لم يكن الزنزانة سوى بداية لما تنتظره الدولة من رائد.
بعد ساعات قليلة، تم نقله إلى غرفة أكبر، أكثر ظلمة وبرودة، حيث بدأ التعذيب النفسي والجسدي بأسلوب صارم وممنهج.
لم يكن الهدف مجرد الإكراه على الاعتراف، بل تحويله إلى رمز، إلى درس مرعب لكل من تسول له نفسه تحدي السلطة.
كانت الضربات الدقيقة، الصمت المطبق، وتهديدات الضباط المستمرة، كأنها تهمس في أذنه:
"كل خائن للدولة سيصير هكذا… وكل من يحاول الهرب سيختبر مصيره بنفسه."
لم يعرف أحد في المدينة أن رائد هو نفس المجرم الغامض الذي أرعب الأحياء قبل سنوات، أو أن جرائمه لم تُكشف بالكامل.
الدولة أرادت الحفاظ على صورة النظام قوية، حتى لو كان ذلك يعني إخفاء الحقيقة عن المواطنين،
لأن كشف كل شيء كان سيؤدي إلى غضب شعبي، وخلق رأي عام يمحو أي قدرة على فرض "عدالة الدولة".
...
في إحدى لحظات الصمت الطويل، جلس رائد على الأرض، الصورة القديمة لزوجته بين يديه،
نظر إليها بألم، وكأنها آخر قطعة من عالم فقده.
الذكريات تنهال عليه: الضحكات الماضية، الوعود التي لم تُوفَ، والأيام التي لم يعد لها معنى.
الجنون الذي كتمه طوال السنين عاد يلوح من جديد،
لكن هذه المرة مع شعور بالخذلان العميق، وبالعار الذي لم يعرفه من قبل.
الضباط لم يكونوا مهتمين بذكرياته أو معاناته، بل بسرده الاعترافات الرسمية.
الأسئلة كانت دقيقة، كل كلمة مدروسة لتقويض عقله وجعله يهرب داخليًا،
لكن رائد لم يصرخ، لم ينهار كليًا،
لأنه يعلم أن نهايته المعلنة لم تعد بيده، وأن الدولة ستتصرف وفق قوانينها الخاصة.
...
في الخارج، انتشر خبر اعتقاله بسرعة كبيرة.
وسائل الإعلام الرسمية ذكرت فقط أنه "تم القبض على عنصر خطير خالف القوانين"،
بينما أُخفيت تفاصيل جريمته عن العامة، حتى لا يظهر أي شخص يراه بطلًا أو يتعاطف معه.
لكن الصورة التي أرسلتها الدولة سرًا إلى بعض المسؤولين، جسده مضروبًا، آثار التعذيب واضحة، والورقة تحمل العبارة المروعة:
"كل خائن للحكومة سيصير هكذا."
هذه الصورة كانت كافية لإثارة صدمة واسعة، وخلق حالة من الذعر بين المواطنين،
رغم أنهم لم يعرفوا الحقيقة الكاملة، ولم يعرفوا أن رائد كان ضحية اللعبة نفسها التي خانته الدولة،
وأن جرائمه السابقة، رغم فظاعتها، كانت انعكاسًا للضغط النفسي والجنوني الذي عانى منه سنوات طويلة.
...
مع مرور الأيام، بدأت التحقيقات الرسمية.
تم عرض رائد على لجنة طبية متخصصة، التي أكدت أنه يعاني من اضطرابات نفسية حادة، وأن الجرائم التي ارتكبها كانت ناتجة عن مرض نفسي مركب، تفاقم بسبب سنوات التعذيب، الهروب، والعزلة.
تمت إحالته إلى مشفى للأمراض النفسية الخاصة بالسجناء، حيث صُممت غرفه لتوفير "علاج" مختلط بين الرقابة والسيطرة، بعيدًا عن أعين الجمهور.
عندما دخل غرفته المخصصة في المشفى، كانت الصورة التي يحملها مع زوجته في جيبه،
نظر إليها مرة أخيرة، والدموع تملأ عينيه، شعور بالندم يغمره: على ما فعله، على حياته، وعلى كل ما فقده.
الزنزانة الجديدة لم تكن سوى بداية فصل آخر،
حيث سيبقى رائد محاصرًا، بين جنون داخلي، ندوب الماضي، ونظام دولة لا يعرف الرحمة.
...
في المدينة، استمرت حالة الغضب والذعر.
الناس تناقلوا الصور والتفاصيل المخفية جزئيًا،
لكن لا أحد يعرف الحقيقة كاملة: أن رائد كان ضحية قبل أن يصبح مجرمًا، وأن اللعبة التي ابتلي بها كانت أعظم من أن يُحكى عنها بالكامل.
وهكذا، انتهت القصة الكبرى:
رائد، الصحفي الهارب، المريض النفسي، المجرم الغامض، أصبح محاصرًا بين الماضي والحاضر، بين الدولة والجمهور،
بين حبه الضائع لزوجته وندمه الأبدي على ما حدث.
"الحياة قد تنتهي، لكن الظلال التي تركتها لا تختفي… أبدًا."
Lemar hamadi