اللقطة السابعة عشر🎬

اللقطة السابعة عشر🎬

15 0

مرّ على خروج رائد من المصحّة عدة أشهر.

خلالها، بدا وكأنه يحاول أن يتشبّث بالحياة كما يتشبث الغريق بقطعة خشب في بحرٍ هائج.

يستيقظ صباحًا قبل الجميع، يغسل وجهه بماءٍ باردٍ كأنه يريد أن يمحو بقايا الكوابيس، ثم يرتدي معطفه البالي وينطلق إلى عمله على دراجته الهوائية الصغيرة.

المدينة كانت تتحرك بإيقاعٍ ثابت، بينما داخله يعزف لحنًا متكسّرًا لا يعرف أحدٌ نغمه.

في الشارع، كان يرى الوجوه تتكرر…

المرأة التي تمر كل يوم في نفس الساعة، الرجل الذي يصرخ في هاتفه، البائع الذي لا يتوقف عن الابتسام.

لكنه في كل وجه كان يرى شبحًا من ماضيه، انعكاسًا لوجهٍ يعرفه من قبل — ربما من المصحّة، أو من تلك الصور القديمة التي كانت تطارده.

كانت أصوات الزبائن ترن في رأسه بعد أن يعود إلى غرفته.

ضحكاتهم، طلباتهم، نبرة الشكوى حين يتأخر في التوصيل.

كلها تتحول في الليل إلى أصواتٍ هامسة تُعيده إلى تلك الغرفة البيضاء في المشفى.

وأحيانًا، حين يغمض عينيه، يرى نادر — الرجل الذي عاش معه في المصحة — جالسًا على حافة السرير، يقول بصوته الهادئ:

"أتعلم يا رائد؟ الحرية ليست خروجك من الباب… إنها قدرتك على إغلاقه خلفك دون خوف."

كان صدى الجملة يوقظه مرعوبًا في منتصف الليل.

يمسك رأسه بكلتا يديه، يتنفس بسرعة، ثم يضحك بهستيرية وهو يقول:

"أنا حرّ… أنا حرّ!"

لكنه لم يكن يصدق نفسه.

في العمل، بدأ مديره يلاحظ تصرفاته الغريبة.

أحيانًا يحدق طويلاً في الزبائن دون أن يتحرك.

أحيانًا ينسى الطلبات أو يعود بصناديق فارغة.

وحين يسأله المدير عن السبب، يجيبه بابتسامةٍ غريبة:

"كنت أتأمل… كيف يمكن للناس أن يأكلوا بسلام بينما هناك من يلتهم نفسه في الداخل."

في إحدى الليالي، تأخر رائد في توصيل طلبية إلى أحد الأحياء الراقية.

حين وصل، فتح له الزبون الباب، وكان رجلًا أنيقًا بوجهٍ واثق ونظراتٍ متعجرفة.

أخذ منه البيتزا دون حتى أن يشكره.

قال رائد بهدوءٍ مريب:

"هل تعلم؟ كنت أعرف رجلاً يشبهك تمامًا… لكنه لم يعش طويلًا."

ابتسم الزبون ببرودٍ وظنّها مزحة، وأغلق الباب في وجهه.

وقف رائد لحظة أمام الباب المغلق، يشعر بأن شيئًا ما في داخله يتحرك.

تلك الرغبة الغامضة القديمة، خليط من الغضب والانتقام، بدأت تستيقظ مجددًا.

كان يسمع في رأسه صوت نادر يهمس له ببطء:

"الناس لا يفهمون الألم إلا حين تزرعه فيهم… لا تكن ضحية بعد الآن."

في اليوم التالي، جلس رائد على مقعدٍ في الحديقة العامة، يراقب الناس من بعيد.

كان الأطفال يركضون والطيور تحلّق فوقهم، لكن المشهد بدا له كلوحةٍ مزيفة.

كل شيءٍ جميل كان يشعره بالاشمئزاز، لأن الجمال صار ترفًا لا يستحقه من ذاق القاع.

كتب في دفترٍ صغير كان يحتفظ به في جيبه:

"لا أحد يشفى تمامًا… نحن فقط نتعلم كيف نخفي النزيف."

في الليل، حين عاد إلى غرفته، جلس قرب النافذة يراقب الشارع الخافت تحت المطر.

تذكر كل الوجوه التي مرّت في حياته: زوجته، الصحفي حسام، السجناء في المصحة، الجلادين الذين عرفهم في الماضي…

كلهم تحولوا إلى ظلٍّ واحد يقف أمامه، يحدّق فيه ببرود.

همس رائد لنفسه:

"ربما كنت ضحية حينها… لكنني الآن أمتلك الخيار."

في اليوم التالي، قرر أن يغير مظهره. حلق لحيته القديمة، ارتدى ملابس نظيفة، ووقف أمام المرآة طويلاً.

لكن ما رآه لم يكن وجهه.

كان يرى رجلًا غريبًا، ملامحه مكسورة، عيناه لا تشبهان عينيه.

ابتسم وقال لنفسه بصوتٍ خافت:

"ربما هذا هو رائد الجديد… الرجل الذي لن يخاف بعد الآن."

ثم أطفأ الضوء وغرق في الظلام، بينما في أعماقه كانت فكرة صغيرة — خبيثة، غامضة، لكنها حيّة — تنبت ببطء، تنتظر فقط لحظة النضج كي تُثمر.

كان ذلك بداية الانهيار الثاني…

والعالم في الخارج لا يدرك بعد أن الصحفي الذي كان يومًا رمزًا للحق، أصبح يعيش على حافة الجنون، ينتظر فقط شرارة واحدة ليشتعل من جديد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة