الوليمة الأولى
كانت الليلة خانقة، لا قمر فيها ولا نجم، كأن السماء أغلقت أبوابها لتمنع النور من رؤية ما سيحدث على الأرض.
جلس رائد على سريره محدقًا في دفتره الذي امتلأ بالعناوين والملاحظات.
كل شيء كان جاهزًا… الخطة، الأدوات، الوقت، والمكان.
بقي فقط أن يختار الضحية الأولى.
أغلق الدفتر ببطء، ونهض من مكانه كمن يستيقظ من حلمٍ طويل.
ارتدى معطفه الأسود، وضع قفازاته الجلدية، وأخذ من جيبه سكينًا صغيرة لمعانها ينعكس على عينيه كوميضٍ شيطاني.
ثم تمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
"المدينة جائعة الليلة… دعونا نُطعمها."
خرج من شقته بهدوء، متخفّيًا تحت قبعةٍ واسعة، يسير بخطواتٍ دقيقة في شوارعٍ شبه خالية.
كانت الساعة تقترب من الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، حين وقف أمام أول بيتٍ في قائمته —
البيت رقم (17) في الحيّ القديم، بيت امرأة كانت دائمًا تستقبله بابتسامةٍ مصطنعة، تتحدث بكلماتٍ ملوّنة وتغلق الباب بعجرفةٍ باردة.
وقف أمام الباب بضع لحظات، استمع إلى دقات قلبه التي كانت تسابق أنفاسه، ثم ضغط زر الجرس.
من الداخل، سمع صوتها الناعم يسأل:
– من هناك؟
فردّ بهدوء:
– عامل التوصيل، البيتزا التي طلبتِها يا سيدتي.
فتح الباب ببطء، تطلّ منها نصف نظرة متعبة، قبل أن تقول:
– لم أطلب شيئًا…
لم تكمل جملتها.
حركة واحدة كانت كافية —
انقضّ عليها كما تنقض الظلال على النور، كمّم فمها بقوة، دفعها إلى الداخل وأغلق الباب خلفه.
صوت ارتطام، أنين، ثم صمت ثقيل.
مرت دقائق طويلة.
خرج بعدها رائد بخطواتٍ بطيئة، كأنه لم يغادر مشهدًا بل طقسًا مقدسًا.
في يده ورقة صغيرة طواها بعناية ووضعها فوق الجسد المستلقي على الأرض.
كتب عليها بخطٍّ واضح:
"الحيوانات جائعة في هذه المدينة… ساعدوني بإلقاء بعض اللحم لهم."
ثم غادر المكان كما جاء، دون أثرٍ سوى الرسالة والدماء التي سالت ببطءٍ تحت الضوء الخافت.
...
في الصباح التالي، استفاقت المدينة على صراخٍ يملأ الحيّ.
الشرطة، السكان، الصحفيون، الجميع في حالة صدمة.
كانت الجثة مشوّهة بطريقة غريبة، لا تحمل نمط القتل المألوف، لكن أكثر ما جذب الانتباه تلك الورقة الصغيرة المبللة بالدماء.
انتشرت صورها بسرعة في وسائل الإعلام،
وأُطلق على المجرم اسم "الغريب" — لأن لا أحد يعرف من هو، ولا ما هدفه.
ومع كل جريمة جديدة في الليالي التالية، كانت الورقة تتكرر.
كل جثة تُلقى في الشوارع أو قرب الأزقة، عليها العبارة ذاتها:
"الحيوانات جائعة في هذه المدينة… ساعدوني بإلقاء بعض اللحم لهم."
أصبحت المدينة تعيش في رعبٍ دائم.
الناس يغلقون الأبواب باكرًا، الكلاب تنبح بجنونٍ بعد منتصف الليل، والقطط تهرب من الشوارع قبل حلول الظلام.
الشرطة أعلنت حالة الطوارئ، الصحف تملأ صفحاتها بتكهناتٍ وتحليلات، والمجتمع كله بدأ يرى في “الغريب” كابوسًا لا يمكن الإمساك به.
أما رائد، فكان في تلك الأثناء يجلس في غرفته المظلمة، يشاهد نشرات الأخبار التي تتحدث عنه،
يميل رأسه بخفة، يبتسم ببطء، ويهمس لنفسه:
"لقد بدأوا يفهمون المعنى الحقيقي للجوع…"
ثم أطفأ التلفاز، جلس على الأرض، وبدأ يخطّ على الورقة التالية اسم ضحيته المقبلة.
كتبها بحروفٍ كبيرة، واضحة، ثم قال:
"الوليمة الثانية غدًا… والمدينة ستتعلم أن تطعم وحوشها قبل فوات الأوان."
Lemar hamadi