نبراس المستضعفين ١

نبراس المستضعفين ١

41 0

٩٩ بعد شهرين من الأحداث الأخيرة، بالقرب من منتصف الليل... استفاق نوح من غفوته على صوت باب الشرفة يُفتح ببطء في الصالة، يلاه وقع خطواتٍ هادئة تتسلّل مقتربة من غرفته، ثم صوت مقبض الباب يُدار، والباب يُفتح. حاول نوح أن يجاهد النعاس المتشبّث بجفنيه، فانتزعهما من ثقلهما ليرى مشهدًا أفزعه، فانفجرت عيناه اتساعًا حين لمح أدهم يدخل الغرفة. وقع جسد نوح في قبضة شلل نومٍ مرير وتسمرت أطرافه في مكانها في تلك اللحظة... أدهم يتقدم، ونوح يتوق للنهوض والانقضاض عليه، لكنه عاجز. لوهلة، اعتقد نوح أنه قد أصيب بشللٍ كاملٍ هذه المرة، إلا أنه لم يفكر في نفسه بقدر ما هاجت روحه قلقًا على غادة... كانت ترقد بجواره، وأدهم يقترب منها بخطى واثقة. مد يده نحوها، وجعل يتحسس خصلات شعرها بنعومةٍ باردةٍ أثارت الفزع في قلب نوح، الذي اشتدت دقاته على نحوٍ محموم... أما أدهم، فقد رمق نوح بنظرة جامدة، توجها بابتسامةٍ خفيفة ساخرة كانت تملأها اللامبالاة والتهديد. ثم ابتعد أدهم عن غادة، واتجه صوب نوح، وجثا قليلاً حتى صار قريبًا منه، بعدها أمسك بكفّه المرتجف، ووضع فيها ورقة صغيرة، ثم ضغط أصابعه ليُغلقها عليها كأنه يختم رسالةً لا تقبل التأجيل. ومن دون أن ينبس بكلمة، استدار بخفةٍ متناهية، وغادر الغرفة في هدوء مريب، مغلقًا الباب خلفه بإحكام. وما إن دوّى صوت انغلاق الباب، حتى عاد الإحساس إلى جسد نوح دفعةً واحدة، فانتفض جالسًا وهو يشهق شهقة حادة وأنفاسه تتلاحق كعدّاءٍ أنهكه الركض، حتى سمعت غادة صوت شهقته، ففتحت عينيها المتعبتين والتفتت إليه في وضعية نومها، وقالت بصوتٍ واهنٍ مغلف بالقلق، وقد أنهكها النعاس: _نوح... مالك يا حبيبي؟ حلمت بكابوس؟ ظل نوح يلهث، وصدره يعلو ويهبط كبحرٍ مضطرب، ثم تمكّن من النطق: _ارجعي نامي يا حبيبتي... مفيش حاجة. كان كابوس، آه... أغمضت غادة عينيها من جديد وعادت إلى نومها، بينما اعتدل نوح في جلسته، وأمسك بعكازه متكئًا عليه ويتحامل على قدمه اليمنى، وجرّ خلفها قدمه اليسرى التي أصبحت ترافقه في رحلته كسيرة لا تستفيق. خرج من الغرفة بخطًى متثاقلة، عيناه تجولان في أرجاء البيت، يبحثان عن أثرٍ لوالده، حتى أيقن أنه غير موجود. وحين خلت الساحة من الأعين، فتح الورقة التي تركها أدهم في كفّه، فإذا بها تحمل اسم دار أيتام، تليه عنوان مفصّل، وتحت ذلك بخطٍ واضح: "حبيبة" اسم فتاة واحدة، لكنّه حمل ما يكفي ليقلب أعماقه في حيرة شديدة. ********** لم يكن انتصار ذود وتحرير مصر من قبضة الميليشيات، ولا تحرير سجناء دارين، خاتمة الحكاية، بل كان فاتحةً لعصرٍ جديد من التحرر، ونمطٍ مختلف من النجاة. وكانت أولى خطوات هذا الطريق انتخابات رئاسية ٢٠٤٣، انتخابات أُعلنت نتائجها بعد شهرين من إعلان النصر. ولكن قبل مرور الشهرين، كانت البلاد غارقة في حالٍ من التشتت والضيق، وكأن الأرض لم تهنأ بعد بزوال الطغيان. مصطفى، الذي قاد جحافل ذود إلى النصر، قُبع في السجن بعد إدانته بمجازر سانكتوريا. أما نوح، فقد أُصيب بالشلل إثر تفاقم التهاب دماغه، نتيجة استخدامه المُكثّف لقوته الخارقة، والصدمات النفسية العنيفة التي تلقاها، لا سيّما من عمر، وسر نور. أما سجناء دارين الذين سُمح لهم بدخول مصر من ضمن الخمسمئة الف هم خمسين ألفًا. ذلك السجن الملعون الذي غرق في صمتٍ دوليّ مريب، وتورط في أبوابه الموصدة حكومات، ومنظمات، وأجهزة ما اعتادت قطّ أن تخضع للمساءلة أو الحساب. غير أن المأساة لم تُولد داخل جدران دارين، بل بدأت في البيوت التي أنجبت أولئك الضحايا. كان منهم من بدت على روحه علامات صدمةٍ لا تُخفى، ومنهم عشرون ألفًا ترجمت الصدمة في هيئة انتقام ملتهب، عشرون ألفًا ممن زُجّوا في السجن مُرغمين، بعد أن باعهم ذووهم كما تُباع الأمتعة الزائدة، أو الماشية الهزيلة... باعهم الأب، وباعتهم الأم، والأخ، والوصي، طمعًا في مالٍ زائل، أو ازدهارٍ دنيوي، أو حتى للتخلص من عبءٍ بشري أثقل الضمير وأرهق الذاكرة. عاد أولئك المبيعون، لا كما خرجوا، بل كما لو أُعيدت صياغة أرواحهم في أفران دارين. عادوا وأعينهم ترشح رمادًا، وصدورهم تنوء برماحٍ من الغضب، وقلوبهم تضجّ بسخطٍ لا يهدأ. وبينما كانت البلاد تتخبّط في فراغٍ سياسي خانق، وتتهيأ لانتخاباتٍ بلا رئيس، وسط شارعٍ يغلي بوعود التغيير، وقع الانفجار. ففي غضون شهرين فقط، وقعت أكثر من عشرة آلاف جريمة انتقامية بحق العائلات التي باعت أبناءها. لم تكن حوادث فردية عابرة، بل كانت منهجية، مقصودة، ودموية. وكانت ندى إحدى أولى شرارات هذا الانتقام؛ إذ ذهبت إلى بيت أهلها، بصحبة بلال، ثم أحرقت المنزل بمن فيه، وقتلت كل من طالته يدها، ثم اختفت هي وبلال بعدها دون أثر، وكان حريق ندى لذلك المنزل، هو أول بدايات موسم القصاص. في كثيرٍ من الأحيان، لم يكن القتل موجهًا لشخصٍ واحد، بل لعائلةٍ بأكملها، منازل أُحرقت بمن فيها، آباء وجِدوا مذبوحين في غرف نومهم، أمهات خُنقن بأيدي من ولدنهم، إخوة سُحِلوا في الشوارع، وجثث نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي كأنها رسائل محكمة بلغة الدم. تفاقمت الأزمة مع انتشار موجات العنف غير المسبوقة هذه التي اجتاحت مدن مصر وقراها، وقُدّر عدد القتلى في هذه المجازر العائلية بما يتجاوز ثلاثين ألفًا، في مدنٍ وقُرى متفرقة. مشاهد الجثث المتفحمة، والمنازل المنهارة، والوجوه المشوهة، تصدرت عناوين الأخبار، وأشعلت الجدل الأخلاقي في البلاد وفي العالم كله. قوات الأمن، رغم ما تملكه من عتاد وتجهيزات، وقفت عاجزة أمام هذا السلوك غير التقليدي، وأمام خصمٍ لا يمكن التنبؤ به. لم تكن المطاردات عادية، فالعائدون لم يهربوا، بل تحركوا في وضح النهار، بوجوه مكشوفة، وبكلمات ثقيلة تقال قبل ارتكاب الجريمة. ولكن القبض عليهم لم يكن كافياً، لأن أثرهم سبقهم، كانوا قد وثّقوا كل شيء، بهواتفهم، بكاميراتهم، بصوتٍ يرتجف وأعينٍ تنزف، لذلك انتشرت على منصات التواصل مقاطع مرعبة، ليس لما فيها من دم، بل لما فيها من صدق، صرخات خرجت من حناجر لا تعرف الكذب، ومن أناس ماتوا ألف مرة في دارين ثم بُعثوا ليقتصوا. ومن بدأ فكرة تصوير المقاطع هي أيضا من بدأت فكرة الانتقام، وهي ندى، حيث بعدما أحرقت منزل عائلتها وقفت أمامه وبلال يصورها بإحدى هواتف عائلتها وهي تقول بابتسامة راضية وأعين مقهورة وفي الخلفية أصوات صراخهم وتقول: _دا البيت الجديد اللي جابوه بالفلوس اللي باعوني بيها... فخليته يولع، ويولعوا هما كمان فيه... وأنا فخورة جدًا باللي عملته ومش ندمانة. بعدها انهت مقطها بإرسال قبله طائرة للكاميرا. وتستكمل المقاطع من كل من شارك في سلسلة الانتقامات، وكانت هناك مقاطع لا تُمحى من الذاكرة. واحد يقول: _اللي مريت بيه هناك مش هييجي حاجة باللي أنا عملته فيهم، عمرهم ما هيحسوا بالعذاب اللي حصلي بسببهم هناك مهما عذبتهم، بس مسيرهم هيعرفوا يعني إيه عذاب بجد... هيعرفوا لما يروحوا جهنم، بإذن الله. وآخر، والدم يقطر من يده: _أقسم بالله ما هيسيبهم من إيدي... إلا لما أطلع أحشائهم، زي ما احشائي كانت هتطلع لما كنت بتعذب هناك. وكان أكثرهم رعبًا طفلة في السادسة عشرة، تتحدث بهدوء قاتل وهي تصور نفسها وهي يسير في شارع مظلم: _أنا قتلت عيلتي... حتى أخويا الصغير اللي عنده أربع سنين... قتلته لانه يستحق دا عشان ماينفعش يعيش النعيم اللي جاله على قفايا أنا. وتتوالى المقاطع، فتاة تقول: _الحمد لله قتلت أبويا وأمي... أحمدك يارب، شكراً إنك استجبت لدعائي. وفتاة اخرى تقول: _أنا قتلت أهلي كلهم يا جماعة... ولسه، لما أروح الشارع اللي كنت ساكنة فيه، هقتل كل اللي فيه، لأنهم كانوا السبب برضو... والله ما هسيبهم. ومقطع من احد كاميرات الصحفيين لأحد الشباب حين تم القبض عليهم وهو يصرخ في الكاميرا ودموعه تبلل لحيته: _زعلانين عشان موتتهم؟ وهما موتوني ألف مرة باللي عملوه فيا!! كانت هذه المقاطع مثل قنابل صوتية تشق الضمير، وجعلت الرأي العام ينهار بين صدمة وفهم، بين ذهول وتعاطف. أما الشرطة، فكانت في دوامة، بين ملاحقة سفاحين يرون أنفسهم ضحايا، وبين قناعة خفية بأنهم ربما كانوا على حق، ولو جزئيًّا. الشارع انقسم؛ البعض رأى في ما حدث عودةً للعدالة حين خانها القانون، والبعض الآخر رأى أن الوحش خرج من قفصه ليأكل المجتمع بأسره. أما الدولة، فقد وجدت نفسها عارية، بغير رئيسٍ يقود، وبغير خطابٍ يحتوي هذا البركان. ارتفعت أصوات تطالب بمحاكمة العائدين، وأخرى تطالب بمحاكمة من باعهم، وظهرت مبادرات دينية ونفسية لمحاولة احتواء الغضب، لكنها ارتطمت بجدارٍ من الصمت والعناد والرعب. ولأول مرة في تاريخ مصر الحديث، باتت البيوت تُغلق لا خوفًا من الغريب، بل من الابن... الابن الذي يعود من الجحيم، لا ليُقبّل يد أمه، بل ليقطعها. وخلال الحملات الانتخابية، تحولت قضية "أصحاب الوشوم" كما أطلق عليهم الإعلام، إلى لعنة تطارد المرشحين الرذاسييو، تسبقهم إلى المنابر والمؤتمرات، وتتربص بخُطبهم. كلّما حاول أحدهم الحديث عن الوحدة، نُبشت المقابر، وكلما ذُكرت العدالة، خرجت صور الأمهات المذبوحات، وكلما رُسمت ملامح المستقبل، تعثر الخيال بصراخ الماضي الذي لم يُدفن. لكن وسط هذا الخراب، نهض اسم واحد بدا كأنه خارج من زمنٍ آخر؛ ياسر صلاح الدين، هذا الذي لم يكن سياسيًا تقليديًا، بل وجهًا خشنًا لطالما وُصف بالمزعج، المتمرّد، الحالم بأحلامٍ ثقيلة على الدولة... ذلك الذي كان أول من وقف، قبل أشهرٍ وأعوام، في البرلمان ليصرخ بأن بيع البشر قانون ليس إنسانيًا أبدًا، وسيجرّ على الأمة لعنةً لا قِبل لها بها، سخروا منه حينها، واتّهموه بالمبالغة، لكن الأيام ردّت لهم السخرية بدمٍ. حين انفجرت موجة الانتقام، لم يُصبه الذهول، لم يتلعثم، لم يُطالب بالتهدئة، لم يختبئ خلف لجان تقصّي الحقائق، بل خرج بكلماتٍ واضحة، صلبة، أطلقها كما لو أنه كتبها قبل أعوام ووضعها في جيبه ليومٍ كهذا. قال إن هذا هو الحصاد الطبيعي لقانونٍ مجرمٍ سمح ببيع الأحياء، وإن من ارتكبوا المجازر ليسوا وحوشًا، بل صدىً لوحشٍ أكبر أنجبهم. ما لم يعرفه الناس من قبل، أن ياسر كان قد بادر، منذ زمن، مع هدى، في صمت، ببناء ملاجئ ومراكز رعاية نفسية في أراضٍ واسعة في عدّة محافظات، تم تجهيزها لاستقبال من قد يعودون ذات يوم من الجحيم. لم يُرد الإعلان عنها، لكنه كان يستعد؛ فكان يتوقع أن يعودوا مكسورين، مضطربين، ناقمين، وربما قاتلين، ولم يكن يعدّ ذلك خيانة منهم، بل نتيجة منطقية لصفقةٍ عارٍ على الجميع. وبينما ارتبك الجميع، وبدأ بعض المرشحين يطالبون بإعدام العائدين، وآخرون بالتفاوض معهم، ظهر ياسر وحده من يملك خطة... وبدا، لأوّل مرة، أن في البلد رجلًا يفهم ما يجري، ويتحمّل مسؤوليته. بدأ الناس يرونه كمنقذٍ أكثر من كونه مرشّحًا للرئاسة. تقاطر الناخبون على مقارّه، امتلأت الميادين بصوره، وظهرت الأغاني الناطقة باسمه، لم يكن مجرد سياسي يتحدث عن الإصلاح، بل شاهدًا على الخراب، نجا منه، وحمل مفاتيح الخروج منه. وفي بلدٍ بلا رأس، لم يكن أحد يملك زمام الأمور... إلا هو. لذلك... وفي يومٍ مشهود من صيف عام ٢٠٤٣، أعلنت الهيئة العليا للانتخابات فوز ياسر صلاح الدين بمنصب رئيس الجمهورية، بعد حصوله على أغلبية ساحقة من التصويتات. ********** بعد أن مضى شهران، وأعقبهما ثلاثة أسابيع منذ تولّي ياسر رئاسة الجمهورية... عاد عصام إلى منزله وقت الظهيرة بعد صباحٍ حافل بالقضايا، ليستريح بضع ساعات قبل أن يغادر مجددًا نحو مكتبه أو قسم الشرطة في حالة إذا أحد استعان به. دخل المنزل وجلس على أريكة الصالة وهو يتنهد، ووقعت عيناه على زجاجة ماء مثلّج كانت يمنى زوجته قد أعدّتها له كعادتها قبل عودته. التقطها، وتجرع منها، ثم وضعها على عنقه المحترق بحر شمس القاهرة، فشعر بلسعة بردٍ محبّبة في جلده الساخن. وفي تلك اللحظة، فُتحت غرفة رجب، وخرجت منها ياسمين... زوجته الثانية. تقدّمت نحوه، وجلست إلى جانبه، وبعد أن تبادلا السلام، سألها: _نام؟ _آه، الدوا الجديد ده بقى بيخليه دايخ وبينيمه كتير، متأكد إنه كويس ليه؟ _آه يا حبيبتي، كويس، عشان كده هو لمدة مؤقتة بس، وهيبطله. أومأت برأسها، ثم عمّ بينهما صمت خفيف، قطعته بقولها: _ماجبتش بطيخ؟ _لا والله نسيت. قالت ياسمين مستاءة: _ليه كده يا عصام؟ رجب كان نفسه في بطيخ أوي. قال عصام بنبرة ساخرة مداعبة: _نسيت، طيب هجيب وأنا راجع بالليل، ماتقلقيش، كدة كدة هيكون لسه نايم وقتها أصلًا. ضحكت ياسمين، ثم عقّبت بنبرة جمعت بين الحزم والمزاح: _ماتتريقش عليه! ابتسم عصام، ثم سألته بعد برهة: _طلبوك عشان تمسك بأصحاب الوشوم برضه؟ _آه للأسف. _بيصعبوا عليا أوي يا عصام... أوعوا تكونوا بتضربوهم أو كده؟ _لا لا، بعد ما ياسر مسك الحكم، أصدر قرار بمعاملتهم بشكل خاص. يعني اللي مسكناهم النهاردة ودّيناهم لمؤسسة نبراس، كمان اللي اتسجنوا قبل حكم ياسر هيخرّجوهم ويودّوهم نبراس. ثم سكت لحظة، وقد تلبّدت أفكاره، وقال بتأمل: _بس... هل اللي مرّوا بيه وصدماتهم النفسية تشفعلهم قتلهم ده برضه؟ صمتت ياسمين قليلًا، ثم أجابت: _ماظنش إنهم في مكانة نحدد إذا كان يتشفعلهم أو لا.. الموضوع أكبر من استيعابنا. وما إن انتهت من حديثها، حتى خرجت يمنى من غرفتها وقد أتمّت صلاة الظهر. وحين وقع بصرها على عصام، عبست وتقدّمت نحوه. وقبل ان تسلم عليه، سألته بنبرة مشحونة: _إنت قصيت شعرك؟ نظر إليها متعجبًا، مجيبًا في حذر: _آه... _ليه؟ أنا مش قلتلك إن شكلك حلو بيه كده؟ _ياسمين قالتلي أقص... رمقته ياسمين بنظرة خاطفة جعلته يدرك زلّته، فاستدرك سريعًا: _ا... آآآ... قصدي كان بيضايق وداني والله والجو حر، فقصيته يا حبيبتي، معلش. لم تكن يمنى بغافلة عن كذبته، فحوّلت نظرها إلى ياسمين، وقالت بنبرة لا تخلو من عتاب: _شعره كان حلو يا ياسمين، ليه أقنعتيه؟ قالت ياسمين بنبرة مُلطّفة: _يا حبيبتي، شعره كيرلي، نوعه 2c، وده صعب الاهتمام بيه. بدأت يمنى تجادلها وقد اعتراها الضيق: _صعب إيه؟ ما أنا وإنتِ شعرنا كيرلي أكتر منه وبنهتم بيه. ما كنا قدرنا نهتم بشعره برضه، ولا إنتِ مش عايزة تهتمي بشعر جوزك؟ _نهتم بشعره إيه يا يمنى؟ ده طول اليوم برّه البيت، ولما بيرجع مبيقعدش ساعتين على بعض، هنهتم بيه إمتى؟ كان عصام جالسًا يراقب جدالهما، وتتنقل عيناه بين وجهيهما، ثم قاطع الحديث قائلًا: _إنتوا مهتمين أوي ليه كده؟ زجرته يمنى فورًا بقولها: _ما تتكلمش لو سمحت، الموضوع مايخصكش! سكت عصام في حيرة، وتمتم لنفسه: _مايخصنيش إزاي؟ استسلم للصمت، وقرّر أن يصغي إلى الجدال دون أن يتدخل. ولحسن الحظ، أنهته ياسمين بخفتها المعهودة، مبديةً استعدادها لإطاعة يمنى، وترك شأن شعر عصام لها. بدأ عصام يتصفح الأخبار على هاتفه دون تركيز، حتى استوقفه منشور تكرر ظهوره مرارًا، ويبدو أن الناس لم تكفّ عن تداوله. عندها، قرّر أن يتوقف عنده ويقرأه بتمعن: <جمهورية مصر العربية، رئاسة الجمهورية. قرار رئيس الجمهورية رقم ٤٥ لسنة ٢٠٤٣ بالعفو عن العقوبة الأصلية والتبعية والمحكوم بها على المواطن / مصطفى عبدالباقي. بعد الاطلاع على الدستور، وعلى قانون العقوبات، وعلى قانون الإجراءات الجنائية، وعلى القانون رقم ٣٩٦ لسنة ١٩٥٦ بشأن تنظيم السجون وتعديلاته، وعلى ما عرضه وزير الداخلية، وبناءً على ما انتهت إليه اللجنة العليا للعفو الرئاسي بعد مراجعة ملف القضية رقم (٤١٤٢/ج.أ/٢٠٤٣) والمعروفة إعلاميًا باسم "مجازر سانكتوريا"، قــرر... (المادة الأولى): يُعفى المواطن / مصطفى جلال أحمد عبدالباقي محمد، مواليد ٢٠٠٨، من العقوبة الأصلية والتبعية والتكميلية، والمحكوم بها في القضية رقم (٤١٤٢/ج.أ/٢٠٤٣)، والتي سبق اتهامه فيها بالضلوع في أحداث "مجازر سانكتوريا"، وذلك بعد ثبوت عدم صحة الاتهام ونسبة الجرائم إلى المدعو / أدهم داغر، وفقًا لما أسفرت عنه التحقيقات النهائية الصادرة عن النيابة العامة واللجنة القضائية المستقلة. (المادة الثانية): تُعتبر كافة التهم الأخرى المنسوبة إلى المواطن المذكور، والمتعلقة بالتعاون أو الانضمام إلى أي جماعة إرهابية أو كيان محظور، لاغية بحكم القانون، لعدم كفاية الأدلة، وثبوت عدم صحتها. (المادة الثالثة): يُنشر هذا القرار في الجريدة الرسمية، ويُعمل به من تاريخ نشره، ويُخطر وزير الداخلية والجهات المختصة بتنفيذه فورًا. صدر برئاسة الجمهورية في اليوم الخامس من شهر يوليو، عام ألفين وأربعة وثلاثين ميلادية.> اعتدل عصام مستقيمًا في جلسته، وعيناه متسعتان على الخبر، وقد غمرته سعادة لم يعهد مثلها من قبل، سعادة لا تهتف ولا تضحك، بل تجلس في القلب في خشوعٍ مهيب وذهولٍ حُلو المذاق، كمن يشهد معجزةً طال انتظارها. تلك الكلمات جعلته يعيش لحظة صفاءٍ نادرة، لحظة يرى فيها الحق يُرفع على رؤوس الأشهاد، بعد أن دُفن طويلًا تحت ركام التهم والوشايات. ها هو مصطفى، الذي طالما لبس ثوب الجاني وهو البريء، يخرج من نفق الاتهام إلى رحابة البراءة، ليس بعفوٍ ومرسوم فقط، بل بتبرئةٍ ناصعة صادرة من قمة السلطة، تحمل اعترافًا صريحًا بأن هذا الرجل، الذي قاسى السجن لأنه نطق بالحق، كان على صواب طوال الوقت. شعر عصام بأن السماء اقتربت منه، أن ظلّ مصطفى، ذلك الصوت الحاني الذي لطالما لامس أعماقه بنُصحٍ صادق رغم حداثة العهد بينهما، لم يعد مجرد ظل، بل أصبح نجمًا مضيئًا في سمائه الشخصية، نجمًا يجب أن يعترف به العالم، ويُصدق عليه التاريخ. تنفّس عصام بطمأنينة، وتهيّأ صدره أخيرًا لاحتواء جزءٍ من الحياة دون وجل، وكأن هذا العفو الرئاسي لم يُنقذ مصطفى وحده، بل أنقذ كل احبابه وذوويه، وتحديدًا انقذ فيه شيئًا كان يخشى الاعتراف بوجوده وهو حاجته إلى قدوة... واعترافه بها. ********** نبراس، هذا هو الاسم الذي اُختير بعناية لسلسلة الملاجئ والمؤسسات الخاصة فقط بناجين سجن دارين وقانون بيع البشر، والتي أسسها سابقًا ياسر وهدى بنفوذهما ومالهما. نبراس هي رؤية إنسانية تُعيد الحياة إلى من سُرقت منهم، وتُعيد حياكة خيوط إنسانيتهم المهترئة. اسمٌ يظهرها كمصباحٍ يضيء دروب المكسورين، يهديهم نحو الأمل والكرامة. فلم يكتفِ ياسر وهدى بفكرة ملاجئ مؤقتة، بل صمّما مؤسسات تأهيلية متكاملة، موزّعة على عشرين محافظة في الجمهورية، مختارة بعناية لتكون بعيدة عن المناطق المنكوبة. خمسمئة ملجأ، كلّ منها يتسع لأكثر من ألف ناجٍ، ليصل إجمالي القدرة الاستيعابية إلى نصف مليون إنسان جريح الروح والجسد، وهو العدد الذي بدأ يدخل بالفعل من المغرب بعد أن تولى ياسر الحكم كما كان الاتفاق. كل ملجأ في نبراس صُمّم ليكون ملاذًا إنسانيًا حقيقيًا. لم تكن زنازين باردة أو صالات نوم مكتظة، بل مهاجع فسيحة، أنيقة، تحاكي بساطة الفنادق الصغيرة وجمالها. غرفٌ مشرقة، أسرّة مريحة، ونوافذ تطل على حديقة جميلة، وفي كل ملجأ، توجد عيادات طبية مجهزة لمعالجة الأجساد المنهكة، وأخرى نفسية لترميم القلوب المحطمة. كما أُعدّت غرف ترفيهية بعناية، حيث يجد الأطفال فسحةً من الطفولة الضائعة، والكبار لحظاتٍ يتذكرون فيها أن الحياة لا تزال ممكنة. ولأولئك الذين عانوا أشد أنواع التعذيب الجسدي، والعنف القاسي، والتجارب العلمية البشرية المفزعة، هناك برامج مخصصة تُعالج جراحهم العميقة وتُعيد إليهم إنسانيتهم. يبدأ اليوم في نبراس مع بزوغ الفجر، حيث يستيقظ الناجون على جلسات تمارين طبية خفيفة، مصممة بعناية لمن أنهكتهم الإصابات الجسدية. وللناجين من التعذيب القاسي والتجارب البشرية، تُخصص جلسات علاج طبيعي مكيّفة، باستخدام أدوات مثل الكراسي المتحركة أو الأجهزة التعويضية، لإعادة الحركة إلى أجسادهم المرهقة. وفي قاعات الطعام المريحة، تُقدَّم وجبات مغذية، مصممة بعناية لتلبية احتياجات الأطفال، والكبار، والمرضى. بعضها مُصمم خصيصًا لمعالجة سوء التغذية أو نقص الفيتامينات الناتج عن التجارب العلمية. وبالطبع، لكل شخص جدول غذائي خاص تم وضعه من قبل الأطباء بعد تشخيصهم. من الثامنة صباحًا، تبدأ الفحوصات الطبية المكثفة، حيث يخضع الناجون من التعذيب والتجارب البشرية لتقييم شامل بإشراف أطباء إصابات وجراحين. تُجرى فحوصات متقدمة، من تصوير بالرنين إلى تحاليل دم، للكشف عن أي آثار للتسمم الكيميائي أو التلف العصبي. العلاجات تشمل جراحات ترميمية لتصحيح التشوهات، وجلسات يومية لإدارة الألم المزمن، سواء بالأدوية أو بالتقنيات الحديثة. في الوقت ذاته، تجلس فرق الأطباء النفسيين مع الناجين في جلسات مكثفة، تستخدم العلاج المعرفي السلوكي أو تقنيات التعبير بالفنون لتخفيف وطأة الصدمات العميقة التي خلفتها التجارب المفزعة. بعد وجبة غداء متوازنة، تُخصص فترة الظهيرة لورش تأهيل مهني مرنة، تراعي القيود الجسدية لهذه الفئة. يتعلّم الناجون مهارات خفيفة، كالحرف اليدوية، الخياطة، النجارة، البرمجة، أو الزراعة، ليجد كل ناجٍ مهارةً تُعيد إليه ثقته بنفسه، بمساعدة أدوات مكيّفة. في الظهيرة المتأخرة، تُعقد ورش إبداعية كوقت للترفيه والإبداع، حيث يرسم الأطفال أحلامهم على القماش، بينما يتجول الكبار في الحدائق أو يشاركون في ألعاب جماعية تعيد إليهم الضحكات. وقد يرسم الناجون أو يكتبون قصصهم في بيئة آمنة، يرافقهم فيها معالجون نفسيون يساعدونهم على التعبير دون ألم. وبالطبع، هناك اختصاصيون نفسيون ومختصون بتحليل رسومات الأطفال أو العلاج بالرسم، يتابعون نتائج كل شخص في سلوكه أثناء أدائه في تلك الوسيلة الترفيهية. في الثالثة عصرًا، تُفتح غرف هادئة لجلسات دينية، يقودها مرشدون دينيون مدربون. لم يُغفل ياسر وهدى الجانب الروحي، إذ أدركا أن الدين قد يكون مرساةً للكثيرين. في كل ملجأ، يعمل مرشدون دينيون يمتلكون معرفة عميقة بالتعاليم الدينية وحساسية تجاه صدمات الناجين... يقدمون جلسات إرشاد فردية أو جماعية، يتحدثون عن الصبر، الأمل، الحقوق، والبلاء، مستلهمين من السيرة النبوية وقصص الأنبياء أو القيم الروحية التي تزرع السكينة. كما يعمل المرشدون مع الأطباء النفسيين لإعادة تقديم الدين كنورٍ يشفي. مع غروب الشمس، تُقدّم وجبات خفيفة مصممة لتلبية احتياجات صحية خاصة، ثم تبدأ جلسات دعم اجتماعي مسائية، تركز على إعادة الربط العائلي أو بناء الثقة لإدماج الناجين في المجتمع. تُقام كذلك الأنشطة المسائية الاختيارية: عروض أفلام تحفيزية، محاضرات عن الحياة، أو جلسات قصص للأطفال. وبحلول العاشرة مساءً، يُهيّأ الناجون للنوم في بيئة هادئة، حيث الإضاءة الخافتة والأسرّة المريحة تُعانق أجسادهم المتعبة. أما بالنسبة لهيكلية نبراس، فكل ملجأ يُدار بهيكلية دقيقة. مدير يشرف على العمليات، ينسّق مع الجهات الخارجية، ويضمن سير الأمور بسلاسة. مساعدون إداريون يديرون الجداول، بينما يتابع مدير مالي الميزانية بشفافية. أطباء نفسيون، معالجون، اخصائيون نفسيون واجتماعيون، أطباء عامون، ممرضون، مدربو مهارات، ومعلمون يعملون كفريقٍ واحد، يضاف إليهم المرشدون الدينيون، الذين ينسجون خيوط الأمل الروحي في نسيج اليوم، وموظفو النظافة والصيانة يحافظون على جمال المكان، بينما يضمن حراس الأمن سلامة الجميع. ما يقارب أكثر من مئة موظف في كل ملجأ، يعملون بتناغم لخدمة أكثر من ألف ناجٍ. وقد بدأت مؤسسات نبراس عملها مع دخول النصف مليون ناجٍ من كل أنحاء محافظات مصر. وبعد أن أمسك ياسر بزمام الحكم، عيّن مديرين تنفيذيين لكل مشاريعه ومؤسساته وشركاته، وصار دوره يقتصر على المتابعة والمراجعة عن بُعد. وقد أوصى ياسر بترشيح بعض الأشخاص ليعملوا في مؤسساته. ففي إحدى مؤسسات نبراس في القاهرة، عملوا سويًا كل من: رشا كأخصائية اجتماعية، إسماعيل كمرشد ديني، عمر كطبيب نفسي بجانب عمله في المصحة، ونجلاء مديرة برنامج الرعاية النسائية والتوعية الاجتماعية بجانب عملها في العيادة، وفي الحالتين كانت هاجر أو علا معها ملتزمين بوصية مصطفى. أما الناجون الذين ارتكبوا جرائم قتل ضد عائلاتهم فور وصولهم إلى البلد أمام تحدٍ إنساني وقانوني معقد. هؤلاء يُستقبلون بحذر شديد في وحدات تأهيلية منفصلة داخل الملاجئ. يخضعون لتقييم نفسي وقانوني دقيق لفهم دوافع الجريمة، سواء كانت ناتجة عن اضطراب ما بعد الصدمة، الإكراه، أو التلاعب النفسي. وبرامج مكثفة تُصمم لهم، تجمع بين علاج نفسي مكثف لمعالجة الذنب والغضب، وجلسات إصلاح سلوكي لتعزيز المسؤولية الأخلاقية، إلى جانب رعاية طبية ترمم أجسادهم المنهكة من آثار التعذيب. وجلسات دينية تُقدم لزرع السكينة، بينما تُنظم أنشطة تأهيلية، كورش العمل المهني المكيفة، لإعدادهم للاندماج بحذر في المجتمع بعد تسوية أوضاعهم القانونية بالتعاون مع السلطات. في نبراس، لا يُترك هؤلاء الناجون للنسيان، بل يُمنحون فرصة للتكفير والشفاء، مع ضمان العدالة وسلامة الجميع، في محاولة لإعادتهم إلى إنسانيتهم رغم ثقل جرائمهم. ********* في الهَاجِرَة ذاتها، كان كلّ من سليم، وغادة، ومهاب واقفين عند أحد معامل "المختبر المصري"، يتناقشون في هدوء وسرية، وقد علت وجوههم ملامح الترقب والاهتمام. فقد أصبح الثلاثة فريقًا مترابطًا يعمل بتفانٍ في مشروع الاستنساخ السري الذي ظلّ طيَّ الكتمان، لا أحد يعرف أمره سواهم. غادة، التي تخرجت حديثًا من كليتها وشرعت في مسار الماجستير بتخصصها في علم البيولوجيا، هي صاحبة الاكتشاف الأولي منذ أن استنسخت الفواكه والخضراوات، حتى توصّلت إلى فرضية مذهلة بشأن إمكانية استنساخ الجسد البشري وربطه بالوعي الأصلي، لا بنسخة منه. ولئن كانت ما تزال في بداية رحلتها العلمية، إلا أن حدسها البحثي الدقيق، وجرأتها على اقتحام ما لا يُطرق، جعلا منها حجر الأساس لهذا المشروع الطموح. أما سليم، فرغم كونه متخصصًا في الكيمياء، إلا أن عقله الفذّ المتقد مكّنه من الخوض في عوالم العلوم المجاورة بفهم عميق وإدراك نادر. كان قد أنهى مرحلة الماجستير قبل سنوات، وها هو يمضي قدمًا في الدكتوراه منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقد بات بمثابة العقل التحليلي الأبرز في الفريق، يُعيد صياغة أفكار غادة، ويقاربها من زوايا تقنية معقّدة لم تكن تُرى، ثم يُسهم بتطوير الجهاز الذي سيشكّل حلقة الوصل بين الجسد المستنسخ ووعي الإنسان الأصلي، متحديًا كل القيود المفهومية التقليدية بين المادة والإدراك. وأما مهاب، تلميذ يوسف، الذي لا يزال في عامه الأول من دراسة الدكتوراه في تخصص الفيزياء، فقد تطوّع دون علم يوسف للمشاركة في هذا المشروع. كان حذرًا في خطواته، حتى إن هذا المشروع لم يُقم في المختبر المصري، بل أقاموه في مختبر خاص بيوسف في فيلته الراقية. ورغم إعجابه الشديد بغادة، والذي كان يتناساه، فقد وجد في سليم صديقًا علميًا، يتعلم منه ويشاركه مهمة تحويل النموذج النظري إلى جهاز ملموس يعمل بانسجام بين قوانين الجسد والعقل. ومع أن فارق الخبرة بينهما كان واضحًا، إلا أن الانسجام بين ذهنَيهما مكّن الفريق من تجاوز عدد من العقبات التقنية التي بدت في البداية مستحيلة. لقد كان اكتشاف غادة هو الشرارة، وكان تعاون سليم ومهاب هو النار التي وُقدت بعدها. وبينما العالم يغطّ في سباته عن حدود الممكن، كانت تلك العقول الثلاثة تُمهّد لثورة لا تُشبه ما سبقها. بتوجيه من غادة التي استطاعت استنساخ جسد بشري بنجاح، وبعقل سليم وقدرته على صياغة المادة بما يتجاوز بنيتها الذرية، وبمعونة مهاب الذي رسم الأفق النظري لانتقال الإشارة الواعية، تمكّن الثلاثة من تطوير جهاز فريد اقتبس مظهره من مظهر الكبسولة الخاصة بالروبوتات. وهو منظومة إلكترونية كهرومغناطيسية متصلة بنسيج عصبي صناعي، تُثبّت على قاعدة من البروتينات المستجيبة للذبذبات، ووظيفته هي استقبال الإشارة الواعية من دماغ الإنسان الأصلي، ونقلها إلى الجسد المستنسخ دون أن يُحدث صدمة عصبية أو انهيارًا كيميائيًا. وبعد الانتهاء منه بشكل شبه كامل، كانت التجربة الأولى مبشّرة: الجسد المستنسخ بدأ يستجيب، الأعصاب ارتعشت، والعضلات تحرّكت. الأعضاء الحيوية انتظمت في عملها كما لو كان الجسد يستفيق من حلمٍ طويل. لكن العقبة الكبرى لم تكن عضوية، بل رياضية. فالربط بين الوعي الأصلي والجسد الجديد يتطلب خوارزمية حسابية في الاختراع نفسه غاية في التعقيد، قائمة على تكاملات غير خطية تُقيِّم احتمالية التزامن بين الإشارات العصبية الأصلية وتلك المُولَّدة في الدماغ المستنسخ. كان النموذج الرياضي الذي استخدموه يُعرف داخليًا باسم: "Brain-Clone Integration"، ويعتمد على تكامل احتمالي من الدرجة الرابعة، لا يقبل بأكثر من 0.006 كنسبة خطأ. لكن في كل تجربة، كان النظام ينهار عند لحظة يُطلقون عليها "الشرخ الشعوري"، وهي النقطة التي يبدأ فيها الدماغ المستنسخ بتكوين إدراكه الخاص، مستقلًا عن المصدر الأصلي، مما يخلق ازدواجًا شعوريًا وانفصالًا في الهوية... وهنا، توقّف التقدُّم. واكتشف الثلاثة أن كل معرفتهم، مهما بلغت، عاجزة عن حل تلك المعادلة التي تتغير في الزمن الحي، وتقاوم التنميط، وتُشابه في تمرّدها العقل البشري ذاته... حتى مهاب، عبقري الفيزياء، عجز عن ابتكار معادلة رياضية ناجحة. وأثناء نقاشهما في هذا الأمر، قال مهاب: _مفيش فايدة يا سليم، إحنا محتاجين واحد متخصص في الرياضة... بل عبقري فيها كمان عشان المشروع ينجح. قال سليم معارضًا: _مش هقدر يا مهاب أدخل حد رابع في الموضوع دا... أنا واثق فيك بالعافية أصلًا. حاول تبتكر معادلة أحسن من دي. ساد الصمت لوهلة، وقد خيّم شعور بالعجز على ملامح مهاب، ثم قال باستسلامٍ يشفّ عن ضيق دفين: _سليم... انت كده بتجبرني أعمل حاجة مش شُغلي. مش عشان أنا بتاع فيزيا يبقى لازم أفهم في المعادلات زي عالم رياضة بالظبط. كانت غادة واقفة تتابع النقاش بصمت، كأنها غادرت المكان بأفكارها، وفكرة ما كانت تدور في ذهنها، لكنها لم تشأ أن تُفصح عنها في تلك اللحظة. وفي حينهم ذاك، دخل عليهم أحد طلاب الدكتور يوسف، فتوقّف عند الباب برهةً يتأمل وجوه الثلاثة، وكأن شيئًا ما خطر له، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة لا تخلو من مكر، وقال: _الواحد مبقاش يشوف غيركوا انتوا التلاتة سوا... كأني شايف بروفيسور ليلى وسردار ويوسف وهما صغيرين... تبادل سليم ومهاب نظرة سريعة، وفيها إيماءة من الأول للثاني أن ينتبه لهذا الشاب. فتقدم مهاب وسلم عليه بلطفٍ مصطنع، وقال ضاحكًا: _لا يا عم مش للدرجة دي، بس غادة لسه متخرجة وهي قريبة سليم وعزيزة عليه، فبنساعدها في الماجستير. أومأ الشاب برأسه، وقد ظلّت ابتسامته مرسومة، وقال: _ما هو بروفيسور يوسف حكالي عنها... قال إنها عزيزة عليه هي برضو. استرعت الجملة انتباه الثلاثة، وتبادلت عيونهم نظرات تعجّب واستفهام. وفي هذه اللحظة، رنّ هاتف غادة، كان نوح يتصل بها، فقالت لسليم: _نوح وصل. أما في موقف السيارات التابع للمختبر، فقد كان نوح ينتظرهم في سيارته، مستعدًا لنقلهم إلى فيلا مهاب، حيث يقع مختبره الخاص الذي يحتضن اختراعهم، وفيه يجرون أبحاثهم ويدرسون تفاصيل المشروع. لقد شاء الله لنوح الشفاء من الشلل النصفي الذي أصيب به قبل شهرين، وقد بدأت وظائف جسده تتعافى تدريجيًا، إلا أن أثرًا طفيفًا بقي في قدمه اليسرى، يُعرف هذا العرض بالعجز المتبقي، حيث لم تستعد وظائفها بالكامل كما حدث مع الجانب الأيمن. لذا، صار العكاز رفيقًا دائمًا له، يستند إليه في كل خطوة. تحت وطأة هذه الظروف، اتّخذ نوح قرارًا صعبًا بترك مهنة التدريس بشكل كامل. وبرغم قسوته، إلا أنه رآه القرار الأصوب، ليمنح جسده وعقله فرصة حقيقية للشفاء، رحلة شاقة بدأها وبدت بوادر التحسن تنبعث منه شيئًا فشيئًا. وبعد أن استعاد الإحساس بقدمه اليمنى، قرر أن يعمل سائق أجرة بسيارته الخاصة عبر تطبيق إلكتروني، كعملٍ مؤقت، ريثما يستعيد عافيته الكاملة. ومع هذا القرار، اتخذ نوح قرارًا آخر أكثر خصوصية: أن يرافق غادة في طريقها دومًا، بعدما علم أن مختبرهم البديل أصبح داخل منزل مهاب. لم يرضَ أن يدعها تذهب وحدها، حتى وإن كان سليم برفقتها. ها هي غادة تدخل السيارة بخطى خفيفة ووجهٍ تغمره البهجة، تُلقي على نوح السلام وتطبع قبلة دافئة على وجنته، فالتقط نوح من تعبير وجهها ولغة جسدها شيئًا من الانشراح الغريب، انشراح لا يُشبه فرحًا عاديًا، بل فيه شيء من الطمأنينة غير المعتادة. ارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية وهو يقول: _نجحتوا في حل المشكلة بتاعة المشروع ولا لأ؟ قالت غادة وهي تبتسم ابتسامة واسعة كأنها تُخفي تحتها مفاجأة: _لا... وعشان كده فرحانة. تلاشت ابتسامته في حيرة، وهو يقول: _فرحانة عشان مانجحتوش؟ _فرحانة عشان هيبقى ليك دور في الابتكار ده. سكن نوح لحظة، وأشاح ببصره إلى الأمام، كأنه يبحث عن ملاذ في الطريق الممتد أمامه، ثم عاد ينظر إليها، وعلى صوته شيء من التردد الممزوج بالمرارة: _إنتِ برضو لسه مقتنعة إني أنا اللي هحل المشكلة دي؟ أومأت برأسها بثقة لا يشوبها أدنى شك، ليقول هو: _حبيبتي... أنا عقلي بايظ... ابتسمت غادة وهي تقول بحنانٍ مغلف بالحزم: _لا، عقلك ألماظ وزي الفل... والحمد لله، انت اتحسّنت عن أول بكتير. تنهد نوح قليلًا، ثم قال: _طب وهما وافقوا بحاجة زي كده؟ اجابت غادة بنبرة واثقة، كأنما لا ترى سواحل للرفض: _ويوافقوا ليه ويرفضوا ليه؟ هما مش عارفين يحلّوا الموضوع أصلًا، فمش هيقدروا يقولوا كلمة عليك، لما ييجوا ونوصل هبقى أقولهم. أطرق نوح برأسه قليلًا، وتنفس بهدوء، وقد خالج صدره شعور بالارتباك لم يشأ أن يُظهره، كمن أُقحم في أمرٍ ثقيل لا مفرّ منه. ومع لحظات الصمت تلك، انضم إليهما سليم ومهاب، ركب كلاهما السيارة، وما إن استقروا في مقاعدهم حتى أدار نوح المحرك، وانطلقت السيارة بهم نحو فيلا مهاب، حيث يبدأ فصلٌ جديد في رحلتهم العلمية والإنسانية. ********** في إحدى مؤسسات نبراس، كانت نجلاء موجودة بصحبة رشا في مكتبها، تتحدثان وتتناقشان حول الأمور المهنية في المؤسسة. وبصفتها طبيبة نساء وناشطة توعوية، تحمل في جعبتها شغفًا لا ينضب ورؤية واضحة لتمكين النساء الناجيات، تولت نجلاء دورًا مقترحًا كمديرة برنامج الرعاية النسائية والتوعية الاجتماعية، لتكون جسرًا بين الشفاء الجسدي والنفسي والاندماج المجتمعي. لم تكن وحدها المسؤولة عن برامج الرعاية النسائية، بل تشاركها نساء أخريات يتناوبن المهام، حتى لا تضطر نجلاء للذهاب يوميًا إلى المؤسسات. لكن حين تذهب وتدخل أحد الملاجئ الرئيسية لـنبراس، يبدأ يومها في العيادة الطبية... هناك، تفتح أبواب الأمل للناجيات، تقدم الفحوصات الطبية المتخصصة، وتكشف على الأضرار التي لحقت بأعضائهن التناسلية، تتابع حالات الحمل، وتعالج الجروح الجسدية التي خلّفها العنف والاستغلال. لكن مهمتها لا تقتصر على الجسد فقط؛ فهي تدرك أن الشفاء الحقيقي يتطلب رعاية شاملة... لذا، تجلس مع الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، تنسق جلسات علاجية تجمع بين الدعم الطبي والنفسي، وتساعد النساء على استعادة ثقتهن بأجسادهن وذواتهن، خطوةً بخطوة. بعد انتهاء الجلسات الطبية، تنتقل نجلاء إلى قاعة التوعية داخل الملجأ. وهناك، تستلهم من حملتها "اعتني بالجوهرة" التي شاركتها فيها علا وديميت بعد موت هالة وهدى، لتقود ورش عمل تعليمية للناجيات... تتحدث إليهن عن الصحة الإنجابية، العناية الذاتية، وحقوقهن القانونية والإنسانية. كزوجها، كان صوتها يحمل مزيجًا من القوة والحنان وهي تشرح كيف يمكن لكل امرأة أن تعيد بناء كرامتها. وأحيانًا، تتعاون مع المرشدين الدينيين ومنهم المرشدات في جلسات توعوية تجمع الناجين والناجيات، حيث تناقش القيم الإنسانية وتزرع بذور الأمل في نفوسهم، لمنع تكرار مآسي الاتجار. وخارج أسوار الملجأ، لا تتوقف نجلاء. فهي تقود حملات توعوية خاصة بحملتها، بصحبة علا وديميت، حاملةً رسالة نبراس إلى المجتمعات المحلية... ومع وجود علا، تتعاون مع وسائل الإعلام، تنظم فعاليات مجتمعية كالأيام المفتوحة، وتدعو الناس للتعرف على قصص الناجين. وحملتها "اعتني بالجوهرة" تصبح تدريجيًا شعلةً تضيء طريق التغيير، تعمل على منع بيع الفتيات، وتثقيف المجتمع حول مخاطر الاتجار بالبشر. وفي المؤتمرات الدولية، تقف علا أو ديميت دون نجلاء ممثلتين لـنبراس، ترويان قصص الناجين والناجيات، تجذبان الدعم والشراكات، وتضعان نبراس على خارطة العمل الإنساني العالمي. ورغم التحديات، كحساسية الناجيات تجاه المواضيع الشخصية أو مقاومة المجتمع لإعادة إدماجهن، تجد نجلاء طرقًا للتغلب عليها. تقدم جلسات فردية تحترم خصوصية النساء، وتستخدم حملاتها التوعوية لتغيير الصور النمطية. ولتجنب الإرهاق، تقسم المهام بين فريقها، متأكدةً أن العمل الجماعي هو مفتاح الاستمرار. مع نجلاء ومن مثلها، تصبح نبراس أكثر من مجرد ملاجئ؛ تصبح منارة للشفاء والتمكين. سمعتها كصاحبة حملة "اعتني بالجوهرة"، خبرتها الطبية، وشغفها بالتوعية، يجعلونها قوةً دافعة تعزز مكانة نبراس في المجتمع، وتفتح أبواب الأمل للناجيات. هي ليست مجرد طبيبة أو ناشطة؛ هي قصة تغيير تُكتب كل يوم في قلوب من أنقذتهن. كانت نجلاء تجلس إلى جوار رشا، وقد خيّم على المكان سكونٌ رقيق يشوبه دفء الحميمية. وبعد أن انتهتا من التحدث عن العمل، سألتها رشا باهتمامٍ ظاهر وصوتٍ خافت فيه من الرقة أكثر مما فيه من الكلمات: _حاسة بإيه دلوقتي؟ تنهدت نجلاء بعمق ثم حمدت الله، فأردفت رشا، وقد غلبها حرصها الصادق: _حاولي الكام يوم دول ترتاحي أكتر يا نجلاء، انتِ خلاص في الشهر التاسع، أنا خايفة عليكي. لم تستطع نجلاء إلا أن تبتسم لتلك اللهفة الطيبة، ثم قالت: _والله الحمد لله، ربنا مهون عليا الحمل ده جدًا، مش زي أي حمل تاني. سبحان الله، ربنا قدرلي خفة الحمل عشان يسخرني لدوري ده وأقدر عليه. بادلتها رشا الابتسام، ثم سألتها بنبرة أقرب إلى التأمل: _الحمد لله. طب انتِ مش حاسة إنه قرب أو كده؟ حاساكي بقالي كتير أوي في الشهر التاسع. ضحكت نجلاء ضحكة خفيفة، وقالت: _متعرفيش إني خلفت مريم في نص الشهر العاشر؟ اتسعت عينا رشا في ذهول حقيقي، وقد غمر وجهها اندهاش صادق وهي تقول: _أقسم بالله؟ هو ممكن الحامل تخش في الشهر العاشر؟ _أيوه، في كتير كده بي مش دايما.. بس لو الموضوع اتأخر عن كده فبتبقى مشكلة طبعًا. وما إن أنهت جملتها، حتى سُمع طرق خفيف على باب المكتب، فنهضت كلّ من نجلاء ورشا، ثم سمحت رشا بالدخول. لم تمضِ لحظة حتى انفتح الباب ليدخل إسماعيل، ووجهه مفعم بالحبور لا تخطئه العين، حاملًا بشرى طال انتظارها. وقال بصوتٍ تغمره الحماسة والسرور: _بشرى حلوة أوي يا دكتورة نجلاء، مصطفى أخد عفو رئاسي!! تردّد في الغرفة صدى صوت لم يكن صوت نجلاء، بل صوت رشا، التي صاحت بفرحة عارمة فاجأت الجميع: _بجد؟!!! وما لبثت أن انتبهت فجأة إلى نفسها، فهدأت من روعها سريعًا، وكبحت اندفاعها، محاولة تبرير انفعالها وهي تتوجّه بالكلام إلى نجلاء: _ا... أنا فرحانة ليكي أوي يا نجلاء، بجد الحمد لله يا حبيبتي، ربنا رجعهولك في سلام. رغم نظرات الدهشة التي تبادلها الجميع بسبب رد فعلها، إلا أن نجلاء اكتفت بابتسامةٍ هادئة، وهي تحمد الله، ثم التفتت إلى إسماعيل تسأله: _في حد هيروح ياخده؟ _لأ، هم مانعين أي حد من عيلته ياخده. بس لما سألت، اتقاللي إنهم هيبعتوله عسكري بعربية يوصّله لحد بيت أخته. _علا؟ _أيوه يا دكتورة. تحبي أقول لإبراهيم وهاجر يوصلوكي؟ لأنهم كده كده خارجين. _آه، ياريت.. عايزة ألحق قبل ما هو يوصل. بعدها، ودّعت نجلاء رشا بعناقٍ حانٍ، ثم غادرت برفقة إسماعيل ليوصلها إلى هاجر. وما إن أُغلق الباب خلفهما، حتى انسدل الصمت على المكان كستارٍ كثيف، وغدت رشا وحدها في الغرفة، إلا أن وحدتها لم تكن حقيقية... فاسمه كان معها. سرعان ما تسارعت أنفاسها فجأة، وبمجرد أن تسرّبت فكرة عودته، ارتبك كل شيء. نعم... بعد كل تلك الشهور، ما زالت واقعةً في غرامه... لا، بل تعشقه، عشقًا يوجعها ولا تملك له كبحًا، ما زالت تنتفض لمجرد أن يتحدث أحد عنه، بل إنها تنتبه في حديثٍ عابر إذا ما سُمع اسم "مصطفى"، حتى لو لم يكن هو المقصود... اسمه وحده كافٍ لإشعال العاصفة. جلست على الكرسي، ووضعت كفيها فوق قلبها كمن يحاول تهدئة حصانٍ جامح، وقد بدا أنها حاولت قتال تلك المشاعر بكل ما أوتيت من عزيمة، تقنع نفسها بأنه ليس لها، بأنه متزوج، لا يفكر فيها، يحب نجلاء ولن يحب سواها، بأنه رجل خاض غمار الحرب والخذلان، ولم يعد فيه مكان لحبٍ شارد. لكن قلبها أفسد عليها كل حجج العقل، ويراها واهية، كأن حبها له لا يعترف بمنطقٍ أو نهاية. كانت ترغب، بكل ما فيها من كرامةٍ وكبرياء، أن تكفّ عن حبه، أن تدفن هذا الشعور الذي يأكلها من الداخل بصمت... لكنها كانت عاجزة، لا تملك السيطرة، ولا الحيلة... وكلما حاولت نسيانه، ازدادت له تعلقًا، وكلما أقنعت نفسها بأنها بخير، باغتتها ذكرى، أو كلمة، أو لفتة، تعيدها إلى النقطة ذاتها... أن قلبها بين يديه، دون أن يعلم. رفعت عينيها إلى السقف، تتأمل في صمتٍ سقفًا خاليًا، وكأنها تبحث فيه عن حل... ثم همست: _يارب كرهني فيه... وهنا في ساحة نبراس، حيث امتزج الضوء بالخلاص، كان إبراهيم يسير بخطى وئيدة، ليتمتع بأدق التفاصيل في المكان، الهواء مشبعًا برائحة العشب النابت حديثًا، ورنين الضحكات يتسلل من زوايا الساحة كأجراس خفية تنقر على جدران صدره. ها هم الأطفال... الذين طالما سمع صراخهم يخترق جدران دارين السميكة، صراخًا ليس له من اسمٍ سوى الألم. كم من يوم عاش على نحيبهم وهم يُنتزعون من طفولتهم عنوة، يُقذف بهم إلى دهاليز التجارب والعقاب والتعذيب وهتك العرض... واليوم، يسمعهم يصرخون مجددًا... لكن أي فرق بين الصراخين! صراخ بالضحك، بالركض، بالفرح المشتعل في أعينهم كألعاب نارية لا تنطفئ. كان أحدهم يركض خلف طائرة الكترونية يلعب بها المعلم مع الأطفال، وآخرون يتنازعون كرةً ملونة كأنهم لم يعرفوا يومًا قيدًا أو قهرًا. نظر إليهم إبراهيم كما ينظر الناجي إلى المعجزة، لا يُصدق أن الأرض ذاتها التي ابتلعت أنينهم صارت الآن تهتز بضحكاتهم. وفي الظلال القريبة، يجلس العجزة... أولئك الذين سمع أنينهم يخترق السقف. كم مرة أدار وجهه عن توسلاتهم في دارين ليبقى على قيد حياةٍ لا يريدها؟ كم مرة مرّ بهم وهم يجلدون بأوامر لا قلب لها؟ الآن، تراهم يضحكون بأسنان ناقصة، يلوّحون بيدٍ واهنة لكأس ماء أو لقمةٍ يتقاسمونها بمحبة. كانت أيديهم ترتجف من فرط السنين، لكن أرواحهم كانت ساكنة لأول مرة. احد الممرضين نقر كتف الآخر وهو يمازحه بتلطف بسيط، فيضحك المسن حتى اهتز جسده كله، ثم يحضر الممرض له دواؤه بهدوء، دون صراخ أو صفع، بل بكلمة رقيقة وابتسامة. ثم الشباب... الذين حملوا في أعينهم احتراق أعمارٍ سُرقت. كم مرة حمل إبراهيم مرسول إعدامهم، أو نقلهم من مبنى إلى مبنى للتجارب؟ كان يراهم آنذاك أجسادًا تتحرك بصمت، كأنهم موتى يتنفسون. اليوم، رأى أحدهم يرسم على جدارٍ مشمس، والآخر يدرب مجموعة على رقصة فولكلورية كنوع من نشر ثقافات بلدانهم المختلفة، وصوت ضحكهم يتعالى... ضحك حقيقي، خفيف، لا يختنق بشعور المراقبة أو الخطر. هنا لم يتحمل إبراهيم وانهمرت دموعه بها تُغسل بقايا "دارين" من قلبه. يبكي بكاء الذنب، والتحرر، والانبهار في آنٍ واحد. وارتجفت روحه وهو ينظر إلى ما حوله كمن صعد من قاع البحر فجأة واكتشف أن الشمس ما زالت تشرق. تمنى لو ترى فريدة هذا المشهد... تمنى لو ترى أن العذاب لم ينتصر. تمنى لو يرى إلياس هذا النور، هذا التحول الذي ظنّه مستحيلًا. تمنى لو تعيش نور كما يعيش هؤلاء الأطفال الآن... أن تُنادى باسمها لا برقم، أن تُقدَّر كإنسانة لا كجسدٍ مستباح. ولأول مرة منذ سنين، شعر إبراهيم أن الجحيم الذي عاشوه لم يكن لعنة أبدية، بل ليلًا ثقيلاً أنجب فجرًا صادقًا... وان ارواحهم الذي ضحوا بيها بالتأكيد ستنعم في سلام الآن بعد أن ظهرت قيمة ملموسة لتضحيتهم. في تلك اللحظة، شعر إبراهيم بوخزةٍ مفاجئةٍ في جانبه، فانتفض فجأةً ملتفتًا إلى من فعل هذا، ليجدها هاجر التي كانت تبتسم بخبثٍ طفولي، وقالت: _اركب الهوا. ضحك إبراهيم وهو يمسك بيدها: _هوا إيه يا بت؟ يخربيتك، إيدك جامدة، دا أنا حسّيت إن فيه رصاصة دخلت جنبي. قهقهت هاجر من قلبها، ثم قالت: _معلش يا عم، امسح دموعك بقى، ويلا بقى اجهز عشان نروح ندور على بلال وندى اللي بقالنا شهرين بندور عليهم دول. أجابها إبراهيم، وهو يربّت على كفها بلطف: _تمام يا حبيبتي، أنا جاهز عمومًا، وكنت مستنيكي. _هنوصل بس نجلاء الأول لبيت علا، عشان هيستقبلوا مصطفى فيه. اتسعت عيناه سرورًا، وقال بانفعالٍ صادق: _بجد؟ مصطفى خرج أخيرًا؟ أنا نفسي أقابله من زمان بجد.. في الشهرين الماضيين، كان إبراهيم وهاجر قد تزوّجا، وقرّرا بإرادتهما أن يعيشان داخل أحد ملاجئ "نبراس"؛ سعيًا إلى الشفاء، ومشاركةً في رحلة التعافي الجماعي. ولكن لم تكن تلك الإقامة مجرّد راحة، بل كانت تكليفًا جديدًا، واختيارًا واعيًا لأن يتطوّعا في خدمة هذا الملجأ، وتقديم يد العون للناجين والموظفين والممرّضين على حدّ سواء. كلاهما عاش زمنًا طويلًا تحت عباءة الفساد، وقاما بخدمته، وخَبِرا وجعه وقسوته، وكانت هذه فرصتهما الحقيقية لأن يُطهّرا روحيهما من شوائب الماضي، ويخدما الصلاح هذه المرة، ويساهما في نشر الخير بدلًا من خنقه، ويكرّسا ما تبقّى من جهدهما لصالح قضيّةٍ نقيّة، تمامًا كما تفعل رشا، التي سبقتهم على هذا الطريق. ********** _يعني مدرس الثانوي هو اللي هيحل الأزمة في الاختراع ده؟ كان مهاب يهمس لسليم بدهشة واستنكار، وقد ارتسمت على وجهه علامات الارتباك والاعتراض، فنظر إليه سليم بعينين ثابتتين، وقال بهدوء: _والله يا مهاب، الفكرة مش في إنه مدرس ثانوي عادي، الفكرة في مخه مش أكتر. لو على نوح، فهو عبقري ومخه يغلب مخنا كلنا... بس ده كان زمان. دلوقتي حالة مخه مش مظبوطة، خصوصًا في العمليات المعقدة دي. _طب وهو هيقدر؟ _خلاص بقى، هنسيبه يجرب... غادة حطتنا قدام الأمر الواقع، ما ادّتناش فرصة نرفض ولا حتى نوافق... كان حديثهما هامسًا، كي لا يتسرّب بين الجدران الخافتة للمختبر، حيث يجلس نوح في الغرفة المجاورة، منكفئًا على نفسه، فوق كرسيٍّ وأمامه الطاولة يكتب عليها، يحاول أن يقتنص من ذاكرته ومهارته ما يصلح لصياغة معادلة من شأنها أن يضمن استمرارية وعي الجسد البشري عند نقله إلى المستنسخ، وإبقائه فيه لأطول فترة ممكنة دون انقطاع أو تلاشي. وخلفه مباشرة، جلست غادة في صمتٍ مهيب، تراقب حركاته ونظراته وتنهداته، كما اعتادت أن تفعل كلما استبدّ به التفكير أو غرق في عوالمه الغريبة. كان يكتب بإرهاق ظاهر، يكتب المعادلات على الأوراق واحدة تلو الأخرى، ثم يُبعد كل ورقة جانبًا ليخطّ في أخرى أفضل منها. هذا المشهد، بعشوائيته العميقة، أعاد إلى ذهن غادة ذكرى تلك الليلة التي انفلت فيها عقل نوح تمامًا، وظلّ ينهال بالقلم على الورق، يكتب المئات من المعادلات بلا توقف، كأنما هذه المرة يحاول أن يربط وعيه الممزق بعقله الفالت، أن يلملم شظايا ذهنه المتناثر بحبالٍ من المنطق الرياضي والمعادلات المتناسقة. وها هو الآن، بعد كل ما حدث، يكرّر المحاولة ذاتها لكن بشكل آخر: يحاول أن يربط وعي جسدٍ حقيقيٍّ بجسدٍ مستنسخٍ خاوٍ من الوعي، وكأن الرياضيات لم تكن يومًا سوى الدليل الأعلى على وجود الوعي ذاته، أو الجسر الأخير الذي يربط الإنسان بالعالم الواقعي. بعد مضي ثلاث ساعات تقريبًا، وضع نوح قلمه أخيرًا، وجمع أمامه نحو عشر ورقات، منتقاة من بين عشرات أخرى تناثرت حوله، ثم تمتم وهو يتأملها: _كل دي معادلة واحدة... تجمّدت غادة في مكانها، وقد شلّ الذهول لسانها، قبل أن تقول بصوت مرتعش: _ت.. تمام... نهض نوح ببطء مستندًا إلى عكازه، وقال بهدوءٍ تجلّله ثقة مشوبة بالإرهاق: _جرّبوا حطوها في السيستم وشوفوا هينجح ولا لأ. _حاضر. اقتربت منه غادة، ومدّت يدها لتأخذ الأوراق، لكنه أبعدها عنها فجأة، ونظر إليها نظرة عميقة، تبادلها معها في لحظة ثقيلة، قبل أن يقول بنبرة هادئة مترجّية، محملة بصدقٍ صافٍ، وبعينين كانتا دومًا قادرتين على إضعاف قواها: _غادة، اوعديني إن بعد ما الاختراع ده ينجح، وننقذ بيه نفسنا، وبعد ما نهزم أدهم وسردار ونور، تدمّريه... وتمسحي بياناته، وتخفيه عن العالم، وعن سليم ومهاب. اوعديني... ترددت نظراتها للحظة، كأنها تتصارع بين العقل والمبدأ، ثم قالت: _بس ممكن نستخدمه في أمور شريفة وإنسانية بعد كده... هزّ نوح رأسه نافيًا، وقد ضمّ الأوراق إليه أكثر، كأنما يبعدها عن كل وهمٍ بالتحكم: _لا، مش ممكن... العلم بيعمي العقول... مهما حاولتي تتمسكي بإنسانيتك فيه، مش هتعرفي... اوعديني يا غادة، بعد ما ننجح ونتحرر من الناس دي، الاختراع ده ميبقاش ليه وجود. قالت غادة بنبرة واثقة، وقد أضاء في عينيها صدق لا لبس فيه: _اوعدك... متخافش... ولو أنا ما قدرتش، فهسيبك إنت تعملها. حينها فقط، ناولها نوح الأوراق، ثم خرجا معًا من الغرفة، حيث سلّمت غادة الأوراق لمهاب وسليم، ونوح يقول لمهاب: _لو مش هتعرف تكتبها في السيستم، قولي أكتبهالك أنا. _لا، هعرف... تناول مهاب الأوراق وراح يتفحّصها بعينين مثقلتين بالحيرة، ثم قال وهو يعقد حاجبيه: _إيه المعادلة دي حضرتك؟ أول مرة أشوفها في حياتي. _آه، ما أنا اللي اخترعتها دلوقتي. نظر الثلاثة إليه بدهشة مذهولة، بينما قابل نوح نظراتهم بحيرة خفيفة، كأن الأمر لا يستدعي هذا الانبهار، فقال مهاب: _طب ممكن حضرتك تشرحهالي؟ نظر نوح إلى الوجوه الثلاثة التي تحلّقت حوله في صمتٍ مشدود، وكأنها تنتظر نبوءة لا مجرد شرح علمي، ثم تنفس ببطء، وأشار إلى أول ورقة وهو يشرح بتواضع لم يقصده: _هي المعادلة طويلة جدًا، لأنها لسه في شكلها البدائي، مش قادر حاليًا أنشئ لها اختصار، بس في العموم، بما إن البرنامج كان بيقيس احتمالية تزامن الوعي باستخدام تكامل بايزي كلاسيكي، فبان إن المشكلة إن ده بيشتغل على إن الوعي ثابت، وبيُفترض إنك بتاخد "عينة" من إشارات المخ وتربطها بجسد تاني... وده ما نجحش، بما إن الوعي مش ثابت... لأن الوعي ديناميكي... كيان بيتغيّر في اللحظة نفسها اللي بتحاول تثبّته فيها. وأشار إلى المعادلة الطويلة التي كتبها، ثم تابع: _أنا قررت ما استخدمش تكامل بايزي هنا. استخدمت إطار جديد جه في بالي، حتى ما لحقتش أحط له إسم... وعشان هي معادلة هتتمثّل في نظام بيشتغل على مبدأ إن الوعي بيتفاعل مع السياق اللحظي للبيئة الداخلية والخارجية. فبدل ما أتعامل مع الوعي كدالة احتمالية، عالجته كشيفرة اهتزازية لها تردد وتحوّلات لحظية، وده بيحتاج وصف رياضي جديد، فابتكرت قانون جديد، برضه ما لحقتش أحط له إسم، بس القانون ده بيقول إن الجسد المستنسخ ما يقدرش يحتفظ بالوعي إلا لو كان فيه توافق زمني وترددي كامل بين إشارات المخ الأصلية والبديلة... يعني مش بس نقل بيانات... ده نقل تردد فكري بيشتغل مع نظام ارتجاعي لحظي. رفع ورقة أخرى تتوسطها دالة معقّدة بخط يده، ثم أردف: _دي المعادلة الأساسية... صيغة متعددة الأبعاد بتجمع بين الدوال النبضية التزامنية واشتقاقات موجية تعتمد على متغيّر اسمه ΔΨ، ممكن نسميه أي هبل زي "اختلاف الطيف الواعي". وده بيُحسب كل ميلي ثانية في النظام، وبيتم تعديل الإشارات داخليًا على أساسه. يعني اخترعت المعادلة دي مخصوص... تليق بطريقة لحساب الفرق بين وعيين وتحقيق تطابقهم اللحظي... بس مش تطابق رياضي ثابت زي بقية المعادلات الموجودة في علم الرياضيات... لا، هو تطابق حي، ومتغيّر. المعادلة نفسها بتشتغل ككائن بيتعلّم ويتكيّف... ولما يتوصل للتردد المشترك بين الجسد الأصلي والمستنسخ، بيحصل "الربط الكامل". سأله مهاب، وقد ارتسمت في عينيه دهشة مشوبة بالقلق: _ده معناه إنك بتتعامل مع الوعي كأنه... موجة؟ _أيوه، وده يفتح أبواب ما كناش نتصورها... مش بس استنساخ. أنا أقدر... نظريًا... أربط وعي شخصين في لحظة واحدة. أقدر أخلي جهاز يشوف بنظرتك، أو يسمع بصوت سليم. أقدر أخلق "جسر وعي" بينك وبين حد تاني، يتبادل فيه المخ المعرفة في أقل من ثانية. قالت غادة وقد ارتبك صوتها: _بس الفكرة دي فيها خطورة... ده ممكن يخلي كل مفهوم الخصوصية... والهوية... يتفكك! نظر إليها بثبات وقال: _عشان كده قلتلك اللي قلتلك عليه. ثم أشار إلى المعادلة وأضاف محذرًا: _نفّذوها... بس خلو النظام يتعامل مع ΔΨ كمتغيّر متأخر، وإياكم تستخدموه كمتغيّر مباشر، لأن لو حصل تداخل زمني، هيتجنّن الجسد المستنسخ... ويموت... أو يتحوّل لحالة تشوّش كامل... أسوأ من الموت. نظر الثلاثة إلى المعادلة مجددًا، وقد انقلبت في أعينهم من مجرد رموز غامضة إلى شيفرة وجود، أو لعنة مكنونة في هيئة علم. جلس مهاب أمام الجهاز اللوحي المتصل بالنظام، وبدأ بإدخال المعادلة. وفي تلك اللحظة، سأل سليم نوح وهو لا يخفي اندهاشه: _إنت بقى... كنت محوّش العبقرية دي فين؟ وإزاي؟ مش فاهم. _مش محوّش حاجة يا عم، ماتبالغش، أنا لما جتلي الفرصة قلت أجرب. صمت نوح برهة، ثم تبسّم وقال: _افتكرت لما كنت سبعتاشر سنة لحد عشريناتي... كنت بحب أخترع قوانين ومسائل ومعادلات كده كنوع من اللعب، وأمي كانت تراجعهم ورايا. قالت غادة بدهشة: _"افتكرت"؟ أومأ نوح وهو يبتسم: _آه... بدأت أفتكر حاجات بسيطة. _يعني العلاج بيعمل مفعول! الحمد لله يا رب. _الحاجة الوحيدة اللي مجنناني إني لسه مش قادر أفتكر أي ذكرى بيني وبين نور... كأن مكتوب عليا أعيشها في كل مرة أعزف فيها أم المعزوفة دي. وبعد دقائق من الصمت والانتظار، قالت غادة لنوح: _بعد ما نتأكد من نجاح الموضوع ده، نروح بقى للدار اللي كنت عايز تروحها ونشوف موضوع حبيبة دا. _هتقدري؟ _آه يا حبيبي، هقدر متقلقش. في تلك اللحظة، دوّى صوت مهاب من خلف الشاشة مناديًا عليهم، فتقدّموا سريعًا ليطالعوا النتيجة، فظهرت على الشاشة نسبة نجاح عالية، حيث انخفضت نسبة الخطأ من 0.006 إلى 0.002 بعد تطبيق معادلة نوح، وهو ما يُعدّ قفزة عظيمة تثبت أن الوعي سينتقل إلى الجسد المستنسخ بسلاسة، بل وسيظل فيه لأكثر من اثنتي عشرة ساعة. اتّسعت أعينهم جميعًا في ذهولٍ ممزوج بفرحة غامرة، عدا نوح، الذي اكتفى بابتسامة طفيفة على طرف شفتيه، بينما صاح سليم: _لازم نجربه حالًا! ********* في أحد الأحياء النائية التي تشبه الخرائب، حيث الأبنية المتداعية تحتفظ بالشقق المشبوهة، توقفت سيارة على مقربة من بناية تكسو واجهتها طبقات متراكمة من الغبار والبؤس. ترجّل كلّ من هاجر وإبراهيم من السيارة، ونظراتهما تتقافز بين النوافذ المعتمة والشرفات المهجورة، حتى استقرت عند تلك البناية التي قيل إن بلال وندى أوويا إليها خلال الشهرين الماضيين. على الطرف الآخر من الشارع، ركنت سيارة تابعة للمؤسسة، ساكنة كأنما تراقب من بعيد، بينما صعد الاثنان الدرج الذي تنبعث من درجاته صريرات حزينة، وكأنها تئنّ من ثقل ما شهدته من مصائر مكسورة. توقف إبراهيم أمام أحد الأبواب، وطرق عليه، طرقًا أول، ثم ثانٍ، ثم جاء الثالثة، فتبعها بصوت متلهف مشوب بالرجاء: _افتح يا بلال... أنا إبراهيم يا حبيبي. افتح... إنت وحشتني. مضت لحظة خرساء، ثم انفرج الباب قليلًا، فتسللت منه نظرة غائرة، تشي بجسد نخره السهاد، ووجه ضمرته الأيام حتى غدا كقناع مهجور من الحياة. بلال كان واقفًا، بعينين تحوم حولهما ظلال داكنة، وجسد ينتفض خلسة، كأنّ بين عضلاته رعشة مألوفة لا تودّ الرحيل. وحين أبصرهما، ارتسمت على وجهه ابتسامة مرتعشة، ومال بجسده ليسمح لهما بالدخول، وهو يقول: _تفضلوا... ت.. فضلوا... سامحوني البيت شوي مكركب. كانت "شوي" تلك، كذبة خجولة أمام ما تهاوى في الداخل. فكان المكان أقرب إلى أطلال مسكن منه إلى منزل؛ الستائر مترهلة كأجساد أنهكها التعب، تغطي النوافذ التي لم يمسسها ضوء النهار منذ أمد، والأرضية مغطاة بطبقة من الغبار، تتناثر فوقها عبوات فارغة، ملابس مرمية، أوراق ممزقة، وأطباق لم تُغسل منذ رحلت الأيام عن هذا المكان. على الطاولة الخشبية المهترئة، تراكمت فتات لا يُعرف مصدرها، وأعقاب سجائر بلا عدد. في الزوايا، كان العفن يستشري في الصمت، يرسم أشكالًا غريبة على الجدران المتشققة، وكأنها آثار هذيان لم يُكتب له أن يُقال. في هواء الغرفة، علق صمت ثقيل، مشحون برائحة كيميائية خانقة، وألفة مشوشة بين الألم والتعود، كما لو أن هذا الفراغ بات كائنًا حيًا، يحتضن من فيه كأمٍّ سامة. وبين هذا الخراب، وقف بلال، محاطًا بظله، كشخص خرج تواً من حلم طويل، أو سقط فيه ولم يستفق بعد. _ت.. تحبوا جيبلكم شي تشربوه؟ قال إبراهيم وهو يجلس علي الأريكة المتهالكة: _لا اقعد يا بلال، متشغلش بالك، إحنا جايين زيارة بس عشان وحشتونا. جذب بلال جسده إلى المقعد المقابل، وكأنه يسحب حطام إنسان، ثم قال بصوت متهدج: _ما بعرف كيف عرفتوا مكاننا، بس... واضح إنو ما في شي مستحيل عليكن... عنجد مبسوط كتير إنكن إجيتوا... بس وينو حيدر؟ _حيدر بيتعالج من اكتئاب حاد. بدت الدهشة على وجه بلال، وارتسمت على شفتيه ابتسامة تجمع بين الإنكار والحنين: _اكتئاب حاد؟ معقول؟ هاد أكتر واحد بيضحّك وبيتمسخر بيناتنا! _ما هو ده شكل من أشكال الاكتئاب الحاد... تلاشت ابتسامة بلال في لحظة، وأومأ برأسه بصمت خاشع. عندها قالت هاجر بصوت خافت: _أومال ندى فين؟ وحشاني، عايزة أشوفها. _ندى نايمة... ه.. هي بتنام بالنهار وبتفيق بالليل، يعني ممكن تصحى عتمانة هيك، ياريت تضلوا لبين ما تفيق. أومأت هاجر برأسها، ثم قالت بعد برهة من الصمت: _ينفع أروح الحمّام؟ _إي إي طبعًا. نهض بلال وأشار لها بالطريق، فتركتهما وغابت في الممر المظلم. وظل إبراهيم محدقًا في تفاصيل جسد بلال، وعيناه تسافران إلى ذراعيه، إلى تلك المواضع الموشومة بندوب الإبر، علامات حكايات لا تُروى. عندها قال بنبرة خافتة: _إنت كمان ادمنته معاها؟ ساد الصمت، صمت ثقيل، ثم نطق بلال بعد لحظة طالت: _غصب عني... ما كنت قادر أتركها لحالها... كنت حابب خلي وضعها يتحسّن بس كانت حالتا صعبة... وأنا شوي شوي تعودت عليها، وبلا ما حس، صرت شاركها بكل شي عم تعمله. تنهد إبراهيم، وزفر بصوت مشوب بالمرارة، قبل أن يستأنف بلال حديثه، كأنما يدافع عن آخر ما تبقّى فيه من قرار: _يا ريت ما تجيبلي سيرة مؤسسة نبراس وهالحكي... لا تعملها يا إبراهيم، لا تطلعنا من سجن وتفوتنا بسجن تاني... نحنا عنجد بدنا نحس شوي بحرية... _وانتوا اللي فيه ده حرية؟ غُصَّ بلال بالرد، ثم أطرق برأسه كمن تجرّع كأس القهر حتى الثمالة، وقال بعد طول صمت: _نحنا ما عدنا منعرف كيف شكل الحياة من دون سجن دارين... نسينا كيف الواحد بيعيش طبيعي... نسينا طعمة الأكل العادي... نسينا كيف منشرب... نسينا حتى كيف منزعل ومنفرح ومنخاف... نسينا كيف منعيش... الهيروين والنشوة الجنسية هنن الوحيدين يلي بيخلونا نحس إنو نحنا لسه عايشين... _يا حبيبي، سيبني أساعدك، انتوا عندكوا فرصة تتحسنوا. قال بلال معارضًا، وصوته مثقل بالخذلان: _بدك تساعدني بشو؟ إنك ترميني بسجن جديد بس مليان ألوان هالمرة؟ _هند وحيدر اتحسنوا كتير يا بلال، ولسك هيتحسنوا أكتر، مفيش سجن ولا حاجة، الناس هناك أحرار. _وإذا هنن أحرار، ليش ما إجوا معك؟ في تلك اللحظة، كانت هاجر تجوب أرجاء المنزل بخطى هادئة ظاهرًا، مضطربة باطنًا؛ إذ لم تكن وجهتها الحقيقية إلى الحمام كما أوهمت بلال، بل كانت تمضي بحثًا عن ندى. حين دخلت المطبخ، استوقفتها سلة القمامة، لم تُلقِ فيها نظرةً عبثًا، بل وقعت عيناها مباشرة على ما لم تكن ترغب في رؤيته؛ دلائل فجة، تشير إلى أن كلاهما لم يعيشا فقط في عتمة الانعزال، بل انزلقا أيضًا إلى هاويةٍ أبعد... وهي العلاقة غير الشرعية، حيث تماهى الألم بالشهوة، وتداخل الانهيار بالافتتان المدمر. عندها أدركت هاجر أن الأمر تجاوز كل حدود الاحتمال، فاستلت هاتفها من جيبها، وأرسلت بسرعة رسالة مقتضبة إلى الممرضين والمسعفين التابعين لمؤسسة نبراس، المنتظرين في السيارة المركونة تحت البناية، تطلب منهم القدوم فورًا. وما إن أرسلت الرسالة حتى غادرت المطبخ بخطى حذرة، وتقدمت إلى غرفة داخلية، فتحت بابها بهدوء لتجد ندى غارقة في نوم ثقيل، نوم لم يكن راحة، بل هروبًا يشبه الغيبوبة، كأنما هربت بروحها من العالم كله واختبأت هناك. وفي ذات الوقت، وبينما كان بلال وإبراهيم لا يزالان في خضم الحديث، شق صراخ ندى الغرفة كصرخة استغاثة تخترق الجدران وتفزع السكون، فهبّ بلال فجأة، فزعًا، يهتف: _شو فيه؟؟!! لكن إبراهيم باغته وأمسك به بقوة، شلّ حركته وكتّف اندفاعه، مما دفع بلال إلى الصياح وقد أذهله ما يحدث: _شو عم تعمل يا إبراهيم؟ حرااام، خلّونا بحالنا، الله يخليكم خلّونا! قال إبراهيم وهو يثبت ذراعيه حول جسد بلال المرتجف: _اهدى يا بلال، دا عشانكم والله، اهدى... وفي لحظةٍ مفجعة، خرجت هاجر من الغرفة وهي تمسك بندى التي كانت تصرخ، صوتها مشبع بالرعب والخذلان، يتردد صداه في أرجاء المكان: _مش عايزة أروح لسجن تاني! أبوس إيديكم، سيبوني في حالي!!! بلال، اعمل حاجة، أرجوك، مش عايزة أرجع للسجن تاني! وفي اللحظة نفسها، دوى صوت اقتحام الباب، إذ اندفع الممرضون والمسعفون إلى الداخل كالعاصفة. وتعالت صيحات ندى، وازداد بلال ارتعاشًا وصراخًا، وتصاعدت فوضى انفعالاتهما إلى ذروتها، حتى بدا كأن البيت سينهار فوقهم من شدة الانهيار العصبي الذي اجتاحهم. لكن الممرضين كانوا مستعدين، وفي حركات مدروسة ودقيقة، تمكنوا من حقن الاثنين بمهدئ قوي، أسكت العاصفة لحين، وجعل الجسدين المنهكين يخرّان كأنما استُنزفا حتى آخر خيط من الحياة. ثم حُمل الاثنان في صمت إلى السيارة، تمامًا كما يُنقل منكوبي الحروب، لا مقاومة، لا رجاء، فقط أجساد تبحث عن هدنة... كان بلال وندى ككائنين خرجا من بطن جحيمٍ لا يرحم لا يشبهان سائر الناس، ولا تشبه حكايتهما سائر الحكايات. ففي جحيم دارين، حيث لا يُتوقع للحب أن يزهر، تفتّحت بينهما وردة، لكنها لم تكن وردة بيضاء، كانت وردة من شوك ونار... نبتت من رحم الخراب، وامتدت جذورها في التربة المبللة بالدم والدموع. لم تكن قصة حبهما تغريدًا تحت المطر، بل بكاءً تحت الصراخ، تشابكًا بين يدين مرتجفتين تبحثان عن شيء يمنحهما سببًا واحدًا لعدم الموت. ولكن للأسف حتى بعد أن انتهت أيام الأسر، وارتخت قبضة السجن، لم يتحررا، بل خرجا بسلاسلهما معلقة في أعماقهما، لا يراها أحد، لكنها تثقل كاهلهما كل لحظة. كانت ندى قد أدمنت الهيروين في السجن، كوسيلةٍ دفاعية، أو قشرة تحمي روحها المهترئة من التهشم... ومع الأيام، استحال ذلك الدفاع إلى عادة، ثم إلى قيد... وبلال، الذي لم يرد لها أن تموت وحدها، شاركها الإبرة، شاركها الوهم، حبًا فيها، أراد أن يبقى قريبًا منها حتى ولو في السقوط. يحبان بعضهما، نعم، لكن الحب هنا لم يكن خلاصًا، بل انعكاسًا للنكبة التي جمعت بين شظاياهما. كانا يعانيان مع أنفسهما، ليس لأنهما لا يريدان الشفاء، بل لأن نفسيهما لم تعُد تعرف الطريق. بلال، كلما نظر في المرآة، رأى وجهًا لا يعرفه. كلما حاول أن يتحدث كما يتحدث الناس، شعر كأنه يتقمص هيئة غيره. وندى، كلما نهضت من نومها، كانت تنهض بعمرٍ جديد من التعب، كأنها خُلقت لتوها من رماد ليلة سابقة. لا الفرح عاد كما كان، ولا الحزن بقي حزنًا طبيعيًا، بل صار جاثومًا ثقيلًا يسكن صدريهما معًا. لقد كانا يسكنان سجنًا لا جدران له، سجنًا يحضر مع كل إبرة، مع كل صرخة، مع كل همسة في الظلام. رغم ما فعلوه، ولكنهم يظلون ناجيين. ناجيين بمعجزةٍ موجعة من أرضٍ لا يخرج منها أحد دون أن يُمزق... والناجون لا يُصلحون بسهولة، فهم لا ينسون، ولا يعودون كما كانوا، بل يتعلمون أن يعيشوا فوق الأنقاض، أن يحبوا فوق الخراب، أن يتنفسوا الألم كأنه الأوكسجين الأخير. وهكذا، ظلّت قصتهما مرآةً معقدة لما بعد البقاء... حيث النجاة ليست نهاية، بل شكلٌ آخر من التيه. ومن يشبههما كثير، كثيرون خرجوا مثلهما من الظلمة، لكنهم لم يدخلوا النور بعد. لا تزال أرواحهم معلقة بين جدران لا يراها أحد، تتنفس الخوف، وتتغذى على الوهم، وتتحصن خلف آلام قديمة لم تندمل. بعض الخارجون من دارين لم يتحرروا، بل تبدّل شكل القيد فقط؛ غيّر اسمه، وتخفّى خلف وجوه البشر العادية، والأبواب المفتوحة، وخيوط الضوء الكاذب. لم يعودوا سجناء القضبان، بل سجناء أنفسهم، أجسادهم التي لا تأمن، وعقولهم التي لا تهدأ، وقلوبهم التي لا تُصدّق النجاة. من أجل هؤلاء، كرّس إبراهيم روحه، وكرّست هاجر قلبها. لم يكن تحريرهم من السجن إلا بداية، بداية لمعركة أعمق، أصعب، معركة ضد الصمت الذي ينهشهم، ضد الإنكار الذي يبتلعهم، ضد العزلة التي صارت لهم وطنًا بديلاً. إبراهيم، الذي حمل مسؤولية تحريرهم كما يحمل مفاتيح الزنازين يومًا، لم يكتفِ بفتح الأبواب، بل آمن أن مهمته لم تكتمل حتى يفتح أبوابًا أضيق، أبوابًا داخل النفوس. يرى كل وجه مرّ عليه في السجن حيًّا في ذاكرته، ويبحث عن كل من لم يُكمل الطريق، ليمسك بيده، لا ليأمره، بل ليشاركه الطريق نحو نبراس. ونبراس، بالنسبة له، لم تكن مجرد مؤسسة، بل سفينة إنقاذ معنوية. كل من أعادهم إليها، كل من أقنعه بالعبور، كان انتصارًا صغيرًا على العدم، وكان برهانًا أن الرحمة لا تنتهي بخروجك من المعتقل... بل تبدأ حين تختار أن تنقذ من بقي فيه، ولو كان معتقلاً بداخله فقط. وفيما كانت خُطى هاجر تتجه نحو السيارة بخفة متوترة، تسبق بها خطوات إبراهيم بخطوة أو اثنتين، انشق عن السكون صوت خافت، لكنه شديد الأثر: _بسس... بسس... بسسس... ذلك الصوت الذي يُوقظ الانتباه في المخلوقات كافة، كأنه نداء بدائي تستجيب له الغرائز قبل الوعي، جعلها تلتفت على الفور وبلا تفكير نحو مصدره المتسلل من أحد الأزقة المعتمة، لتتجمد فجأة في موضعها كمن اصطدم بجدار غير مرئي، واتسعت عيناها في ذهول صاعق. لاحظ إبراهيم وقوفها المفاجئ، فاقترب منها متسائلًا، صوته يحمل نبرة قلق: _مالك يا هاجر؟ في حاجة؟ وحين بلغها ووجّه بصره في الاتجاه ذاته الذي شلّها، انعقد حاجباه بغتة، وسرت فيه الجمود ذاته، كما لو أصابهما البرد في لحظة قائظة. هناك، في الظل القابع بين جدران الزقاق، كان أدهم واقفًا... بابتسامته ذاتها التي لا تنبئ بخير أبدًا، تحمل في زواياها سخرية مشتعلة ومكرًا مقيمًا، في ظهور لم يكن محض صدفة، بل توقيت محسوب بدقة، كضربة خنجر تأتي بعد التئام الجرح بقليل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة