٩٥ جلس مصطفى في غرفة التحقيقات، وقد قضى ليلته في زنزانةٍ خُصِّصت له بعناية؛ ساكن الملامح، صبور الجنان، متسرِّب السكون إلى عظامه. كان جالسًا في غرفة التحقيقات بالنيابة، منتظرًا دخول الضابط الذي سيكسر عليه الهدوء صراخًا، وركلًا، وصفعًا؛ كما جرت العادة في هذه الأمكنة. ولكن القادم لم يكن من توقَّعهم، بل من لم يتوقَّعه أحد. فحين فُتح الباب، رأى... رئيس الأركان ذاته. دخل بخطاه الواثقة، وبنظراتٍ لا توزِّع الاحترام اعتباطًا. نظر إليه مصطفى، فلم ينهض، ولم يُبدِ أدنى انفعال؛ كأن بينهما زمنًا طويلًا لا يُختصر بقيامٍ أو تحيّة. ابتدره رئيس الأركان بالكلمة: _السلام عليكم. فأجابه مصطفى بثباته المألوف، ونبرةٍ لا تخلو من عمقٍ دفين: _وعليكم السلام. صمت قليلًا، وما إن جلس الرئيس أمامه، حتى قال مصطفى بهدوءٍ نابعٍ من علمٍ لا يُزاح: _قال الإمام ابن القيم: "السلام اسمٌ من أسماء الله، ومعناه: أمانٌ من الله لعباده، فإذا قلتَ لأخيك: السلام عليك، فأنت في الحقيقة تدعو له بأن يُسلِّمه الله من الآفات." نظر رئيس الأركان إليه مبتسمًا؛ كأنما توقَّع أن يبدأ مصطفى حديثه بهذه الطريقة، ولكن مصطفى أردف، موقنًا أن الكلمة عنده عبادة لا تُلقى جزافًا: _وقال الإمام الحسن البصري: "إن السلام عليكم دعاءٌ بأن يَسلم المسلم من شرِّ الدنيا، وشرِّ الآخرة، وهي تحيّةٌ تجمع بين الدعاء، والمحبّة." ارتسمت على وجه رئيس الأركان ابتسامة عابرة، ثم سأل، بفضولٍ لا يخلو من فحص، بسبب حديثه هذا: _حد عملك تشريفة امبارح؟ أو ضربك؟ أو زعقلك؟ _لحد دلوقتي... لا. أومأ الرئيس برأسه، ثم قال: _وأنا مش هخليهم يعملوا فيك أي حاجة. إنت مكانتك دلوقتي بقت مختلفة جدًا جدًا عن زمان. ماظنش إنك مستوعب ده. إنت أنقذت مصر من احتلال، وفكرة إننا نسجنك مش دليل إننا ضدك... إحنا بس عايزين نسيطر على اللي اتأثر بوجودك، ونفكّرهم إن... بلدنا ما تسمحش إن حد يحكمها غير جيشها.. مش ناس بدقون. _إنت ظنيت فيا يعني إني بعد الحرب هيبقى عندي رغبة إني أمسك البلد؟ _لا، ما ظنيتش. وأنا عارف نيتك، بس... أنا معرفش نية القوّاد التانيين اللي معاك... أومأ مصطفى برأسه بصمت، فتابع رئيس الأركان: _إحنا مش هننكر دورك، ولا هننسب النصر لينا بشكل كامل، ولا هنعيشك في السجن طول العمر ونخفيك قسريًا، ولا هتتعذّب، ولا هخليهم يلمسوك. كل ده عايزك تطمن تمامًا. إحنا هنسجنك بس لمدة شهرين، لحد ما رئيس يمسك مصر، وهخرجك، وهسيبك براحتك. تمام؟ قال مصطفى، محافظًا على ثباته، ولا مبالاته: _بإذن الله. أردف الرئيس، وهو يأمره بنبرةٍ لا تحتمل الرد: _وطبعًا بعد ما تطلع... إنت لا هترجع للايڤات اليوتيوب، ولا هترجع تبقى إمام في مسجد، ولا حتى هيبقى ليك أي أكونت على السوشيال ميديا. هتطلع من السجن وتختفي عن الناس كأنك ما اتولدتش. وأنا مش باخد رأيك على كده... إنت هتعمل كده، وإلّا لو لمحنا بس إنك عملت لايك على بوست ديني، هناخدك تاني. اديني بعرفك أهو، وابقى انصح مراتك تبعد هي برضو، عشان ماتدوقش اللي إنت دوقته. ظل مصطفى يُحدّق فيه بنظرةٍ باردةٍ في ظاهرها، ولكن خلفها مرارة لا تُحتمل، فتابع الرئيس، ساخرًا: _لا، اضحك وافرح كده، إحنا عاملينلك واجب كبير أهو. احمد ربنا، مش الأئمة بتوعك دول اتسجنوا؟ مش سيدنا يوسف اتسجن؟ إنت بقى زيهم أهو، وربنا بيمتحنك وبتاع... يلا بقى جهّز، عشان هياخدوك على السجن. بعدها، نهض رئيس الأركان دون أن يُلقِ السلام، وظلّ مصطفى جالسًا في مكانه؛ لم ينهض، لم يتحرّك، لم يُجب. وكان الرفض والتحدي نابعًا من صمته وفي ثبات مقلتيه. بعدما غادر رئيس الأركان، أدرك أن ذلك الذي كان الجالس أمامه لم يُهزم، ولن يُروّض... فقط رجل قرّر أن ينتظر، كما تنتظر الجبال عواصفها. ********* في ذلك الصباح، بينما كان عصام يغطّ في نومٍ ثقيل على أريكة غرفة المعيشة، كانت يمنى التي باتت تقيم معه ترقد في غرفته، أما رجب فكان يأوى إلى غرفةٍ أخرى. استيقظت يمنى أولهم، كعادتها، وشرعت في إعداد طعام الإفطار، ثم مضت تطمئن على رجب، لعلّه بحاجة إلى شيء. لكن... حين فتحت باب غرفته، لم تجد له أثرًا. بادرت إلى تفقد الحمّام الذي كانت فيه قبل قليل، فلم يكن فيه. جالت في المطبخ، ثم غرفة المعيشة، فالشرفة، ثم الصالة... رجب لم يكن في أي مكان. احتد اضطرابها حين لاحظت أن باب المنزل لم يكن موصدًا بإحكام، إذ بدا المزلاج خارج القفل، كأن أحدهم فتح الباب وغادر دون أن يكترث بإغلاقه خلفه. وفجأة، قطع صوتها المذعور سكون الشقة، فأيقظ عصام من نومه على وقع كلماتها المرتجفة: _عصام!! عصام، أبوك مش في البيت!! فتح عصام عينيه فجأة، وقد تملّكه الذهول، وقال بفزع: _بتقولي إيه؟! _أبوك مش في البيت، وصحيت لقيت باب الشقة موارب... انزل بسرعة، دور عليه، قوم!!! وثب عصام من نومه كمن لدغته نيران، وقد ارتطم قلبه بجدار الفزع قبل أن تلامس قدماه الأرض. لم يفكر في شيء حتى لم يرتدِ شيئًا سوى صندلين باليين ليتمكن من الركض بهما في الشوارع، وبعدها فتح الباب على عجل واندفع إلى خارج المنزل بخطى متخبطة لا تعرف إلى أين، لكنها تعرف أنها لا تملك وقتًا. ركض عصام وبدأ بحثه من الشارع المواجه للمنزل، هرول إلى المحال المغلقة، ضرب على أبوابها برعشة يائسة علّ أحدهم استيقظ أبكر من المدينة، ثم جال بعينيه المتوترة نحو الأرصفة، يدور حول العمارات وبين الزقاق، يصعد درجات السلالم ويهبطها دون وعي، يسأل الحرّاس إن رأوا رجلًا في السبعين، شعره رمادي ونظراته شاردة. لم يعرف أحد. لا أحد رأى. لا أحد يعرف. شعر عصام أنه يركض داخل كابوس بلا نهاية، والمدينة تحوّلت إلى متاهة عظيمة وهو الطفل الذي لا يملك خريطة ولا صوت ينادي به أحد. الدقائق صارت أحمالًا تُقيد ساقيه، كلما مرت أكثر، ازدادت وساوسه في رأسه: أن يقع رجب أرضًا دون أن يراه أحد، أن يضيع في طريقٍ سريع، أن يسأله الناس عن اسمه ولا يجيب، أن يُؤخذ إلى مكان لا يعرفه، أن يُعامل كمتشرد، وهو... أبوه، رجب... الذي كان يومًا قويًا، حاضر البديهة، صلبًا لا يضيع. عرقه بلّل قميصه، ووجهه أصبح شاحبًا، ونبض قلبه كان كقرع أجراس ترجرج قفصه الصدري، يلهث بشدة وكل حركة منه تعبّر عن تمزق داخلي، كل ركضة هي صرخة لا تسمع، كل التفاتة بحثًا عن رجب هي محاولة بائسة لربط هذا العالم المبعثر من جديد. في داخله، كان صراعٌ آخر ينهشه والوساوس تشتد به، يجلد ذاته في أنه السبب الرئيسي لإيصال رجب لتلك الحالة في البداية، ويراجع خطوات الاعتناء به، هل كان عليه أن يضع قفلًا إضافيًا على الباب؟ هل كان يجب أن ينام بجانبه؟ ألا يغفو؟ كان كل سؤالٍ سكينًا جديدًا. بجانب بحثه عن أبيه فكان يبحث عن غفرانٍ يائس، وعن رجاءٍ أخير ألا يكون قد فشل. طيلة ما عاشه عصام مع رجب وهو يستوعب حقًا أن الزهايمر ليس مجرد نسيان؛ إنه تفكك بطيء للهوية، تآكل داخلي صامت للإنسان من الداخل إلى الخارج. هو المرض الذي لا يسرق الذاكرة فقط، بل يمحو الخريطة التي يعود بها الإنسان إلى نفسه. ومع كل لحظة تمر، يُطفأ مصباح داخلي في عقل المريض، حتى يتحول البيت إلى متاهة، والابن إلى غريب، والباب إلى سؤالٍ لا إجابة له. في قلب هذا الحدث، كان عصام يطارد أثر رجل لم يعد يعرف طريق العودة، لأنه اصبح غريبًا على نفسه لا الطريق. كان الرعب الحقيقي ليس في أن رجب خرج، بل في أن رجب لم يعد يعرف معنى العودة؛ فالزهايمر لا يترك خلفه شخصًا ضائعًا فحسب، بل يترك من يحبونه على حافة عقلٍ آخر ينهار أمام أعينهم، دون أن يستطيعوا الإمساك به. انقضت قرابة نصف ساعة، ويمنى ما تزال واقفة عند الشرفة، يتملكها الأمل أن تقع عيناها على رجب صدفة، وهو يمر تحت المنزل، بينما القلق يتآكل ملامحها والخوف يستبد بأنفاسها. فجأة، دوّى جرس الباب، فانتفضت في مكانها، وركضت نحو الباب بخطى متسارعة، تفتحه وهي تلهج بكلمات الأمل: _لقيته...؟ لكنها تجمّدت في مكانها، وبرقت عيناها في ذهول مشوب بالصدمة، وانعقد لسانها وتوقّف نَفَسها، حين أبصرت أمامها علاء، الذي خرج من غياهب الغياب بعد أسابيع من الترقب الثقيل لها في أن تنهي حياة عصام ولكنها لم تفعل. كادت أن تغلق الباب بعنف في وجهه، لكنه استبق حركتها، ومد كفّه، ودفع الباب بقوة وهو يقتحم الداخل قائلاً: _اوعي تفتكري ان وجودي هنا صدفة، انا براقبك كل يوم ومستني الفرصة دي عشان اجيلك يا حبيبتي. قالت يمنى وهي تبتعد خطوات للوراء في فزع: _علاء... ابعد عني لاحسن اصوت والم عليك الجيران كلهم! _وانا هسيبلك فرصة تصوتي؟ خلاص سردار معادش هيدي فرصة لحد بعد كدة... وأخرج علاء مسدسه، وفي غمضة عين، وقبل أن يضغط على الزناد، اخترق صدره سيف كاتانا حادّ، انغرس بقوة وسُحب فجأة، لينهار علاء على الأرض جثةً هامدة، معلنًا عن حضور الامرأة اليابانية الوسيمة التي وقفت خلفه بثبات. لكن يمنى لم تشعر بأي طمأنينة على أي حال، بل ظلت مبهوتة، لا تكاد تستوعب ما جرى أمامها بهذه السرعة والغرابة. وبينما ما زال الذهول يرسم ملامحها، انطلقت كاجويا، تستكمل ما بدأه علاء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة، ونبرة ساخرة تعبق في صوتها: _الحقيقة ان انا وجودي برضو مش صدفة وإن علاء دا بيهري في الكلام، هو لا كان بيراقبك ولا حاجة ولا كان مهتم أصلاً، أنا اللي خليته ييجي وضحكت عليه... عشان أعمل الشويتين دول واخوفك مني. اقتربت كاجويا من يمنى، تحدق في سوارها، وترفع سيفها إلى عنقها، وهي تفيض بحدة التهديد: _ضحكتي عليا ليه بقا؟ ولما أفصل راسك عن جسمك دلوقتي؟! قالت يمنى برجفة قوية تجتاح نبرتها وجسدها: _استني بس هفهمك... أ.. أنا عارفة إنك بتحبي عصام بس... أنا عايزة أنقذك منه، أنتِ متعرفيش اللي هو فيه. قالت كاجويا وهي تصيح محتدمة: _فيه إيه؟!! مفهوش حاجة ولا يعيبه حاجة!!! ده فتي أحلام!! ده أنا كنت مدمنة لفيديوهاته!! _مهو معادش كدة... ع... عصام... عصام بقى.... وقالت لها الاسم الواصف لحالته، ولكن كاجويا لم تفهم الكلمة، فتجيب متعجبة: _محبوب؟ حركت يمنى رأسها بالنفي ثم عادت تصحح لها الكلمة ولكن تكرار الكلمة لم يجدي نفعًا وبقيت كاجويا جاهلة بمعني تلك الكلمة فقالت منفعلة: _يعني إيه الكلمة دي؟ أنا مش بفهم عربي، مش باين إني يابانية؟ أعملك إيه أكتر من كدة؟! _مقدرش أقولك أكتر من كدة... دوري على النت وشوفي معنى الكلمة. أخرجت كاجويا هاتفها، وهي لم تنزل سيفها من على عنق يمنى بعد، وسألت الذكاء الاصطناعي، ثم استمعت لرده عن معنى تلك الكلمة التي همست بها يمنى، وما إن سمعت الرد حتى خفّ بريق عينيها، وبدت الصدمة على وجهها المكفهر، لتتفجر الكلمات من بين شفتيها المرتجفتين: _إنتِ كدابة! _والله لا والله أنا مستعدة أديك تقرير المستشفى عن العملية اللي عملها. أدخلت كاجويا السيف في غمده، وهي تقول: _وريني! دخلت يمنى غرفة عصام بسرعة، وكاجويا تتبعها، ثم أخرجت لها تقرير المستشفى الذي يوثق تفاصيل العملية التي أُجريت، بما في ذلك: حالة المريض قبل وبعد العملية، الإجراءات التي تم تنفيذها أثناء الجراحة، العلاجات التي تلقاها المريض، توصيات المتابعة المستقبلية. ظلت تقرأ كاجويا كل هذا، والذي كان لحسن الحظ بالإنجليزية وقد فهمته، وما إن انتهت من قراءتها حتى بدت عليها علامات الانهيار، وسقطت جالسة على السرير، تغرق في بحر من التساؤلات والخيبة المريرة. _يعني إيه؟ يعني خلاص؟ عصام راح؟ ده لو مات كان أحسن له وأحسن لي، أحلامي راحت كلها... ليه... ليه يحصله كدة؟! جلست يمنى بجانبها، وظلت تربّت على ظهرها في محاولة بائسة لمواساتها ومجاراتها، بينما كانت كاجويا تبوح بما في قلبها من مرارة: _ده كان قدوتي وقدوة كل اللي بيشتغلوا معايا!! ده كان فنان!! حتى بصي... أخرجت كاجويا هاتفها لتريها، فوضعت يمنى يدها على الهاتف، وهي تقول: _مش عايزة أبص، مش عايزة... وهو تاب دلوقتي برضو مينفعش... بعدها عادت يمنى تقول هامسة بينا وبين نفسها بشجب: _يخربيت قرفك. _قولتي حاجة؟ _لا مفيش، بواسيكي... متزعليش، ربنا يعوضك بقى معرفش... ظلت يمنى تواسي كاجويا، وهي تندب لبضع دقائق، حتى شعرت بالضجر والتبرم، ثم قالت بكل صراحة بنبرة لطافة ممزوجة بالنفاد: _ينفع لو سمحتي تقومي؟ وتاخدي جثة علاء معاكي؟ معلش... عشان هو شوية وهيرجع. قالت كاجويا بإستياء: _حاضر... نهضت كاجويا، وخططتها للتقرب من أولاد أدهم بالزواج من عصام فشلت فشلًا ذريعًا ومأساويًا بالنسبة لكاجويا، ولم تجد أمامها سوى شبيه عصام الغامض... فياض. التفتت كاجويا ليمنى وهي تقول: _بقولك، تعرفي مين فياض راشد؟ _فياض راشد؟... ل.. لا بصراحة معرفوش كشخص... بس سمعت عصام بيقول اسمه وبيحكيلي إنه هيجيبه مكتب التحقيقات بتاعه النهاردة. أومأت كاجويا برأسها، ثم خرجت من الغرفة، وحملت جثة علاء على كتفها كمن يحمل إحباطه الثقيل على كاهله، وخرجت. أما يمنى، فما لبثت أن انكبت على تنظيف بقع الدم التي لطّخت الأرض، تسابق الزمن قبل عودة عصام. عصام، الذي أمضى ما يقارب الأربعين دقيقة في بحثٍ محموم، وجد رجب أخيرًا، جالسًا على الرصيف قرب جزارٍ منهمك في عمله، وفي يده كيس لحمٍ يقبض عليه بصمتٍ بارد. كان رجب غارقًا في هدأةٍ شاردة، بعينين لا تريان، وروحٍ تائهة وعقلٍ خذله، فتركه يجوب العالم وحده بلا دليل. اقترب عصام بخطوات متسارعة، لا يصرخ، لا ينادي، فقط يحمل في صمته رجاءً مكبوتًا، حتى وصل إليه، ومدّ يده يمسك بكفّ أبيه بلطف، هامسًا برجاءٍ خافت: _تعالى يا بابا يلا... تعالى الله يهديك. لكن رجب انتفض وسحب يده بعصبية، متسائلًا في حدة: _إنت مين؟ وإيه بابا دي؟ إنت اتجننت؟! رمقه الجزار بدهشة، مما أربك عصام، فحاول تدارك الموقف قائلًا: _هو أنت مش مستني يمنى؟ أجاب رجب بعد تردد، كمن يحاول التمسك بخيط ذاكرة: _أ.. آه... هي قالتلي هتبقى موجودة هنا... هي فين؟ _هي عندي، إنت بس تلاقيك مش حافظ الطريق فا تهت.. تعالى يلا يا حبيبي تعالى. ثم نهض وسارا كلاهما سويا، واضعًا عصام يده على كتف والده المرتجف، واحتواه بنظرةٍ ممتلئة بالحزن والرأفة، لا على حال رجب وحده، بل على هشاشة الرجال حين يخذلهم الزمان، وعلى قسوة اللحظة التي يُصبح فيها الابن هو الدليل واليد والسند، في عالمٍ تلاشت معالمه من ذاكرة أبيه. *********** نيران مستعرة... دخان كثيف يخنق الأنفاس... صرخات رجل تتفجر من أعماق القهر، على بيتٍ احترق وأمانٍ ضاع. أمانه الذي كان يتجسد في زوجته، وها هي تتدلّى أمامه مشنوقةً بشعرها، وبطنها مبقور، كأن الوحش الذي فعل هذا قد استل قلبه معها. وشخص آخر مجهول... يقف ويشاهد هذا المشهد الجحيمي الذي يتجلى أمامه، يتوسل أن يهرب، أن يصحو، أن يتلاشى، لكنه مشلول، مكبّل كأن القيود مغروسة في روحه، يرى رجل يعاني وجثة امرأة ويشعر بكثافة الحرارة حولة. لا يقوى حتى على أن يرمش... أن يختفي... أن يصرخ. حتى... انفرجت جفونه منفتحه فجأة، وهو يشهق بقوة، كما لو أن الهواء كان محبوسًا في صدره منذ دهر، حين سمع صوت شقيقته توقظه: _قوم بقى يا يامن عشان نلحق ندفنها... إنت ليك عين تنام النوم ده؟! رفع يامن جفونه ببطء، كمن يُنتزع من بئر مظلمة، ثم جلس يلهث بشدة، يضغط على صدره بأنامل مرتعشة، كأنما يحاول أن يكتم الكابوس قبل أن يتسرّب إلى النهار. نظرت إليه رضوى وأردفت بحدةٍ ممزوجة بالأسى: _حقك تصحى على كابوس... بس يا ريت تنجز، ماكانش ليها لازمة ترجع بعد نص الليل امبارح يعني! تلعثم يامن وهو يقول بصوت خفيض، مبحوح: _أنا رجعت بعد نص الليل؟ ليه... كنت فين؟ _وأنا إيش عرفني؟ كنت بسألك مابتردش، فسيبتك. _طيب... طيب، هقوم أهو... نهض مترنّحًا وجسده يحترق من وطأة التعب، وعيناه غارقتان في السواد. خطواته متثاقلة، كأنها تُساق نحو جرح لا نهاية له... جرح يُدعى فريدة. فاليوم... يوم الدفن. اليوم... تكتب النهاية بخط اليد المرتعشة، والجفن المبلل. *********** بعد ذلك بساعة، كان فيّاض يترجّل من سيارته أمام المبنى الذي يضم مكتب تحقيقات عصام، يتقدّم بخطاه القلقة نحو المدخل، يُطالع واجهته كما لو كان يتهيّب باب مصيرٍ لا يعلم ماذا يخفي خلفه. فطلب عصام المفاجئ له، في صباح العيد، وبهذه العجلة، لم يكن ليُطمئن قلبه المضطرب. دخل إلى البناية، وصعد بخطى متوجسة حتى بلغ الشقة التي كانت تُشبه في مظهرها عيادة قديمة؛ مقاعد مرتبة على الجانبين، وغرفة داخلية تحوّلت إلى مكتب خاص. تقدم نحو بابها، طرقه طرقًا خفيفًا، وجاءه صوت عصام بالإذن بالدخول. دخل فياض وتبادلا التحية، ثم قال فياض مداعبًا، في محاولة من بكسر حدة التوتر: _خير حضرتك؟ ينفع كده تطلب حد يوم عيد وأجازة؟ ابتسم عصام ابتسامة عريضة، وهو يخبّئ تحتها نبرة وقاحة مضمرة: _آه، ينفع. اختفت ابتسامة فيّاض قليلًا من الرد، لكنه جلس حيث أشار إليه عصام، الذي أردف بنبرة جادة هذه المرة: _اتفضل اقعد، لأني عندي سؤال مهم جدًا، مكانش عندي المكانة اني أقدر أسألهولك في النيابة فجيبتك هنا عشان اسألهولك براحتي. _اتفضل... ساد الصمت لحظة، ثم تكلم عصام ببطء: _في النيابة، لما الظباط شافوك حوالين مدينة سانكتوريا، وأخدوك يحققوا معاك، قلت في أقوالك إنك شوفت أدهم بنفسك... ونفيت وجود أي جندي من مقاومة ذود. أومأ فيّاض برأسه في ثقة ظاهرة: _أيوه، بالظبط... فعلاً. ضاقت عينا عصام وهو يردّد بنبرة مشككة: _يعني شوفت أدهم؟! ردّ فياض، مستغربًا من إلحاحه: _أيوه، شوفته... ظل عصام يحدّق فيه مطولًا، بنظرة ثقيلة كأنها تحاول اختراق روحه، ثم قال: _إزاي بقى؟! بدأ فياض يشرح وهو يلوح بيده: _كنت ماشي بالعربية و... قُوطع على الفور من عصام، بنبرة حادة: _النيابة حققت مع مية وخمسين شخص في نفس المنطقة اللي قلت إنك شوفته فيها... وكلهم، بلا استثناء، نفوا تمامًا إنهم شافوه. إزاي بقى أنت الوحيد اللي شوفته؟ اعتدل فياض في مقعده، وظهر عليه ارتباك خفيف، ثم قال بتوتر: _هو الموضوع مستحيل؟ عادي، ممكن صدفة شوفته... يمكن كان مستخبي كويس، وأنا عيني لمحته. أومأ عصام، وهو يوافقه ظاهريًا بينما بداخله عاصفة من الشك، وقال: _الموضوع فعلاً مش مستحيل... للشخص العادي. لكن بالنسبالي أنا، مستحيل. لأني عارف كويس إن أدهم مستحيل يتشاف، إلا لو هو سمحلك تشوفه. أو... لو أنت عندك حاجة مميزة خلتك تشوفه. يا إما... من الآخر، أنت بتكدب. تبدّلت ملامح فياض، وباتت نظراته أكثر حذرًا، أكثر فحصًا. راح يُمعن النظر في عصام، وفي تلك اللحظة... فهم. وأدرك أن عصام ليس كما يبدو. إنه أحد أبناء أدهم الخفيين، أولئك الذين لا يعلم أحد هويتهم بعد حتى هو، والذي لم يكن يعلم سوى بنوح ونور. لكن على الأقل كان يعلم بجنسياتهم. يعلم الروسي، والإيطالي، والكوري، والسوداني، والتركي... يعلمهم، وإن جهل الأسماء والهويات. وما أكّد حدسه، هو تلك المكالمة التي رنّ هاتف عصام إثرها فجأة، فالتقطه وقال: _ألو... أيوه يا نوح... اشتدت انتباه فياض عند سماعه للاسم، وازداد يقينه، ثم سمع عصام يتحدث بذهول يفيض بالحسرة: _فريدة؟؟ إمتى ده؟....... وإزاي ميقولناش من بدري...... طيب يا نوح، ماشي، هاجي أهو...... نعم؟! لا إله إلا الله....... وعمر حالته عاملة إزاي؟....... ماشي، تمام، أنا هاجي أهو، وبعد الصلاة روح إنت لجنازة شيماء بداله، متقلقش، وأنا هبقى مع سليم....... يلا سلام. دس الهاتف في جيبه بسرعة، ثم تنهد بعمق ونهض وقال بوجهٍ مكدود: _تقدر ترجع بيتك دلوقتي... وبينما يهمّ بارتداء سترته، قال فياض فجأة، في ذلة لسان غير محسوبة: _هو نوح ده... أخوك؟ تجمّد عصام في مكانه، وحدّق فيه كمن صُعق، وقال بحدة مكتومة: _إنت قولت إيه؟! أدرك فياض زلته، وحاول ترقيع الموقف المرتبك: _لا أصل... المدرس بتاع بنتي اسمه نوح برضو، و... قاطعه عصام، بنبرةٍ خافتة كالسيف، وباردة كالجليد: _إنت هتيجي معايا. _أجي معاك فين؟ _هنصلي على مرات أخويا الأول... وبعد دفنتها، نبقى نشوف موضوعك سوا... يلا. خرج الرجلان معًا، وفي الطريق أشار عصام إلى سيارته، فركبها فياض صامتًا، ليس خوفًا، بل رغبًة منه في ازاحة ما في صدره من الصمت طويلًا... وقد آن الأوان لمواجهة الحقيقة التي طالما هرب منها. وفي الخلف، بعدما انطلق عصام بسيارته، كانت كاجويا تقف تتبعهم بنظراتها، ثم أخرجت هاتفها واتصلت برفاييل: _أيوه يا رفاييل... خلاص، هنركز مع فيّاض. أنا هبقى معاه... وطلع ليه بنت في ثانوي، خليك إنت معاها... *********** تأهبت الشمس فوق القاهرة كيدٍ عليلة، تناثر شعاعها ساطعًا فوق البيوت القديمة، والأسوار العالية، وأشجار السرو التي انحنت أغصانها كأنها تنوح مع الناحين. في الحي العتيق، احتشد الناس كما تحتشد الأرواح في يوم الحشر؛ وجوه مكفهرة، وأعين محمّلة بما لا يُقال، وأقدام تسعى ببطءٍ ثقيل نحو ساحة المسجد الكبير، حيث انتُصب النعش الخشبي البسيط، يغلفه قماش أبيض كشراع سفينة تتهيأ للإبحار الأخير، تمامًا كمكان موتها. كانت الجنازة جنازة فريدة. جنازة مأساوية، لا يُسمع فيها إلا اختناق العبرات، ونحيب ثابت يأتي من إخوتها الصغار. وقف والدها سيد، الذي أكل الدهر والمعاناة من كهله حتى انحنى، يحدّق في النعش بعيون زجاجية، كأنما يُحاول أن يُثبت صورة ابنته في الذاكرة قبل أن تذروها الرياح. اصطف الرجال في صفوفٍ متثاقلة بعد صلاتهم، رفعوا النعش فوق أكتافٍ ارتجفت، من ثقل الغياب، ثقل الحقيقة التي لا رجعة فيها. وانطلقت الجنازة تسير بين الأزقة الضيقة، والنساء ينثرن الدعوات والدموع، وبعضهن يلثمن وجوههن بعباءاتهن اتقاءً لسيف الحزن المسنون. كان كل من سليم ويامن وسيد ومحمد وكريم يحملون نعشها، بوجوه متجهمة ساكنة، وحضر صلاتها إبراهيم وحيدر وبلال وندى وهند، لكن سليم أصرّ عليهم ألا يذهبوا إلى الجنازة ليكملوا راحتهم، وألا يختلطوا بروائح الموت بعد أن فرّوا منها. رحلت فريدة كما يرحل الشهداء، منسوجة بملح المحيط، مطرزة بدموع المقهورين، حاملةً بين أضلعها وصايا الحرية وأحلام البسطاء الذين لم يعرفوا لها وجهًا إلا حين أضاءت لهم الدرب بدمها، بعد إرادة الله. الأزقة تهمس باسمها، والجدران المشققة تردد صدى تضحيتها، وكأن الحجر والشجر عرفا أنها سقطت لتستقيم آلاف الظهور المحنية التي كانت راكعة للطغاة. في المقبرة، أُنزلت فريدة إلى بطن الأرض، ووضعت في سرير الراحة الأبدي، في حفرةٍ تبتلع ضوءها، وصوتها، وكل أحلامها التي لم تكتمل، لكنها غرست بذور الحرية تحت التراب، تنتظر الفجر الذي وعدت به. انهار والدها على ركبتيه، وراح ينبش التراب بيديه المرتعشتين، يريد أن يدفن معها روحه، أو يستخرجها من قبضة الموت لو استطاع. وكان يامن واقفًا يذرف الدموع بغزارة، بجانبه هيثم يربّت على روحه، وسليم واقفًا في ثبات، محدقًا في القبر، بجانبه عصام، وفي الخارج رضوى وأخواتها والنساء يبكين في هدوء وهم يستمعون لأدعية الشيخ لها. كانت شهادتها نارًا تشتعل في ذاكرة الجميع، موقينين منها أن الحياة تُمنح لمن يفتديها بحياته، وأن الحرية لا تُنتزع إلا حين يبذل الأحرار دماءهم قرابين فوق مذابح الطغيان. ما إن انتهوا من مراسم الدفن، ووقف سيد ويامن وإخوتهم يتلقّون العزاء بوجوه شاحبة وقلوب مثقلة، كان بالقرب منهم سليم، وإلى جانبه هاجر وعلا، ثم سأل بصوت خافت متثاقل: _نوح مجاش الجنازة ليه؟ أجابته علا وهي تلوذ بالحزن، وقد بدت ملامحها موغلة في الهمّ: _راح عشان يشيل جنازة شيماء مرات عمر، ماتت امبارح موتة بشعة أوي، وعمر لحد دلوقتي فاقد الوعي، فنوح قرر يبقى مكانه في الجنازة، وعيلتها سمحوا بكده بما إنه كان جوزها برضو. تنهد سليم بغمّ عميق ثم قال: _لا إله إلا الله... ماتت إزاي وليه؟ بادرت هاجر بالكلام المتقد بالغضب المكبوت: _معرفش بجد مين الوسخ اللي موتها بالطريقة دي... اتقال إنها كانت مشنوقة بشعرها، والجنين في بطنها أخدوه... وحرقوا بيتها كمان. في تلك اللحظة، كان يامن يصغي إليهم بشكل لا إرادي، فإذا بكلمات هاجر تهبط في أذنه كوقع الرعد؛ فكانت تصف الكابوس ذاته الذي راوده في نومه. تملّكه الذهول للحظة وهو ينظر إليهم، لكنه كابر وأجبر نفسه على اعتبارها مصادفة، وإن كان قلبه يرتجف ارتيابًا. ومع مرور الوقت، اقتربت علا منه، يرافقها هيثم، فسلمت عليه وهي تعزيه، وقالت بلطف وصدق: _لو محتاجني يا يامن في أي حاجة، أنا وهيثم موجودين، أرجوك متترددش. أجابها بامتنان ظاهر: _تسلمي يا علا بجد.. انتِ عملتي كتير أوي عشاني، شكرًا. ربّت هيثم على كتفه بتعاطف وقال: _أنا هتواصل معاك كتير واتطمن عليك، أنا جنبك، وأي مساعدة محتاجها أنا هعملهالك قبل ما تطلب حتى. فلم يملك يامن إلا أن احتضنه بعمق وهو يتمتم بصوت متهدج: _ربنا يخليك ليا يا هيثم... _ويخليك ويصبرك يا حبيبي. ثم توجهت علا إلى حيث تقف رضوى وأختاها الصغيرتان، فاحتضنتهن بحنان وقالت بنبرة أمومة دافئة: _أختكم بقت في مكان أحسن ومرتاحة ومبسوطة دلوقتي، وهي شايفاكم على فكرة، لو قصرتوا في دراستكم وحياتكم هتزعلوها ومش هيفيدكم بحاجة، وأي حاجة أنتوا محتاجينها أنا موجودة، اعتبروني أختكم الكبيرة، ماشي؟ ثم التفتت إلى رضوى وواصلت حديثها: _رضوى.. بالله عليكي لو محتاجة حاجة متتردديش وقوليلي، متتكسفيش، انتِ أختي. أومأت رضوى برأسها تأثرًا، واحتضنتها من جديد. ثم سلّم الجميع على أهل الفقيدة وغادروا المقابر. فيما كانت خطواتهم تغادر أرض المقابر حتى وصلوا إلى خارجها ببضعة أمتار، لمحت هاجر من بعيد عصام واقفًا يتحدث مع رجل يشبهه بشكل لافت؛ شبه كبير أثار في نفسها ريبة دفينة كان الفرق الوحيد بين ملامحهم هو ان هذا الرجل لم يكن أشقر كعصام. بدا عليهما التوتر، وكأن عصام يسعى لإقناعه بشيء يرفضه الآخر بإصرار، حتى اضطر إلى جره معه عنوةً. وبعدما اقتربا، سلّما على الجمع، فسألته هاجر: _خير يا عصام... مين دا؟ _دا فياض راشد، بيقولي إن بنته طالبة عند نوح، وكان قريب من سانكتوريا، وشاف أدهم بنفسه. صافح فياض سليم معزيًا إياه بكلمات رزينة، فشكره سليم بأدب، غير أن علامات الاستغراب لم تفارق وجه هاجر، التي قالت: _طيب؟ أكمل عصام بنبرة متحفزة: _الأستاذ بيحاول يخبي، بس هو شكله مفضوح.. وظهر من كلامه إنه يعرف إن نوح أخويا.. غير كده، هو شاف أدهم رغم قدرته على إنه يختفي في عيون الناس، فأنا جيبتهولكم عشان تاخدوه معاكوا البيت غصب عنه وتفهموا منه قصته إيه. قال فياض في استسلام، محتفظًا بهدوئه وبرودة أعصابه: _واضح إنه بيتم اختطافي. ابتسمت علا ابتسامة مطمئنة مشرقة وسط كل هذه الأجواء المضطربة، وقالت: _لا حضرتك، مفيش اختطاف ولا حاجة، انت تنور بيتي.. معلش إحنا الفترة دي حياتنا متوترة، فهتلاقي عصام شديد شوية. ثم التفتت إلى عصام قائلة: _تقدر تيجي معانا برضو. ارتبك عصام كمن باغته أمر لا يحتمله، وهتف بتلعثم: _ل.. لا لا مينفعش... لا لا. قالت علا بإصرار رقيق لا يُرد: _هتيجي يا عصام... كلنا هنروح البيت عندي ونعمل غدا حلو زي ما سليم طلب عشان كل اللي جم من دارين يتبسطوا شوية... وحضرتك يا أستاذ فياض كلم بنت حضرتك وخليها تيجي... ارتسمت الراحة على وجه فياض، وقد خفّ التوتر في نبرته وهو يرد وقد تأثر بلطافتها: _ما شاء الله، شكلك إنسانة رايقة وكريمة، جايبة الطبع ده منين بقى؟ عشان ده مش موجود عند.... قطع عبارته فجأة حين استوعب تلك الزلة التي كاد يتفوه بها، فشهقت هاجر بذهول، وانتبه سليم على الفور، فيما انتفض عصام يهتف بغضب: _مش موجود عند مين يا فياض؟! لا ده إنت عارف أكتر ما إحنا نعرف بقى! قالت هاجر بنظرة فاحصة لا تخلو من الحذر: _إنت مين بالظبط؟! فردّ فياض بنبرة مستسلمة وملامح هادئة، كأنه ألقى سلاحه أخيرًا: _خلاص، هقولكم كل حاجة من غير دراما... ودّوني مطرح ما تودّوني، بس المهم أقعد وأتكلم معاكم، متقلقوش. ********** _بعد ما كان بيخبط، سمعته فجأة بيفتح الباب، وكان معاه نسخة من المفتاح، فأخدت سكينة بسرعة وجريت على الأوضة، وخلاص حسيت إني هموت فيها... لحد ما سمعت صوت نوح في ودني. _نوح؟ وصوته طلع منين ده؟ _بجد معرفش، كان بيقولي إني مش لوحدي، وإنه هيساعدني، بعدها شوفت محمد عمال يبحلق في السقف وبصوت كده، وسابني وجري، وعرفت بعدها إن نوح أنقذني بقوته. في ظهيرة ساكنة، حين كانت الشمس قد خفَّ بريقها، وبدأت النسائم تعبث بأطراف الستائر، كانت غادة جالسة بجوار شقيقها، تروي له كل ما حدث لها طيلة السنوات الماضية، وتنسج من كلماتها نسيج حياةٍ فُقِد فيها، وغاب عنها. كان إبراهيم متكئًا على الوسادة، وجهه المتعب مرفوعًا قليلًا نحو صوتها، كأنه يستنشق من نبراتها عطر البيت القديم ودفء الأيام الأولى. عيناه المنطفئتان لم تحرماه من الرؤية، بل وهبتاه قدرةً أعمق: أن يرى بها من خلال صوتها، وإيقاع نبضها، وتحركاتها الحماسية الطفولية التي لم تتغير، وسكون اللحظة التي تجمعهما. كانت تحكي، ونبرتها بين حنانٍ ووجع ولهفة في آنٍ واحد. تحدّثت عن موت والدتهما، ثم حياتها القاسية مع عمتهما وابنتها، واستغلال محمد لها بشتى الطرق، عن ليالٍ باردة نامت فيها وهي غارقة في دموعها تحدق في صورته، عن تلك اللحظة التي قررت أن تنتحر فيها لتظهر هاجر لها، وتبدأ حياة جديدة من تلك اللحظة. تحدثت عن التغيرات السياسية والميليشيات ومصطفى عبدالباقي ونور الديب وأدهم داغر، وبالطبع تحدثت له عن مجدي، والدهما، وبناته، وما فعله سليم وهاجر بهم لكي يوافق على زواجها بنوح. كلما تابعت، كلما كان إبراهيم يصغي أكثر، كمن يجمع شتات عمره المبعثر، ويُعيد بناء خريطة حياته من بقايا صوتها وفي صمته امتلاءً. كانت ملامحه ترتعش أحيانًا عند ذكر اسمٍ مألوف أو حدثٍ قاسٍ مرّ بها، أو وجعٍ لم يكن هناك ليواسيه. يرتخي حاجباه حين تحكي عن ضحكات ووقت جميل مرت به في يومٍ عابر، وتشتدّ أنامله فوق ركبتيه حين تمرّ على سنوات الوحدة والخذلان. كان الجلوس بجواره أشبه بالجلوس بجوار شمعةٍ شاحبة؛ كلما اقتربت منها ازدادت دفئًا، لكنها لا تزال تُخفي تحت نورها ظلالًا كثيفة من الألم. وكانت غادة تحاول أن تضيء له ما استطاعت من مساحات، تحكي له لا لتبكي، بل لتشاركه، تحكي لا لتشكي، بل لتطمئنه، لتربط حاضرها بحياته، لتنسج جسرًا من الكلمات بين اثنين فرقتهما سجون وسنوات وموت مؤجل. ولم يكن الزمن في تلك الجلسة يمضي كما اعتاد، بل كان ينحني لهما، يستمع معهما، يتنفس معهما، يربت عليهما بخفة، ويغمرهما بذلك السكون الذي لا يحدث إلا حين يعود المفقود من منفاه، ويستمع إلى الحكاية كاملة، من البداية، من فم من ظلّ يحبّه وهو غائب، ويظل يحبّه وهو حاضر... حتى لو لم يرَ بعينيه من جديد. _وانتِ بقى، حبّيتي نوح بجد؟ وهو فعلًا راجل كويس؟ سألها إبراهيم هذا السؤال، فخيم صمت طويل على المكان. حدّقت غادة في الفراغ بعينين تلمعان كأنّهما تعكسان وهجًا دفينًا في أعماقها، ولسانها أثقل من أن يبوح بحقيقة عشقها لذلك الرجل. ثم، وعلى مهل، نطقت، وكان لحديثها نبرة من تكلّمت من أعماق تجربةٍ نضج فيها الحب رغم العواصف: _بص... أنا حياتي متحسنتش لما اتجوزته، بس شخصيتي اتحسنت... ونفسيتي اتحسنت، رغم كل المشاكل الخارقة دي... أنا كنت بصبر منه وعشانه، ووجوده بيخلي المشاكل تبقى هينة. هو آه، عنده اضطرابات نفسية وممكن يلسع شوية... بس هو عقله رزين ولما يبقا سليم، تكتشف إنه إنسان نقي وحساس جدًا يا إبراهيم. عادت للصمت مجددًا، قبل أن تتورد شفتاها بابتسامة عارمة وهي تقول: _تعرف إن عمره ما قالي "بحبك"؟ عمري ما سمعته قالي الكلمة دي أبدًا، وممكن ده يزعل ناس، بس بالنسبالي ده مخلّيني أحبه أكتر... لأنه بيبقى مشغول في إنه يبين حبه ليا بتصرفاته لدرجة إنه بينسى يبينها بكلامه... والتصرفات عندي أهم من الكلام. هو إنسان ذكي جدًا، بس عقله ومرضه ظالمينه والله. كان إبراهيم يستشعر الحبور المتغلغل في نبرتها، وذرات العشق التي تنسكب من كل كلمة تنطق بها، مكتشفًا أن حبهما ليس عابرًا، بل ذلك النوع الذي يُروى بالألم، ويزهر بالرعاية، ويثبت أن نوح قد أحبها وأحسن معاملتها حقًا. وفي ركنٍ من أركان حديقة المنزل، كان حيدر وبلال يجلسان يتابعان لعب مريم وريان سويًا مع القطط، وبين الفينة والأخرى يلاعبانهم بأيدٍ لم تذق السلام طويلًا، وكانا يدردشان عما يخططان له وما قد يحدث حاليًا لهما، حتى قطع حديثهما همس ندى وهي تنادي: _بلال... بلال! التفت إليها، وإذا به يثب واقفًا، ثم بهرع إليها ويضمها في حضنٍ طويل دافئ، ضاحكين ضحكة من عبروا جحيمًا وما زالوا قادرين على الفرح. _أول مرة ريحتك تبقى حلوة. قالت ندي له ذلك بعدما نظرت إليه فضحك بلال وهو يقول: _لك والله أنا كمان كنت رح قلك نفس الشي! ضحكت ندى ثم أردفت: _انتهزت فرصة إن نجلاء في أوضة هند، قولت أجي أقابلك، لأنها كانت مانعاني. عامل إيه؟ عملت إيه امبارح؟ نمت كويس؟ _مبارح أنا وحيدر لعبنا ماتش تقيل عالآخر، وبعده طفينا متل الجثث من التعب. حتى إبراهيم وأخته صاروا ينحبوا لما شافوا بعض، وإحنا ما حسينا بشي. بس حيدر كان عم بيخرف وهو نايم، وأنا وياه كنا نقوم ع كوابيس... بس الحمد لله، شوي شوي منتعود. وإنتِ، شو عملتي امبارح؟ _مقدرناش نعمل حاجة عشان هند كانت تعبانة أوي، بس قعدنا، ريّحنا كده، واتفرجنا على التلفزيون، ونجلاء وعلا عملولنا عشا حلو أوي. هو آه، الفيلم اللي اتفرجنا عليه غريب أوي، اسمه "دقة زار"... بس أهو اللي لقيناه عالتلفزيون. هند معرفتش تنام امبارح من التعب اللي هي فيه... وأنا بصراحة معرفتش، جسمي وجعني أوي، ونفسي... سكتت ندى وهي تشيح ببصرها في نظرة استياء وشرود، مترددة بين البوح والكتمان، فقاطعها بلال بنظرة قلقة وهو يتسائل عن رغبتها، فترددت قليلًا، ثم قالت: _نفسي في هيروين... أنا مش مستحملة وجع جسمي يا بلال... لازم آخده النهاردة. فوجئ بلال، وانعكس القلق في عينيه كوميض نارٍ خافتة، وقال بحزمٍ مختلط بالرجاء: _لا يا ندى، خلصنا بقى من هالسيرة... إنتِ كنتِ مدمنة هنيك لأنّو كنا عايشين بجحيم، بس هلأ نحنا طلعنا، خلصنا، صرنا بمكان أمان... لازم تنسي هالإدمان، رجاءً، قاومي هالشعور. أصرّت ندى وهي تكمل بنبرة منفعلة ومنكسرة، كمن تقف على شفا هاوية: _مش قادرة... وبرضو عايزة أشوف أهلي، بس نجلاء رافضة الفكرة دي دلوقتي. _معاها حق نجلاء! شو بدك تشوفيهم؟ هالناس أذوكي، مالك علاقة فيهم خلاص! قالت ندى وهي ممتعضة متوسّلة: _يا بلال، متبقاش زيها بقى... أنا جيتلك عشان تساعدني، عشان خاطري يا بلال، ساعدني نروح لعندهم النهاردة... بس أبصلهم بصّة وأمشي. _يا ندى، ما بدي إياكي تتعبي... طيب، رح نشوفهم، بس مو هلأ. هلأ لازم نرتاح ونثبت وضعنا، بعدين منقرّر شو منعمل، مين منشوف، وشو بدنا نقول. لقد عاشت ندى سنيّ عمرها في سجن "دارين" تتعاطى الهيروين خلسة، ذاك الذي كانت تجده في غرفة المختبر حيث تعمل. لم يكن إدمانها نزوة، بل ضرورة للبقاء؛ فقد كانت ترى العين ما لا يُحتمل، وترتعش الأعصاب تحت وطأة مشاهد تفوق الوصف. عشرات الجثث المشوهة، والأشلاء المتناثرة، والإفرازات والإخراجات المُقزّزة التي تنبعث من أجساد أولئك الذين يُعذَّبون أو تُجرى عليهم تجارب وحشية، كل ذلك كان يغرس في روحها خناجر لا تبرأ. أما صرخاتهم وتوجّعهم الموجع، فقد كانت تتسلّل إلى أعماقها كسمٍّ بطيء، يفتك بها دون أن يقتلها. ولم تكن تملك درعًا تقي به نفسها من سطوة هذا الجنون سوى ذاك المخدّر؛ كان الهيروين ملاذها الوحيد من واقعٍ فقد اتزانه، ووسيلتها الوحيدة لتخدير ذاكرة غارقة في الدماء، مثقلة بالصراخ، مشبعة بالرعب. كانت تأخذه لا لتنسى فقط، بل لتسكّن جسدها المنهك من فرط التعب والكوابيس المستيقظة، ولتهرب، ولو إلى حين، من جحيم لا تنطفئ نيرانه. ومن وادي ندى الحالك، إلى جراح هند النازفة في صمت، حيث كانت نجلاء قد أعطتها حقنةً لتسكّن أوجاعها المتفاقمة، قائلةً بنبرةٍ تبعث الطمأنينة: _بُصي، الحقنة دي هتسكنلك الوجع مدة طويلة، لحدّ بالليل إن شاء الله نروح عيادتي وأكشف عليكي كشف أوضح، ونشوف المشكلة وهتبقى بسيطة إن شاء الله. جلست هند على السرير بوجه شاحبٍ يعلوه تجهّم ثقيل، والغمّ يخنق حلقها بغصّة عميقة. وقالت بنبرة مثقلة بالهم: _أنا خايفة... رأت نجلاء في عيني هند الذابلتين ونبرتها في تلك الكلمتين كمًّا هائلًا من الذعر والعار، فزعًا مقيمًا، وذلًا لم يجد بعد طريقه إلى الرحيل. جلست نجلاء بجانبها ومدت يدها لتضعها على كتفها لكن هند أزاحت يدها بحركةٍ لا إرادية، كأنّها لم تعد تطيق ملامسة شيءٍ لجلدها... فراعت نجلاء صدمتها، وقالت بلين: _ما دام انتِ معانا دلوقتي، يبقى مفيش داعي للخوف. أنا عارفة إنك صعب تثقي في حد دلوقتي... بس عايزة تدي لنفسك فرصة إنك تتعافي من خلالنا. كلنا هنبقى معاكي، وأنا بالذات نفسي مش هسيبك إلا لما تبقي كويسة، والأماكن اللي هتقعدوا فيها هناك هتبقى مريحة من غير أي سلطة، وفيها كل اللي نفسك فيه. قالت هند بجفاء ولا مبالاة: _نفس الهَذرة اللي كانوا يقولوها للّي يبيعوهم. سكتت نجلاء دون إجابة، فلم تجد ما تقوله حقًا. وبعد صمتٍ طويل كادت أن تنهض، لتستوقفها هند بسؤالها بصوتٍ مرتجف: _دكتورة نجلاء... التفتت نجلاء إليها، فواصلت هند وهي تهمس مرعوبة: _معقول سعدية ما تكونش... بنت راجلي؟ سكتت نجلاء برهة وأبقت على هدوئها وهدوء ملامحها، ثم سألتها دون إظهار أي ردّ فعلٍ يحرج هند: _في حاجة معينة خلتك تحسي بالشكوك دي؟ أجابت هند وقد بدا على وجهها أثر اكتشافٍ مفزع: _البارح، كي كنا قاعدين... إنتِ كنتي نايمة، أما التلفزة طلّعت فيلم يحكي عالزار وهاك البلاوي... وفهمت من القصة إنّو اللي يعملولها زار باش تخلّف، ديما ثمّا راجل يعمل بيها حاجة وهي مغيّبة... والطفل اللي يجي ما يكونش متاع راجلها، يكون متاعه هو... تصوّري، أم راجلي الله يرحمه، كي عرفت إني ما نخلّفش، جرّتني بالقوّة لمصر باش يعملولي زار... _وحسيتي بحاجة بعد ما عملتي الزار؟ _ما حسّيتش باهي، أما... شفت جن... أما كي تفرّجت في الفيلم، فهمت إنو موش جن، راجل متغطّي بالسواد كلو... تصوّري يكون هذا اللي صارلي؟ حد عملي هيك وأنا مغيّبة؟ وسعدية ما تكونش بنت راجلي؟! سكتت نجلاء مجددًا وهي محتفظة بملامحها الساكنة، ثم سألتها بنبرةٍ حانية: _ولو ما طلعتش بنت جوزك، دا هيأثر في حبك ليها؟ قالت هند والغصّة تخنق صوتها: _لا، لا... أما أنا باش نتكسّر يا دكتورة... معقول جسمي ما عندوش حرمة؟ حتى قبل الحبس؟ معقول جسمي منجّس من بكري؟ وراجلي عايش على كذبة وما يعرف شي... أمسكت هند بذراعها وأخذت تخدشها بأظافرها، كأنّها تودّ سلخ جلدها عن عظامها، وهي تنتحب بحرقة: _والله العظيم، قلبي يوجع كي نتفكر... نِقرف من جلدي! نِقرف من عظمي! نِقرف من لحمي! نِقرف منّي أنا! راني نِتمنّى نِسلخ جلدي، نِقشّو ونرميه، وندخل في بدن نظيف، طاهر، ما تِلوّثش كيفي... انهارت باكية، تصفع وجهها وتضرب رأسها، فهبت نجلاء وأمسكت يديها، وجلست بجانبها وهي تقول بحرقة: _انتِ طاهرة يا هند! انتِ شريفة مهما حصلك يا حبيبتي، مقاومتك للي حصلك في السجن وغفلتك عن اللي حصلك في الزار وشعورك بالعار والخزي من كل دا دليل واضح على طهارتك وشرفك. مهما حصل لجسمك، انتِ هتفضلي شريفة برفضك وندمك وكفاحك لكل اللي حصلك. قالها رسولنا ﷺ: "إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكُمْ، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ". انتِ قدام ربنا طاهرة بقلبك وبنيتك، مش باللي حصلك في جسمك في السجن أو قبليه. رغبتك يا هند لازم تكون في إنك تحسّني من صحتك وحياتك، وتستشعري عوض ربنا الجميل بعد كل العذاب دا... مش في إنك تنسلخي عن ذاتك أو تطلبي الموت. عانقت هند نجلاء بقوة، تصيح باكية على ما حلّ بها من عذابٍ وقهر، تحتضن بقاياها المحطّمة بذلك العناق المتشبّث الأخير بحنانٍ نادر، وكأنها تطلب الخلاص من بين ذراعيها. كانت تبكي جسدًا انتُهكت حرمته، وروحًا ما تزال تصارع للبقاء، تتعلّق بآخر خيوط النجاة في عالمٍ لم يترك لها سوى الندوب. سنواتٌ قضتها في سجن "دارين" مسلوبة الإرادة، مُرغمة على الارتماء في قاع الدعارة، تتجرّع الهوان كل ليلة، يبيعون جسدها ويشترون به إذلالها، حتى غدت كأنها شبح لإنسانة كانت. لم يكن عذابها عاديًا، بل سعيرًا متواصلًا، يحرق كل ما بقي منها، ويتركها تتمنى لو أنّها لم تولد، لو أنّها لم تكن. وما زاد الطين بؤسًا، أن نجلاء، حين كشفت عليها بعد أشهر طويلة من الآلام التي لم تفهم لها تفسيرًا، وجدت أن أعضاءها التناسلية قد لحق بها تلف وتشوهات قاسية، لا تنمّ إلا عن حجم الرعب والأذى الذي مُورِس عليها. كانت تلك الجراح، بصمتها، أبلغ من ألف شهادة، حكمًا قاطعًا على سنين عذاباتٍ لا تُحكى، دليلًا ماديًا على بشاعة ما عاشته، وعلى أن بعض الجروح لا تندمل، بل تظلّ تصرخ من تحت الجلد، وتبكي صمتًا في أعماق الروح. وهنا أطلت نجلاء ببصرها في الحديقة لتطمئن على مريم، ابنتها التي كانت بصحبة ريان، يلعبان معًا بين الأشجار والزهور، يركضان خلف القطط الصغيرة التي تتقافز بمرح في الدفء الناعم لأشعة الشمس. كانت ضحكاتهما تتعالى، صافية كخرير جدول، تنساب إلى القلب كبلسمٍ يرمم الشروخ الصامتة في الأرواح المتعبة. ريان، صاحب السنوات الست، ذاك الطفل الذي خرج من جحيم "دارين" بجسدٍ نحيل وروحٍ مكلومة، كان الآن يركض بخطى مترددة، كمن لا يزال يشك في شرعية هذا الفرح المفاجئ. كان في عينيه شيء من الذهول؛ فعالم الألوان والضحك والقطط شيء لا يشبه ما عرفه، بل يشبه حلمًا خافتًا نسي تفاصيله. ومع ذلك، كانت مريم تمسك بيده بإصرار حنون، تجرّه نحو الحياة، نحو الطفولة التي سُرقت منه، وتعيدها له بلعبة، بابتسامة، بقفزة بين العشب، أو بدحرجة كرة صغيرة فوق الأرض الطرية. تمسكت مريم بدورٍ أسمى من عمرها. فقررت أن تكون لريان أختًا وملاذًا، تعلّمه كيف يكون طفلًا كما ينبغي له أن يكون: كيف يركض بلا خوف، وكيف يضحك بلا تردد، وكيف يصرخ فرحًا دون أن يرتجف قلبه من صدى الخطايا التي لم يرتكبها. وكانت القطط من حولهما، بفرائها الناعمة وأصواتها اللطيفة، تلعب دور الشهود الصامتين على ميلاد جديد لروحٍ ظنّ الجميع أنها ماتت في زنازين الرعب. وبدا أن نور، أي روح قوة مريم الحالية، تشارك في الأمر ذاته، تعطي لريان ما لم يُعطَ لنور قط، تجعله يعيش ما لم تعشه أبدًا. كلاهما كانا روحين تلامستا عند حدود النقاء، وعرفتا أن ثمة حياة ممكنة، وأن الطفولة وإن نزفت، ما زالت قادرة على التنفس، واللعب، والضحك. بعد مرور الوقت، وصل كلٌّ من علا، سليم، هاجر، عصام، وفياض. وفور أن رأى ريان سليم يدخل إليهم، صاح بمرح: _بابا!! وهرع إليه باسطًا ذراعيه، فضحك سليم والتقطه وحمله إلى حضنه، مأرجحًا إياه وهو يداعبه، ثم قبّل وجنته، بينما ريان يقهقه، ثم سأله: _إيه يا ريو؟ فرحان باللعب؟ _إي، أنا ومريم لعبنا كتير، والقطط شكلهم بيجنن لما يركضوا ورا الفراشات، بيكونوا بدهم يمسكوها، وهيك بيحرّكوا إيديهم كأنهم عم يصقفوا. نظر سليم إلى مريم بفخر، فلم يرَ ريان سعيدًا قط كما كان وهو يلعب معها. فتحسس سليم على رأس مريم وهو يقول: _شكرًا يا مريم إنك لعبتي معاه. قالت مريم: _لا، متشكرنيش لسه! إحنا مخلصناش لعب، فاضلنا راوندين. قال ريان وهو يقفز جالسًا على ذراع سليم: _إي إي، نزلني بسرعة! خليني أربحها هالمرة، لأنها غلبتني أول راوندين! ضحك سليم ووضع ريان على الأرض وهو يقول: _ماشي، ماشي، يلا انطلق يا بطل. وفي الداخل وقفتا كل من علا ونجلاء معًا: _عرفتي أي أخبار يا علا؟ _كلمت أحمد، حكالي إن الجيش جمّ المستشفى، وقالوا إنهم اللي هيشرفوا على المصابين وهيتابعوا معاهم. ورجع هو مع سعدية ووليد وموريس وجمال ودكتور حمدي. على بالليل بالكثير هيوصلوا القاهرة. قلتله هو وسعدية ييجوا على هنا، وهند تشوف بنتها وقلبها يهدى بقى. سكتت نجلاء قليلًا، ثم سألت علا بنبرة خفيفة بها عتاب واستفهام: _علا، إنتِ فرّجتي هند امبارح على فيلم دقّة زار؟ _آه... قالت حاجة عنه؟ _دي عرفت إن سعدية مش بنتها وانهارت... _طب كويس... عقدت نجلاء حاجبيها وهي تقول متعجبة: _كويس إيه؟ قالت علا وهي تدافع عن نظرتها للموقف: _خليها تعرف لوحدها يا نجلاء، محدش فينا يقدر يقولها بنفسه، كده مستحيل تصدقه. بس لما هي تكتشف ده لوحدها، هيبقى أهون ليها ولينا. ده لسه المصيبة لما تعرف مين أبو سعدية! الحمد لله إن سعدية عارفة، ممكن ده يخفف من صدمة هند شوية، معرفش... سكتت نجلاء وأومأت برأسها وهي تتفهم الأمر، ثم سألت علا: _عرفتي أخبار عن إسماعيل؟ _آه، بعتت رشا تطمّن عليه، وقالتلي إن ياسر أخده يقعد عند شقة من شققه، وهيديله شغل هو وجمال. ربنا يجزي ياسر كل خير بجد... الفكرة إن... لحد دلوقتي مش عارفين مصير مصطفى... يا رب كن له عونًا ونصيرًا.
ROMISAA