لم يكن فجر ذلك اليوم عاديًا في المدينة التي أنهكها الخوف.
السماء ملبّدة، وكأنها تحمل في طياتها ما هو أكثر من المطر.
في مقرّ التحقيق، كانت الوجوه مرهقة، القهوة باردة، والخرائط معلّقة على الجدران مثل جروح مفتوحة.
لكن وسط هذا الصخب، كان صوت العقيد نادر السالم حادًا كحدّ السكين.
قال وهو يشير إلى لوحة ضخمة امتلأت بالصور والخطوط المتقاطعة:
– "القاتل لم يعد لغزًا. لدينا الاسم، الملامح، السجل. رائد المنذر… صحفي سابق، مريض نفسي مُفرج عنه قبل سبع سنوات. لكن الأهم… أنه ذكي. لا يتحرك عبثًا."
رفع أحد الضباط يده بتردد:
– "سيدي، هل تعتقد أنه ما زال في المدينة؟"
أجابه نادر بثقة باردة:
– "هو لم يهرب منها يومًا… المدينة بالنسبة له ليست مكانًا، بل ساحة مسرح، وكلنا جزء من العرض."
...
في تلك الأثناء، كان رائد يجلس داخل غرفة مهجورة على أطراف المدينة،
النافذة مغطاة بستارة سوداء، والهواء مشبع برائحة الرطوبة.
على الطاولة أمامه خرائط مطبوعة وصور لضحاياه السابقين،
وإلى جانبها قصاصات من الصحف تتحدث عن “المجرم الغريب”.
قرأ إحداها بتمعّن، ثم تمتم ساخرًا:
– "لقد صنعوا مني أسطورة… ولم يعلموا بعد أن الأساطير لا تموت بسهولة."
في زاوية الغرفة كانت كاميرته القديمة موضوعة بعناية،
عدستها مصوبة نحو الجدار المقابل حيث علّق صورًا عديدة…
لكن هذه المرة، كانت الصور مختلفة.
وجوه مألوفة، ضباط شرطة، صحفيون، بل وحتى صورة قديمة للعقيد نادر نفسه.
نظر إليها رائد طويلًا، ثم رسم ابتسامة باردة وقال:
– "يبدو أن الدور قادم عليك، أيها العقيد."
...
وفي المساء، اجتمع نادر بفريقه في قاعة ضيقة تحت ضوء خافت.
كانت لديهم خطة جديدة:
نصب كمين إلكتروني، تتبع الإشارات الرقمية لأي تسجيل أو إرسال مرتبط بكاميرات المجرم.
قال نادر وهو يرسم دائرة على اللوح:
– "رائد يحب أن يوثّق كل شيء. الجريمة بالنسبة له ليست قتلًا… بل رواية تُروى بعدسة.
سننتظر لحظة غروره القادمة، وسنغلق القصة عليه."
لكن رائد، في تلك الليلة ذاتها، كان قد شعر بالنبض الخفي في الشباك.
حدسه الذي نجا به طوال هذه السنوات لم يخيّبه.
جلس أمام حاسوبه القديم، ورأى محاولات الاختراق في شاشته.
ضحك بهدوء وقال لنفسه:
– "يظنون أني فريسة؟ لقد نسوا أني كنت صيادًا للحقائق قبل أن أصبح صائدًا للأرواح."
...
مرت أيام قليلة، ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
في أحد الأحياء الغنية، وُجدت جثة جديدة…
لكن هذه المرة لم تكن مثل سابقاتها.
الورقة التي وُجدت بجانبها لم تحمل جملة عن الجوع،
بل سطرًا واحدًا فقط:
"العدالة تُراقب من الظلال."
كان الضحية هذه المرة صحفيًا شهيرًا عرف بدفاعه الشرس عن الحكومة.
وهنا انقلبت الموازين؛ فالجريمة لم تعد مجرد قضية جنائية،
بل تحولت إلى قضية رأي عام تشعل الشوارع ووسائل الإعلام.
تدفقت الجموع في الشوارع، البعض يلعن القاتل، والبعض الآخر يراه بطلاً يثأر من الفساد.
ورائد كان يشاهد كل هذا من شاشة صغيرة في غرفة مهجورة،
وجهه نصفه مضاء بنور الشاشة ونصفه غارق في الظلام.
قال بابتسامة مائلة:
– "ها قد عادوا يتحدثون باسمي… كأنهم ينسون أنني أنا من كتب هذا الفصل."
...
في مركز التحقيق، كان نادر يستمع إلى أحد المحققين الذي دخل مسرعًا:
– "سيدي، وجدنا بصمة جديدة في مسرح الجريمة… إنها مطابقة لبصمات رائد، لا شك في ذلك."
أغلق نادر الملف وقال:
– "إذن هو يرسل لنا رسالة. يريدنا أن نعرف أنه ما زال هنا، يراقبنا… يلعب معنا."
ثم أضاف وهو يحدق في الصورة الممزقة لوجه رائد على اللوحة:
– "لكن اللعبة اقتربت من نهايتها يا رائد، حتى الذئاب تتعب من الركض."
...
وفي منتصف الليل،
بينما كانت الشرطة تراقب الأحياء المشبوهة،
تسلّل رائد إلى مقر صحيفة قديمة أُغلقت منذ سنوات،
هي ذاتها التي بدأ فيها حياته الصحفية.
جلس خلف المكتب الصدئ،
أخرج دفترًا صغيرًا وكتب فيه بخطّ متعرّج:
"كنت أكتب بالحبر… الآن أكتب بالدم.
في النهاية، الكلمة والطلقة وجهان لحقيقة واحدة."
ثم وضع الدفتر في درجٍ سري،
وأشعل سيجارة بيد مرتجفة،
وعندما أطلّ من النافذة، لمح في الشارع البعيد سيارة شرطة تتوقف للحظة.
ابتسم وقال:
– "أحسنتم… اقتربتم كثيرًا، لكن ليس كفاية."
...
وفي مركز التحقيق، تلقّى نادر اتصالاً عاجلاً:
– "سيدي! لقد التقطنا حركة رقمية مصدرها من مبنى صحيفة (النهار القديمة)!"
نهض نادر بسرعة، أمسك معطفه وقال بصوتٍ حازم:
– "أخبروا الفرق أن تتحرك فورًا، لا نريده أن يختفي هذه المرة."
لكن حين وصلت القوة إلى هناك…
كانت الغرفة خالية.
الكرسيّ يدور ببطء، والسيجارة ما تزال مشتعلة على طرف الطاولة.
أما على الجدار، فكانت هناك كلمات كتبت بالدم:
"من يطارد الظل… يضيع في العتمة."
...
تراجع نادر بخطوات بطيئة، نظر إلى الجدار،
ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنه يحدّث شبحًا يعرفه منذ زمن:
– "انتهت مرحلة الصيد، يا رائد… والآن تبدأ مرحلة النهاية."
وفي الخارج، كانت صافرات الشرطة تملأ الشوارع،
بينما رائد يسير بهدوء وسط الزحام، دون أن يلتفت،
يحمل حقيبته الصغيرة على كتفه،
وفي عينيه بريقٌ غامض يقول:
"كل نهاية… ما هي إلا بداية لحكاية جديدة."
Lemar hamadi