أسينتهي الفراق يومًا؟ ١

أسينتهي الفراق يومًا؟ ١

42 0

٧٥ خمسة أشهر. مرت خمسة أشهر على هجوم الميليشيات على قرية مصطفى ومقتل ريهام وهشام ووالد إسماعيل، خمسة أشهر على رغبة نوح بالبعد عن غادة واكتشافهم تلك الجثة المجهولة،  خمسة أشهر على زواج إسماعيل وهالة، خمسة أشهر على أخذ فريدة تلك المادة السامة من يوسف أمام ورجوعها بها إلى سجن دارين، مرت خمسة أشهر على لقاء أدهم بعمر وإدخاله تلك الدوامة المفزعة المكتظة بالجنون والأوهام واستيقاظه منها مطمئنًا ظنًا منه أن ما مر بضع ساعات، ولكن ما مر حقًا هو خمسة أشهر. . . . القاهرة، ٣٠ مارس، سنة ٢٠٤٣ تحقق الشرطة المصرية في قضية اختطاف طفل يبلغ من العمر خمس سنوات من قبل ثلاثة شباب لطلب الفدية من أهله. ولكن لم يكن تحقيق الشرطة معهم بخصوص الاختطاف، فقد أعاد شابان منهم الطفل لأهله بشكل مفاجئ وبدون فدية وقبل أن تتدخل الشرطة، بعدما تم قتل ثالثهم بوحشية وعنف. وهذا ما كانت الشرطة تتحقق عنه. كانت جثة هذا الشاب مشوهة، يظهر عليها التعذيب الشرس. فور رؤية الشابين لجثة صاحبهم بهذا المظهر أعادا الطفل لأهله في الحال، كما أمرهم ذلك الكائن... أي كائن؟ يقف الآن بعض رجال الشرطة في مسرح الجريمة يعاينونه، لا يطيقون النظر إلى الجثة، ولكنهم مجبرون. _هتجيبوه برضو في القضية دي؟ هو مش خلاص قدم استقالته؟ سأل أحد الضباط هذا السؤال لزميله، ليجيب الآخر: _آه، هو قدم استقالته، بس فتح مكتب تحقيقات. قال الضابط معترضًا: _مكاتب التحقيقات مش قانونية في مصر! _بس قانونية ليه هو. إحنا منقدرش نستغنى عنه، مشوفتوش بعد ما استقال حل كام قضية؟ _بس فيه قضايا كتير معرفش يحلها، زي قضايا الراجل البنفسجي ده وقضايا أدهم. قال له الضابط منفعلًا من اعتراض زميله المستمر: _ودي قضايا تتحل برضو يا محمد؟! تحس إن في حد عامل عمل للشعب المصري كله! إحنا بنجيبه بس عشان هو بيعرف يطلع تفاصيل بتساعدنا، إحنا منقدرش نطلعها. في تلك اللحظة، يدخل ذلك الرجل الذي تتحدث ألسنتهم عنه، يدخل الغرفة وهو يحني رأسه متجنبًا سقف المدخل نظرًا لطوله الشاهق، بأعينه المنهكة الشاحبة التي أمضت عشرات الليالي في البكاء والأرق، وشعره الذهبي المموج المنسدل على جبينه، يظهر طول شعره الذي تعدى شحمة أذنيه على عكس ما كان من قبل. دخل وسلم عليهم، ثم بدأ حديثه معلنًا عن شفتيه المخبأتين خلف شاربه الكثيف: _حققتوا مع التانيين؟ قال الضابط: _آه، وقالوا كلام غريب، نفس الكلام ونفس الأسطوانة اللي بيقولها نص مجرمين مصر دلوقتي. عمري ما شفت كده في حياتي. إزاي أقوال اللي في المعادي هي نفس أقوال اللي في كرداسة، هي نفس أقوال اللي من اكتوبر، هي نفس أقوال اللي من الزمالك. معرفتش لغز الموضوع ده لسة يا عصام؟ نظر عصام إليه وهو يجيب: _للأسف لا. أنا عندي تخمين، بس منظر الجثث ده بيخليني أرمي تخميني في الزبالة. بس استأذنك تحكيلي أقوالهم وأنا بحقق في الجثة. بدأ عصام يتفحص الجثة، بينما كان الضابط يتحدث. وقبل أن يتعمق في تفحصه، رأى إصابة عنيفة في المنطقة الحساسة لدى الجثة. فقال عصام بنبرة ثابتة وواثقة مقاطعًا الضابط: _الضحية اغتصب الطفل. سكت الضابط فجأة وهو متحير: _جبت المعلومة دي منين؟ قال عصام بنفس النبرة الواثقة: _اكشفوا على الطفل وهتعرفوا. اقترب الضابط من عصام وهو يقول معترضًا: _عصام، إحنا أكدنا على العيلة إنه كويس وسليم تمامًا. هيبقى شكلنا وحش لو رجعنا أخدناه منهم وقولنالهم إن تم اغتصابه. احتمال كبير ميكونش ده حصل أصلًا. قال عصام بأعينه الباردتين ونبرته الثابتة: _لا، حصل. لو مش مصدقني روح واكشف عليه، ولو مش عايز، انت حر. كده كده أمه هتلاحظ مع الوقت. سكت الضابط مستسلمًا. بعدها بدأ عصام يتحدث وهو يتفحص الجثة: _انت محققتش في كل القضايا الخاصة بالراجل البنفسجي، بس أنا حققت. وأقدر أقولك إن كل القضايا دي هدفها الانتقام من الجاني بأكتر وسيلة مُرضية للضمير. تقدر تقول إن اللي بيعمل الجرايم دي بيساعد العدالة. أنا عارف إنت هتقولي إيه، إنهم شافوا كائن بنفسجي ضخم في بيتهم شبه الراجل، شعره أبيض وطويل، بيقولهم يرجعوا الطفل. مش كده؟ _أيوة، صح. _لولا اغتصاب الشاب ده للطفل، مكانش مات. لأن فيه أقاويل كتيرة للمجرمين بعد ما يسرقوا حاجة أو يخطفوا حد ما بيقتلوش لأنهم سمعوا كلام الراجل البنفسجي من غير ما يإذوا حد. أثناء تفحص عصام للجثة، لمح بريقًا طفيفًا بين الدماء المتناثرة. ارتدى قفازاته، ومد يده ليلتقط تلك الأداة البراقة ليكتشف أنها خيط أبيض اللون مصحوب ببريق يعطي لونًا أرجوانيًا ساطعًا. وفي مقدمة ذلك الخيط كتلة دقيقة تشبه قطعة الجلد التي تؤخذ من فروة الرأس عند نزع الشعيرة. إذن، هذه هي شعرة الرجل البنفسجي أم ماذا؟ كان ذلك أول دليل تلمسه أنامل عصام بعد خمسة أشهر من تلك الجرائم المستمرة. فمنذ بداية حرب المقاومة المصرية مع الميليشيات، ظهرت سلسلة من الجرائم الغامضة والملغزة إلى حد كبير، تستهدف المجرمين والجناة. حيث يتم قتلهم أو تعذيبهم بعد أن يقوموا بجريمتهم، إن كانت قتلًا أو اغتصابًا. ولكن الجانب الآخر من تلك القضايا هم الناجون، كما في تلك القضية. إن اشتركت مجموعة في فعل جريمة محددة، يُقتل فاعلها ولا يُقتل الباقون، ليصبحوا شهداء على رؤية ذلك الرجل البنفسجي العملاق الذي هددهم وحذرهم قبل القيام بالانتقام بيوم أو يومين. ويظهر للسارقين أو المختطفين أو أي ممن يرتكبون تلك الجرائم البسيطة لكي يهددهم ويأمرهم باسترجاع ما أخذوه. وإن ماطلوا في الأمر، يتم معاقبتهم من قبله دون قتل. شوهد هذا الكائن بأعين ألاف الاشخاص طيلة تلك الخمسة أشهر من سارقين ومختطفين وجناة، وبالطبع المغتصبون والقاتلون لا شهادة لهم، فهم من يقتلهم هذا الكائن. ولكن تنبأت الشرطة أنهم قد يرونه أيضًا قبل قتلهم. ينتهي عصام من تحقيقه في تلك القضية ليعود إلى عالمه الرمادي بين ألوان الحياة المتضاربة. يسير في الشوارع التي تضج بالحياة بخطوات متريثة. كان كالظل، منفصلًا عن كل هذا الصخب، كلوحة مرسومة بالرماد وسط ألوان زاهية. وجهه شاحب، عيناه غائرتان ككهفين مظلمين يختبئ فيهما شتاء طويل، تظهر برودته في عينيه الزرقاوين اللتين تضيئان ظلمة عينيه. لقد تغيرت عيناه حقًا عما كانتا عليه قبل خمسة أشهر، فقد اقتلع عصام عباءة الكبرياء والخيلاء اللتين كانتا تشعلان عينيه بالظلم والطغيان. ملامحه متجهمة، كما لو أن ثقل ذنوبه وآلام وحدته قد استقرت على منكبيه المنحنيين. يمشي بخطى بطيئة والحياة من حوله تجري مسرعة؛ أطفال يركضون من مدارسهم متحمسين للعودة إلى منازلهم حيث العائلة والدفء الذي يفتقده، وحقائبهم تتأرجح على ظهورهم، وموظفون يهرولون خلف دقائقهم الضائعة بعد انتهاء عملهم ليلحقوا بشراء غدائهم، بينما عجائز كادحون يجلسون على الأرصفة يراقبون المشهد بنظرات منهكة. أما هو، فكان كمن يسير داخل فقاعة شفافة، تُعزله عن الضجيج وعن صخب الحياة المبلبلة من حوله. كلما اصطدم به أحد المارة، تمايل قليلًا كشجرة هشة تحت رياح عابرة رغم طوله الشاهق، ولا يلتفت ولا يتكلم. يداه كانتا مدسوسَتين بداخل جيوب بنطاله، وفي عينيه شرود دائم؛ نظراته تتنقل بين الوجوه دون تركيز، كأنها تبحث عن شيء ما، شيء لم يعد موجودًا، كوجه علا، أو مصطفى، أو سليم، أو هاجر، أو... نوح. فاشتياقه الشديد لهم لم يجعله يجرؤ على الظهور أمامهم البتة. أثناء سيره مرّ بجانب مقهى مكتظ بالرجال، تطايرت إلى أنفه رائحة القهوة الطازجة ورائحة دخان أرجيلة التفاح المألوفة، ولكن ليس هذا ما استوقفه عند ذلك المقهى. «بفضل الله، حررنا كل القرى المصرية الريفية من احتلال الميليشيات، وحررنا ٨٠٪ من المحافظات التي قاموا باحتلالها مثل الفيوم وأسيوط والمنيا وبني سويف. وما زالوا متشبثين بسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، ولكننا مستمرون في ردعهم بإذن الله، ومستمرون في انتصاراتنا بفضل الله. وقريبًا سيتم تحرير مصر من هؤلاء الكفار.» استوقف عصام صوت أخيه مصطفى الصادر من تلفاز ذلك المقهى. سمعه عصام من بين ضجيج الحياة وأصوات الناس المتزاحمة. التقط عصام صوته الثابت المهيب من بين آلاف الأصوات الصاخبة، التقطه بسهولة كالذي يلتقط زهرة زاهية اللون من بين حشائش باهتة. توقف عصام عند مدخل المقهى وهو يتأمل أخيه بابتسامة فخر عريضة على شفتيه، وعيناه ضاحكتان تفيضان بالحبور وهو يستمع له. كان قد تغيّر مصطفى أيضًا من تلك الحرب؛ حيث طال شعره إلى أن وصل منكبيه، ولحيته كما هي طويلة. يظهر على عينيه الشقاء المختلط بالعزة والمجد، وازداد جسده قوة وعضلات. «نحمد الله عز وجل على نصرنا المستمر طيلة الخمسة أشهر. بعد كل انتصار وفتح لكل محافظة وقرية، ينضم مئات وآلاف الشباب ليجاهدوا بأرواحهم حتى وصل عددنا إلى عشرة آلاف مجاهد، ولله الحمد والمنّة. ولكني أناشد أهالي مصر: الرجال الذين فضلوا ألا يجاهدوا بأرواحهم، الرجال المستضعفين، النساء، الشيوخ، والأطفال، أناشدهم كأخٍ لهم أو ابن، ألا يعيروا أي اهتمام لدجال هذا الزمان نور الديب. أناشدهم أن يجاهدوا بمالهم وأن يتوقفوا عن شراء كتبه المليئة بالكفر. فبعد أن نشر كتاب النكات المدعو (مصحف نوري) والعياذ بالله، وباع ما يقارب مليوني نسخة في الدول العربية، قام بنشر ثلاثة كتب: كتاب يحكي عن تجربته مع الوحي أو ما شابه، وكتاب لتفسير مصحفه الترهة، وكتاب مليء بمواقف حياتية على هيئة رواية. أرجو منكم أن تعودوا لله عز وجل وتتوبوا إليه. فبمجرد أن تلتفوا لذلك الديب الملعون تهوون للكفر وتلقون على وجوهكم من عظمته. وإن لم يُخفكم أمر الكفر، فاعلموا أن نور الديب يساعد الميليشيات منذ أن دخل مصر قبل سبعة أشهر. ومالكم الذي تدفعونه لتلك الكتب الخردة يذهب للأسلحة التي تقتل بني جنسكم وإخوتكم المسلمين. توقفوا عن شراء كتبه، توقفوا عن حضور متاحفه ودفع المال فيها، توقفوا عن حضور مواليده ودفع المال فيها، توقفوا عن حضور مؤتمراته ودفع المال فيها. كل هذا المال يذهب للميليشيات وأسلحتهم.» _وبعدين بقى في أبو مريم دا! كل ما نحبه يزعلنا منه كده، كل ما يجيب سيرة مولانا بالشكل ده! استغفر الله. قال أحد الرجال الجالسين هذا لصديقه، ليجيب صديقه: _يا عم سيبه، المهم إنه بيعمل اللي عليه وبيهزم الميليشيات. هو مفكر لما يبقى بطل محارب مغوار كده الناس هتصدقه في الفتنة اللي بيعملها والكذب اللي بيقوله عن مولانا. خلينا في حالنا، أهم حاجة إننا ما بنتأثرش بكلامه. كان عصام ينظر للمتحدثين بجانبه بنظرات مستاءة، بعدها رفع بصره إلى الصورة المعلقة في جدار المقهى. نعم، كانت صورة لنور الديب. أصبح نور الديب مقدسًا إلى حد مرعب. صوره في كل مكان في مصر، تماثيله لا تُعد ولا تُحصى في ميادين مصر. له أعياد خاصة يتم فيها عبادته بالمعنى الحرفي، حيث يذهبون لتماثيله ويدعون به ليظهر من التمثال ما تمنوه في الحال بحكم قدرة نور المزيفة. خرج عصام من المقهى ليعود إلى شروده، وقبل أن يسير، استوقفه أحدهم قائلًا: _أنت عصام شرف؟؟!! توقف عصام فور أن سمع أحدهم يسأله هذا السؤال بنبرة مستشيطة. يعلم عصام بعدها ما سيحدث له. التفت عصام للقائل ليجد القائل رجلًا ممسكًا بكرسي خشبي. نظر عصام للكرسي ببرود واعتياد، وهو يعلم أين سيكون مكان هذا الكرسي تحديدًا. _أيوة أنا. _أنت استقلت صح؟ _أيوة. في رأسه... مكان هذا الكرسي أصبح في رأسه بعدما ضربه الرجل به بقوة وسخط عارم لدرجة كسره لعشرات القطع، والرجل ينهال عليه بالشتائم القذرة. _طليقتي اللي كانت حياتنا حلوة سوا خانتني معاك يا ***** يا ابن الـ *****. تجمع الرجال حول الرجل ليمنعوه ويحاولوا تهدئته، وعصام ينظر للرجل بعينين مقهورتين نادمتين ولا ينبس ببنت شفة. _حياتي اتدمرت بسببك! خانتني معاك يا وسخ. كنت بحبها وبعملها كل اللي هي عايزاه وشايلها فوق دماغي، وفي الآخر خانتني معاك! ضيعتني وضيعت العيال معاها، كل بسببك يا ***** يا ابن الـ *****. وعامل فيها تايب! والله العظيم ما هسامحك. أقسم بربي ما هسامحك ليوم الدين وهستناك تتشوي في نار جهنم على الجحيم اللي عيشتني فيه!!!! كان الرجل يحاول التخلص من الرجال حوله الذين يمنعونه، يريد أن يفتك بعصام بأي وسيلة. وكل ما فعله عصام أنه التفت مبتعدًا عنه بخطوات سريعة لكي لا يزداد احتدام هذا الرجل إلى حد قتله. بدا على عصام الاعتياد والبرود تجاه ما حدث معه للتو، لأنها لم تكن المرة الأولى. فاستقالته كانت الضوء الأخضر لرجال الشعب ليبدأوا الانتقام منه ومن خيانة زوجاتهم معه وتدمير مستقبل عائلاتهم. أصبح الأمر اعتياديًا شبه يومي؛ أن يسمع الشتائم تأتي إليه كحمام زاجل يتهافت عليه هنا وهناك. وإن كان الرجل جريئًا بما فيه الكفاية، يأتي بأي أداة لضرب عصام، فهو لم يقدر على ضربه بدونها نظرًا لطوله. وكان عصام يواجه كل هذا بصمت دون اعتراض؛ فهو يوقن أنه يستحق كل هذا. وحتى الآن، هو متفاجئ من عدم محاولة أحد الرجال في قتله بعد.                           *********** _يعني أنا كنت عايش معاكي الخمس شهور دول بشكل طبيعي عادي؟ _أيوة والله يا عمر، في إيه بقى؟ متخوفنيش. حالة الحيرة المفزعة التي يعيشها عمر حاليًا كانت لا توصف، فقد أيقن من حديث شيماء أنه قد مر خمسة أشهر من عمره في طرفة عين. كيف يمر يوم في عقله ويعيشه الناس خمسة أشهر؟ إنه لأمر جنوني! ماذا فعل أدهم به وبعقله وكيف؟ أسئلة كثيرة تتصارع وتتنازع في عقله. تقسم شيماء له أنه كان يعيش معها طيلة تلك الشهور بشكل طبيعي دون إظهار أي ريبة من سلوكه وتصرفاته. أما هو فلا يتذكر أي شيء. لم يكن بالأمر الهيّن أن ينسى المرء خمسة أشهر من عمره. لم يطق عمر البلبلة الكثيفة في عقله أكثر، ونهض ودخل لغرفته بسرعة ملتقطًا هاتفه واتصل بنوح: _أيوة يا نوح، ع... عامل إيه؟ _أنا تمام يا حبيبي، خير؟ صوتك ماله مخضوض كده _أنا لازم أتكلّم معاك ضروري، لازم أشوفك، أشوفك فين؟ _تعالى بيتي في أي وقت إنت تحبه، ولا يهمك. _ماشي، هجيلك دلوقتي، يلا سلام. ألقى عمر بالهاتف على السرير وبدأ ينزع ملابسه، وفور أن خلع قميصه وتعرّى جذعه نظر للمرآة واستوقفته تلك الندبة العمودية القاسية في بطنه. تحجّر جسد عمر وهو يحدق لتلك الندبة ولمسها بأطراف أنامله للتأكد من وجودها. لقد كانت موجودة حقًا، يعني مقابلة أدهم كانت حقيقية بالفعل. ابتلع ريقه معها يبتلع اضطراب مشاعره الشديد ثم نادى على زوجته: _شيماء، شيماء تعالي بسرعة. أتت شيماء إليه مسرعة، فَرأتهُ يُرِيها تلك الندبة وهو يقول: _هي إيه دي؟ قالت شيماء بنبرة رؤوفة مشفقة على ما حدث له: _دي إصابة حصلتلك لما كنت في عيادتك. عاد وسألها مجددًا وهو منفعل ووجهه قاطب: _مين عملها فيا؟ وليه؟ وحصل إيه بعدها؟ اتكلمي يا شيماء! انتفضت شيماء وامتعضت من اندفاع غضبه فيها وأجابت: _معرفش يا عمر، حد اتصل عليا بموبايلك وهو بيقولي إنك في المستشفى. الدكاترة لحقوك الحمد لله، ولما صحيت وسألناك مين عمل فيك كده يا إما بتقول معرفش يا إما مبتردش! سكت عمر ولاحظ من ملامحها امتعاضها من رد فعله فقام بإستنشاف نفس عميق ليبرد على رئتيه الملتهبتين وتهدئة أعصابه ثم قال بنبرة لينة هادئة: _أنا آسف يا حبيبتي، أ... أنا بس مش عارف إيه اللي حصل ومش فاكر حاجة، الموضوع مخليني مخضوض وتعبات. نظرت إليه وقد اختفى امتعاضها، وسيطر عليه شفقتها على حبيبها وهي تقول بنبرة جادة تلقائية: _الموضوع غريب اوي يا عمر، مش يمكن اتعملك سحر؟ أو اتعديت من المرضى بتوعك؟ ما قالته شيماء جعل شفتاه تتمدد بشكل لا إرادي مبتسمًا ثم بدأ في الضحك البسيط وهو يقول: _اتعديت إيه يا حبيبتي؟ المرض النفسي مابيعاديش. والله خلتيني أضحك وأنا مهموم. ابتسمت شيماء وهي تقول: _أيوة كده، اضحك، متضايقش نفسك تاني أرجوك.                             ********** يقف سليم، معيد الكلية، أمام الطلاب الجامعيين ويدرس لطلاب الفرقة الرابعة المحاضرة الأخيرة في اليوم. كانت غادة من بين الطلاب، منغمسة في الشرود والعبوس طيلة المحاضرة. انتهى سليم من المحاضرة بقوله: _امتحان العملي لآخر السنة خلاص، فاضل أسبوع، أكيد عارفين. ياريت تذاكروا كويس عشان هيبقى عندكم عشر عينات، وهتقفوا تركزوا في كل واحدة فيهم لمدة تلاتين ثانية، وتكتبوا ملاحظاتكم عنها وعن مكونات العينة والتفاعل اللي حصل فيها. آه، متبصوليش كده! كل ده في تلاتين ثانية بس لكل عينة. عشان كده ذاكروا واتدربوا واتعبوا نفسكم شوية. نظر سليم بطرف عينيه لغادة وهو يردف قائلاً: _وياريت هموم الدنيا متخليكوش تتمرقعوا وتزنقوا نفسكم بحجتها، ماشي؟ بعدها نهض الطلاب وهموا بالخروج، وكانت أولهم غادة التي خرجت من القاعة بخطوات سريعة تظهر عدم تحملها للجلوس مدة أطول، وتبعها سليم بعينيه في خروجها. كان يريد أن يلحق بها لولا وجود الطالبات من حوله الذين يسردن الأسئلة التي لا تنتهي. ومع انتهائهم، خرج سليم بخطوات سريعة غير عاجلة متجهاً إلى مكان محدد تجلس فيه غادة دائماً في ساحات الكلية. كانت غادة جالسة، عيونها متجهمة، وأعينها منهكتان من الإجهاد الدراسي والنفسي. جالسة وحدها، وحين قررت أن تشعر بالونس، أخرجت من حقيبتها ظرفًا مكتوبًا عليه: <اليوم ١٢١، زوجك المذنب دائمًا وأبدًا، نوح> رفعت الظرف ببطء إلى أنفها وهي مغمضة عينيها لتستشعر وجوده وتتخيله أمامها، وهي تستنشق بعمق الورق المشبع برائحته، تلك الرائحة التي كانت تملأ أركان المنزل يومًا ما؛ رائحة رجولته، دفء قميصه، وأثر عطره الذي لا يخطئه قلبها. وفي لحظة استنشاقها لرائحته، سكتت أصوات الطلاب الصاخبة وهدأت رياح مرورهم من حولها. كانت معه هناك، في عالم لا تسكنه سوى ذاكرتهما. _عاملة إيه يا غادة؟ كسرت تلك اللحظة بصوت سليم وهو يسلم عليها. رفعت بصرها إليه في صمت دون أن تجيبه، فجلس بجانبها وقال: _يلا عشان نروح. _دكتور نعيم؟ _مش موجود النهاردة. السيكشن بتاعي آخر حاجة النهاردة. سكتت غادة وعادت للتحديق في ظرف نوح. أخرجت الورقة بداخله، التي كان مكتوبًا فيها بخط يده، لتعود وتقرأها مجددا، فقد قرأتها مرات عدة حتى فقدت العد. راحت تتأمل الحروف التي كانت تلمسها بأناملها وكأنها تلامس وجهه الغائب منذ شهور، وشيء ما في قلبها يرتجف؛ مزيج من شوق حارق وحنين جارف وغضب ساخط يوشك أن يخنقها. _ده آخر ظرف بعتهولك؟ أومأت برأسها في أسى وهي تقول بصوت واهن: _بقاله شهر مبعتليش تاني... هو عارف أني بستناه، بس هو مُصرّ يعذبني. أراقت دمعة ساخنة على طرف الظرف، كما لو كانت تخشى أن تبتل الحروف بداخله، ثم ضمته إلى صدرها بقوة، وكأنها تحاول أن تستعيده من خلاله، أن تختصر المسافات والليالي الطويلة التي غاب فيها. كان سليم ينظر إليها بشفقة؛ فهو يشعر بلوعتها المضرمة للقلب. فقد غاب نوح عنها لمدة خمسة أشهر دون حديث أو زيارة أو حتى تبادل الرسائل، فقط يرسل لها تلك الاظرف الورقية غير منتظر منها ردًا. تمنى سليم لو كانت فريدة تستطيع إرسال رسائل ورقية أيضًا. مسحت غادة دمعتها وهي تقول بنبرة يظهر فيها محاولتها بث القوة فيها: _هنروح المختبر المصري؟ _أيوة، لازم أدربك كويس على العملي عشان مينفعش تقعي فيه زي ما وقعتي في الميدترم. نوح لو عرف درجاتك اللي نزلت دي هيزعل أوي بعد ما كنتي أشطر واحدة في الكلية. قالت غادة بإستياء ولا مبالاة: _وهيعرف إزاي؟ دا ميعرفش حاجة عني ولا حد يقدر يوصل له لا بعنوان ولا بتليفون، أنا ماعدتش مهتمة أصلاً. قال سليم منفعلًا من شدة اهتمامه بها: _غادة، مينفعش كده!! يعني هو عشان سي نوح ده معادش جنبك توقعي نفسك كده؟! اهتمي بنفسك وبدراستك، دول أولى ليكي من أي راجل في الدنيا دي. هو إنتِ متعلمتيش الدرس من أبوكي؟ أبوكي اللي المفروض يكون أحسن من جوزك مليون مرة، سابك ومهتمش بيكي. عايزة نوح ميسبكيش يعني؟! حملقت غادة في سليم وهي ترمقه مصدومة من حديثه الجارح الذي كان كالأمواس التي تمزق لحم قلبها. وحين استوعب سليم حديثه شديد القسوة، قال لكي يوضح مقصده: _أ... أنا مش قصدي والله، متفهميش كلامي من ناحية إن إنتِ الغلط، لا، بالعكس. خدي كلامي من ناحية إن... كون أن والدك يسيبك، فتوقعي أي حد تاني يسيبك. وده مش غلط منك برضه، ده عشان... الناس كده يا غادة، وجودهم مبيبقاش دايم، فالأحسن ليكي إنك تهتمي بنفسك قبل أي حد تاني. وتزعلي على نفسك أكتر من زعلك على نوح. أنا مش هسمح إن مستواكي يقع، ومش هسيبك إلا لما تجيبي تقدير وامتياز بمرتبة الشرف كمان. ظلت غادة صامتة وهي تحدق في الفراغ، ثم عادت وقالت بنبرتها الباردة: _ملاحظة إن كلامك مفصل أوي ومليان مشاعر، وده طبيعي من واحد مراته سابته وهربت منه ليلة دخلتهم... ابتلع سليم ريقه محاولًا تقبل ردها لاهانته لها، ثم قال: _ماشي يا ستي، واحد واحد. يلا نقوم بقى نشوف شغلنا؟                             ********** وصل عمر إلى منطقة مسكن نوح ووقف بسيارته أمام بنايته. خرج من السيارة بسرعة، ولكن استوقفه متجر المشروبات الخاص بجابر، جار نوح، الذي باع ابنته فرح وماتت بصحبة نوح حين كانا في روسيا إثر طلق ناري من موظفين ذلك المبنى الخاص بروسيا. كان المتجر مفتوحًا بعد مدة طويلة من إغلاقه. هل أعاد جابر حقًا؟ لا يعلم لماذا، ولكن انتابته رغبة غريبة في الذهاب والتأكد من وجوده. اتجه عمر إلى المتجر ودخل، فوجد بالفعل العم جابر. _ع... عم جابر، إزي حضرتك؟ التفت جابر لعمر وقال بابتسامة عريضة تظهر رضا كبيرًا ولمعان انشراح في عينيه: _دكتور عمر؟ أنا الحمد لله تمام يا بني، وإنتَ أخبارك إيه؟ والله، رغم إني مبشوفكش كتير، إلا أن سيرتك على لسان نوح مكانتش بتخليني أنساك خالص. لاحظ عمر حبور وجه جابر العجيب، هل تخطى موت ابنته؟ أم أن تلك نوع من أنواع الصدمة التي لا تظهر على صاحبها ألم الفقد؟ _بابا، هو البن البرازيلي فين؟ صوت فتاة شابة، صدر من خلفه، وقبل أن يلتفت عمر ليراها، أجابها جابر. _هتلاقيه هناك يا فرح في الدولاب اللي على يمينك ده. فرح؟ أسرع عمر في حركة التفاته ليعلم من هي فرح بالضبط، ليراها تأتي إليه وهي مبتسمة. إنها فرح حقًا، ابنته. إنها فرح التي تركت جثتها تتجمد بين ثلوج روسيا. _دكتور عمر، إزي حضرتك؟ أتت إليه فرح وهي تمد يدها له لتسلم عليه، ولكن صدمة عمر العظيمة المكبوحة جعلته في حالة شلل وهو يحملق فيها، شاخصًا ببصره إليها، يحاول تفسير ما يراه أمامه، ولكن عقله عاجز عن إرسال أي إشارات لأعضاء جسده أو لنفسه حتى للتفكير. حين لاحظ جابر حالة عمر تلك، قال لابنته: _روحي إنتِ يا حبيبتي دلوقتي. أومأت فرح برأسها، وفور التفاتها، رأى عمر الإجابة على كل أسئلته، والتي لم تكن سوى زيادة من بلبلة عقله. فمن ذلك الخط الارجواني المنير في مؤخرة عنقها، الذي ينساب نوره بين شعيراتها، علم عمر أنها إنسان آلي. شعر عمر أنه طفح به الكيل، واستأذن جابر وخرج بسرعة دون التفكير في أي شيء مما رآه، وصعد مباشرة إلى منزل نوح. وصل لباب الشقة، وكبس الجرس، وبعد انتظار برهة، فتحت له هاجر. ابتسم عمر لها ابتسامة باهتة وهو يسلم عليها. _إزيك يا هاجر؟ عاملة إيه؟ قالت هاجر، وبدا على نظراتها حيرة خفيفة من وجوده. _الحمد لله، اتفضل. _أنا بس جيت عشان أشوف نوح. قالت هاجر وهي تتسائل بتهكم: _تشوف نوح؟! تعجب عمر من نبرتها ونظراتها، ليقول: _هو مش هنا ولا إيه؟ ظلت هاجر تحدق فيه باستغراب وضجر وبرود، وبعد صمت طال منها، سألته بنبرة التهكم ذاتها: _بقولك يا دكتور، هو الزهايمر معدي؟ شعر عمر أنه في المكان الخاطئ رغم أن هذا منزل نوح حرفيًا، شعر أن هناك أمرًا كبيرًا حدث في تلك الأشهر التي نسيها، ليقول لها: _هو... أنا في المكان الغلط صح؟ أومأت هاجر برأسها بحركة قوية للتأكيد، ليسألها وهو منهك من شدة الاضطرابات التي ترتطم بعقله منذ صحوته: _طب.. اعتبري أني جالي زهايمر ماشي؟ وقوليلي هو فين. _محدش يعرف هو فين، جاله يوم من خمس شهور وقرر يختفي فجأة، لا بيزورنا، ولا بيكلمنا، ولا أي حاجة، يا دوبك شوية الجوابات اللي غادة بتصحى تلاقيهم تحت مخدتها منه، غير كده محدش يعرف له مكان. كان حديث هاجر عجيبًا حقًا ومربكًا. ظل واقفًا يفكر مع من تكلم في الهاتف منذ قليل؟ ولماذا اختفى عنهم بهذا الشكل الجاف؟ كانت الأسئلة تركض في رأسه وتتلاطم ببعضها كالامواج الهائجة، يبدو أن الكثير قد حدث بالفعل طيلة الخمسة أشهر تلك. _دكتور عمر!!! انتزع صوت مريم من قعر تفكيره وحيرته، وحين رآها تخرج إليه بتلهف انتفض مبتعدًا عنها وهو يقول: _طب أنا ماشي بقى عشان مستعجل، يلا سلام. نزل من على الدرج بخطوات سريعة وخرج متجهًا لسيارته وركبها وأخرج هاتفه. نظر لرقم نوح ليكتشف أنه رقم جديد بالفعل. ولكن لماذا قالت هاجر إنه لم يتواصل معهم أبدًا؟ سرعان ما اتصل عمر عليه وهو يقود السيارة. _أيوة يا عمر. سأله عمر بنبرة مندفعة غاضبة: _إنت فين يا نوح؟؟!! _نعم؟؟ قال عمر وصوته يعلو من شدة تبرمه: _أيوة يا عم، أنا جالي زهايمر، قولي بقى إنت فين والعنوان بالضبط عشان أنا على آخري. أجابه نوح بصوت بارد وثابت: _يا بني، بيتي اللي في الكوربة عند نادي الغابة، هبعتلك اللوكيشن بالظبط والعمارة اهدى بس. رد عمر محتدمًا من بلوغ حيرته لعنان السماء: _طب إنت مش معرف هاجر ولا مراتك ليه؟! اختفيت ليه ومش مديهم رقمك ليه؟؟ سأله نوح مصدومًا وقد تغيرت نبرته وبدا عليها الغضب: _إنت روحتلهم؟؟!! قولتلهم على مكاني؟؟!! _يا عم، ماقولتش حاجة، هو أنا أعرف مكانك أصلاً؟! هقولهم إزاي وأنا معرفوش؟ إنت قولت تعالى لبيتي، رحت لبيتك واتصدمت لما هاجر قالتبي إن بقالك خمس شهور مختفي، ليه يعني تعمل كده مش فاهم؟ سكت نوح لمدة طويلة، حتى شك عمر أنه قد سمعه. _ألو؟ _أيوة يا عمر سامعك. _مبتردش ليه طيب؟ صمت نوح برهة رغم أن وجهه لا يظهر، ولكن صمته يحمل ترددًا شديدًا مما يقوله عمر. _عمر، أنا قولتلك كل حاجة، أنا عرفتك مكان بيتي ورقمي، وقولتلك إن إنت الوحيد اللي هتكون عارفهم وحافظت على سري، قولتلك أنا اختفيت عنهم ليه وبعمل إيه ورا اختفائي ده، المفروض تكون عارف كل حاجة يا عمر، حصلك إيه؟ عمر... إنت كويس؟ أتى دور الصمت التام لعمر واستمع لما قاله نوح في صمت، ورده كان الصمت أيضًا من شدة صدمته، وسأل مجددًا لعل نوح لا يفقه ما يقوله: _إنت متأكد يا نوح؟ أنا كنت بجيلك؟ _كنت بتجيلي دايمًا يا عمر، وبنتكلم دايمًا، وعارف كل حاجة بعملها وحافظت على سري طول الشهور دي... إيه اللي حصل خلاك تنسى كل ده؟ إنه لأمر مفجع أن يتم بتر فترة زمنية كبيرة في عقل الإنسان بهذا الشكل، وما يزيد من تلك الفاجعة أنها لم تبتر وعمر راقد في سريره، بل كان يعيش ويتعامل كما لو كان شخص آخر استحوذ على جسده وعاش بدلاً عنه. أدرك عمر هنا أنه لن يعرف كيف سيستعيد خيوط الوقت المفقود، ولا أين يبدأ البحث عن إجابات. الشعور بالفقد كان أعمق من مجرد أشهر ضائعة؛ كان كأن جزءًا من روحه تُرك معلقًا في تلك الهوة الزمنية السوداء. هل كان غائبًا عن العالم أم أن العالم هو من غاب عنه؟ شعر بغربة طاغية، كأن العالم كله أدار ظهره له ومضى. خمسة أشهر من حياته قد سُلبت، وبقي هو الآن مجرد ظل لرجلٍ كان هنا ذات يوم.                            ********** إن الحرب في أسيوط كانت من أشرس الحروب التي واجهتها المقاومة المصرية، فكلما يقتربون من صعيد مصر كلما يزداد بطشهم ووحشيتهم، فقد بلغ عدد الشهداء في أسيوط فقط من ضحايا المجازر المرتكبة من قبل الميلشيات عشرين ألف شهيد، كان زهق الأرواح سهلًا وسريعًا وعنيفًا على عكس ما كان من قبل، بجانب اغتصاب النساء والأطفال وتدمير المباني بأسلحتهم العجيبة وإعدام العجائز وتعذيب الرجال. فمنذ أن أمسك نور الديب زمام الأمور أصبحت تحركات الميلشيات أكثر دموية. ولكن بقدوم جيش ذَوْد قُلبت الموازين، كان الجندي الواحد منهم كالحيدرة الذي يفتك بضبع رعديد في ثوانٍ واحتراف، فكل منهم كان يحمل ضغينة عظيمة تضمرها نيران غيرته على دينه وأهله الملتهبة. تدريباتهم العسكرية الشاقة وزرع العزيمة الدينية والنية الخالصة لله كانت تشحن قوتهم وتزودهم بالثقة والمعونة النفسية العظيمة. من شراسة تلك الحرب استمرت شهرًا حتى هُزموا هذا اليوم أخيرًا، وما تبقى من جنودهم فرّوا هاربين إلى سوهاج وتم تحرير محافظة أسيوط بجانب محافظات أخرى بفضل الله من قبل جيش ذَوْد. فرقة ذَوْد، أو جيش المقاومة المصرية ذَوْد التي يرأسها القائد الأعلى لها مصطفى عبد الباقي، ومن تحته ثلاثة من القادة هم ياسر صلاح الدين، إسماعيل عكرمة، وجمال عبدالحق، كان مصطفى قائد العشرة آلاف جندي كلهم، ولكن كل من ياسر وإسماعيل وجمال متخصصون في كل جزء، وكل ثلاثة آلاف من الجنود يقودهم كل منهم بشكل مفصل ومدقق، ومصطفى هو من يشرف عليهم. في هذا الصباح، صباح تحرير أسيوط، انقشعت غيوم الحرب الثقيلة عن سماء أسيوط، وتسلل ضوء الشمس ليغمر المدينة المكلومة، كأنه يُزيل عن وجهها غبار القهر ويغسل شوارعها بضياء النصر. على امتداد الشوارع الرئيسية، تخرج عشرات من سيارات ذَوْد العسكرية حاملين جنودهم ومصابيهم، عجلاتها تُقبل الأرض التي فُديت بالدماء والدموع بخطى ثابتة. مرسوم على وجوه الجنود ابتسامات ممتزجة بالفخر والإرهاق، وأعينهم المنهكة تلمع ببريق النصر. كان قد خطط مصطفى أن يذهبوا دون علم المواطنين، ولكن فور أن علموا تجمع الآلاف من الحشود خلف سيارات ذود وعلى جانبي الطرقات وهم يهتفون لهم، وكل مظاهر البهجة التي تتزاحم في وجوههم وسلوكهم. النساء يطلقن زغاريد جهورية مجلجلة طويلة، ترددت أصداؤها بين الأبنية المتعبة، وترقرقت العيون بدموع تبرق وجوههم تحت أشعة الشمس، دموع نصر وحبور صافية تنسدل بغزارة فوق وجوه غمرها الأمل. يهرع الأطفال حول السيارات ويلوحون لجنود ذود، وأقدامهم الراكضة تُحدث ضجيجًا طفوليًا بريئًا كأنهم يسابقون الزمن ليعانقوا الحرية، وجنود ذود يبادلونهم التلويح بالأيدي في تواضع ولطف بنظرات السرور والابتسامات المنشرحة. أيدي الرجال الهاتفين باسم مصطفى المرفوعة في السماء كانت مرتجفة من البهجة، ويلامسون بها نسيم الرياح العليل الذي يزيح عن أرواحهم عبء الأيام السوداء. كان المشهد أشبه بلوحة مرسومة بألوان الحياة؛ الحشود اصطفّت على جانبي الطريق، رجال ونساء، شيوخ وأطفال، كلهم يهتفون بصوت واحد، كأنها هتافات تخرج من حنجرة واحدة باسم مصطفى وذود ودموع الحبور على وجوههم محمّلة بذكريات الألم ورائحة الشهداء الذين لم يُكتب لهم أن يروا هذا اليوم. بينما كان مصطفى في السيارة الأولى في المقدمة، سمع هتافات الشعب بإسمه فطلب من الجندي القائد أن يقف بالسيارة، وفور أن توقف، توقفت خلفه عشرات السيارات لتسنح للأطفال الفرصة للقفز عندهم ليستقبلهم الجنود بسعادة ويحملونهم ويداعبونهم. أمسك مصطفى مكبر الصوت التابع لسيارته وبدأ يحدث الناس بنبرة جهورية مهيبة، المنبعث منها الثقة، وغلغلت في قلوب السامعين رهبة عظيمة. _الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا، الذي وفقنا بالتقدم إلى النصر، وأذن لنا بالجهاد، لولا توفيقه عز وجل لما كنا هنا، الله من نصرنا، الله من وفقنا، الله من ابتلانا، الله من عوضنا بالنصر، الله من قدر لنا ودب في نفوسنا القوة والعزيمة لمواجهة الكفار، لذا... لا تهتفوا باسمي أو باسم جيشي، فقط اهتفوا باسم الله، كبروا، هللوا، سبحوا، أحمدوا الله، لا تهتفوا باسمي فأنا لولا توفيق الله لكنت هالكًا، الله هو الواحد الأحد الصمد، كبروا واهتفوا بأسمائه فهو الجبار الذي جبر قلوبكم جميعًا، تكبير. ^^الله أكبر^^ _تكبير. ^^الله أكبر^^ ^^الله أكبر^^ ^^الله أكبر^^ ترددت التكبيرات من أفواه الناس المنصورين التي كانت تخلخل الأرض والسماء من شدة عظمتها. بعدها، أشار مصطفى للجندي السائق أن يكمل طريقه ليعيد الجنود الأطفال، ويكملوا سيرهم لاحقين بسيارة مصطفى. أثبت مصطفى طيلة الخمسة أشهر أنه قد يكون أعظم قائد لفرقة من المقاومين في هذا الزمان، ثبت الجنان، جواد، كلما يلاحظ عوجًا فيهم يؤدبهم ويوعظهم. كان حديثه كله حق، يسرد لهم عن جهاد الصحابة وقوتهم ليحفزهم أكثر على الجهاد، يحكي لهم عن تقواهم وإيمانهم بالله ليقوي إيمانهم. لاحظ مصطفى حقًا أن معظم الرجال إيمانهم ضعيف، شهواتهم مبالغ فيها، ويكثر بينهم القيل والقال، التقي فيهم غير موجود، وعقيدتهم مترددة وهشة، أخلاقهم قبيحة، كثيرون السب والقذف. لذلك لم يستخدمهم مصطفى للجهاد فقط، بل استغل ذلك في تعليمهم أصول الدين والعقيدة والشرع والأخلاق امتثالًا بهدي النبي ﷺ. وبعد انتهائهم من تلك المعركة قرروا العودة إلى الوادي الجديد حيث مقر معسكراتهم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة