اللقطة الرابعة

اللقطة الرابعة

185 0

وبعدما روى رائد ما حصل معه لأصدقائه الصحفيين، بقي صامتًا طويلًا، كأنّ الكلمات التي أطلقها أثقلت صدره أكثر مما خفّفته. لكن لؤي، أقرب أصدقائه وأكثرهم إصرارًا على كشف ما وراء الغموض، لم يتركه يغرق في صمته. اقترب منه بخطوات ثابتة، ثم جلس قبالته، كأنّه يستدرجه من قوقعته بعيونه قبل صوته.

قال لؤي بهدوء: «رائد… أنا أعرفك منذ سنوات. لا يمكن أن تكون قد تخيّلت كل هذا. أريدك أن تروي لنا ما جرى بالتفصيل.»

رفع رائد رأسه ببطء، وعيناه غارقتان في بقايا خوف لم يخمد بعد، ثم أجاب بصوت متردّد: «لؤي… ما سأقوله الآن لم أخبر به أحدًا… ربما لأنني أخشى أن يظنّني الجميع فقدت عقلي. لكنك… أنت الوحيد الذي قد يفهم.»

ومن هنا بدأ رائد يسرد… حكاية لم تكن أقلّ رعبًا من التي سبقتها، بل كانت أقرب إلى اعتراف يفضح ما هو أعمق من مجرد غرفة ضيّقة أو ورقة مشؤومة.

لم يكن ما رواه «رائد» مجرّد سردٍ عابر. كلماته علقت في الهواء كما يعلق دخان كثيف لا يعرف طريقه إلى الانقشاع. جلسنا صامتين، نُصغي إلى الصدى الذي تركه وصفه، وكأنّ كل تفصيل نطق به أصبح حيًّا، يبحث عن مكان ليسكنه في رؤوسنا.

لم أكن وحدي من لاحظ الارتجاف في صوته؛ ذلك الارتجاف الذي لم يكن خوفًا بسيطًا، بل شيئًا أعمق… شيئًا يشبه الانكسار. وعندما صمت، لم يكن صمته هروبًا من الكلام، بل إشارة إلى أنّه قال ما يكفي، وما تبقّى… أخطر من أن يُقال.

اقتربتُ منه ببطء، وسألته:

ــ هل أنت متأكد مما رأيت؟

رفع عينيه إليّ؛ كانتا غائرتين، تائهتين، ومع ذلك تحملان يقينًا لا يتزعزع. أجاب همسًا متقطعًا:

ــ لستُ مجنونًا… لا تقولوا إنني أتخيّل… لقد كان هناك… كان يقف خلفي حقًّا.

لم أستطع أن أجادله. لكن ما زاد الأمر سوءًا أنّني، للحظة وجيزة، شعرتُ أن شيئًا ما كان يقف خلفنا نحن أيضًا، في تلك الغرفة الضيّقة التي اجتمعنا فيها للاستماع إليه.

في ركن الغرفة، كانت الساعة المعلّقة على الحائط ما تزال متوقّفة عند اللحظة التي أنهى فيها «رائد» روايته. عقاربها مشدودة، كأنّها تجمّدت بإرادتها. حاول أحدُنا إصلاحها، لكن المفاجأة أنّ الساعة لم تكن مكسورة؛ البطارية جديدة تمامًا، ومع ذلك لم تتحرّك ثانية واحدة.

ازداد التوتّر. لم يعد الأمر يتعلّق بمجرد وصفٍ غامض يرويه رائد؛ الأشياء من حولنا بدأت تتجاوب مع ما يقوله، وكأنّ كلماته كانت مفتاحًا لبابٍ لا ينبغي أن يُفتح.

جلستُ قبالته من جديد وقلت له:

ــ الورقة… ماذا كان مكتوبًا فيها؟ هل قرأتها؟

أطرق رأسه، ثم عضّ على شفته السفلى بقوّة حتى خفت أن يجرح نفسه. لم يُجب. اكتفى بالنظر إلى يديه المرتجفتين وقال:

ــ لم أقرأ… لم أجرؤ. الورقة ما زالت هناك… تنتظرني.

تبادلتُ النظرات مع الآخرين. تمتم أحدهم:

ــ ربما علينا أن نذهب لنرى بأنفسنا.

وقعت الجملة كحجرٍ ثقيل في بحرٍ ساكن. كانت فكرة الذهاب إلى ذلك المكان تبدو جنونية، لكنها في الوقت نفسه الطريق الوحيد لمعرفة الحقيقة.

لم يوافق رائد في البداية، لكن تحت ضغط الصمت الذي خيّم علينا، هزّ رأسه أخيرًا. قال بصوت مبحوح:

ــ سأعود إلى الغرفة… ولكن ليس وحدي.

ومع غروب الشمس، كنّا نحن الأربعة نسير خلفه عبر الأزقّة الخانقة، متجهين نحو الغرفة التي وصفها في حكايته. كانت خطواته سريعة، متوترة، كأنّه يخشى أن يتراجع إن أبطأ. وكلما اقتربنا، كان الهواء يزداد ثِقلًا، والهدوء من حولنا يتكسّر بأصوات صغيرة… أبواب تُغلق فجأة، قطط تهرب من بين أقدامنا، وحفيفٌ مجهول خلف الجدران.

وحين وقفنا أخيرًا أمام باب الغرفة… شعرنا أن كل ما قيل لم يكن سوى مقدّمة. الباب نفسه كان مختلفًا عمّا وصفه؛ عليه خدوشٌ طويلة متقاطعة، كأنّ شيئًا ذا مخالب حاول اقتحامه من الخارج.

مدّ رائد يده نحو المقبض، ثم تجمّدت أصابعه في الهواء. التفت إلينا، وفي عينيه سؤال لم يجرؤ على النطق به:

ــ هل أنتم مستعدّون؟

لم يُجب أحد، لأن الحقيقة في تلك اللحظة لم تعد في ما رواه… بل فيما نحن على وشك أن نراه.

ترقبوا الفصل القادم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة