قمة العبث ٢

قمة العبث ٢

39 0

٤٩ حاول مصطفى أن يكظم احتدامه من هول ما نطقته منار بلسانها، ابتلع ريقه ثم قال: _من طليقك، صح؟ حركت رأسها نافية، وقالت: _ملمسنيش بقاله خمس شهور. بدأ شعور الشجب يتعالى بداخله، ولكنه حافظ على هدوءه وهو يقول: _من عصام يعني؟ _م.. معرفش. _متعرفييش؟؟؟ _م.. مهو قبل عصام جوزي كان بيجيب رجالة لبيته عشان يعملوا كده معايا وياخد الفلوس هو... مسح مصطفى بيده على وجهه بانفعال وتجهم، ثم قال لها وقد ضاق منها ذرعًا: _منار، انتِ مستوعبة المصيبة السودة اللي بتقوليها دي؟ _محدش مستوعب المصيبة دي قدي، والله أنا فكرت أموت نفسي، أقسم بالله. _من غير ما تموتي نفسك... أنا هقول لنجلاء الموضوع ده، وهي هتعرف تتصرف. _أبوس إيدك، بلاش تفضحني، بالله عليك. كادت أن تمسك يده لتقبلها وهي تترجاه، ولكنه ابتعد بسرعة قبل أن تلمسها، وقال غاضبًا وهو يهمس بعنف: _بقولك إيه، محدش هيحل المصيبة بتاعتك دي غير نجلاء، ولا فيه في دماغ سيادتك حل تاني؟ _أ.. أه، فيه. _إيه هو؟ صمتت قليلاً في تردد، ثم أجابت: _ت... تتجوزني... نظر إليها بسخرية ممزوجة بالشجب، وهو يقول هازئًا: _متصدقيش أحلامك أوي كده يا منار. وخرج تاركًا إياها لتنهال بالبكاء الشديد، متحسرة على حالها. سمعت ريهام بكاءها، وحين خرج مصطفى لها، قالت: _إيه يا ابني، في إيه؟ مالها؟ _ولا حاجة يا أمي، مشكلة بينها وبين أهلها مش أكتر، أنا هطلع بقى، السلام عليكم. خرج مصطفى وصعد لشقته ودخلها. مصطفى يصبر ويقاوم متاعب الحياة كل يوم فقط لتلك اللحظة، لحظة دخوله لبيته وتغلغل السكينة في قلبه، لحظة شعوره بالسكون والاطمئنان والراحة فور رؤيته لزوجته وابنته، كل ما يملك. كل مرة يفتح مصطفى باب الشقة ويرى أمامه نجلاء وابنته كما لو كان يفتح بابًا من الجنة ليرى أجمل ما رزقه الله به. فتح الباب ورأى نجلاء جالسة تضحك ضحكتها الفاتنة الرائعة وهي تشاهد مريم تلعب وتركض مع القطة في الصالة. مهما حاول مصطفى وصف شعور الامتنان والسكينة والراحة في كل مرة يرى حبيبته وابنته، في كل مرة يدخل فيها بيته، لن يستطيع. فهذه اللحظة تجعله ينسى كل متاعب الحياة وينسى أي معاناة قد مر بها. دخل مصطفى وهو يقول الدعاء وسلم عليهن، فقالت مريم وهي تضحك: _بص بص يا بابا، فيفي بتجري إزاي! ضحك مصطفى وهو يشاهد القطة تركض خلف مريم ومريم تركض خلفها، وقرر أن يشاركهم اللعب، وبدأ هو أيضًا ويلعب معهم، وانتهى به الأمر يلعب مع مريم، وبدأ يحملها رأسًا على عقب ويركض بها ويدور بها وهي تصرخ ضاحكة. توقف بعدها وحملها في اعتدال وظل ينظر إليها ويتأمل وجهها اللطيف والجميل وهي تضحك، فبدأ يقبل خدها وهو يغدغدها، فتضحك أكثر وتصرخ أكثر. بعدها توقف ونظر إليها وهو يقول: _انتِ حبيبة بابا، انتِ حبيبتي، انتِ. _مش كنت بتقول إن ماما هي حبيبتك؟ ضحك مصطفى ونظر لنجلاء التي كانت تضحك، فقال لها: _دي حبيبتي التانية، إنما انتِ حبيبتي الأولانية. أخش أخلع بقى وأكمل لعب معاكي. قالت نجلاء: _كفاية لعب بقى عشان دا وقت الأكل. قال مصطفى: _حاضر يا ماما، قوليلها حاضر يا ماما. قالت مريم: _حاضر يا ماما. وضعها أرضًا ودخل الغرفة لكي يخلع ملابسه، ودخلت نجلاء خلفه. قبل أن يخلع ملابسه، جلس على الأريكة ليرتاح برهة، فجلست بجانبه وهي تقول: _الشغل كان عامل إزاي؟ _كان عادي.. شركة وموظفين. أخدت عقود مستندات، قرأتهم، ملقيتش فيهم أي حاجة مثيرة للشك... بس أكيد مش هكتشف الحاجات دي للمرة الأولى. عاد لصمته لتسأله بقلق عن ريهام: _طب هي ماما مالها؟ _لا هي كويسة، الحمد لله... أنا نزلتلها بس عشان منار عندها مشكلة. صمتت نجلاء ثم أردف: _انتِ محتاجة تعرفي المشكلة دي عشان تساعديها. _خير. سرد مصطفى لها كل شيء يخص منار منذ اللقاء الأول إلى اللقاء الأخير، وحين انتهى، قالت نجلاء له وهي ممتعضة بغيرة شديدة: _هو إنت إزاي متقوليش كل دا عنها؟ ليه خبيت عني؟ مش فاهمة. _ملهاش لازمة أقولك يا نجلاء، البنت تابت ومكانش ينفع أفضحها. _تفضحها؟ ليه يعني؟ شايفني بفشي أسرار الناس كلها؟ يعني أنا حد غريب عشان متثقش فيا ولا إيه؟ الموضوع وحش أوي إن يكون بينها وبينك سر أنا معرفوش. _يا حبيبتي، الموضوع مش كده. الفكرة في إنّي أستر عليها من أي حد وخلاص، الموضوع مالوش علاقة بسر بيني وبينها. مهو لو كان سر مكنتش قولتلك عن المصيبة بتاعتها دي. _إنت قولتلي عنها عشان تساعدها، غير كده كنت هتحتفظ بسرها دايمًا وأكون أنا العبيطة اللي مش عارفة. _وتعرفي ليه هيفيدك بإيه؟ _إنت أول مرة تخبي عني حاجة كده يا مصطفى، خصوصًا لو سر بينك وبين واحدة غريبة. _إنتِ إيش عرفك؟ ما يمكن عرفت أسرار ناس كتير أنا معرفتكيش عليها، مش عشان أثبت حبي ليكي أحكيلك كل حاجة يا نجلاء وأفضح أعراض الناس لأي حد. _أنا أي حد؟؟ سكت مصطفى وهو يأخذ انفاسه بنفاذ صبر، وقرر ألا يكمل هذه المشاجرة العبثية. وحين رأته يصمت، صمتت بدورها منزعجة. وحين طال صمتهم، قالت له: _انت عايزني أعمل إيه برضو؟ _هيكون إيه يا نجلاء؟ _اعملها عملية اجهاض؟ _هو في حل غير كده؟ _هي مش كانت متجوزة قبل كده؟ سيبها تخلف ويبان للناس إنها خلفت من طليقها قبل طلاقهم. _لا يا نجلاء، مينفعش. الطفل هيتولد وهو ميعرفش مين أبوه، وهيتضحك عليه ويتقال إن أبوه هو طليقها ويتكتب باسمه... وأنا مش هسمح بكده، عشان بعد ما يبقى تلاتين سنة ميحسش بالقهر بعد ما يعرف مين أبوه الحقيقي. لاحظت نجلاء في اعين مصطفى ونبرة صوته الأسى والغضب على مصير هذا الطفل، كما لو كان يتذكر نفسه ويرى نفسه في ذلك الطفل. _طب لو كشفت عليها ولقيت الجنين عدى المية وعشرين يوم؟ صمت مصطفى قليلاً ثم قال: _مفيش حل غير إننا نسيبها...اكيد مش هنقتل روح                            *********** مرت الساعات، وبدأت الشمس بالغروب معلنةً عن قدوم المغرب. رحمة ما زالت على أرض غرفتها، استفاقت من صوت هاتفها. مدت يدها لحقيبتها بصعوبة وألم، وأمسكت هاتفها، وكان من يتصل رشا. _رحمة، انتِ كويسة؟ _لا. _جت نوتفكيشن لرفعت إن في عملية بيع عندكوا في الشارع... إحنا عارفين علاقتك الوحشة مع أهلك خصوصًا بعد المشكلة الأخيرة. عملية البيع دي انتِ صح؟ _تقريبًا. _طب حاولي تهربي في أسرع وقت، لأن خلاص العربية دخلت عندكوا. وأنا اتصلت بواحد هييجي ياخدك. قومي بسرعة. تمالكت رحمة نفسها، وأخفت غريزة بقائها ألم جسدها وجعلتها تنساه، ووثبت مسرعة متوجهة لخزانتها، وأخذت بعض الملابس، والتقطت سلاحها الذي كانت تدسه بين ملابسها ورزم من المال. واتجهت بسرعة للنافذة، وهي تطل منها تدبر أمر هروبها، فهي في الدور الخامس، والهروب من هذا المرتفع سيكون صعبًا. وجدت العربة البيضاء تدخل شارعها بالفعل وتتوقف تحت عمارتها. لم تنتظر أكثر، ونظرت لأحدى صناديق مكيفات الهواء التي تتصل بالشقة تحتها. أخرجت ساقها، وخطت أول خطوة على النافذة، وفي تلك اللحظة فُتح باب غرفتها وكان والدها. قفزت رحمة على الصندوق ليهرع والدها نحوها، وأخرج يده من النافذة ليمسكها، وبالفعل أمسك بشعرها بقوة وظل يجذبها إليه غير مبالٍ في سقوطها من الاساس الأهم عنده ألا تهرب. لم تستطع أن تبعد يده، فوجهت المسدس نحوه وأطلقت على يده ليبتعد وهو يصيح متألمًا. نظرت إلى الشارع ووجدت حشودًا من الناس يشاهدونها، ويوجد من أخرج هاتفه ليصورها. أخرجت وشاحًا من حقيبتها ولثمت به وجهها، ثم نظرت إلى إحدى صناديق المكيفات الأخرى وقفزت إليه بسهولة، ليظهر هنا رشاقتها ولياقتها في الحركة كما لو كانت معتادة على تلك القفزات بالفعل. وصل عصام إلى مقدمة الشارع ولثم وجهه أيضًا، ثم خرج من السيارة. نظر لمكان رحمة، ثم نظر للسيارة البيضاء ومدَّ يده الآلية وأطلق شعاعًا عملاقًا ليضرب تلك السيارة، مما أحدث انفجارًا هائلًا أصاب الناس الذين كانوا حوله، وتطايرت أجسادهم السليم منها والأشلاء.  أصابت الرياح الحارقة رحمة، وطارت هي أيضًا، وبدأ عصام بالركض السريع كالبرق. سقطت بين ذراعيه، ملتقطًا إياها بسهولة، وعاد راكضًا وهي في حضنه بسرعة نحو سيارته. وضعها داخل السيارة وركبها وانطلق مسرعًا. حالة رحمة النفسية والجسدية مهلكة لأبعد حد، ولكن ما يهلكها أكثر هو استيعابها أن الذين من المفترض أن يكونوا أول الناس دفاعًا عنها ومساندين لها وحماةً لها، هم أول من وقفوا ضدها وساهموا في إنهاء حياتها لأجل حديث باطل لا دليل عليه. من المؤسف أن تكون عائلتك هي عدوتك في المقام الأول. لا تعرف رحمة ما السبب في ذلك، أهو بسبب عصام؟ أم أنه كان وسيلة لإظهار والدها ووالدتها على حقيقتهما، وأنهما لا يكترثان بها كما يكترثان لحديث الناس ورأيهم عنهما؟ فور أن تستغني عائلتك عنك، تفقد الانتماء لأي شيء، ولا تؤمن أساسًا بوجود ما يستحق الانتماء له. فبعد العائلة، لا يوجد انتماء، وهذا ما فقدته رحمة إلى الأبد.                           ********** . . . _ريد مونكي؟ اشمعنى؟ _عشان الناس كل لما بتتوجع أو بتحاول تتجنب أي حاجة مؤلمة بيفكروني بالقرود لما بيتنططوا ويصوتوا، في دماغي أخلي لكل اوضه من الريد مونكي طريقة تعذيب تخلي لونهم أحمر، زي مثلا اسلخ جلدهم وهما أحياء، أو الأوضة تبقا نحاسيه ونزود حرارتها فيفضل يتنطط وهو بيصوت ويتسلخ، أو نولع عليه النار وهو حي، أو نحطه في ماية حمرا ونكهربه وهو فيها، يعني في طرق كتير في دماغي، متحمس اوي اجربهم. _هتكسب فلوس كتيرة أوي من ورا الموضوع دا. _شدي حيلك بقا عشان هتشاركي في التعذيب. . . . هذا الحوار دار بين هاجر وادهم منذ ست سنوات، (RED MONKEY) هو اسم لمشروع يعرض في الدارك ويب من ضمن عشرات المشاريع التي يفعلها ادهم في هذه المنصات ولكن ما يميز الريد مونكي وما زاده شعبية بين مجتمع الدارك ويب هو مخصص لتعذيب صحاب النفوذ والسلطات ورجال الأعمال والوزراء والسياسيين والضباط وما إلى ذلك، وفي بعض الاحيان مدنيين عاديين ولكن يكون لهم اعداء فيدخلون الريد مونكي بطلب من أحدهم خصيصًا، ويتم تعذيبهم كلهم على بث مباشر ومن يريد أن يتم تعذيبه بشكل معين يدفع مبلغ مالي مع طلبه. كانت هاجر تشارك في تعذيب كل من يدخل الريد مونكي، عذبت ما يقارب الخمسمائة شخص. هي الآن في غرفتها في منزل نوح جالسة أمام حاسوب قد سرقته من إحدى المتاجر، أمامها الريد مونكي وتشاهدهم وهم يعذبون رجلٍ ما، علمت من التعليقات أنه وزير ايراني، كان من يشاهد البث ما يقارب الخمسمائة ألف شخص. كانوا اربعة في الغرفة مع الوزير، ثلاثة يعذبونه وواحد يقرأ للتعليقات. <اخلع عينيه وسأدفع مئة ألف دولار> كان هذا طلب شخص في التعلقيات، وبالفعل فعلوا ما طلبه بعدها رأت اشعار بإرسال مئة الف دولار للبث. كان طيلة البث يرسل المشاهدين طلبات في تعلقاتهم بمقابل مالي، كانوا يرسلون المال فقد ليشاهدون هذا الرجل يتم تعذيبه، إن عقل المرء الطبيعي العاقل من المستحيل أن يستوعب مدى وحشية هذه الفئة من الناس وهذا المجتمع. كانت هاجر تشاهد كل هذا وتتذكر أنها كانت من ضمن الاربعة، لقد عذبت كل الناس بكل اشكال التعذيب، وتتذكر كل فرد قامت بتعذيبه. أغلقت هاجر الحاسوب وظهر على عيناها وملامحها وحركات جسدها أنها تكتم سخط وندم يفوق عنان السماء، وفجأة امسكت الحاسوب وضربته بالجدار وظلت تدمره وتكسره مرارًا وتكرارًا إلى أن تفتت تمامًا بعدها أخذت أنفاسها ارتدت ملابسها لتذهب للمستشفى.                          ********** نوح الآن في المستشفى حيث غرفة غادة التي ما زالت نائمة كالملائكة، ويبدو أن حالتها مستقرة. مصطفى ونجلاء ومريم معه في الغرفة، ومريم جالسة بجانب غادة تشاهدها وتراقب تحرك صدرها وهي تتنفس، ثم تنظر لملامحها. وهنا سمعت نور تقول: ~شبهه أوي. _شبه مين؟ لم تجيبها نور، فالتزمت مريم الصمت، بينما نوح ونجلاء ومصطفى يقفون بعيدًا عن مريم وغادة قليلاً وهم يتخافتون سويًا. وقال نوح هنا لنجلاء: _نجلاء، عشان خاطر مصطفى قولي الحقيقة... أمي ماتت إزاي؟ _يعني إيه ماتت إزاي؟ الله يرحمها يا نوح، خلاص بقى مش لازم ماتت إزاي. _لا، لازم تعرفيني لأني أقسم بالله هتجنن. لولا غادة كنت نطيت من أي برج وريحت نفسي. قال مصطفى: _يا حبيبي اهدى، في إيه طيب، ليه عايز تعرف؟ _هي أمي ماتت من المرض اللي في قلبها بجد؟ تعجبت نجلاء بشدة مما قاله نوح، لتقول له: _نوح، عمتو مكانش عندها مرض في قلبها. _لا، كان عندها... أكيد مقالتلكوش. _معرفش... يمكن، بس هي ماماتتش عشان كده لا. _احلفي بالله. _والله العظيم عمتو ماماتتش بالمرض اللي في قلبها. _أومال ماتت إزاي؟؟ صمتت نجلاء ونظرت لمصطفى وكأنها تستنجد به وتريده أن يقول هو بدلًا عنها لعدم مقدرتها على نطق ذلك المشهد. وحين فهم مصطفى نظرتها قال: _نجلاء شافتهم وهما بيموتوها... للأسف يا نوح والدتك اتقتلت من الميليشيات. سكت نوح تمامًا وهو يحدق في مصطفى بصدمة مكتومة. ورغم أنه ارتاح لعدم كونه السبب في موتها، إلا أن شعور الذنب تبدل بشعور أكبر منه، وهو الضغينة والكراهية، ولم يفكر نوح في هذه اللحظة بشيء سوى أنه يريد أن يقتل رفعت بيديه العاريتين. طُرق الباب، وسمح نوح بالدخول. دخلت علا، وفور رؤيته لها تحولت نفسيته تمامًا، فور أن رأى وجهها الجميل وابتسامتها البشوشة، أثلج صدره من وجودها وهدأ قلبه المتضارب المشتعل. سلمت عليهم وعانقها نوح بقوة، ثم قبل رأسها وجلسوا معًا. وبعدها بمدة قصيرة أتى سليم، ويبدو أنهم حددوا هذا اليوم ليتجمعوا سويًا. ومما زاد اجتماعهم ابتهاجًا وسرورًا هو علمهم بأن عرس سليم سيكون الخميس المقبل. كان اجتماعهم مليئًا بالمودة والاطمئنان كما لو كانوا عائلة قديمة، وهذا ما أثبت حبهم الصادق لبعضهم. رغم أنهم تعرفوا على بعضهم من فترة بسيطة، إلا أن مشاعرهم وترابطهم كان أقوى من أي عائلة عادية. وهذا لم تكن تعلمه هاجر. هي الآن داخل المستشفى في طريقها لغرفة غادة، ولا تعلم أن عائلتها كلها التي جلست شهورًا بل سنين تبحث عنهم وتتمنى رؤيتهم متجمعين في غرفة واحدة. وصلت للباب وفتحته بكل تلقائية، لتتجمد مكانها فور رؤيتها لهم متجمعين بهذا الشكل. وقال مصطفى مندهشًا بسرور، والابتسامة العريضة على وجهه: _إيه ده... هااجر أخيرًا ظهرتي! قال سليم: _قشناكي يا بت. قالت علا: _دي أختنا يا نوح؟ قال نوح مبتسمًا: _أيوة هي، هي دي سبب قعدتنا مع بعض دلوقتي. نهضت علا بسعادة عارمة وعانقت أختها، وقبلت خدها بمشهد لطيف يظهر تعالم الاخت الاكبرى مع الصغرى. وقام مصطفى أيضًا واحتضنها بشوق، حامدًا الله أنها بخير بعدما اختفت من بيته فجأة. وبعد ترحيبهم بها، أجلساها بينهم. كانوا يتحدثون معها مبتهجين بوجودها، وهي تنظر إليهم بدهشة ما زالت لا تستوعب هذا الحال الذي لم تشعر بمثله من قبل، وتنظر لنوح الذي كان مبتسمًا سعيدًا بها. هل تحقق الحلم؟ هل أصبحت بين عائلتها بالفعل؟ هل تلك المشاهد التي كانت تشاهدها في التلفاز متأملة أن تكون فيها أصبحت واقعًا أخيرًا؟ هل انتهى زمن قتل وتعذيب الناس؟ هل انتهت الأوامر القاسية والمخدرات والأسلحة؟ أخيرًا أصبح لديها عائلة سعداء بوجودها بينهم ويحبونها؟ لم تتحمل هاجر كل تلك المفاجآت الجميلة، وانهالت الدموع من عينيها بثبات انفعالي. وحين لاحظت علا ذلك، وضعتها في حضنها ليختفي ثباتها، وتنفجر بالبكاء في حضن أختها. وعلا مبتسمة تواسيها بيديها الرقيقة التي تربت على ظهرها وتتحسس على شعرها. تأثروا ببكائها حقًا، فكل منهم كان يفتقد جزءًا كبيرًا من عائلته أو عائلته كلها، وكل منهم شعر بمشاعرها الفياضة، وشعر بحلاوة تلك المشاعر حين يستوعب الشخص أنه أخيرًا أصبح له عائلة حقيقية، كما لو كان عاد لوطنه بعد غياب طويل وغربة قاسية. لم يطل بكائها، ومسحت عينيها وهدأت، ليقول مصطفى وهو يمسح دموعها بدوره: _بعد كده متبعديش عننا تاني... أنا جايبلك حاجات مخصوص ليكي ولسه عاينها لحد ما أشوفك. قال نوح: _لا يا مصطفى متقلقش، هي مش هتبعد ولا هسيبها تبعد. هي دلوقتي في بيتها معايا أنا وغادة. أي حد عايز يزورها ويشوفها يبقى يروح شقتي بعد كده. قال سليم: _وبيتي برضو يعتبر بيتها. أمي لحد دلوقتي لسة بتسأل عليكي، ياريت تبقي تزوريها يا ابنة يا عاقة. ضحكت هاجر فضحك هو أيضًا، لتقول علا: _أنا بيتي وبيت عصام برضو يعتبروا بيتك. قال مصطفى: _صحيح، هو عصام مش هييجي؟ _معرفش، اتصلت بيه كذا مرة مردش. يا إما نايم مع واحدة، يا إما في مأمورية مثلاً. قال سليم: _أه، القاعدة دي فاضلها عصام ونور. قالت نجلاء بقلق: _نور مين؟ قال مصطفى: _نور الصاوي اللي حكيتلك عنه. _أ.. أه صح. قال نوح: _هو قالي إنه هييجي برضو، فخلينا نستناه. بعد مرور الوقت من الحديث والكلام والضحك، سمعوا طرق الباب، فقالت علا: _أكيد ده عصام، أنا هفتح له. نهضت علا بسرعة وفتحت الباب في اعتقادها أنها سترى عصام، أو حتى نور الصاوي، ولكن لم يكن أي منهما.                            ********* في بيت رشا الآن، كانت رحمة تصيح باكية على ما حل بها، بينما رشا تحاول أن تعالج كدمات وجهها وجراحها. _يابنتي، خلاص بقى، ما إحنا حواليكي أهو. _مكنتش عايزة كل ده يحصل، كان نفسي أبويا وأمي يحبوني ويشوفوني بنتهم مش عدوتهم. _يا ستي، يولعوا بجاز، هما لازمتهم إيه في حياتنا عشان تتمني إنهم يحبوكي؟ هنا دخل عصام وفي يده طعام، فقالت رشا: _كويس إنك جيت. أنا هنزل أجيب حاجات من الصيدلية وهرجع. اياك تسيبها وياريت متغتصبهاش عليها لو سمحت. خرجت رشا وتركتهما وحدهما، جلس عصام وهو يشعر بالهم والشفقة الشديدة على رحمة. ثم فتح الحقيبة وأخرج الطعام، وكان دجاجًا مشويًا طازجًا. أخذ فصًا بيده ومد يده لها وهو يقول: _يلا يا حبيبتي... كلي. أبعدت وجهها وهي ترفض: _رحمة لازم تاكلي... إنتِ عملتي مجهود كبير. _إنت السبب في كل ده. _أنا السبب في إن أبوكي غبي ووسخ؟ _لولاك مكانوش ضربوني ولا فكروا يبيعوني. _عايزة تقوليلي إن قبل ما أخش حياتك كانوا بيعاملوك حلو؟ نظرت إليه عاقدة حاجبيها في استغراب شديد، فقال لها: _متبصيليش كده، مهو مفيش أب وأم يكونوا حابين بنتهم وواثقين فيها ويعاملوها أحسن معاملة، وفي يوم وليلة يعملوا فيها كده. صمتت رحمة قليلاً ثم قالت بأسى: _عندك حق، هما من زمان مش بيحبوني ولا بيعاملوني كويس، بحس إنهم مش بيطيقوا الكلام معايا حتى... معرفش ليه، مع إنّي بنتهم الوحيدة. _أكيد هما كمان كارهين بعض وبيتخانقوا مع بعض دايمًا. _هو إنت بتعرف إزاي كل ده؟ _يابنتي، أنا خبرة، وبعدين أنا أذكى راجل في مصر. معلش، إنتِ مشوفتش كمية القضايا الصعبة اللي حليتها؟ _لا، مشوفتش. للأسف سمعتك في القرف مغطية على سمعة شغلك وذكائك. _طيب ماشي يا ستي... ممكن تاكلي بقى لو سمحتي، والله أنا خايف عليكي، لازم تاكلي. إنتِ من الضهر مكلتيش. صمتت رحمة برهة لتجد يده تقرب منها بالفص، فالتقطته بيدها من يده وهي تقول: _عندي إيدين مش مشلولة، مش محتاجة تأكليني. _طيب بس كلي كويس. بدأت رحمة في الأكل، وظهر عليها الجوع الشديد حقًا، وهو ظل يحدق فيها بإعجاب وسعادة على كونهما وحدهما الآن اخيرًا، وقرر انتهاز تلك الفرصة. _رحمة، أنا عايزك تعرفي أني مستحيل أسيبك، مهما سابك الناس، أنا هفضل جنبك. _ مش محتاجاك جنبي، إنت بتجيبلي المصايب دايمًا. سكت عصام وشعر أنها لا تطيق سماع صوته ويلدو ان لا يوجد أي فرص من الأساس، فإكتفى بتحديقه لها طول الوقت. وحين انتهت، قامت لتغسل يديها. هنا دخلت الشقة رشا، لتختفي ابتسامة عصام ويشعر بنغص حين قالت: _شكرًا ليك يا عصام، تقدر تمشي الوقت. قام عصام وهو يقول: _متأخرتيش ليه؟ كنت عايز أقعد معاها أكتر. _ليه يعني كنت عايز تعمل فيها إيه؟ _يا ستي مكنتش عايز أعمل حاجة، كنت عايز أقعد معاها شوية بس. _معلش، وقت تاني... اتفضل يلا. التفت عصام لرحمة وجدها واقفة تنظر إليه فتقدم ووقف أمامها وهو يقول: _أنا مش هسيب اللي عمل في وشك كده يا رحمة... أقسم بالله، لاجيب حقك واخليه ييجي يبوس رجلك. صمتت رحمة قليلاً وهي تنظر إليه، ثم قالت: _مش أبويا بس اللي تجيب حقي منه، في واحد قال إنه شافني معاك في العربية، ياريت تعرف هو مين وتجيبهولي يبوس رجلي...، إنما بابا بلاش تإذيه جامد. _من عيني يا روح قلبي... يلا سلام. خرج عصام، وبعدها ارتسمت على شفتي رحمة ابتسامة خفيفة، جعلت رشا تشك وتقول لها: _الله؟ إيه الضحكة اللي على وشك دي؟ _والله حاسة إنه بيحبني بجد. _لا يا حبيبتي، هو عايز جسمك مش أكتر. _بعد كل اللي عمله ده؟ _آه بعد كل اللي عمله ده، والله أول ما يلمسك هيرميكي في زبالة الستات بتوعه ولا هيفكر فيكي تاني، خلي بالك.                            ********* فتحت علا الباب وهي تعتقد أن الطارق عصام، ولكنه لم يكن عصام. _مين حضرتك؟ _إيه، مش هتدخليني؟ قال نوح: _اتفضل. دخل الشخص بابتسامة عريضة علي وجهه وفور دخوله نهض مصطفى واقفًا، وصدمت هاجر بقدومه هنا بنفسه. وقال مصطفى وهو مستشيط: _إنت إيه اللي جابك هنا؟؟؟ بالطبع لقد كان نور الديب، فقال نوح هنا: _اهدي يا مصطفى لو سمحت. _والله يا نوح هو كده دايمًا كل لما يشوفني وكأنه ركبه عفريت، أنا عرفت إنكوا متجمعين كده حسيت بالحزن الصراحة، قولت أما أجي أقعد معاكم عشان القعدة تكمل. قالت هاجر: _متقولش إنك أخونا. _أومال كنتي بتدوري عليا ليه يا حبيبتي؟ قال مصطفى: _مستحيل أصدق إنك أخونا. _ليه؟ صدقت إن أبوك هو أخطر مجرم في العالم، إنما أنا العبد لله متصدقش إنه أخوك؟ قال سليم: _أخونا إزاي؟ إحنا عارفين أخونا نور أصلاً اللي هو نور الصاوي. _مفيش نور غيري، أي حد يقولكم كده كداب. نظر نور لنجلاء التي كان يقف أمامها مصطفى كما لو كان يخبئها ويحميها، وقال: _ازيك يا نجلاء، يعني لما تلبسي النقاب كده مش هعرفك؟ تقدم مصطفى وأمسك بقميص نور ودفعه خارج الغرفة وهو يقول غاضبًا: _مالكش دعوة بيها، واطلع برا ارجع مطرح ما كنت. حين دفع مصطفى نور خارج الغرفة، ارتطم بنور الصاوي الذي كان سيدخل الغرفة بالفعل، وفور ارتطامهم ببعضهم تبادلا النظرات. وهنا وقف سليم وهو يقول لنور الصاوي: _الحق يا نور، في واحد بينتحل شخصيته. قال مصطفى: _أيوة، أبو نضارة دا هو أخونا مش الكافر التاني دا. نظر الصاوي للديب وهو يقول له بابتسامة عريضة: _إيه دا؟ مش أنت السلاح بتاع سردار شاهين؟ قال الديب له هازئًا: _أقسم بالله، إنت دماغك تعبانة، أكيد يوسف هو اللي كل عقلك بالكلام العبيط دا. نظر نور الديب لنوح وهو يقول له وقد ظهرت على نبرته الغضب الطفولي: _لو قالك إن دا أخوكم فمتصدقوش، أنا هو أخوكم، أنا نور الحقيقي. قال نور الصاوي: _لا طبعًا، أنا أخوكم واضحة أوي وكله عارف كده أصلاً، أنا نور الحقيقي. رفعت مريم يدها وهي تقول: _لا، أنا نور الحقيقية. أسكتتها نجلاء وهي تقول: _مش وقته هزار يا مريم. احتدم الديب وقال وهو يضرب بقدمه على الأرض: _لا، أنا نور الحقيقي، والله والله أنا الحقيقي. قال الصاوي: _مالك يا بطة، الحالة اشتغلت؟ قال نوح بنبرة صارمة ليسكتهم: _خلاص!! اعملوا حسابكم إنهم في اوضة مريضة، احترموا نفسكم شوية!! انتفض الديب خوفًا من نبرة نوح الصارمة وقال: _ح.. حاضر. قال نوح: _هاتوا عينة من الDNA بتاعكم. التقط الديب شعره من فورة رأسه، أما الصاوي فأخرج منديلًا وبصق فيه وأعطاه لنوح ليقول نوح: _أنا مش هاخد القرف دا. _وأنت مفكر إن فروة راسه ممكن تكون حقيقية؟ بقى فيه بواريك دلوقتي بتزيف فروة الراس وبتتحقن بالحمض النووي. _نور بطل فيلم هندي وهات شعراية من راسك. قال الصاوي وهو يحرك منكبيه بلا مبالاة: _براحتك. أخذ نوح منهم الشعرتين ووضعهما في منديل، والكل جالس في حالة حيرة وتردد شديد. وبعد هدوء قليل بدا على نور الديب أنه عاد لرشده البالغ وقال وهو ينظر لغادة النائمة: _بقالها كام يوم نايمة؟ _داخلة على يومين. قال الصاوي وهو ينظر لهاجر: _شكلها أخدت السيانيد الكداب مش كده؟ قالت هاجر: _إنت عرفت إزاي؟ لم يجيبها ولكنه ظل يحدق فيها بابتسامة جعلت جسدها يقشعر من الرعب، شعرت أن أدهم الملعون يقف أمامها وليس أخيهم، وهذا ما جعلها تصدق أنه أخيهم بالفعل وليس الديب. _تحب أصحيهالك؟ قال الديب ذلك ليجيبه نوح: _مفيش حاجة اسمها كده، مهما حاولت هي مش هتصحى، الدكاترة ميعرفوش هي هتصحى إمتى. _مهو إنت لو سيبتها كده يا نوح هي مستحيل تصحى وهتنتهي بالموت زي معظم الحالات اللس بيخشوا في غيبوبة، أحسنلك خليني أصحيهالك. _لا يا شيخ؟ طب اتفضل صحيهالي. مد نور يده فقال نوح: _من غير ما تلمسها، صحيها من غير ما تلمسها. ابتسم نور ابتسامة عريضة وهو يقول: _إنت كده بتعجزني يعني؟ ماشي. وضع تركيز عينيه كله على غادة، وبعد لحظات تحرك جسدها حركة طفيفة لتتسع أعين نوح من الدهشة وهو يحدق فيها، وهنا وجدها تفتح عينيها برفرفة لينهض نوح مصدومًا: _غادة؟؟ حبيبتي إنتِ سمعاني؟ قالت غادة بصوت منهك: _إبراهيم؟ _أنا نوح يا حبيبتي... أنا نوح. فتحت عينيها وهي تنظر لنوح قائلة: _نوح، إبراهيم فين؟ ضحك نوح بسرور عارم وقبّل يدها ثم عانقها بقوة وهو يردد: _الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله. قال نور منزعجًا: _بس أنا اللي صحيتها... تجاهله نوح وأتت كل من هاجر وسليم وعلا لغادة وهم يطمئنون عليها، أما مصطفى فكان جالسًا يحدق في نور الديب، ونظر له نور نظرة مستفزة أخيرة وقرر أن ينسحب ويخرج من الغرفة. وبعد دقائق أتى الطبيب وكشف على صحتها، وقال وهو مندهش إن صحتها أصبحت جيدة جدًا وتستطيع أن تخرج في أي وقت هي تريده، وقرر نوح أن في صباح يوم غد أن يعودان لمنزلها. خرج مصطفى ونجلاء ومريم من المستشفى وهم صامتون تمامًا من غرابة ما حدث اليوم، فقالت نجلاء: _كويس إنها جت على قد كده. التزم مصطفى الصمت وذهبوا للسيارة، كانت سيارة إحدى جيرانهم قرر أن يستعيرها مصطفى لتلك الفترة المؤقتة. ركبت نجلاء ومريم وذهب مصطفى ليبتاع بعض الأشياء أثناء جلوسهم في السيارة. أثناء ما كانت نجلاء جالسة شعرت بشعور غريب، شعرت أن هناك حضورًا قويًا حولها وأن هناك أحدًا يقوم بمراقبتها، رفعت نظرها لمرآة السيارة لتطمئن على مريم خلفها ولكن ما رأته هو رجل غريب الشكل يقف خلف السيارة ويحدق فيهن بابتسامة خفيفة مربكة. قبض قلبها من تحديق عينيه لهما وابتسامته الخبيثة ومن مظهره العجيب، كان يرتدي سترة متسخة بالتراب وشعره طويل وملامحه غريبة ولكنها آدمية، ويبدو أنه طويل للغاية حيث كان يثني ظهره فقط لكي يطل عليهما من النافذة الخلفية. كان الرجل لا يفعل شيئًا سوى أنه يحدق فيهما مما جعل قلقهًا وارتباكها يزداد. دخل مصطفى السيارة فانتفضت فازعة لينتفض مصطفى هو أيضًا ويقول: _بسم الله، مالك يا حبيبتي في إيه؟ عادت ونظرت للمرآة لتجد أن الرجل اختفى تمامًا، أخرجت رأسها من النافذة وحاولت أن تبحث عنه ولكن لم تراه نهائيًا. _مالك يا نجلاء في إيه؟ _م.. مفيش... كان في راجل شكله غريب كده... شكله خوفني شوية، واضح إنه مجنون من بتوع الشوارع، ربنا يشفيه يا رب. مر الوقت وبعدما ذهبوا كلهم ومر منتصف الليل، كان نوح وغادة جالسين وحدهما، نوح بجانبها ممسكًا بيدها وهي جالسة صامتة لا تقول شيئًا. فتنهد نوح ثم قال: _غادة أنا..... _مش محتاج تتكلم في الحوار يا نوح... خلاص هو عدى. _لا، معداش، أنا لازم أعترف بغلطتي وأبين لك أني واعي بذلك، وأوعدك أني مكررش تاني، والأهم لازم أوضح لك أني مستحيل أبقى زي عمتك وبنتها. _أنا عارفة يا نوح، أنا سمعت كل حاجة، سمعت كلامك مع دكتور عمر وسمعتك وأنت بتزعق لعمتو وبنتها وسمعت كلامهم  أنا سمعت كل حاجة. _سمعتي كل حاجة؟؟؟ _أيوة. نظرت إليه ثم قالت: _أنا برضو أشيل جزء من الغلط، أنا آسفة. _لا، أنا اللي تهجمت عليكي الأول، متعتذريش. أومأت برأسها ولاحظ كم العبوس العظيم في وجهها، وشعورها بالغم القاتل، ليقول لها قلقًا: _إنتِ شوفتي إبراهيم أخوكي؟ أغمضت عينيها بقوة كأنها لم تعد تتحمل أن تتذكر ما رأته، وقالت بصوت مرتجف يظهر ثقل الغصة في حلقها: _أنا شوفت كل حاجة... وحسيت بكل حاجة.. وسمعت كل حاجة. نظرت لنوح والدموع متحجرة على عينيها ونظرات الفزع فيها: _إبراهيم هناك يا نوح... إبراهيم هنا بقاله تلتاشر سنة وبيتعذب هناك، أنا معرفش هو حي دلوقتي ولا لا بس... احنا لازم نشوف طريقة نخليه يخرج من المكان يا نوح. هنا نظر نوح لإنعكاسه في زجاج النافذة بجانبه، والذي كان انعكاس مايا، وكأن مايا ترسل له رسالة ما، ليقول نوح هنا: _هنشوف يا غادة، هنتصرف يا حبيبتي، متقلقيش.                           ********** بعد منتصف الليل وقد اكفهرّ ظلامه، يقف رفعت في فيلته في غرفة مكتبه يحدث أحد خدامه واثناء كلامهم طُرق باب المكتب. وبتلقائية الخادم إتجه الخادم للباب وفتحه لتظهر يد بها مسدس واطلقت في رأسه وتقتله في الحال وترتطم جثة الخادم أرضًا. التفت رفعت ببرود ونظر للجثة وبعدها رفع نظره للشخص الذي أطلق النار وهو يقول بإستياء: _دا خامس واحد عندي تقتله..ممكن تبطل؟ قال هذا الشخص بعدما ضحك مقهقهًا: _ياعم كل مرة بيبقا قصدي اقتلك إنت، إبقى إفتح الباب بنفسك المرة الجاية بقى. دخل الشخص وجلس على الاريكة ثم وضع ساقيه على المنضدة التي أمامه واتجه رفعت للباب وأغلقه بالمفتاح ثم اتجه ليجلس امام هذا الشخص وهو يقول _شكلك استقريت في مصر من غير ما الإعلام يعرف، جايلي دلوقتي ليه؟ _الريس يا سيدي، عايز ملفاته اللي معايا ونعمل صفقة سوا، شكله عايز يخليك الرئيس بداله. ابتسم رفعت ابتسامة عريضة ليضحك هذا الشخص ويقول هازئًا: _لا يا حبيبي متضحكش أوي كدة أنا هرفض. اختفت ابتسامته وهو يقول: _ليه دي هتبقا صفقة حلوة. _إنت متفلحش غير إنك تكون بتاع مخدرات وميليشيات مالهمش ملة ولا نسب، وبعدين إنت أصلا أهم من الرئيس عايز تبقا رئيس ليه؟ _طب إنت جاي تقولي دا ليه؟ _لا أنا مش جايلك عشان كدة، أنا بس عايز اسأل اخبار تحذيرات كاجويا ليك ايه؟ صمت رفعت في ارتباك خفيف ثم أردف الرجل: _والله يا رفعت أنا عارف كل حاجة بتعملها من ورايا بس ساكت وقاعد بتفرج. _أدهم، أنا مبعملش كدة بمزاجي، أنا بعمل كدة عشان لو في أي حاجة هتبقا ضدك أبلغك على طول، كل حاجة لحد دلوقتي هي لصالحنا. _هو إنك تخالف اوامري دا بيكون لصالحنا؟، إنك تحاول تقتل عيالي دا لصالحنا؟! صمت رفعت في قلق ثم نهض أدهم وهو يقول: _أنا عايز مراتك. _ماشي بس ياريت متقتلهاش. خرج أدهم وصعد للطابق الأعلى ودخل غرفة رفعت، كانت زوجته نائمة، ظل يتمعنها ولم تعجبه، فخرج واتجه لغرفة أخرى، الذي كان بها وليد، ذهب ونظر إليه ولم يعجبه أيضا فإتجه لغرفة اخرى وعرضت ابتسامته حين رأى الابنة، كانت تبلغ من العمر اثنا عشر سنة، اتجه إليها وقرر أن يختارها. على عكس معظم جرائمه، فهذه المرة سمعوا صراخ الضحية، هنا استقيظت الأم بفزع لتجد رفعت أمامها. _دي روان اللي بتصوت؟؟ _خليكي وإياكي تطلعي، أدهم معاها...سيبيه يعمل فيها اللي هو عايزه. استيقظ وليد مفزوعا من صراخ أخته المدوي الذي  شعر بإهتزاز الأرض من قوته، وسمع طلبها للنجدة لينهض مسرعًا ويخرج من غرفته راكضًا بأقصى سرعته وفور أن دخل غرفتها رأى ذلك المشهد الملعون. رأى بأم أعينه أسوء مجرم في العالم وهو يحاول فعل ذلك بأخته المسكينة، تصيح مستنجده بوليد وتبكي بحرقة شديدة جعلت وليد يحترق بحسرة عليها ليخرج ادهم مسدسه ويوجهة على رأسها وكأنه يهدده إن اقترب سيطلق النار عليها. ولكن للأسف لم يفهم وليد تهديده فخوفه على أخته وذعره عليها لم يجعله يفكر سوى في محاولة إنقاذها من ذلك الوحش وفور ان ركض بسرعة لكي يوقفه في تلك الثانية اطلق ادهم النار على رأس المسكينة ليسكت صوتها الباكي في اقل من ثانية ويحل السكون المكان. ومن صدمة وليد من الصوت العالي والفجأة التي تليها سكوت صراخ أخته بشكل تام لم تتحمل ركبتيه التي كانت تصطك ببعضها وسقط على الارض واعينه الجاحظتان قد تخرج من مكانها وهو يحدق بفزع على رأس اخته المهشم والدماء التي تتدفق منها. هنا اقترب أدهم منه بابتسامة مستفزة وهو يقول لوليد: _إنت السبب في موتها. وخرج من الغرفة ليقابل رفعت أمامه الذي كان يحدق في جثة ابنته بهلع، نظر لأدهم بحنق شديد وهو يقول: _قتلتها ليه؟ نظر أدهم له بسخرية وبرود وهو يقول هازئًا: _إنت قولتلي مقتلش مراتك، مقولتليش بنتك. وذهب أدهم تاركًا رفعت يعيش القهر المكتوم وهو يتتبع ذلك الوحش بعيناه اثناء تقدمه لباب الفيلا وهو يخرج.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سوق الأنام: لعنة النجوم السبعة

المؤلف ROMISAA
2024/08/31 مستمرة
قائمة الفصول (116)
الفصل 55: نِلت ما كنت تتمناه ٢
2024/10/31
الفصل 69: زعزعة المشاعر ١
2024/12/20
الفصل 70: زعزعة المشاعر ٢
2024/12/20
الفصل 71: زعزعة المشاعر ٣
2024/12/20
الفصل 72: لعلها نهاية المعاناة ١
2024/12/27
الفصل 73: لعلها نهاية المعاناة ٢
2024/12/27
الفصل 74: لعلها نهاية المعاناة ٣
2024/12/28
الفصل 75: أسينتهي الفراق يومًا؟ ١
2025/01/23
الفصل 76: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٢
2025/01/23
الفصل 77: أسينتهي الفراق يومًا؟ ٣
2025/01/23
الفصل 78: حال مضطرب ١
2025/01/30
الفصل 79: حال مضطرب ٢
2025/01/30
الفصل 68: انقاذ محتوم ٣
2024/12/13
الفصل 67: انقاذ محتوم ٢
2024/12/12
الفصل 56: بداية الطامَّة ١
2024/11/11
الفصل 57: بداية الطامَّة ٢
2024/11/11
الفصل 58: بداية الطامَّة ٣
2024/11/11
الفصل 59: السير إلى اللامنتهى
2024/11/15
الفصل 60: مجزرة الحي الذهبي ١
2024/11/21
الفصل 61: مجزرة الحي الذهبي ٢
2024/11/21
الفصل 62: غلبة اليأس ١
2024/11/25
الفصل 63: غلبة اليأس ٢
2024/11/25
الفصل 64: خيانة مفجعة ١
2024/11/30
الفصل 65: خيانة مفجعة (ماضي علا) ٢
2024/11/30
الفصل 66: انقاذ محتوم ١
2024/12/12
الفصل 80: حال مضطرب ٣
2025/01/31
الفصل 81: البوابة الاولى للعالم الموازي ١
2025/02/08
الفصل 82: البوابة الاولى للعالم الموازي (ماضي عمر) ٢
2025/02/08
الفصل 96: مسعى الاستقرار ٢
2025/05/03
الفصل 97: أبلغنا عتبة التعافي؟ ١
2025/05/10
الفصل 98: أبلغنا عتبة التعافي؟ ٢
2025/05/15
الفصل 99: نبراس المستضعفين ١
2025/06/06
الفصل 100: نبراس المستضعفين ٢
2025/06/09
الفصل 101: قُيّدت يد الغول (ماضي ليلى²) ١
2025/06/20
الفصل 102: قُيّدت يد الغول ٢
2025/06/24
الفصل 103: الوميض الحائر ١
2025/07/15
الفصل 104: الوميض الحائر ٢
2025/07/18
الفصل 105: إلى حيث تهمس الراحة ١
2025/07/28
الفصل 106: إلى حيث تهمس الراحة ٢
2025/08/11
الفصل 95: مسعى الاستقرار ١
2025/05/01
الفصل 94: أصداء العائدين، صمت الراحلين ٢
2025/04/20
الفصل 83: البوابة الاولى للعالم الموازي ٣
2025/02/08
الفصل 84: الأسر المعنوي ١
2025/02/13
الفصل 85: الأسر المعنوي ٢
2025/02/14
الفصل 86: الأسر المعنوي ٣
2025/02/15
الفصل 87: يقين مُرّ ١
2025/02/28
الفصل 88: يقين مُرّ (ماضي ليلى¹) ٢
2025/03/02
الفصل 89: مشارف التحرير (القبر المزيَّن) ١
2025/04/03
الفصل 90: مشارف التحرير (سانكتوريا) ٢
2025/04/03
الفصل 91: مشارف التحرير (ماضي فريدة) ٣
2025/04/05
الفصل 92: مشارف التحرير (يوم عرفة) ٤
2025/04/08
الفصل 93: أصداء العائدين، صمت الراحلين ١
2025/04/18
الفصل 107: إلى حيث تهمس الراحة ٣
2025/08/21
الفصل 54: نِلت ما كنت تتمناه ١
2024/10/31
الفصل 1: الرجاء توخي الحيطة والحذر ١
2024/08/31
الفصل 15: دردشة مع المؤنسة ١
2024/08/31
الفصل 16: دردشة مع المؤنسة (ماضي عصام) ٢
2024/08/31
الفصل 17: جلسة غريبة ١
2024/08/31
الفصل 18: جلسة غريبة ٢
2024/08/31
الفصل 19: كابوس الرجل
2024/08/31
الفصل 20: سر غرفة الأم ١
2024/09/02
الفصل 21: سر غرفة الأم ٢
2024/09/02
الفصل 22: سر غرفة الأم ٣
2024/09/02
الفصل 23: محاولة لم الشمل ١
2024/09/05
الفصل 24: محاولة لم الشمل ٢
2024/09/05
الفصل 25: حفل زفاف ١
2024/09/09
الفصل 14: مصارعة الوهم ٣
2024/08/31
الفصل 13: مصارعة الوهم ٢
2024/08/31
الفصل 2: الرجاء توخي الحيطة والحذر٢
2024/08/31
الفصل 3: الرجاء توخي الحيطة والحذر٣
2024/08/31
الفصل 4: لعنة الاشقر الشهواني١
2024/08/31
الفصل 5: لعنة الاشقر الشهواني٢
2024/08/31
الفصل 6: لعنة الاشقر الشهواني٣
2024/08/31
الفصل 7: قمة الإبنة
2024/08/31
الفصل 8: رجل ميؤوس منه١
2024/08/31
الفصل 9: رجل ميؤوس منه٢
2024/08/31
الفصل 10: رجل ميؤوس منه٣
2024/08/31
الفصل 11: رجل ميؤوس منه٤
2024/08/31
الفصل 12: مصارعة الوهم ١
2024/08/31
الفصل 26: حفل رفاف ٢
2024/09/09
الفصل 27: ماضي مصطفى (غصون الحب) ١
2024/09/12
الفصل 28: ماضي مصطفى (نور) ٢
2024/09/12
الفصل 43: حافة الهلاك ٣
2024/09/30
الفصل 44: مخادعة المليحة ١
2024/10/14
الفصل 45: مخادعة المليحة (ماضي غادة) ٢
2024/10/14
الفصل 46: إبراهيم وإلياس
2024/10/17
الفصل 47: عودة المحبوبة
2024/10/17
الفصل 48: قمة العبث ١
2024/10/21
الفصل 49: قمة العبث ٢
2024/10/21
الفصل 50: وهن العقل ١
2024/10/24
الفصل 51: وهن العقل ٢
2024/10/24
الفصل 52: فراشة ألكُن الزرقاء ١
2024/10/28
الفصل 53: فراشة ألكُن الزرقاء ٢
2024/10/28
الفصل 42: حافة الهلاك ٢
2024/09/30
الفصل 41: حافة الهلاك ١
2024/09/30
الفصل 40: ثنائي مثير للجدل
2024/09/30
الفصل 29: ماضي مصطفى (الافراج) ٣
2024/09/12
الفصل 30: ماضي مصطفى (جزار الانس) ٤
2024/09/12
الفصل 31: جحيم المجتمع ١
2024/09/16
الفصل 32: جحيم المجتمع ٢
2024/09/16
الفصل 33: جحيم المجتمع ٣
2024/09/16
الفصل 34: نوح القاتل ١
2024/09/19
الفصل 35: نوح القاتل ٢
2024/09/19
الفصل 36: من منهم السابع؟ ١
2024/09/23
الفصل 37: من منهم السابع؟ ٢
2024/09/23
الفصل 38: هو يعلم اكثر من اللازم ١
2024/09/26
الفصل 39: هو يعلم اكثر من اللازم ٢
2024/09/26
الفصل 108: لقاء يعصف بالمجهول
2025/11/08
الفصل 109: غُربة تحت العيون ١
2025/11/08
الفصل 110: غُربة تحت العيون ٢
2025/11/08
الفصل 111: في مهبّ الصدام ١
2025/11/27
الفصل 112: في مهبّ الصدام ٢
2025/12/21
الفصل 113: قارعة في صميم الغياب ١
2026/02/06
الفصل 114: قارعة في صميم الغياب (ماضي نجلاء) ٢
2026/04/02
الفصل 115: إلى ضفّة أخرى
2026/06/08
الفصل 116: مراسم دفن الماضي ١
2026/07/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة