اللقطة الخامسة عشر🎬

اللقطة الخامسة عشر🎬

14 0

لم يكن الزمن داخل جدران المصحة يُقاس بالأيام، بل بعدد المرات التي يصحو فيها رائد على صراخٍ في الممرات، أو على ارتطام جسدٍ بالحائط. الضوء هنا باهت، والهواء مُثقَل برائحة الأدوية والرطوبة والعزلة.

كانت الأيام الأولى تمرّ ببطءٍ قاتل، كأن الساعة عقرب يزحف فوق صدره. يعيش وحده في غرفةٍ رمادية بلا نوافذ تقريبًا، يسمع صدى أنفاسه يرتدّ عن الجدران كصوت شخصٍ آخر يسخر منه.

في البداية، كان يحاول التماسك. يقرأ الكتب المسموح بها، يكتب ملاحظات على الأوراق، يتأمل صورته القديمة مع زوجته ويحدّثها كأنها ما زالت هناك، تبتسم له وتربّت على كتفه. لكنه مع الوقت بدأ يشعر أن تلك الصورة تبتسم بسخريةٍ خفيّة، كأنها تسأله:

“هل هذا ما وصلت إليه يا رائد؟ هل كان كل ما فعلته يستحق؟”

وذات صباحٍ كئيب، فُتح باب غرفته ودخل أحد الحراس ومعه طبيبٌ شاب يحمل ملفًا. قال الطبيب بصوتٍ بارد:

"من اليوم لن تبقى وحدك يا رائد، هناك من سيشاركك الغرفة."

لم يعلّق رائد، فقط رفع رأسه قليلاً، فدخل رجلٌ ضخم البنية، عيناه رماديتان كالعاصفة، وابتسامة غريبة تسبح على شفتيه. كان اسمه نادر، سجينًا سابقًا أُدين بجرائم قتلٍ بشعة، واعتُبر مريضًا نفسيًا بعد أن أقرّ بارتكابه الجرائم "من أجل دراسة ردّ فعل الإنسان قبل الموت"، كما قال بهدوءٍ غريب أمام القاضي.

في الأيام الأولى، ظلّ رائد صامتًا، يتجنب النظر إليه. كان نادر يقضي وقته برسم وجوهٍ مبتسمة على الجدران بأقلامٍ مسروقة من الممرضين، ويهمس أحيانًا لنفسه كلماتٍ لا تُفهم. لكن مع مرور الأيام، بدأ يتحدث مع رائد، يزرع في رأسه أفكارًا صغيرة… تنبت مثل شوكٍ في روحه.

قال له ذات مساء وهما يجلسان في العتمة:

"أتعرف يا رائد؟ الناس في الخارج أكثر جنونًا منا. الفرق الوحيد أننا هنا نعترف بمرضنا، وهم هناك يخفونه خلف ابتساماتهم."

لم يردّ رائد، لكنه شعر أن في كلماته شيئًا من الحقيقة. ومع كل ليلة، كانت أفكار نادر تتسلل إليه أكثر.

بدأ يقنعه بأن العدالة لا وجود لها، وأن البشر لا يُصلَحون بالقوانين بل بالخوف، وأن “من أراد أن يُصلِح العالم، عليه أولًا أن يدمّره.”

في البداية ضحك رائد على هذا الكلام، لكنه بعد أسابيع صار يردّد الجمل نفسها دون أن يشعر. صار يرى العالم كما يراه نادر: مكانًا قذرًا يستحق الحرق.

مرت السنوات، سبع طويلة كالدهر. تغيرت المصحات، تغيّر الأطباء، وتناوب على رائد عشرات الممرضين. في كل مرة يُنقل إلى مصحة جديدة بسبب “نوبات الغضب” أو “التدهور المفاجئ”، كان يزداد ابتعادًا عن نفسه.

الهدوء الذي كان يميّزه تحوّل إلى صمتٍ ثقيلٍ مشوبٍ بالكراهية. لم يعد ينظر للمرآة، لأن عينيه صارتا تذكّرانه بالوحش الذي نما في داخله.

في إحدى الليالي، كان المطر يضرب النوافذ الصغيرة بعنف، جلس رائد على سريره، يحمل الصورة القديمة لزوجته. نظر إليها طويلاً، والدموع تلمع في عينيه.

قال بصوتٍ خافتٍ مشروخ:

"لو كنتِ هنا… كنتِ ستخافين مني."

ابتسم نادر من فراشه المقابل وقال بنبرة هادئة:

"الخوف ليس ضعفًا يا رائد، إنه الدليل الوحيد على أننا ما زلنا أحياء. تذكّر… العالم هناك ينتظر."

رفع رائد نظره نحوه، بعينين تائهتين بين الحيرة والجنون.

كانت تلك الليلة بداية النهاية؛ اللحظة التي توقّف فيها عن رؤية نادر كسجين، وبدأ يراه كصوتٍ داخليّ يُناديه نحو ظلامٍ لا عودة منه.

في اليوم التالي، حين دخل الممرض ليفتح باب الغرفة، وجد الجدار مغطّى بعشرات الجمل المكتوبة بخطٍّ مضطرب:

"العالم هناك يا رائد… ينتظر."

"العدالة وُجدت لتُخدع."

"أحيانًا يجب أن نكسر الإنسان… لنفهمه."

ابتسم رائد بهدوءٍ غريب وهو يحدق في تلك العبارات، كأنها صلواتٌ جديدة لمعبودٍ مختلف.

كان العالم الخارجي قد نسيه بالفعل، لكن داخله كان يتّقد.

الهدوء الذي سكنه طويلاً بدأ يتشقق… وفي قلبه كانت تنضج رغبة لم يُسمّها بعد.

ورغم أن السنين مرّت، إلا أن صدى نادر ظلّ يهمس في أعماقه:

"حين تخرج… اجعلهم يعرفون من كان رائد حقًا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة