهم عنده في العصابة. بابا اشتغل معاه هو وأمي اللي مكانتش راضية بده، وده اللي كان بيخلّي بينهم خناقات كتير. بس اللي مكانش عامله حساب إن أدهم يختارها عشان يخلف منها، ولما أدهم اغتصب أمي، أبويا اتقتل وهو بيدافع عنها. أبويا دبّس أمي، وأنا، وأخويا في العصابة لمدة أكتر من عشرين سنة... ربنا يسامحه. انتهت فلوريان بصمت تام بعدما تنهدت في هم، إلى أن قالت هالة: _وليه إنتِ وموريس مورثتوش كرهكم للمسلمين؟ _إحنا وموريس مورثناش حاجة من الدنيا دي، حتى الدين بتاعنا منعرفش فيه حاجة. إحنا عشنا عشرين سنة من عمرنا بنخطط نطلع من عصابة أدهم إزاي، مكانش عندنا وقت نكره حد غير رفعت وأدهم وعصابته، اللي كانوا بيقتلوا أضعاف أضعاف الناس اللي داعش أو الإخوان قتلوهم. عمرنا ما حسينا بالانتماء في حياتنا، حتى جيراننا وعيلتنا بقوا يتعاملوا معانا بحذر، ومش متقبلين إننا نقرب منهم أكتر. سمعت هالة الغصة المرتطمة بحنجرة فلوريان وهي تتحدث، فلم تفعل أي شيء سوى أنها ربتت على ظهرها وقالت: _إنتِ بقيتي منتمية لينا يا فلوريان، معدتيش في عصابة، وبقيتي حرة بتحاربي عشان حريات الناس، وإحنا معاكي، إحنا عيلة، ومش عايزاكي تفكري لحظة إننا نميزك عنّا. آه إنتِ كافرة بس عادي هتفضلي صاحبتي اللي بحبها برضو. ضحكت فلوريات من القاء هالة لجملتها الأخيرة بإسلوب فكاهي، فضحكت هالة هي الأخرى وهي تقول: _أيوة كده، فرفشي.                            *********** في أحد مراكز الرعاية الاجتماعية لرعاية الأطفال، حيث يقبع الأطفال المهمشون والأيتام الذين تحمل أرواحهم ثقل الحرمان، تدخله ملك، طالبة نوح الفضولية، بعد عودتها من المدرسة، قاصدة الاتجاه إلى الأخصائي والمعالج النفسي للأطفال، والذي كان بمثابة نور ساطع دافئ يستدفئ الأطفال منه كمسكن لندوب أرواحهم. اتجهت ملك إليه لكي تحدثه في أمر مهم، وما إن أتت أمام باب مكتبه حتى اكتشفت وجود أحدهم بالداخل، فقررت أن تنتظر بالخارج. وبداخل المكتب، يقف الأخصائي النفسي مع فتاة شابة محجبة، يظهر في طيات مظهرها الغنى والاكتفاء المادي رغم تواضعها. _أنا جيت لحضرتك عشان أشكرك على صبرك مع زين، انت بس معالجتهوش، انت خليته كأنه اتولد من جديد بعد ما فقدت الأمل، أنا بجد بشكرك. _متقوليش كده يا مدام سهام، كله بفضل ربنا. أهم حاجة تمشي عليها إنك تبقي معاه دايمًا لما تيجي تزوري جده. هو دلوقتي بقى عنده شجاعة إنه يرفض أي تلامس منه، وبقى عنده درع نفسي قوي يخليه ميتأثرش ولا يرتبك أول ما يشوف جده، وبيكِ الدرع ده هيقوى. قالت سهام بنبرة حبورة وابتسامة عريضة: _لا، ما هو جده مات بقى الحمد لله. اختفت ابتسامة الأخصائي فجأة، لترتبك سهام من رد فعله وهي تقول: _إيه... ده هيأثر على رحلة علاج زين؟ _ل.. لا، لا. هو رد فعل طبيعي إنك تفرحي في موت رجل فاسد، بس متبينيش ده قدام ابنك، لأنه هينمو فيه صفات عدوانية، تمام؟ _حاضر. سكتت سهام برهة، ثم قالت بتردد: _أنا مش عايزة أضغط على حضرتك، بس عايزة أطمن على حوار ضياء شعبان...؟ لو حضرتك دورت عليه. قال الأخصائي وهو يومئ برأسه: _آه، آه، مفيش ضغط ولا حاجة، اعذريني نسيت أقولك. أنا دورت بالفعل على السجلات اللي من عشرين سنة على اسمه، بس للأسف ملقيتش أي حد بالاسم ده، اعذريني. قالت سهام وهي تحرك رأسها تعذره: _لا، ولا يهمك يا دكتور، أكيد هييجي يوم وهلاقي دار أو مركز هو راح فيه... المهم... أخرجت سهام من حقيبتها مفتاحًا يتدلى منه رقم معين وأعطته له وهي تقول: _دي هديتي لحضرتك، تستحقها، لأن ربنا كتب لابني عمر جديد من خلالك. أمسك الأخصائي المفتاح بحيرة وهو يقول باستنكار طفيف: _اعذريني بس... إيه ده؟ _ دي فيلا في العلمين على البحر. دي بتاعتك، تقدر تروحلها أي وقت، لأنها خلاص بقت بيتك التاني. تجمدت حركة الأخصائي ونظرات الصدمة المكبوحة إليه بأعين لا تطرف، وحين استوعب ما قالته، أعطاها المفتاح وهو يقول: _خدي حضرتك، اللي بتقوليه عيب، ميصحش. أبعدت سهام يدها وهي تقول: _لا والله، ما هاخد حاجة. دي ليك، الفيلا ليك مخصوص، لو أخدتها مش هعمل بيها حاجة ولا هعتب جواها، لأنها بتاعتك وملكيتك خلاص. دي مش هدية، ده نتيجة تعبك معايا ومع ابني ومع أطفال كتير رجعتلهم برائتهم بعد ما اتاخدت منه. قال الأخصائي مصرًا على إرجاع المفتاح، متجاهلًا كل ما قالته: _خدي حضرتك المفتاح، أنا مش هقبله. التفتت سهام وهي تقول: _عن إذنك بقى عشان أرجع لشغلي، مع السلامة. وخرجت بخطوات مسرعة خارج المكتب، ليسير خلفها محاولًا اللحاق بها، عازمًا على إرجاع المفتاح، ولكن لم يقدر. وفي تلك اللحظة، رأت ملك بعدما خرج من مكتبه، لتأتي إليه. _خير يا بابا، في إيه؟ بتجري وراها ليه كده؟ دس المفتاح في جيبه وهو يقول: _لا يا حبيبتي، مفيش حاجة... أنتِ جاية ليه بلبس المدرسة كدة؟ _قولت أعدي عليك أشوفك، وأسألك عن حاجة. قال وهو يسخر مداعبًا لها: _آه طبعًا، ما انتِ مبتسيبيش أمك وتجيلي إلا عشان مصلحة، تعالي تعالي، خشي. ابتسمت ملك ودخلا المكتب، وهو يقول: _قولي يا حبيبتي، خير؟ سكتت ملك برهة في تردد طفيف، ثم قالت: _هو في حد اتصل عليك امبارح أو النهاردة؟ _لا... هو المفروض حد يتصل بيا ومتصلش؟ _بصراحة، أنا اديت رقمك لمستر نوح... عقد حاجبيه في تعجب، محركًا رأسه حركة طفيفة سريعة مستفهمًا عن سبب ذلك، لتردف بنبرة تورط وحرج: _أصل... حالته مكانتش كويسة نفسيًا، فحبيت أساعده، و... وحطيت في شنطته اللي كانت في أوضة الأسيستانت ورقة، وكتبتله فيها إنك دكتور نفسي... أرخى حاجبيه حين اشتد به التعجب من تصرف ابنته، وبنظرته المميزة ذاتها التي رمق بها سهام، رمق ابنته أيضًا، التفت للوحة التعريفية الصغيرة التي على مكتبه ليتأكد مما هو مكتوب فيها: <فياض راشد، أخصائي ومعالج نفسي للأطفال>، ثم عاد فياض يرمق ملك وهو يقول: _انتِ شككتيني في نفسي للحظة... ليه قولتي كده؟ ده كويس إنه متصلش بيا، يعني هو لو اتصل، أعمل بيه إيه؟ _مهي كلها حاجات نفسية وبتاع. _لا يا ملك، مش كلها "حاجات نفسية وبتاع". أنا آخري أعالج شحط عنده ١٥ سنة، مش راجل قد الباب عنده ٤٠ سنة. _عنده ٣٧ سنة، مش ٤٠ على فكرة. مسح فياض على وجهه بكفه ولحيته كحركة تدل على تبرمه، ثم قال: _معلش يا بابا، اتصرف بأي حاجة، نفسيته تعبانة بشكل انت متتخيلهوش بجد. توقف فياض فجأة وهدأت ملامحه في لحظة حين استوعب المكنون في تصرفات ابنته، فرمقها بنظرة أبوية صارمة، وهو يقول بهدوء: _ ملك... الحركات دي عارفها كويس... قالت ملك في صدمة واستنكار: _حركات إيه؟ مش فاهمة؟! _اهتمامك الزايد بالمدرس بتاعك دا غريب ومش مريح، إياكِ يا ملك، إياكِ تشوفي نوح دا بنظرة تانية تختلف عن نظرة المدرس، لا تشوفيه أب، ولا أخ، ولا فتى أحلام، ولا أي حاجة أبدًا أبدًا، إياكِ!! نوح مدرس بتروحيله تاخدي منه المعلومة وتمشي! ولو عايزة تساعديه فعلًا كنتِ سألتيني عن رقم لدكتور وأديتي الرقم للأسستانت، إنما حركات إني أروح أكلمه ويقرب مني بعدين يقرب منك ومعرفش إيه... لا دا مش تفكير طبيعي! اعقلي يا ملك وسيبك من جو روايات بير السلم دي! تحجرت ملك تمامًا وهي تستمع لتوبيخ أبيها، متجنبة عينيه الحادتين ونظراته التي تخترق روحها، وحاولت أن تدافع عن نفسها، ليقاطعها مردفًا: _لو اتكرر الموضوع أنا هوديكي لمدرس تاني، واتفضلي ارجعي بيت أمك وارتاحي من المدرسة عشان أنا مش فاضي، ولما تشوفيني تاني إن شاء الله هكون جبتلك رقم دكتور عشان تديه للأسستانت بتاعته... أومأت ملك برأسها وهي كظيمة، والتفتت بصمت متجهة إلى الباب وتخرج منه وهو يتبعها بعينيه. فياض راشد، رجل في الخامسة والخمسين من عمره، مربوع لا يتعدى المئة والثمانين سنتيمترًا، تشي ملامحه بقصة طويلة من الصبر والمسؤولية. عيناه الداكنتان مبطنتان الجفون، يحفظ خلفها أسرار الحياة المفجعة ومعاركها دون أن يفقد إحساسه بها. نظراته حادة، لكنها تتشرب في عمقها دفئًا خفيًا، فيشعر من يقف أمامه بالأمان قبل أن تهدده بالعقاب. يمتلك لحية قصيرة مهذبة، وتجاعيد خفيفة. بنيته أبويّة مصرية، متوسطة بين السمنة والنحافة. رغم ملامحه التي توحي بالحزم، فإن صوته حين ينطق يفيض بالهدوء، يحيط كلماته بغلالة من العطف الذي لا يُساء فهمه ضعفًا. حركاته مدروسة، وكل التفاتة منه تزن الأمور بميزان العقل والقلب معًا. إنه الرجل الذي يعرف متى يكون السند، ومتى يكون الحاجز الذي يمنع السقوط. بين يديه يكبر الأيتام، في عينيه يجدون الأمان، وفي صمته الصارم يلمحون الحب الذي لا يحتاج إلى كلمات. كان قد تبقى على موعد خروجه ساعة ونصف، ولكن ما أجبره على الذهاب والخروج قبل موعده الأساسي هو رؤية خبر مفجع على هاتفه: <عاجل: مذبحة مرعبة في "سانكتوريا".. إبادة جماعية تحصد أرواح الآلاف وسط غموض يلف الجريمة. أنباء مروعة عن مقتل مئة وستين ألفًا من أصل ثلاثمئة ألف من سكان مدينة سانكتوريا المسيحية في حادثة أشبه بالإبادة الجماعية. تقارير أولية تشير إلى أن المدينة المقدسة تحولت خلال ساعات هذا الصباح إلى ساحة جحيم، حيث عُثر على آلاف الجثث متناثرة في الشوارع والمنازل لأكثر من خمسة عشر حي كاملين، بينما كان المنازل والشوارع سليمة لا يوجد أثر ذخائر أو أسلحة فيها وأدلة مبهمة حول الفاعلين. السلطات لم تصدر بعد بيانًا رسميًا حول تفاصيل المجزرة، إلا أن أصابع الاتهام تشير إلى جهتين خطيرتين: فرقة "ذود" المسلحة، التي اتهمت بالإرهاب ضد المسيحيين وداعمي نور الديب، وتخوض حربًا ضد الميليشيات، ويرأسها مصطفى عبدالباقي الملقب ب"أبا مريم"، الذي ظل ضد النظام لمدة سنين، وأدهم داغر، السفاح الأكثر دموية في التاريخ الحديث والتي تقدر قيمة رأسه من المباحث الفدرالية اثنان مليار دولار، والمعروف بأساليبه الوحشية في القتل الجماعي. المجتمع الدولي يطالب بتوضيح فوري، فيما تعيش المدن المجاورة حالة من الذعر خوفًا من أن يكون هذا الهجوم بداية لسلسلة كوارث أخرى.>                         ************* قبل هذا بساعة.. سانكتوريا، مدينة أُنشئت بسرعة خلال السنوات العشر الماضية في العاصمة الإدارية الجديدة، مخصصة للمسيحيين فقط. جاءت فكرتها بقرار من فاروق الألفي، الرئيس السابق، الذي أراد توفير ملاذ آمن لكل مسيحي يشعر بعدم الأمان في بيئته. ورغم رفض بعض المسيحيين لهذا المشروع، انتقل عدد كبير منهم للعيش هناك، خصوصًا بعد الأحداث الأخيرة، لا سيما الأثرياء ومن كان قادرًا على تحمل تكاليف المعيشة المرتفعة في تلك المدينة. في ظل الأوضاع المتوترة والاتهامات التي حاصرت ابنه بوصفه إرهابيًا، قرر أدهم، بخبثه المعهود، التوجه إلى تلك المدينة ليترك بصمته فيها. _انت جايبني هنا بالذات ليه؟ سأل عمر هذا السؤال لأدهم، الذي يقود به داخل تلك المدينة، ليجيب أدهم: _هشتريلك طقم حلو كده جميل تقابل بيه مراتك، هنا على فكرة الهدوم جميلة جدًا وماركة حلوة، عشان المدينة دي بقت وجهة سياحية جميلة، وساكنين فيها أجانب مسيحيين كتير، فكل حاجة فيها هتلاقيها حلوة. سكت عمر وهو يمد بصره من النافذة، كانت مدينة عادية، لكنها كانت مزينة بكثافة في بعض الأحياء القليلة بالتماثيل الفرعونية والطابع الفرعوني، بجانب التماثيل ولوح الفسيفساء للمسيح والعذراء المنتشرة في بعض المناطق، وفي رؤوس بعض المباني والمنازل المملوكة. وصل أدهم إلى متجر ملابس كبير مشهور، وارتجلا كلاهما من السيارة ودخلا المتجر. كان عمر يسير كما لو أنه يسير على أشواك، يسير بحذر، يتبع أعين من حوله في تيه وترقب، وقد أيقن أن لا أحد أبدًا قد لاحظ أدهم الذي بجانبه، نظرًا لاستخدام أدهم قوته عليهم. وقف أدهم وأخرج له قميصًا وبنطالًا. _شوف دول، حلوين أوي وشيك، إيه رأيك؟ قال عمر غير مبالٍ، وبؤبؤ عينيه لا يتوقف عن الحركة إلى من حوله: _حلوين... التقطت عينه بائع المتجر، فناداه بسرعة: _لو سمحت! لو سمحت! أتى البائع إليه بسرعة، وبابتسامة بشوشة قال: _اتفضل يا فندم، أؤمرني. قال عمر وهو يشير إلى أدهم الواقف في برود وعدم اكتراث: _شايف الراجل ده؟! نظر البائع إلى أدهم، ونظر أدهم إلى البائع، ليجيب البائع: _أيوة يا فندم... في حاجة؟ قال عمر في صدمة تفيض من عينيه الجاحظتين: _يعني أنت متعرفش ده مين؟ توتر البائع وعجز عن الرد من انفعال عمر المقلق، ليقول أدهم في هدوء، وهو يمسك يد عمر ويسحبه معه: _تعالى يا عمر، تعالى عشان تقيسهم. أخذه أدهم إلى غرفة تغيير الملابس بعدما ابتاعهما، ثم خرجا من المتجر، وعمر يقول: _ينفع تشاركني على الأقل اللي بتفكر فيه؟ _هو إيه اللي بفكر فيه؟ بجيبلك هدوم جديدة عشان هرجعك النهارده لمراتك. قال عمر وهو لا يثق فيه: _يعني هترجعني دلوقتي خلاص؟ _لا، لسه هنقعد شوية مع بعض، وهوريك مفاجأة تخليك تفتكرني منها طول حياتك. ما تفوه به أدهم حالًا، إن سمعه أحدهم من لسان أي رجل طبيعي، لن يتغلغل في قلبه ذرة شك أو ريبة، ولكن حديثًا كهذا يخرج من لسان أدهم لهو أمر مفزع ومربك، جعل عمر يذكر ربه ويدعو أن تمر تلك الساعات بسلام... ولكن أي سلام بوجود هذا الكائن على قيد الحياة؟ دخلا إحدى العمارات العالية الشاهقة ذات الطوابق الكثيفة كناطحات السحاب، ثم دخلا المصعد في رضا تام من حارس العمارة، وصلا إلى الدور الأخير، ومنه صعدا إلى السطح. وقفا كلاهما سويًا وهما يطلان على الحي والمدينة من الأعلى، وقف أدهم وعمر على حافة السطح، حيث امتدت المدينة تحتهما كلوحة ضخمة، تمتزج فيها الألوان تحت شمس الصباح الناعمة. من هذا العلو، بدت السيارات مثل حشرات صغيرة تزحف ببطء على خطوط الشوارع، والناس كأنهم نمل ، يتحركون حسب غرائزهم بلا وعي داخل لوحة هائلة من العمران والظلال. ارتفعت أصوات السيارات والمارة في ضجيج وصدى بعيد، وشعر عمر لوهلة أنهما يطلان على عالم منفصل، يعج بالحياة لكنه لا يمسها. أدهم، بوقفته الثابتة ونظرته المتفحصة المتأملة، بدا كفنان يطالع لوحته الفارغة التي لم تُرسم بعد من علٍ، يتمعن في الخطوة الأولى لرسمها، يحدد بدايتها ويبحث عن موضع يضيف إليه لمسته الأخيرة. ألقى نظرة طويلة على المشهد، ثم التفت إلى عمر. كانت نظرات أدهم إليه مغرقة في الغموض، تحمل بين طياتها شيئًا فاحشًا من الإعجاب والتيمم الخارق. تأمل ملامحه المتوترة، التوجس الذي يسكن عينيه، ارتجاف أنفاسه في الصباح الحارق. يتأمله ويستمتع بملامحه للمرة الأخيرة. حين لاحظ عمر أن أدهم يحدق فيه، التفت لأدهم، ليعود أدهم وينظر إلى الشارع وهو يقول: _إيه رأيك في المكان؟ قال عمر بلا مبالاة: _حلو... _حاسس بإيه وأنت بتبص للناس من فوق؟ هل ده بيزود قلقك؟ ولا بيزود كبرياءك؟ صمت عمر برهة، ثم قال: _مبيزودش حاجة، بيقلل.. بيقلل من فكرة إني شخص مهم في الحياة، بيقلل من فكرة إني الشخصية الرئيسية حتى لو في حياتي، كل واحد عنده قصة وظروف وحياة خاصة محدش يعلم عنها حاجة غير ربنا... _بس انت مهم بالنسبالي... سكت أدهم برهة، ثم أردف: _من الخمسة مليون اللي قتلتهم، في منهم اتنين مليون مصري، معظمهم كانوا مسلمين، ولما استوعبت الموضوع ده استغربت وقلت لازم أحقق المساواة... وأساوي بين ضحايا المسلمين بضحايا المسيحيين. تبدلت نظرات عمر هلعًا، والتفت لأدهم، ليقترب الأخير إلى عمر، ويضع كفه على وجنته، وقال وهو يتحسس بإبهامه عليها، بأعين حزينة ونبرة منكسرة: _هتسيبني يا عمر؟ سكت عمر وهو يحدق بحذر لأدهم ليردف الأخير: _أنت بجد مش مستوعب القوة الجبارة اللي عندي؟ _مستوعب... والله مستوعب... قال أدهم وهو يحرك رأسه نافيًا: _لا، مش مستوعب، لو كنت مستوعب، مكانتش رغبتك في إنك تسيبني تيجي في قلبك ولو للحظة... فجأة، سمع عمر ضجة عالية وصرخات مدوية ممزقة تصاعدت من كل حدب وصوب، وتحولت المدينة بأكملها إلى جحيم أرضي. في البداية، كان الصوت أشبه بطنين بعيد، ثم انفجر في سيمفونية فوضوية من العواء والنحيب والصراخ الممزق، أصوات بشرية تتلاشى في حشرجة الموت. قفز قلب عمر في صدره، وأطل مذعورًا من الأعلى، وما رآه جعله يتشبث بحافة السطح كأن قدميه فقدتا القدرة على حمله. كان أغرب وأشنع المشاهد على الإطلاق. في الشوارع، وفي المنازل، وفي المتاجر، تحولت المدينة إلى ساحة مجزرة بلا مبرر. الكل بدأ في قتل الآخر كما لو أن تلبّسهم الشيطان. الأمهات طعنَّ أبناءهن بأيدٍ صلبة لا تتردد. الأزواج انقضّوا على زوجاتهم ليقتلوهن خنقًا أو ينحروهن في بيوتهن، والقيت مئات الأجساد من الأطفال والنساء والرجال من النوافذ في عناق بالاسفلت دموي مفجع. الأصدقاء الذين طالما ساروا معًا في هذه الطرقات، أصبحوا الآن يسقطون فوقها، أحدهم يدهس رأس الآخر بحجر، تتهشم الجمجمة على الأرصفة، والدماء تنفجر كنافورة قانية. وحتى الحيوانات لم تكن بمنأى عن هذا الجنون... الكلاب، التي كانت تهزّ ذيولها صباحًا برفقة أصحابها، انقضّت على حناجرهم ومزقتها دون تردد. كان عمر يراهم يذبحون بعضهم البعض بجنون، الأقارب والأغراب على حد سواء، لا فرق بين أم وابن، أو زوج وزوجة، أو صديق وصديق. أي شيء يقع بين أيديهم يتحول إلى سلاح في لحظة، سكين، حجر، حتى قطع الأثاث المحطمة. كان كل قاتل يسقط في اللحظة التالية بضربة من آخر، ثم يأتي ثالث ليجهز على الثاني، ثم رابع ليقتل الثالث، وهكذا دواليك، وكأن الجميع عالقون في طاحونة موت لا تتوقف، واقعون في دوامة من العنف الأعمى لا نهاية لها. الدماء أغرقت الشوارع، سالت في الأزقة. الأرض مكسوة بالأشلاء، والرؤوس المهشمة تطلُّ من بين الحطام. شعر عمر لوهلة أن ما يحدث طقوس همجية، مسرحية عبثية حيث الفاعل والضحية وجهان لعملة واحدة، تُحرّكهما يد خفية لا تعرف الرحمة. كأن جوهر الإنسان قد انقلب على ذاته، والشر الكامن في الأعماق قد تحرر من أغلاله، فانطلقت النفوس كحيواناتٍ جائعة تنهش أقرب ما تطاله أيديها. لم يكن هناك عداء قديم أو ثأر دفين، لم يكن هناك حتى دافع أو مبرر، فقط رغبة خالصة في التدمير. والحقيقة كانت أفظع من مجرد جنونٍ جماعي؛ لم تكن هذه رغباتهم، لم تكن أيديهم تتحرك بإرادتهم، بل كانت هناك خيوط غير مرئية تربطهم جميعًا بإرادة واحدة تجسدت في أدهم. مجرد أسرى لعقله، مسلوبي الإرادة، يُمزقون بعضهم بعضًا وكأنهم يؤدّون طقوسًا إجبارية في مذبح الجنون. كل شيءٍ خرج عن السيطرة... أو بالأحرى، كل شيء كان تحت سيطرة يدٍ واحدة، يد أدهم، الذي أطلق العنان لهذا الجحيم وجعل من المدينة مذبحًا جماعيًا لجنونه. كان واقفًا إلى جوار عمر شامخًا في استقامة وكبرياء، يراقب المشهد بعينين ساكنتين مفعمتين بالرضا، يميل رأسه يمينًا ويسارًا مغمضًا مُطربًا بنغمات صرخاتهم ويتلذذ باستماعها، يرفع ذراعيه محركًا أنامله بحركة طفيفة ليستشعر الأرواح المنبعثة من الأجساد تمر بين أصابعه، والرياح المصحوبة برائحة الدماء يستنشقها وهي تلامس مسام جلده وتداعب شعيراته السوداء، مما يزيد من نشوته، وبدأ يردد هامسًا: _أسمع يا إيديكيا.. أسمع صوتهم من كل الشوارع والحارات، كلهم، أكتر من ١٠٠ ألف بينفذوا رغبتك لمجرد إني فكرت وبس، دي أعظم حاجة ممكن الواحد يحس بيها. كل مرة بستوعب فيها قوتك نشوفتي بتزيد أكتر. التفت عمر، الذي كان مغلوبًا على أمره، وهو يحدق في أدهم. لديه رغبة في أن يسد أذنيه ويغلق جفونه ليتجنب هذا الجحيم الذي يعيش فيه، ولكن بالطبع أدهم كان متحكمًا به. التفت أدهم إلى عمر، وفور أن نظر إليه، سكتت الصرخات فجأة، كما لو أنه اكتفى بهذا العدد من القتلى، ثم قال: _هتفضل طول عمرك عايش هربان يا عمر، هربان من أبو سهام اللي اتحرش بيك، هربان من أبوك اللي قتل امك، هربان من هويتك، هربان من ماضيك، وهربان مني... تقدر تمشي دلوقتي يا عمر، تقدر ترجع لمراتك وبيتك، بس إياك تفكر إنك كده بقيت حر، واعمل حسابك إنك هتشوفني تاني في يوم من الأيام... رغم تردد عمر الطفيف، إلا أنه وثب وركض بأقصى ما أوتيه من قوة، فارًا من هذا الملعون. اندفع إلى الشارع، يتخطى الجثث الصامتة المكدسة حوله، وهذه هي الضريبة الحقيقية لتمسكه بوهم الحرية ورغبته في العودة لحياته العادية. أجل، أطلق أدهم سراحه، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن جعله شاهدًا على مذبحة لم يعرف لها العالم مثيلًا، بعد أن استعرض قواه أمامه بكبرياء، بعد أن ترك له طريقًا واحدًا للنجاة، طريقًا لم يكن سوى ممر ممتد من الجثث التي لم تنجُ من فكرة عابرة في عقل أدهم. كان هذا درسًا لن يُمحى من ذاكرته، درسًا سيظل محفورًا في داخله كالخنجر. فتفاديه دهس الأشلاء المتناثرة، وهو يسير مرتجفًا بين الموتى، لم يستشعر بسببه طعم النجاة، لم يشعر بذرة من حلاوة الحرية. لم يشأ أدهم أن يمنحه مخرجًا للحرية منيرًا مسالمًا، بل دفعه إلى الفرار عبر طريق مغرق مخضب بالدماء، ليجبره على إدراك أن جميع طرقه للنجاة محفوفة بالموت والصراخ، تمامًا كما كان هروبه الأول… حين فرّ من أبيه ذات ليلة، مخلفًا وراءه الدماء وصرخات أمه التي لم يعد لها وجود. ظل يسير تارة ويهرول تارة ويهرع تارة، إلى أن اكتفى. شعر أن كل خطوة يخطوها تبتر جزءًا من روحه بين كم الجثث المهول الذي لا يتحمله إنسان. شعر بالغثيان والإعياء والدوار الشديد من إرهاقه النفسي والجسدي. أخرج هاتفه الذي أعطاه أدهم له، واتصل بالوحيد الذي يؤمن أنه سينقذه، وحين فتح الخط قال بصوت مرتجف: _نوح... أرجوك... تعالى وانجدني من اللي أنا فيه ده.                          ********** في الوقت ذاته، حيث إحدى غرف الفنادق في الإسكندرية، أمسكت غادة بالكمادات المتشبعة بالماء البارد، عصرَتها قليلًا، ثم وضعتها برفق على جبين نوح، الممدد على السرير مالجثة الهامدة، والحمى تنهش روحه شيئًا فشيئًا. تحدث بصعوبة، وكل كلمة تخرج منه تكلّفه جهدًا مضاعفًا: _كلمتي هاجر؟ _لا يا حبيبي... _طب سيبك مني بقى وكلميها، طمنيها عليكي... أنا كويس والله، بس انتِ اللي مبالغة. ما إن أنهى جملته حتى التقط أنفاسه بصعوبة؛ فالكلمات كانت أثقل من أن ينطق بها كالصخور التي يحملها على كاهله. حتى جفونه عصت على عينيه، كأنها ستائر من الفولاذ، تأبى أن ترفعها عضلات وجهه المنهكة. نهضت غادة، والتقطت بهاتفه لتتصل بهاجر، علّها تمنحها بعض الطمأنينة في مكالمة مباغتة مبهجة، لكن في اللحظة ذاتها، وجدت عمر يتصل. شهقت، ارتجفت أصابعها، وهتفت مذعورة: _ده عمر!!! انتفض نوح، ووثب جالسًا رغم وهنه، تأوّه وهو يمسك رأسه، محاولًا كبح الدوار الذي اجتاحه، ثم قال بصوتٍ واهن لكنه آمر: _ردي وافتحي السبيكر! فتحت غادة الخط ووضعت المكبر. _نوح... أرجوك... تعالى، وانجدني من اللي أنا فيه ده. أجاب نوح، وهو يرغب بالهتاف فزعًا على صديقه: _عمر!! انت فين يا حبيبي؟! انت فين؟! قال عمر وهو مختنقًا بالرعب، متقطعًا بين شهقات مرتجفة: _أنا حواليا جثث كتير أوي... أنا في سانكتوريا... مفيش حد عايش غيري... أنا في متاهة، مش عارف أفرق بين الشوارع... كل الشوارع فيها جثث وأموات ودم وأشلاء... مش عارف أروح فين... مش عارف أروح فين... مش عارف أروح فين... ثم سمعا صوت ارتطام هاتفه بالأرض، وظلا يناديان عليه لكنه لا يجيب، فأيقنا أنه فقد الوعي. لم يرضَ نوح بهذا الأمر، فأزاح غطاء السرير ونهض بسرعة، لكن من شدة وهن جسده، خانته قدماه وسقط أرضًا، فهرعت غادة إليه، أمسكت بذراعيه تحاول إسناده، وهي تقول برجاءٍ يائس: _استنى يا نوح، بس هتروح له إزاي دلوقتي؟! _لازم أروح لعمر... لاااازم!!! رفع نوح رأسه إلى المرآة المقابلة، ورأى انعكاس مايا يحدّق فيه بشفقة وقلق، رفع رأسه، عاقدًا العزم، كأن الموت نفسه لا يشكّل عائقًا عنده. وقال متوسلًا بصرامة: _أرجوك، لازم أروح له دلوقتي حالًا، في اللحظة دي لازم أرجعه بيته... مش هصبر! حتى لو هموت! استخدم القوة وودّيني عند عمر بأي طريقة! سكت مايا برهة، وصمته دليل على عجزه عن مجادلة هذا الرجل المنبطح أرضًا. رغم الإنهاك العظيم الذي يشعر به نوح بسبب الاستخدام الدائم لقوته، فإنه مُصرّ على استخدامها مجددًا لأجل صديقه، الذي غاب عنه وعاد فجأة، غير مبالٍ بأي عواقب. فوافق مايا، وأعاد نوح وغادة معًا إلى القاهرة، وتحديدًا إلى سانكتوريا، في أقل من ثلاث ثوانٍ، لينقذا عمر من جحيمه.                          *********** فياض الآن يقود سيارته بجنون، يتجه نحو سانكتوريا كمن يسابق الريح، والقلق المكبوت ينهش صدره كوحش مسعور؛ فلديه طفل يعيش في هذه المدينة، كان يعالجه في الآونة الأخيرة، ولم يسمح له قلبه أن يرتاح قبل أن يطمئن عليه بنفسه. أثناء اندفاعه في الطريق، لمح شخصًا... كان يسير بين الناس كأنه فرد عادي، لا يلحظه أحد، ينساب وسطهم كالرياح العابرة أو كالشبح يتجوّل في عالم لا يراه. الجميع حوله شاحبون، متوترون بسبب الأخبار، لكن لا أحد يلتفت إليه، لا أحد يلاحظ وجوده... إلا فياض. شعر لوهلة أن عينيه تخونانه، فتوقف بالسيارة على جانب الطريق وخرج منها، لكنه لم يجرؤ على مغادرتها تمامًا. فقط ترجل ببطء، متخذًا من بابها المفتوح درعًا بينه وبين ذلك الرجل. فمن رآه كان أدهم... كان يسير بهدوء، خطواته واثقة، غامضة، وفياض يتبعه ببصره. وحين شعر أدهم بأن أحدًا يراقبه، توقف فجأة، ثم استدار ببطء، عيناه تلاقيان عيني فياض، الذي لا يزال يقف خلف باب السيارة، متسمّرًا في مكانه. شعر أدهم بغرابةٍ قاتمة تحيط بهذا الرجل. لا أحد يُفترض أن يراه، لا أحد يُفترض أن يلاحظه. قدرته تضمن أن تؤثر على جميع من حوله من الأنام. فلماذا هذا الرجل الوحيد بين الجميع رآه؟ لماذا لم تنجح قوته عليه؟ انعقد حاجباه في نفور ودهشة مشوبة بالغضب. لم يتقبل فكرة أن قوته فشلت أمام شخصٍ ما. كانت النظرات التي يتبادلانها مثقلة بالتوتر، محمّلة بمشاعر مبهمة، غير مفهومة. كلاهما لم يرتحِ لنظرة الآخر، كلاهما شعر بأن وجود الآخر تهديد صامت. أدهم غاضب، متوجس، متعجب. وفياض مرتبك، متوتر، مصدوم. خطا أدهم خطوة واحدة نحو فياض، فركب الأخير سيارته، كأن عقله لم يمنحه خيارًا آخر. أدار المحرك وانطلق مبتعدًا بسرعة جنونية، يترك خلفه دوامة من الأسئلة التي لم يجد لها إجابة. وبصر أدهم لم يتزحزح عن السيارة، عيناه تتابعانها باهتمامٍ مريب، كمن يرى أمرًا لا يمكن تجاهله. لم يفهم ما حدث، فسأل الوحيد الذي قد يكون لديه إجابة: _أديكيا... مين دا؟ وليه متأثرش بقوتي؟ ~واضح إن عنده مناعة لقوتك... زي ما ليلى خلت يبقى عندها مناعة لقوتك. شعر أدهم بجسده يشتعل بغضبٍ خفي، وفضولٍ عظيم. لم يكن هذا اللقاء ليعبر من ذاكرته كما يمرّ الغرباء في الطرقات. وجود رجل فيه من ريح ليلى في أمرٍ كهذا، لهو شيء شاذ ونادر... يشكل تهديدًا لكبريائه. لا، لن ينسى هذا الرجل. لن يتركه. ---------------------- *فصلان اضافيان قريبًا*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة