اللقطة الثانية والعشرون🎬

اللقطة الثانية والعشرون🎬

15 0

لم تكن المدينة تنام بعد الآن.

الأضواء لا تُطفأ، والعيون تترقب من خلف الستائر،

كأن كل بيت يخشى أن يكون الدور عليه هذه الليلة.

ستّ جرائم في أقل من شهرين.

الناس لم تعد تعدّ الضحايا… بل الأيام التي تمرّ بلا جثة جديدة.

الشرطة أنهكتها التحقيقات، والإعلام يشعل النار كل صباح بعناوينه الصفراء:

"المجرم الغريب… الشبح الذي يهزّ أعصاب المدينة"

"هل بيننا من يُطعم الكلاب بلحم البشر؟"

وفي مركز التحقيقات، جلس العقيد نادر السالم أمام طاولة ممتلئة بالأوراق،

الملفات مفتوحة، الصور تتكرر،

لكنه في تلك الليلة لم يكن ينظر إلى الأدلة… بل إلى الصمت الذي خلفها.

قال للملازم “رامي” الذي كان يقلب الأوراق:

– "أشعر أن هذا الرجل لا يقتل عبثًا، هناك رسالة مخفية، نمط يتكرر."

رد رامي:

– "سيدي، كل ما نعرفه أن ضحاياه ليسوا أبرياء تمامًا… معظمهم متورطون بقضايا فساد أو إساءة أو خيانة. كأنه ينتقيهم."

رفع نادر رأسه وقال ببطء:

– "تمامًا… وهذا ما يجعلني أخاف أنه لن يتوقف."

...

في الجهة الأخرى من المدينة،

كان رائد يسير ليلًا بين الأزقة كأن الظلام صديقه الوحيد.

وجهه لم يعد يحمل ملامح الصحفي القديم،

بل صار قناعًا غامضًا لا يكشف شيئًا.

عيناه جامدتان، لكن عقله لا يهدأ.

كل خطوة كانت نغمة في موسيقى الجريمة التي يعزفها بصمت.

توقف قرب جدارٍ مغطى بملصقات الأخبار،

رأى صورته القديمة حين كان صحفيًا بارزًا تحت عنوان:

"البطل الذي كشف الحقيقة ثم اختفى"

لم يتمالك نفسه من الضحك، ثم همس لنفسه:

– "ها أنا ذا… أعود لأكشف الحقيقة مجددًا، لكن بطريقتي."

...

في اليوم التالي، تلقّت الشرطة بلاغًا جديدًا.

جثة في الحيّ الشرقي.

لكن هذه المرة، لم يكن القاتل قد ترك الورقة فقط،

بل أيضًا كاميرا صغيرة موضوعة بجانب الجثة.

داخلها مقطع فيديو مدته دقيقتان.

فتحوه في غرفة التحقيق بحذر،

ظهر فيه رجل يرتدي قناعًا أبيض يتحدث بصوت معدّل إلكترونيًا:

"أنتم تبحثون عن الوحش…

لكن الوحش هو الجوع الذي تركتموه في الشوارع.

أنا فقط أُطعمه."

ثم اختفى الصوت، وظهر مشهد قصير لجثة الضحية وهي ممددة على الأرض،

وبجانبها عبارة بخطّ دمويّ:

"المدينة تأكل أبناءها."

ارتجف أحد الضباط وهو يقول:

– "هذا جنون!"

لكن نادر ظل صامتًا،

عيناه كانتا تحدقان في انعكاس الصورة على شاشة الكمبيوتر،

كأنه يحاول أن يتحدث إلى ذلك الظلّ الصامت.

تمتم:

– "ليس جنونًا… هذا رجل يعرف تمامًا ما يفعل."

...

خلال الأيام التالية، بدأ نادر يتعمق في دراسة الملف الشخصي للمجرم.

جلس ساعات طويلة أمام السبورة البيضاء، يرسم دوائر وأسهمًا تربط بين الضحايا،

ثم كتب في منتصف اللوح بخطّ كبير:

"القاتل يظن نفسه مُخلّصًا."

ثم أضاف تحتها:

"ربما عاش مأساة جعلته يرى الجريمة خلاصًا."

وعندما انتهى، قال بهدوء للملازم رامي:

– "أريد أن تبحثوا في ملفات المرضى النفسيين المفرج عنهم خلال السنوات العشر الأخيرة، خصوصًا من لديهم خلفية في الصحافة أو التصوير."

لم يكن يعلم أن تلك الجملة البسيطة ستكون أول خيط يقوده إلى رائد.

...

في تلك الليلة، جلس رائد في غرفته ذات الإضاءة الخافتة،

يفتح حقيبته القديمة التي احتوت ذات يوم أوراقه وصوره الصحفية.

بين تلك الأوراق، وجد صورة قديمة له مع ليلى…

كانت تبتسم، وهو يلتقط لها صورة بكاميرته.

انقبض قلبه.

لم يشعر بالحنين، بل بالغضب.

قال بصوتٍ خافت وكأنه يحدّثها:

– "لو لم تقتربي من أوراقي… لكان كل شيء مختلفًا."

ثم مزّق الصورة ببطء، وترك نصفها يسقط على الأرض.

وفي تلك اللحظة، سمع في داخله الصوت الذي يطارده منذ سنين:

"العالم هناك يا رائد… ينتظر. لا تتوقف الآن."

أغمض عينيه، وابتسم ببرود:

– "لن أتوقف… إلا حين تشبع المدينة."

...

في اليوم التالي، اتصل أحد الضباط بالعقيد نادر على عجل:

– "سيدي، وجدنا تطابقًا في بصمات جزئية بين القاتل وأحد السجناء السابقين… صحفي يُدعى رائد المنذر، أُفرج عنه قبل سنوات من مصحة نفسية للسجناء!"

صمت نادر لثوانٍ طويلة.

كأن كل الخيوط التي بعثرتها الجرائم تجمعت أخيرًا أمامه.

ثم قال ببطء، وعيناه تضيقان بخطورة:

– "الصحفي الذي كشف جرائم الحكومة قبل عشر سنوات؟ مستحيل… لكنه منطقيّ أكثر مما ظننت."

ثم أضاف وهو ينهض من مكانه:

– "أرسلوا لي كل ملفاته فورًا… الليلة، سنبدأ مطاردته الحقيقية."

...

وفي تلك الليلة، كان رائد يقف على سطح إحدى البنايات العالية،

ينظر إلى المدينة المضيئة تحته،

يبتسم ويهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع:

"ها قد بدأتم تفهمون اللعبة…

لكنكم تأخرتم كثيرًا."

ثم اختفى في الظلام، تاركًا وراءه ورقة صغيرة طارت مع الريح،

كُتب عليها بخطّه المرتبك:

"الذئب لا يختبئ من القطيع… بل يجرّه إلى الغابة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة