اللقطة الثامنة عشر🎬

اللقطة الثامنة عشر🎬

12 0

لم يكن خروج رائد إلى الحياة من جديد أشبه بالتحرر كما تخيّل…

بل كان كمن يُلقى خارج أسوار جحيمٍ تعوّد عليه، فيكتشف أن العالم الخارجي أكثر قسوة من الداخل.

أول ما شعر به حين خرج من بوابة المصحّة هو أن الهواء نفسه غريب، له طعم معدني لاذع كأنه ممزوج بالذاكرة.

في الأيام الأولى، عاش بلا هدف.

ينام في سريرٍ رخيص داخل غرفة صغيرة بأحد الأحياء المزدحمة، يطلّ على شارعٍ صاخبٍ لا يهدأ.

يحاول أن يتأقلم، أن يُقنع نفسه بأنه نجا… لكن ملامح الناس كانت تخيفه أكثر من الجدران البيضاء التي تركها خلفه.

في كل وجهٍ يراه، كان يبحث عن نيةٍ خفية، عن عينٍ تراقبه أو ظلٍّ يتعقبه.

مرت أسابيع قبل أن يجد عملاً، وكان في مطعم بيتزا صغير لا يبعد كثيرًا عن مكان سكنه.

المدير — رجلٌ بدين متعب — قبله على مضض بعد أن رأى نظرة الجدية في عينيه.

قال له وهو يسلمه حقيبة التوصيل:

"العمل بسيط… سلّم وابتسم، لا أكثر. الزبائن لا يحبّون الكلام الكثير."

ابتسم رائد ابتسامة متماسكة، لكنه في داخله فكّر:

"الناس لا يحبّون الكلام الكثير… لأنهم يخافون أن يسمعوا الحقيقة."

منذ اليوم الأول، بدأ يتنقّل بين شوارع المدينة كظلٍّ بلا ملامح.

يحمل الصناديق الدافئة ويطرق الأبواب، ثم يختفي كما جاء.

في البداية، كان الأمر يبعث في نفسه نوعًا من السكينة — تلك الدقائق التي يقف فيها أمام بابٍ مغلق، يسمع خطوات الزبون تقترب من الجهة الأخرى، كان يشعر فيها بارتعاشٍ غريب، خليطٍ من الترقب والقلق.

كأن كل بابٍ جديد يفتح له، يعيده إلى ماضٍ قديم، إلى أبواب الزنازين، إلى لحظة انتظار المجهول.

ذات مرة، سلّم الطلب لرجلٍ مسنّ يعيش وحيدًا.

حين رأى عيني الرجل المتعبتين، شعر بوخزٍ داخلي.

لم يعرف إن كان حزنًا أم شفقة… لكنه فجأة ابتسم بصدقٍ نادر.

قال له الشيخ:

"يبدو أنك شابٌ طيب… عملك شريف، فاحمد الله."

شكره رائد بصوتٍ خافت، لكن في قلبه كان صوتٌ آخر يهمس:

"العمل الشريف لا يغسل اليدين من الدم."

لياليه كانت مختلفة تمامًا.

حين يعود إلى غرفته، يجلس على السرير ويحدّق في الحائط الطويل الرمادي.

لم تكن هناك أي صور، ولا ملامح لحياة طبيعية.

لكن في ذهنه كانت تتكرر مشاهد متقطعة من المصحّة: صرخات، وجوه، ضحكات متكسّرة.

وكان وجه نادر — رفيق المصحّة — أكثر ما يزوره في كوابيسه.

يسمع صوته واضحًا كما لو أنه يجلس بجانبه:

"الناس يا رائد لا يحبون الحقيقة… والذين يعرفونها لا يعيشون طويلاً."

ابتسم حين سمع العبارة تتردّد في رأسه، ثم كتبها على ورقة صغيرة ولصقها على الحائط أمامه.

كانت تلك أول علامة على أن شبح الماضي بدأ يستعيد حضوره.

في أحد الأيام، أثناء عودته من العمل، صادف مشهدًا غريبًا:

مجموعة من المراهقين يضحكون وهم يصورون قطًّا جائعًا ينبش القمامة.

توقف، نظر إليهم بصمت، ثم اقترب من القطّ ومدّ له قطعة من البيتزا.

هرب القطّ بخوف، بينما استمر الأولاد في الضحك.

حينها همس رائد لنفسه:

"حتى الجائع يُخاف منه… ما أشبه الناس بهذا القطّ."

منذ تلك اللحظة، بدأ شيء يتغيّر في داخله.

أصبح يقضي وقتًا أطول في الشوارع بعد منتصف الليل، يراقب الناس بصمت.

يحدّث نفسه عن العدل، عن الرحمة، وعن الجوع — لا جوع الطعام، بل الجوع للإنسانية التي فقدها العالم.

وبينما كان عقله يلفّ حول هذه الأفكار، كان جزءٌ مظلم فيه ينمو، يبتسم في الظلّ، ينتظر لحظة الانفجار.

في أحد الأيام، جاءه طلب توصيل لزبونٍ يسكن في بناية فخمة في أطراف المدينة.

حين وصل، فتحت له امرأةٌ شابة أنيقة الباب بابتسامةٍ مصطنعة.

تبادل معها بضع كلمات، لكنها نظرت إليه بنظرةٍ غريبة، نظرةٍ جعلت شيئًا داخله يرتجف.

تلك النظرة لم تكن سوى لحظةٍ عابرة في عيون امرأةٍ لا تعرفه، لكنها أيقظت في داخله شوقًا دفينًا إلى زمنٍ لم يعد موجودًا… زمن "ليلى".

في طريق العودة، شعر بمرارةٍ في حلقه.

كان المطر ينهمر، والمدينة تتلألأ بأضواء السيارات، لكنه لم يكن يرى سوى ماضيه، دموع زوجته، صوتها وهي تقول له ذات مرة:

"ستغرق يا رائد في نفسك… وستختفي قبل أن تنقذها."

في تلك الليلة، لم ينم.

كتب في دفتره:

"العالم مريض، وأنا أحد أعراضه."

أغلق الدفتر، وأطفأ الضوء، واستلقى على سريره.

لكنه لم يكن ينام، بل ينتظر — ينتظر شيئًا لا يعرف اسمه بعد، شيئًا كان يسمع صوته الخافت في أعماقه، يقول له:

"القطط جائعة يا رائد… والعالم لا يطعمها إلا بالدم."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أرشيف الدم تحت عدسة الجلاد

المؤلف Lemar hamadi
2025/08/12 مكتملة
قائمة الفصول (26)
الفصل 6: اللقطة السادسة🎬
2025/08/29
الفصل 1: اللقطة الأولى🎬
2025/08/12
الفصل 2: اللقطة الثانية🎬
2025/08/12
الفصل 3: اللقطة الثالثة🎬
2025/08/15
الفصل 4: اللقطة الرابعة
2025/08/18
الفصل 5: اللقطة الخامسة🎬
2025/08/18
الفصل 7: اللقطة السابعة🎬
2025/08/29
الفصل 8: اللقطة الثامنة🎬
2025/08/29
الفصل 9: اللقطة التاسعة
2025/08/29
الفصل 10: اللقطة العاشرة
2025/08/29
الفصل 11: اللقطة الحادية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 12: اللقطة الثانية عشر🎬
2025/08/29
الفصل 13: اللقطة الثالثة عشر🎬
2025/08/29
الفصل 14: اللقطة الرابعة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 15: اللقطة الخامسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 16: اللقطة السادسة عشر🎬
2025/10/10
الفصل 17: اللقطة السابعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 18: اللقطة الثامنة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 19: اللقطة التاسعة عشر🎬
2025/10/15
الفصل 20: اللقطة العشرون🎬
2025/10/15
الفصل 21: اللقطة الحادية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 22: اللقطة الثانية والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 23: اللقطة الثالثة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 24: اللقطة الرابعة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 25: اللقطة الخامسة والعشرون🎬
2025/10/15
الفصل 26: 📼(الخاتمة) to stop📼
2025/10/15

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة