مخادعة المليحة ١

مخادعة المليحة ١

42 0

٤٤ بدأ يوم جديد مع بزوغ الفجر ويليه الشروق. عاد مصطفى من المسجد بعد الشروق إلى منزله، وبدخوله غرفته وجد نجلاء ما زالت مستيقظة. جالسة على أريكة غرفتها، فجلس بجانبها. تملأ ملامحه الهم والعبوس والإنهاك، فقالت نجلاء له وهي تمر بأناملها بين خصلات شعره لتواسيه: _لسة متضايق من اللي حصل أول أمس؟ طال صمته دون رد لتردف: _حبيبي، فداك ألف عربية. وجمال كويس وأنت كويس وكلكم كويسين... متزعلش نفسك. _أنا أستحق ده. عقدت حاجبيها باستنكار شديد مما قاله: _يعني إيه تستحق ده؟ أنت عملت إيه عشان تستحق حاجة زي كده؟ _أكيد ده عقاب ربنا بسبب ذنوبي. _حبيبي، مش كل حاجة تحصلك تبقى عقاب من ربنا. مهو في حاجة اسمها ابتلاء عادي، إنت أدرى مني في الموضوع ده. صمت مصطفى قليلاً وهو يشعر بالذنب والضيق الشديد. _أنا خايف. خايف كل حاجة كنت بعملها مكانتش لله... وكانت عشان الناس. _ليه بتقول كده؟ _معرفش يا نجلاء، أول ما عرفت أخواتي... وعرفت ذنوبهم... ولما بقيت بنصحهم معرفش كانت نيتي عاملة إزاي. تبقى مصيبة يا نجلاء لو كانت نيتي إنهم يعجبوا بيا وبصلاحي. أكيد ربنا عاقبني عشان كده... عشان يفكرني أني مجرد إنسان ضعيف ومهين خرج من مخرج البول مرتين، ويلحقني من التكبر والرياء. _طب ما دي إشارة حلوة يا حبيبي، كون أن ربنا بيلحقك من الصفة دي معناه إنه بيحبك ومش عايزك كده. _بس ده معناه إني فعلاً نصحت أخواتي رياء يا نجلاء. _يا حبيبي، الرياء مبيبقاش إجباري. الرياء بتبقى حاجة اختيارية عند المنافق. مفيش منافق هيحس بالهم ويتضايق لما يلاقي نفسه مرائي. بالعكس، هو بيبقى عايز كده. إنما إنت مش منافق يا مصطفى ولا مرائي. يمكن النية التبست عندك أو إنت وهمت نفسك بده... إنما إنت مش كده يا مصطفى. نظر مصطفى لها ليزداد من طمأنته. ابتسمت له وجعلته يقترب منها وتضع رأسه بين سحرها ونحرها، وهي تحس على شعره. وهو بدوره احتضنها بتلك الوضعية ليستريح ويستريح عقله من التفكير، وظل يردد: _أسأل الله الإخلاص. أسأل الله الإخلاص. أسأل الله الإخلاص. الرياء هو مقبرة العبادات. إن فعل المرء كل العبادات بشكل ممتاز تكون هباءً منثورًا إن كانت نيته هي إرضاء الناس والتفاخر في المقام الأول وليس لإرضاء الله. الرياء هو كابوس مصطفى ومن مثله من يحاولون أن يستقيموا في الدنيا، من يهابون الله ويخلصون له كل الأعمال. يذعر مصطفى كلما يرى مدح الناس له وإعجابهم الشديد به لخشيته الشديدة من تلوث قلبه بالرياء والخيلاء بأعماله والعبادات التي أساسها هي إرضاء الله أولاً ومساعدة المسلمين ثانياً ولا شيء سوى ذلك. إن مصطفى يجاهد كما يجاهد بقية الناس. ليس إنسانًا مثاليًا، وبعض الأحيان يدخل الرياء قلبه، ولكنه يكبح نفسه عن تلك الأمور الشيطانية ويجدد نيته كل ثانية لتكون كل أعماله لوجه الله. فالشرك به يكون خفيًا كالرياء ولا يلاحظه سوى المؤمن التقي من يخشى الله كمصطفى. بعدما استقر عقل مصطفى من ذلك الضجيج، قال مصطفى وهو ما زال في حضن نجلاء: _مش سليم هيخطب؟ _بجد؟ _آه، وهيتجوز في أقرب وقت... بس قالنا إن جوازته هتبقى من غيرنا وهتبقى سريعة... معرفش بيخطط لإيه الواد ده... بس قالي إن نور معاه. _نور مين؟ _نور أخونا الأخير، متقلقيش مش نور بتاعنا. _لسة مشوفتوش. _مسيرك هتشوفيه. مر الوقت وقامت نجلاء لتقوم بعمل الفطور وتجهيز مريم للذهاب إلى المدرسة. فور أن خرجت نجلاء من الغرفة، نهض مصطفى ليغير ملابسه ليصل بمريم إلى مدرستها، وليعود للبحث عن عمل مرةً اخرى. فجأة سمع صوت طرق على الزجاج. التفت مصطفى باحثًا عن مصدر الصوت، وبعد ثوانٍ تكرر مجددًا. التفت مصطفى إلى المرآة ليكتشف أن صوت الطرق يصدر منه، كما لو كان يوجد أحد بداخل المرآة ويطرقها. ظل مصطفى يحدق في المرآة وهو يتمتم بالأذكار وقراءة المعوذتين، ليسمع صوتًا في أذنه يقول له فجأة: ~كل ده جميل بس مش هيأثر فيا بصراحة. انتفض مصطفى وظل يتلفت حوله وهو يبحث عن مصدر الصوت، وهو متحفز ومحتار للغاية، وفسر ما يحدث له بأنها الاعيب من نور الديب بسبب ما دار بينهما البارحة وقرر أن يتجاهل الأمر.                          ********** ~تواصلت مع إلسيوم وفعلت قوة مصطفى أخيرًا، دوره بقى ياخد باله منه. نظر نوح إلى مرآة السيارة ورأى روح قوته تحدثه أثناء قيادته ومعه غادة ليُوصلها إلى كليتها. ~طبعًا هتسألني إيه إلسيوم ده، أنا قررت أسميهم بأسماء الأخوات السبعة اللي أمك قرفتنا بقصتهم. إحنا في كوكبنا معندناش حوار الأسماء ده بصراحة، هو جديد عليا، ممكن تناديني مايا. عقد نوح حاجبيه وهو يحدق لهذا الكائن مستغربًا بشدة ليُردف: ~آه، عارف إنه اسم بنت عندكم، وهيئتي المرعبة متليقش بالاسم ده، بس ده اسم الأخت الكبيرة زيك كده، فإنت مضطر تناديني بيه. عاد نوح للنظر إلى الطريق وواصل: ~حاولت أواصل مع تاچيتي بس هي نايمة. هي طول عمرها نايمة طول ما علا صاحية، وعلا صاحية عشان تاچيتي نايمة. معرفش الخلل اللي حصلهم ده حصلهم ليه بس... أظن تاچيتي مبتصحاش إلا لو فيه مصيبة سودة حصلت لعلا، وأنا مستني المصيبة دي عشان أنتهز الفرصة أول ما علا تنام هتواصل معاها. ظل نوح صامتًا، وهو لم يعد يتحمل حديث مايا معه، عاقدًا حاجبيه ومتبرمًا ويخرج زفيره بصوتٍ عالٍ. _إنت كويس يا نوح؟ نظر نوح لها وقال: _آه يا حبيبتي، أنا تمام. _حساك مخنوق أوي. _آه.. لسة مش عارف أتخطى اللي مريت بيه أوي. _تيجي نسافر؟ _ده وقته يا غادة؟ رد نوح عليها بنبرة مليئة بالانزعاج والاستهزاء لتقول له: _خلاص طيب... أنا بحاول أساعدك يعني. ظل نوح صامتًا وسمع مايا يقول: ~مكنتش أعرف إن وجودي هيخنقك للدرجة دي. قال نوح وهو يضرب أذنه: _بس بقى! انتفضت غادة من حركته المفاجئة لينظر لها بارتباك ويقول: _حبيبي، لو تعبان خلينا نرجع البيت وانا هقعد معاك، طز في الكلية. _هو كل يوم هيبقى طز في الكلية؟ هو أنا دافع مصاريف عشان نطز في الكلية؟ احضري محاضراتك وسيبك مني، أنا زي الفل. امتعضت غادة من رده وسكتت كي لا يدور بينهما شجار. ومع مرور الوقت، وصلت إلى الكلية وسلمت عليه وخرجت. وفور خروجها من السيارة، سمع مايا يقول له: ~من رأيي تقولها الحقيقة. _أقسم بالله لو مسكتش هجيب مسدس وأفرغه في نفوخنا. ~فرغه يا حبيبي، أهو كده تاخد قوتك الكاملة. مسح نوح على وجهه بنفاذ صبر ليردف مايا: ~أظن لو تقبلت وجودي مكانش ده هيبقى حالك. _هتقبل وجودك لو سكت شوية، ولو مكلمتنيش قدام غادة أو أي حد. ~أنا فرحان إنك بقيت بتسمعني وبتاخد بالك مني. أنا قاعد ٣٦ سنة من عمري لوحدي ومحدش معبر أمي، ولما أجي أتكلم معاك لأول مرة تعمل فيا كده؟ _متعملش فيها مراتي بالله عليك. ~على العموم حاول تكلم مصطفى وتشرح له الموضوع لأن إلسيوم اشتكالي إن مصطفى بيتجاهله برضو. _لا، مش عايز مصطفى يقع في اللعنة دي. ~هي عنده من يوم ما اتولد يا عبيط. زفر نوح ثم قال: _طيب طيب، هقوله. ~مش عايز تعرف مين أصحاب بقية القوى؟ _مش عايز أعرف زفت.                             ************ مجلس النواب، حيث يجتمع الأحزاب السياسية الذي لا يؤخذ منهم حق أو باطل، يجتمع السحيج منهم والعادل قليلًا، وكل مرء منهم يطمح لتحقيق رغباته الناتجة عن التحيز السياسي والجنسي والاجتماعي. هو مجلس يتولى السلطة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولكن في الحقيقة لا توجد تنمية إن كانت تلك التنمية لا تروق للرئيس، وإن كانت لا تروق للرئيس فالأحزاب لا تطالب بها. ولكنه مستقل، لا ينتمي لحزب ولا ينحاز لأي من أفكارهم ولا يطبّع ولا يسحج، إنه ياسر صلاح الدين، نائب في البرلمان ومن أشهر السياسيين والمحامين في العشر سنوات الأخيرة في مصر، بالإضافة إلى أنه رجل أعمال غني ويمتلك نفوذًا، يبلغ من العمر سبع واربعون عامًا، خاض فيهم الكثير من المناظرات السياسية على التلفاز وكان من المعارضين بشدة لنظام بيع الناس والميليشيات. هو وجزء بسيط من البرلمان من يظهرون اعتراضهم على تلك الأمور، وبما أنهم أقلية فكان يتم تجاهلهم وتجاهل متطلباتهم. أثناء نقاشاتهم، أتى دور ياسر بالتحدث، وحين سمع رئيس البرلمان له، وقف ياسر وبدأ بقوله: _ الحالة التي تعيشها مصر حاليًا هي حالة مزرية، وهي مصيبة كبرى ستنقش على تاريخ مصر. زمننا الحالي هو عبارة عن عار، يا سيادة الرئيس، فكل ما يحدث هو مخطط بدقة لاحتلال مصر وإبادة شعبها بشكل غير مباشر ولإفساد تاريخها. فور أن سمحتم بقانون بيع الناس، ظهرت الميليشيات التي لم يتم ردعها من الجيش حتى الآن. احتلال القرى المصرية من قبل الإيرانيين والهنود أعضاء الميليشيات، مع سكوت غريب من الحكومة المصرية لهو قمة العار... وطبعًا هما بيحتلون القرى ليه؟ لأنها هي أكتر الأماكن بيع للناس. زي ما حضارتكم ملاحظين فالإتنين مكملين لبعض. فور أن سمحتم بالآفة العظمى التي جعلت الناس تبيع نفسها، وعدد سكان مصر قل ثلاثين مليون فرد خلال عشرين سنة فقط، بذلك أعطى للعدو الصهيوني الضوء الأخضر في احتلال بلدنا بمرتزقة هنود وإيرانيين. وليست هذه المصيبة فحسب، فالسؤال هنا: ماذا يحدث لأبنائنا فور شرائهم من تلك المنظمة المجهولة؟ تنفس ياسر وأخرج ورقة من بين أوراقه وبدأ يقرأها: _ تمتلك إسرائيل أكبر بنك جلود في العالم، وهو منشأة طبية تخزن الجلود البشرية لاستعمالها لاحقًا في معالجة الحروق والسرطانات الجلدية. وإن كنتم لا تعلمون، فمخزون هذا البنك كله هم جلود الشهداء الفلسطينيين، وليسوا جلودًا فقط من يسرقونها من أجسادهم، بل الأعضاء والقرنيات، وكل هذا تم توثيقه، حتى الإعلام الإسرائيلي اعترف بذلك. فلماذا كلنا ننكر حديث الداعية الإسلامي مصطفى عبد الباقي حين أخبرنا في خطبته السابقة أن كل من يتم بيعه تكون نهايته التعذيب والاستعباد من قبل الغرب لإرضاء البرجوازيين وعلية القوم؟ نحن لن نخضع للصوابية السياسية، بل تلك ليست صوابية سياسية من الأساس، إنها جريمة بحق الإنسانية وعار في التاريخ البشري كله وليس مصر فقط. الأمر يجب أن يتم ردعه، وإن كانت مصر هي أول دولة عربية تسمع بقانون بيع الناس، فأنا أطالب سيادة رئيس الجمهورية فاروق الألفي أن يستمع لشكواي وشكوى من دوني وأن يوقف تلك المهزلة في أقرب وقت. عاد ياسر إلى مقعده جالسًا، ومع بعض المناقشات، عرض رئيس البرلمان تصويتًا برفع اليد عن وقف قانون بيع الناس، ومن رفع يده هم مئة من ضمن ستمائة فرد. لتطغو نظرة القهر الشديدة على اعين ياسر وهو ينظر إلى كل من لم يرفع يده، ينظر إلى كل واحد منهم مقتنعًا تمامًا أن كلهم على حدة مجرمون بلا شك، فكل منهم لا يهتم لأرواح الناس ولا يهتم لقيمة الأرض التي يقيم فيها... فقط يهتم لمصالحه ولماله ولسلطته، متقبلين أسوأ الأوضاع فقط إن كان ذلك لمصلحتهم. إن وضعتهم في قعر جهنم بعد أن قمت بإقناعهم أن هذا لمصلحتهم، سيتقبلون الوضع ويغضون أبصارهم عن العذاب حولهم، حتى إن مستهم النار لن يهتموا. خرج ياسر بخطوات بطيئة متجهًا إلى سيارته، خطوات تدل على طاقته التي فنيت وإرادته التي دهسها الغافلون منعدمو البصيرة. ركب سيارته وكانت زوجته تتصل به. _أيوة يا هدى. _طمني يا حبيبي... _أطمنك على إيه؟ هو إيه اللي يطمن في الدنيا دي يا هدى؟ احنا عايشين في زريبة _مقتنعوش؟ _ومش هيقتنعوا، مفيش فايدة... مفيش فايدة، محتاجين معجزة من ربنا... بعدما تحدث قليلاً معها، أتى في باله أن يذهب لمصطفى في المركز الذي يعطي فيه محاضراته، يريد أن يسأل أكثر عن معلوماته عن ذلك المكان. وحين وصل للمركز، سأل عنه. _الشيخ مصطفى عبد الباقي معادش بيدي هنا. قال ياسر مستغربًا: _إيه دا ليه؟ _الله أعلم.. قالي إنه هيبدأ يطلع لايفات على اليوتيوب ويدي محاضراته منها أحسن، لو عايز حضرتك تتواصل معاه، رقمه متاح على صفحته.                           *********** قرابة المغرب، يتجهز سليم مرتديًا أفخم سترة لديه تبرز رشاقة جسده، والفضل لجيناته. يبخ العطر ليزيد من جاذبيته، ويهندم مظهره وشعره المموج، وهذا ليتجهز لخطبة فريدة. على ذكرها، رآها تتصل عليه ليجيب بلهفة: _أيوة يا عروسة. _أوصفلي العريس اللي جايبهولي. _ل..ليه؟ _الجيران عايزين يعرفوا... _قوليلهم تبع يامن، وأول مرة أشوفه... سيبك منهم. _ماشي، بس إنت ليه مش عايز تقول عنه حاجة؟ الموضوع غريب. _سايبهالك مفاجأة، يلا بقى سلام عشان نازل. رغم أنه أظهر لها مرارًا أنه يريد الزواج بها، إلا أنها لم تصدقه البتة نظرًا لفرق السن بينهما. هي تعامله كأخ صغير من بين إخوانها، ولكنه سيثبت لها تلك الليلة أن قوله لم يكن لغوًا، وأنه بالفعل سيتزوجها. دخلت عليه ديميت، وابتسامتها عريضة من جمال ابنها، ليقول لها: _إيه رأيك في الشياكة؟ _جميل يا حبيبي، والله، أجمل واحد في الدنيا، يا بختها بيك. ضحك سليم وانحنى ليقبل خدها، ثم أمسك بكرسيها ويقول: _يلا ننزل لنور بقى لأنه مستنينا. حاليًا، يقف نور الصاوي تحت بناية سليم، مستندًا على سيارته. وفور خروج سليم مع أمه، وهو يسيّرها، تحجرت عينا نور على ديميت وسرح بشدة في وجهها وملامحها. وحين لاحظ سليم ذلك، أمسك بفك نور وأدار وجهه إليه وهو يقول: _مالك ياض مبحلقلها كده ليه؟ قال نور بابتسامته المستفزة مستعجبًا: _مكنتش متوقع أن يكون شعر أمك أسود، أمال أنت طالع برتقالة كده لمين؟ ابتسمت ديميت من سذاجة السؤال ليقول سليم: _دي طفرة جينية يا عبيط، أومال فين وحش الكيميا اللي كان بيدي في ألمانيا ده؟ _أنا بتاع كيميا مش بتاع بيولوجيا يا أهبل، يلا خش. ركبوا السيارة، وفور انطلاقهم قال نور: _مقولتليش إيه الخطة بتاعتك بقى؟ _بص، إنت هتخلي أخوها وأختها يمضوا، وأمي تمضي في الفرح، وبعد جوازنا بقى أنا هقولها إني همضي بعد الدخلة، وهي بنت محتاجة تحس بأنوثتها وتتبسط. فأنا بعد ما أبسطها وتستوعب أن الدنيا جميلة معايا هتقولي لا خلاص، متمضيش، أنا عايزة أكمل معاك... وبكده هي مش هتبيع نفسها وبس. عقد نور حاجبيه ونظر لسليم بطرف عينيه وقال هزئًا: _هي دي خطتك؟ _أهه... مش حلوة؟ _أنت ساذج أوي يا سليم، هترفض تبيع نفسها عشان لامؤاخذة ليلة؟ _يا غبي، دي عمرها ما جربت الموضوع ده، ولما تجربه وتتبسط كده هتعيد تفكيرها وتشوف أن الجواز معايا حلو أوي، خصوصًا إني ههتم بأخواتها وهساعدهم، وهديلهم مصروف، الموضوع مش ليلة بس. لم يقتنع نور بذلك، ولكنه التزم الصمت لشعوره باليأس في مناقشة سليم. وطيلة قيادته، وتحت تلك النظارات البنية، كان نور يرفع عينيه للمرآة ناظرًا لديميت. وهنا، في حارة فريدة، نرى العمال يضعون الزينة والمصابيح المضيئة على شرفة منزلهم. وكان محمد وإخوانه واقفين يشاهدون الزينة بسعادة عارمة، بينما كان كل من في الحي يقف على شرفته ويشاهد المشهد، ويستمع لصوت الأغاني الصاخبة الصادرة من منزل فريدة. وهنا قالت إحدى النساء المسنات: _مين هيتجوز عندكوا يا واد يا محمد؟ رضوى ولا مين؟ _لا يا حجة، دي فريدة. _أخيرًا شافتلها شوفة وهتتجوز؟ فكيتوا العمل بتاعها أخيرًا؟ _أهه يا حجة، عقبالك. _عقبالي إيه يا واد، أنا قد جدتك. _وفيها إيه؟ على الأقل تلاقيلك راجل يشغلك ومخليكش تحشري مناخيرك في حياتنا، الله يرحم جوزك بس. بداخل منزل فريدة، النساء المقربات لها وأخواتها معها في غرفتها، يغنين مع الأغاني الصاخبة ويرقصن، بينما كانت فريدة تضع المكياج. كان الجو العام مبهجًا ومفرحًا جدًا، النساء مبتهجات ويرقصن ويغنين على أسلوبهم الشعبي المصري، بينما كانت فريدة تشاهدهم بابتسامة كافية على شفتيها. حتى توجد فتاة تحمل أصغر أخٍ منهم وترقص به، وهو بدوره كان يضحك ومستمتعًا بالأمر. أثناء وقوف محمد خارج البناية، رأى سيارة تدخل الحارة، وعلم الجميع أنها سيارة العريس بعزف نور على بوق السيارة بنغمة متراقصة احتفالًا بتلك المناسبة. ظل محمد يهتف بحماس بقدوم العريس، لتطل النساء برؤوسهن من شرفهن بترقب، ويخرج نور أولًا، وهو يساعد ديميت بالخروج، وأتى محمد إليه مع إخوانه الصغار. _إنت العريس؟ _لا مش أنا، ده البرتقالة اللي جنبك. التفت محمد بجانبه وهو يرى سليم يخرج من السيارة ليقول مندهشًا: _إنت الراجل بتاع اللحمة!! أحية، إنت هتتجوزها؟ ضحك سليم بسرور: _أيوة يا حبيبي أنا. قال الأخ الأصغر: _على كده هتدينا لحمة كل يوم بقى؟ _أكيد طبعًا. تقدم سليم أمام الناظرين، وكل عين في الحارة تتأمله وتتأمل هيئته المميزة والجميلة. لتقول إحدى النساء اللاتي كن مع فريدة: _يا بختك يا فريدة!! جبتيه منين ده يا بنت؟ استغربت فريدة، التي كانت جالسة أمام المرآة، وهي تقول: _ليه، هو شكله عامل إزاي؟ _ أبيضاني وعينيه خضرا، وشعره أورانج زي الأجانب الحلوين دول. زالت ابتسامتها من على شفتيها فجأة، ونهضت بخطوات مستشيطة، وهي تقول: _وريني كده. أطلت للمشهد أدناها لترى سليم ومعه أخيه وأمه، ولا يوجد رجل ثالث. لتقول فريدة، وهي عاقدة حاجبيها: _ما يمكن التاني ده هو العريس؟ _لا، سمعت محمد بيقول أبو شعر ملون ده هو العريس. تلك المفاجأة كدّرت فريدة حقًا، فهي لا تريده زوجًا لها، ولم تتوقع أن مزاحه معها بهذا الأمر سيتحول لواقع. صعد سليم للمنزل، ورحب به يامن بحفاوة، وأدخله بين حماس إخوانه الصغار، وظل يأمرهم بالسكوت والهدوء. بعدها قال يامن: _معلش، اعذرني... هما لما بيتحمسوا بيبقوا كده. قال سليم: _لا، لا، ولا يهمك، أنا بحب سعادة الأطفال. كانت فريدة وأخواتها بالغرفة مع بقية النساء، وقالت رضوى، وهي ترهف النظر من خلف الباب: _هو إنتِ جبتيه منين بجد يا فريدة؟ وعملتي إيه عشان يعجب بيكي وييجي يتجوزك؟ قالت أختها الأخرى، والتي كانت تبلغ من العمر ثلاث عشرة سنة: _إيه يا رضوى اللي بتقوليه ده؟ مهي قمر أهي، وأي حد قمر يقدر يتجوزها، مش لازم تعمل حاجة عشان تعجبه يعني. _مش قصدي بس... ده غيرنا أوي، وشكله أصغر من فريدة كمان. لاحظت فريدة نبرة غيرة واستنكار في صوت أختها، مما زادها حزنًا وعبوسًا. ونوعًا ما شعرت أن رضوى على حق، فرضوى سنها كسن سليم تمامًا، مما جعل الأمر عويصًا وزاده غرابة. حين لاحظت إحدى الفتيات عبوس فريدة، قالت: _مالك يا بنتي؟ زعلتي أوي ليه كده؟ المفروض تفرحي بالقمر ده، هو إحنا بنشوفه كل يوم؟ التزمت فريدة الصمت وفضلت ألا تجيب، أثناء ما كان يامن وسليم يتحدثان، وكان سليم يعرفه عن نفسه وعن والدته. قال يامن: _وحضرتك اتعرفت على فريدة فين؟ قال محمد: _ما دا اللي جابلنا اللحمة. اندهش يامن وقال: _حضرتك اللي جيبتلنا الهدية دي؟ رد سليم محرجًا: _أيوة أنا، مع أني مكنتش عايزكم تعرفوا بصراحة. هنا نظر يامن لباب غرفة فريدة الذي كان في ممر غير ظاهر لسليم ولكنه ظاهر ليامن، أشار بعينيه أن تأتي فريدة، فالتفتت رضوى وهي تقول: _يلا يا فريدة. نهضت فريدة وبدأن الفتيات في إطلاق الزغاريط، ورغم أن رضوى كانت تزغرط في بداية اليوم، فهي حاليًا لم تزغرط. خرجت فريدة ورضوى مع أخواتها الفتيات وسليم يتأملها ويتأمل جمالها البسيط بابتسامة عريضة على شفتيه، جلست فريدة بالقرب من ديميت لتقول ديميت بابتسامتها الفاتنة وهي تضع يدها على يد فريدة: _ازيك يا فريدة، انتِ قمورة أوي ما شاء الله. نظرت فريدة لها وابتسمت ابتسامة خافتة: _حضرتك أخته؟ _لا، أنا والدته. اختفت ابتسامة فريدة مجددًا وهي تحدق في ديميت. نظرت إلى سليم حيث يفيض من وجهه البهجة البلهاء بابتسامته العريضة، ثم نظرت فريدة لوجه رضوى أختها العابسة التي كانت تحدق في سليم بنظرات إعجاب، وعادت تنظر لديميت ذات الوجه الناصع الجميل مقارنة بوجه فريدة المرهق، فديميت تبدو أصغر سنًا منها. الوضع لم يروق لفريدة أبدًا، يامن وسليم يتبادلان الحديث المأمون اليسير من حيث المهر والعرس والنفقة، وحين لاحظ أن فريدة صامتة طوال الحديث قال يامن لها: _إيه رأيك يا فريدة، واضح أن أستاذ سليم مستعد يعمل أي حاجة ومسهل علينا الموضوع، كتر خيره. قولي لو محتاجة حاجة أو عايزة تقولي حاجة. نظرت فريدة لسليم نظرة أزعجته، كانت نظرة ثابتة عابسة بها قليل من التحدي، وقالت بكل ثبات: _مش موافقة. قبل أن ينخرطوا جميعًا في الصدمة التامة، قال يامن: _مش موافقة على إيه بالضبط من اللي اتفقنا عليه؟ حددي يا حبيبتي، متخضيناش كده. _لا... أنا مش موافقة عليه هو عمومًا. اشتد الموقف ترددًا والكل في حالة من الصدمة والحيرة القوية، إلا واحد كان مبتسمًا ابتسامة ثقة وقال: _استأذنك يا يامن، أتكلم معاها شوية. طلب نور هذا الطلب من يامن، وأذن له يامن، فنهض هو وفريدة ووقفا بالقرب منهم ولكن تحدثوا بصوت خافت قليلاً، ونور يقول لها: _عجبك الموقف اللي حطيتي أهلك فيه ده؟ _انتوا اللي بتلعبوا بيا... جايبنلي عيّل زي ده يتجوزني؟ _عشان العيّل ده هو الوحيد اللي هيخليكي تحققي اللي انتِ عايزاه. أخرج نور عقد البيع له وهو يقول: _الورقة هي... كنت مستنيكي توافقي عشان أخليهم يوقعوا عليها... بس انتِ غبية. ظلت فريدة تنظر للعقد ثم قالت له: _خليهم يوقعوا الأول بعدين هوافق. _بس كده؟ بسيطة، ارجعي بقى وقوليلهم محتاجة تتكلمي مع سليم شوية، تقعدي جنبه مكاني وتتكلموا، ووقت ما بتتكلموا هخليهم يمضوا، عشان لو مضيتهم فجأة الموضوع هيبقى غريب، ماشي؟ عادت فريدة لمقعدها والكل يترقبها وتقول هنا: _ينفع أقعد جنبه أتكلم معاه شوية؟ قال يامن: _أيوة طبعًا، أكيد. اتجهت إلى سليم وجلست بجانبه، وجلس نور بجانب يامن وهو يقول: _أختك صعبة المنال، بس متقلقش، هي هتقتنع لما يتكلموا سوا. هنا بدأ كل من سليم وفريدة بالتحدث همسًا: _انتِ ليه عملتي كده؟ _وليه ماعملش كده؟ زعلت أوي إنك اترفضت لأول مرة في حياتك عشان متعود إن دايمًا لازم كل البنات والناس يحبوك ويتقبلوك بسبب جمالك؟ _مردتيش على سؤالي برضو. _عشان أنا عارفة إنك لسه مطلعتش من البيضة ومتقدرش تساعدني في حاجة. عايز تتجوزني شفقة وخلاص، وبعد ما تستوعب مسؤوليتي ومسؤولية عيالي، هتروح تعيط لأمك وتقولها: لا يا ماما، مش عايز دي، طلعت صعبة أوي. _لا يا فريدة، أنا بجد حبيتك، مش هتجوزك شفقة ولا حاجة. _وأنا مبحبكش ولا هحبك. صمتت قليلاً ثم أردفت: _لا، أنا هحبك في حالة واحدة بس، إنك تساعدني في إنّي أبيع نفسي. هنا أعطى نور ليامن الورقة وهو يقول: _استأذنك يا يامن، أنت وأختك رضوى تمضوا هنا لو سمحتوا. ترقبتهما فريدة بتمعن لتجدهما يمضيان بالفعل، وبعدما انتهيا من التوقيع، عاد ودسْ ّ نور الورقة بداخل سترته ليقول يامن: _صحيح، هو إيه اللي مضينا عليه ده؟ مخدتش بالي. _فريدة تبقى تقولك بعدين، مش كده يا فريدة؟ نظروا لفريدة لتومئ برأسها وهي صامتة ليقول يامن: _طب إيه يا حبيبتي؟ لسة رافضة برضو؟ _ل.. لا، موافقة... زغرطن النساء فرحًا وقرر سليم أن تكون الخطبة الآن، وأخرج خاتمي الخطوبة وجعلها ترتديه، ليكثرن النساء من الزغاريط وتتعالى الأغاني مع تصفيقهم ورقصهم، ولإبراز الفرحة لعموم الناس، خرجوا للشارع وهم يرقصون ويغنون ويصفقون. كانت ترقص فريدة رغمًا عنها مع النساء بابتسامة باهتة على شفتيها. ولكن يدخل الصبر قلبها كلما تتذكر أن أخيها وأختها وقعا على عقد البيع، فقط برؤيتها ذلك لم يدخل الصبر قلبها فحسب، بل شعرت بالسكينة تتغلغل في أعصابها واستطاعت أن تأخذ أنفاسها مجددًا، ولم يتبق سوى سليم وأمه، الذي سيكون أمرهم يسير. بعدها سيتم بيعها، وسيأخذ إخوتها المال، وسيتحقق حلم فريدة الأبدي.                             *********** وصلت سلمى لمنزل عصام في موعدها الذي تم الاتفاق عليه. هي في بالها أنها زيارة طبيعية، ولكن لعصام غرض آخر من تلك الزيارة تمامًا، غرض شيطاني قذر. طرقت الباب وفتح لها مرحبًا بها بلطف، دخلت بابتسامة حرج على شفتيها ثم أغلق الباب وهو يقول: _عرفتي تيجي؟ _آه... زوغت من الدرس الثاني... هو بيقعد ساعتين. _آه يعني هناخد راحتنا. ضحكت سلمى ضحكة خافتة مخرجة فيها أنفاسها المتوترة من هذه الحالة التي هم فيها. جلسا في غرفة المعيشة وهو يقول: _شوية وعلا هتيجي، مش عايزة تتوتري عشان ملاحظك متوترة. _أنا مش متوترة منك والله، بس وجودي في بيت غريب بيخليني أتكسف كده. _إنتِ فعلاً جميلة من جوا ومن بره، أنا مبحبش في حياتي قد البنات اللي بتتكسف كده. عرضت ابتسامتها في صمت ثم أردف: _مش حابة تأكلي حاجة؟ أكيد راجعة من الدروس جعانة. _لا شكرًا، أنا أكلت كتير. _أكيد أكلتي حاجة حلوة والكلام الفارغ ده. ضحكت سلمى ثم قالت: _يعني شوية. _طب أنا هقوم أسخنلك أكل عشان تأكلي. _لا لا والله شكرًا، مش جعانة. _بس يا بت هجيبلك أكل تأكليه بدل القرف اللي بتاكلوه دايمًا، وأنا عايز بقى مراتي تبقى عندها صحة عشان... لو قعدت معاها مش هتستحمل صحتي. ضحكت سلمى مجددًا ضحكة بزرف أنفاسها، تعمد عصام استخدام الجانب الأبوي الذي لم يستخدمه من قبل بكل صراحة، فقد لخداعها ولجعلها تستسلم له عاطفيًا وجسديًا أكثر. فمثلها من لديها شخصية ضعيفة ولحداثه سنها وعلاقتها مشتتة بوالدها، استخدام هذا الأسلوب من الحنان والعطف لهو الحل الأمثل لوقوعها في الفخ، تحديدًا إن كان من رجل بالغ في الثلاثينات من عمره ويمتلك جسدًا جميلًا ووجهًا وسيمًا. قام وهو يقول لها: _تحبي تقفي في المطبخ معايا؟ ولا تقعدي ترتاحي على ما أخلص؟ _لا هقف معاك. وقفا كلاهما في المطبخ وهما يتبادلان الحديث والنكات وذكر المواقف التي تخطر على بالهم لمشاركة حياة كل منهما بغرض التقرب أكثر في العلاقة. أثناء حديثهم، سأل عصام: _احكيلي كده عن علا يا سلمى. _عمتو علا؟ دي أجمل عمتو في الدنيا. _فعلاً؟ _آه بجد والله، مش بجامل. هي تعتبر أمي التانية أصلًا وبتحبني أوي أوي. زمان وأنا صغيرة كانت لازم تجيبلي هدية حتى لو حتة شوكولاتة صغيرة، كانت دايمًا بتضحك وكلما أراها أضحك من روحنا الجميلة وبحس براحة كده بوجودها. والله أنا بحبها أكتر من ماما نفسها. ظل يستمع عصام لحديثها عن علا بابتسامة عريضة على شفتيه، وتلك الابتسامة تحديدًا كانت بالفعل صادقة. فمن حبه لعلا، كان ذكرها بالإحسان يدخل السرور لقلبه حقًا، ولكن اختفت ابتسامته بشكل خافت وهو يقول: _طب إزاي أبوكي جاله قلب يضربها كده؟ _ما أنا قولتلك بابا عنيف، وسمعت ماما قبل كده بتقول إنه أصلاً من صغرهم وهو بيغير منها لأن تيتة كانت بتحب علا أكتر منهم. أومأ عصام برأسه وكأنه كان يتوقع ذلك وعاد لتجهيز الطعام والشراب لهم. وبإختلاس، أخرج قنينة بها سائل شفاف وضع كمية كبيرة منه على طعام وشراب سلمى، وعندما انتهى حمل الصينية عائدًا لغرفة المعيشة مجددًا. وضع الصينية على الطاولة أمام الأريكة التي جلسا عليها وعادا في التحدث، ليظهر براعة عصام في ادعاء الحنان والود والإعجاب، بكلامه الذي يزيد إعجابها به من شدة دهائه في اختيار اللغة التي تجذبها. إن عصام شخص لبيب، وهو بالفعل الأذكى بين إخوانه وأخواته، ولكن ما يظهر أنه شخص أهوج وخسيس هو استخدام ذكائه في تلك الأمور. لا أحد يظلم نفسه كما يظلم عصام نفسه، لا أحد يجبر ذاته على الدناءة كما يجبر عصام نفسه، ها هو يتغزل في ملامحها ويسحرها بكلماته المعسولة، تلك الكلمات التي شلت عقلها من جمالها، ومن جماله شخصيًا. يقدم يده ملامسًا وجنتها وشفتيها استعدادًا للقبلة التي زادت جسدها شللًا، وفور أن حدثت بعض التلامسات، رن هاتفها فجأة لتنفصل عنه بحركة سريعة متشنجة بالفزع وسرعان ما نظرت للمتصل لتقول: _دي ماما. قال عصام ببرود: _مترديش، إنتِ المفروض تكوني في الدرس دلوقتي، فممكن تطنشي كأنك في الدرس. _ل.. لا أنا هقوم. _نعم؟! _معلش هقوم. _طب خدي اشربي بق من العصير ده طيب. وثبت مسرعة وهي تقول بتوتر عظيم: _لا معلش هبقى أجيلك تاني، يلا سلام. واتجهت لباب المنزل وخرجت مسرعة، وعصام يحدق بالباب في دهشة ممزوجة بالغضب والامتعاض، ولكن على أي حال نهض واتجه لإحدى الرفوف المعلقة وأخرج من بين أمتعتها كاميرا كانت تسجل كل ما حدث. وقف وهو يشاهد مشهد تقبيلهما ليقول لنفسه: _أظن ده هيفي بالغرض...                            *********** في الوقت نفسه، كان مصطفى في المستشفى جالسًا مع جمال في غرفته يؤنسه في لحظة غياب عائلته، فعلاقة مصطفى وجمال علاقة صداقة وفية لأبعد حد. _هتخرج بكرة؟ _أه، إن شاء الله يا شيخ، اتكلمت إيه في محاضرة النهاردة؟ _لا، مكانتش فيه محاضرة النهاردة، ومعادش هعمل محاضرات حاليًا. قال جمال في قلق: _ليه كده؟ _معادش معايا فلوس أدفع للسنتر، وكده كده فكرة اليوتيوب هنعملها فهكمل من على اليوتيوب بإذن الله. أثناء حديثهما، طرق الباب، وسمحا بالدخول لتدخل عليهما علا، سلمت عليهما وكان معها طعام ومشروبات لجمال. _إزيك يا جمال، عامل إيه؟ قال جمال وهو يغض بصره: _الحمد لله في نعمة، الحمد لله. لاحظ مصطفى هنا أن حال جمال تبدل فور دخولها وتحدثها إليه، فأصبح أكثر ارتباكًا، واحمرت وجنتاه، وزاد الارتجاف في نبرته. ثم قالت علا لمصطفى: _أنا جبت الأكل ده عشان أكيد المستشفى مبتأكلهوش أكل كويس، اكله يا مصطفى بقى. ابتسم مصطفى وقال: _ماشي يا حبيبتي، جزاكِ الله خيرًا. جلست معهما قليلاً ولم تطل في حديثها لتقول وهي تقف: _تمام، استأذن بقى، أنا جيت بس أتطمن على جمال وأسلم عليك يا حبيبي وهمشي. _اقعدي شوية، وأنا أوصلك. _معلش والله، ورايا مشاوير... يلا سلام. سلمت عليهما وخرجت، وبعدما ذهبت ببرهة قال جمال: _ب.. بقولك يا شيخ... ينفع أسأل حضرتك سؤال؟ _اسأل يا حبيبي. قال مصطفى تلك الجملة وهو يعلم جيدًا عن ماذا سيسأله جمال. _هي أخت حضرتك مخطوبة أو كده؟ صمت مصطفى قليلاً وازدادت ابتسامته من تخمينه الصحيح، ثم قال: _لا... بس في كتير بيطلبوا إيديها مني. _وهي بترفضهم؟ _لا... لسة مقولتلهاش عنهم. _طب... دخلني معاهم. _مجرد إعجاب ولا فيه سبب تاني؟ _بص، أنا حاسس إنها مش هتناسبني بسبب طريقة حياتها وكلامها وكده، هي محترمة والله بس حوار الحجاب ده هو اللي مخليني متردد، فأنا مش معجب بشكلها قد ما أنا معجب كونها أختك... أكيد أخت الشيخ مصطفى هتبقى أخلاقها عالية بس هي مقصرة في العبادات مش أكتر زيينا كلنا، وبصراحة مفيش أجمل في إني أناسبك يا شيخ. _ماشي يا جمال... هبقى أقولها عليك، ولا يهمك. انتهت وقت الزيارة، وخرج مصطفى من المشفى وهو يمر أمام زجاج ذات انعكاس قوي، ولحظة ما مر أمامه لمحه بطرف عينيه، فوجد انعكاسه غريب الشكل لونه أرجواني، فتوقف فجأة وعاد بخطوات للخلف وهو يرهف النظر للزجاج ليجد انعكاسه طبيعيًا لا يوجد به شيء. _متقلقش يا مصطفى... كل ده مكتوب علينا. التفت مصطفى لمصدر الصوت ليجده نوح يقدم عليه، ابتسم مصطفى وسلم عليه، لكنه لاحظ أن وجه نوح عابس كما تركه المرة الأخيرة. _خلاص يا نوح، احتسبها عند ربنا، أنا عارف اللي مريت بيه صعب بس عايز أشوف ضحكتك الحلوة دي، وحاول تتعافى. _الموضوع صعب إني أتعايش معاه، وأظن إنت برضو لما تعرفه هيبقى صعب عليك تتقبله أصلاً. _مش فاهم يا حبيبي قصدك إيه؟ _تعالى نقعد في حتة وهقولك كل حاجة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة